أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاتف بشبوش - محمد حياوي ..في خان الشابندر(3)....















المزيد.....

محمد حياوي ..في خان الشابندر(3)....


هاتف بشبوش

الحوار المتمدن-العدد: 5559 - 2017 / 6 / 22 - 13:59
المحور: الادب والفن
    



محمد حياوي ..في خان الشابندر(3)....
في شقة الصحفي (علي) الصغيرة في الكرادة تتردد عليه نيفين صديقته التي أرسلتها الجريدة التي يعمل بها للأعتناء به، ونيفين هذه مثال للمرأة العراقية المتحضرة أيام السبعينيات بعكس الحاضر الذي يشهد تردياً في جميع أحوال المرأة. نيفين هذه رسامة وعازفة وعاشقة للطيور وصحفية. وهي الأخرى تتحطم تحت ثقل مآسي العراق حيث يسافر زوجها الى استراليا مع ولدهما وتبقى تعتني بأمها المسنة. وهنا نيفين مثال أراد به الروائي إيصال رسالة عن المرأة العراقية وتضحيتها وما أصابها من ويلات، فهي الثكلى دائما في وطنٍ جل تأريخه عبارة عن طغاة ودم وأغاني حزينة بكائية حد اللعنة. نيفين تنصح الصحفي صديقها في أن يأخذ الحذر حين يذهب في الطرقات لما في العراق من تفجير وقتل على الهوية وسلب ونهب واختطاف، فهي المرأة التي ما زالت تحمل خصال سيدوري صاحبة الحانة التي نصحت كلكامش في الخلود وماذا يتوجب عليه أن يفعل، ولذلك نيفين كانت تعلق لوحة في شقتها لسيدوري، وهذا ما اراده الروائي من أن المرأة هي سيدوري وما زالت تحمل في دواخلها الحب للرجل وإبداء النصح منذ ذلك الوقت السومري حتى اليوم رغم الدمار والقتل لكن الإخصاب معادل للموت، هناك موت وهنا ولادة، وهكذا هذه المعادلة العجيبة الغريبة التي تبقي على نسل البشرية في الحياة من عدم الإنقراض رغم الحروب والويلات والأمراض والفيضانات، والذي يتصور حال العراق اليوم وهول أرقام القتل والموتى فيه لسرحت به الشكوك من ان العراق في طور الإنقراض، لكنه الباقي رغم الموت القاهر والجبار، ربما هي قدرة الكائن البشري على غريزة البقاء والنسل والتكاثر، فبقدر الموت والتفجيرات التي تحصد الآلاف خارج أسوار البيوت نجد هناك من يتضاجع ويصنع القبل والأيلاج والتنهيد والإنتشاء في داخل البيوت كما يحصل في بيت الدعارة لأم صبيح أو في البيوت العادية للبشر لكي يتناسل ويبقى يتحدى الموت بشكلٍ آخر.
نيفين مسيحية وهنا اشارة من الروائي إلى أن المجتمع العراقي متعايش بكل طوائفه فهاهو الصحفي المسلم مع المسيحية دون أي فارق يذكر من ناحية الدين. وفي الصباح يروي لنا كيف يتناول فطوره مع نيفين وهي تغني لفيروز، إذن ما زال الفن يصدح والحب يرفع رايته في العراق مهما حاول الأوغاد طمس الحقائق.
الصحفي أثناء تجواله في بغداد يتعرف إلى الطفلة زينب التي تبيع الكعك لتعيل أخوانها اليتامى بينما سياسيونا غارقون في السرقات والقتل. وأثناء الحديث تخبره عن الطنطل في البيوت المهجورة وهذه إشارة أخرى من الروائي من انّ الشعوب ما زالت ترزح تحت ظلام الجهل والأساطير لنقرأ أدناه ماذا تقول الطفلة:
(ـ عمو.. أنته تصدك بالطناطل؟.. ـ نعم أصدك.. فأشارت إلى بيت قديم بدا مهجوراً.. ـ هذا البيت يكولون مسكون.. بيه طنطل يطلع بس بالليل ويقطع الزقاق على المارّة.. بس يكولون يطلع بهيأة مره عجوز..) .
نعم هناك من يؤمن بالطنطل لغاية السبعينيات كنا نرتاد الحمامات المشتركة في السماوة وكان لاعب كرة القدم الشهير في السماوة (شاكر الأسود) يستحم وهو طويل القامة ولا زال حي يرزق.. والحمام بخاري كثيف بحيث لايستطيع المرء أن يرى بوضوح، فرآه أحدهم من الذين يستحمون فراح يصرخ (إبرة وخيط إبرة وخيط) ثم خرّ صريعا مغشيا عليه، مما حدا بالناس الآخرين القريبين منه أن يقدموا له المساعدة ويغسلوا وجههه بالماء البارد كي يستفيق وكان من ضمن المساعدين الذي عمل له تدليك بسيط كي ينهض هو شاكر الأسود نفسه، فاستفاق الرجل بالفعل.. وحين فتح عينيه رآى شاكر الأسود يربت على كتفه وعلى خديه فصرخ مرة أخرى (إبرة وخيط إبرة وخيط) وهكذا الحال مرة أو مرتين حتى تدارك الآخرون من أن هذا الشخص تراءى له بين بخار الحمام شاكر الأسود على هيئة طنطل وسابقا كلمة (إبرة وخيط) تشير الى طرد شر الطنطل، مما حدا بأحدهم أن يقول لشاكر الأسود، أنت السبب في إغماء هذا الرجل، تنحى انت جانبا وابعد وجهك عنه فلسوف يستفيق بدون خوف. وفعلا إبتعد شاكر واستفاق الرجل، وفي إستراحة الحمام جاءه شاكر وقال له حجي أنا الطنطل الذي تراءى لك قبل دقائق، فضحك الآخرون جميعا وأصبحت هذه الإضحوكة تتردد على السنة أهالي السماوة بشهودها الباقين على قيد الحياة حتى اليوم.
الصحفي (علي) رغم تحفظه في عدم ممارسة الجنس مع إحداهن يقع في حبائلهن حيث تغويه ضوية ثم هند لمافيه من رجولة وشهامة تحبها النساء فتؤهله هذه الخصال أن يكون محبوبا معشوقا عكس أولئك الذين لاي حترمون المرأة ولايعطوها ميزة تذكر (انّ من الاغراءات الكبيرة ان تكون معشوقا... واذا كانت الروح سخية فمن السهل اغراؤها... راسين).
علي هم بالرحيل من الماخور لكن أم صبيح منعته لأن جماعة ملا جليل قطعوا الأزقة والدرابين واحتمال نشوب مواجهات اليوم فهناك خطر عليه، لكن علي يسألهن، وأنتنّ، أليس ثمة خطر عليكنّ؟..ـ نحن؟ لا.. لا تقلق.. أم صبيح تدفع دائماً لجماعة ملا جليل.. وأحياناً ترغم الفتيات على استقبال رجاله ـ لكن مَن ملا جليل هذا؟.. ومن يحارب؟ وماذا يريد؟....ـ لآ أدري صدقني تقول هند.. ثمة مجاميع مسلحة كثيرة تتصارع على مناطق النفوذ هنا..).

حتى بيوت الدعارة لم تسلم من سرقات هؤلاء السفلة سياسيو الصدفة، حيث الرجل الملتحي ملاّ جليل (الحقير وليس الجليل)، يمر عليهن لغرض التمتع مع إحداهن فيختار إحداهن ويقرأ عليها مايتوجب لزواج المتعة. أي دين هذا وأي زيف. لننظر ما قاله الملا الجليل لأحداهن وهو يتزوجها:
(حسناً رددي ورائي.. زوجتك نفسي أنا العاقلة الراشدة لوصة بنت مجر على مهر معجل قدره دينار واحد ومهر مؤخر قدره عشرة دنانير.. فرددت وراءه.. قال الآن أصبحت حلالي هيا أخلعي ثيابك.. فخلعت ثيابها.. أما هو فاكتفى برفع جلبابه إلى الأعلى ونام فوقها.. تقول لوصة.. ما أن لامس عضوه فخذيّ حتى أطلق شخيراً طويلاً ونهض معيداً جلبابه.. وقبل أن يخرج قال لها أنت طالق بالثلاثة يا لوصة بنت مجر وخرج.. فنادت وراءه الملعونة.. والمؤخر يا شيخ؟..) .

تنتقل بنا الرواية الى فصل الحب والآيروتيك الذي يدور بين علي الفتى المثقف وهند إبنة الماخور ولكنها مدرسة الجغرافية العفيفة أيام زمان فتنشأ بينهما علاقة حميمية بلاتعقيد. والكاتب هنا ليس اعتباطا ان يكتب عن مشاهد الآيروتيكيك وسط زحمة الموت والعنف اللذين يمر بهما العراق حيث تنتقل بنا الكاميرا الروائية بين الحين والآخر الى مظاهر الدمار والقنابل. ولذلك فأن محمد حياوي يجسد ماقاله العالم النفسي الشهير (سيغموند فرويد) حين يقول (انّ الآيروس Eros هو تجسيد للحب كما وان الكلمة تطلق على غريزة الحياة مقابل غريزة الموت وهما غير منفصلتين عن بعضهما بالنسبة اليه) لنقرأ أدناه عن الإغراء والجنس حيث أبدع فيهما الروائي وصفا وامتاعاً للقارئ:
(ما زلت أذكر حتى الآن كيف أغلقت (هند) الباب ذا الظلفتين، كيف جعلت فستانها الأسود ينزلق ببطء عن أكتافها ليعلق قليلاً في منحنى الخاصرة قبل أن يواصل انزلاقه الباهر عن ردفيها الصقيلين، وقبل أن تضع شفتيها فوق شفتيّ بفم مفتوح، تلك اللحظة بالتحديد، حين امتد لسانها الطويل متقلباً مثل أفعى ساحرة في فمي شعرت بخدر يسري بجسدي.أعتقدت أوّل الأمر أن تلك القبلة ستكون كسابقاتها، حين تمتص نفساً عميقاً من دخان سيكارتها وتضع فمها فوق فمي لنتبادل الدخان، هي تمتصه وأنا أطلقه في فضاء الغرفة نصف المعتمة، لكن سيكارتها ظلت تستعر، بينما سلبت القبلة روحي واشعلتها. همست بخبث وهي تبعد غرتها عن حاجبها الطويل، بينما كانت السماء في الخارج تمطر قذائفاً ورصاص).
هند وفي لحظات البوح وبينما هي في أحضان علي تروي له ماجرى لها من ظلم وهي ذارفة دموعها بحرقة والم شديدين لنقرأ موجز ألمها:
متزوجة ولديها ابنتها سارة الصغيرة، وفي الإنتفاضة الشعبية تمرض إبنتها سارة وينقلونها الى بغداد لغرض العلاج لكن الحرس الجمهوري يجهز على بعض القادمين من الجنوب ويعدمهم جماعيا في ساقية للبزل فيموت زوجها وتنجو هي مع ابنتها. تعود الى الناصرية وترجع لمهنتها كمدرسة جغرافية لكنها تفكربالانتقام لموت زوجها حتى قيام الحرب في العام 2003 عملت كمترجمة في وحدات الجيش النيوزيلندي مع السيرجنت الصغير مارك الذي وعدها بترتيب لجوء لأبنتها سارة هناك. وحينما غادر الجيش الناصرية جاءت الميليشيات لتقتلها لعملها مع المحتل لكنها تنجو بأعجوبة. ابنتها سارة تأخذها أخت هند الى السرجنت لغرض اللجوء، وحين عودتها الى الناصرية تقتل، ثم هند يحرم عليها الدخول الى الناصرية مرة أخرى. فانتهى بها الحال ان تلجأ الى الدعارة لتعيل نفسها في بيت أم صبيح الماخور الكائن في خان الشابندر ولا تعرف ماهو مصير إبنتها.
لو ننظر الى واقع المرأة العراقية فهي أصابها الضرر من الطرفين من جلاوزة صدام حيث قتلوا زوجها ومن المليشيات الشيعية التي جعلت منها إمرأة عاهرة تعتاش على بيع جسدها في خان الشابندر بعدما كانت معززة مكرمة في الناصرية كمدرسة جغرافية، فأي عراق هذا وأي دين؟.
يخرج علي من الماخور على أمل العودة مرة أخرى، وبالفعل يعود بعد يوم او يومين مع نيفين صديقته لغرض تعريفها بحال هذا الماخور والنساء اللواتي فيه، فلم يعثر عليه، حتى إضطرّ أن يذهب الى (مجر) الشيخ العجوز الذي هو الآخر قسى عليه الزمن كما يبدو في شيخوخته فاستطاع أن يدلّه على الماخور ولكنه وجده خربة وأنقاض بلاروح ولا نساء ولاعهر ولا أغاني ولا نشيد ولا عري ولا مضاجعة ولا تنهيد ولا اغراء ولا أحلام ولا أي شيء يذكر. فروى لهم (مجر) كيف تهدّم المنزل المتهالك أساساً نتيجة قصف الهاونات في تلك الليلة، فإنحشر الجميع فوق بعضهم البعض في غرفة صغيرة بالقرب من الماخور المهدّم، وعندما دخل المسلحون يحملون سكاكيناً ضخمة وبلطات، لم يصرخن أو يتوسلن، فقتلوهنّ جميعا، وحصل الذي حصل وياما في بيوت العهر مظاليم. لكن المطر أخذ بالهطول فجأة وراح يغسل بقايا الدم ويخلف عشرات السواقي السود الدقيقة وبهذا تنتهي احلام البنات مع الموت الهادر في ارض كلها عنف وقتل. تنتهي الشهوات التي كانت تباع هنا وفوق هذه الارض التي عاث بها المجرمون وقتلوا نساءاً بريئات لا يحملن سلاحا سوى ضيمهن وقسوة العالم التي لا تطاق بحقهن مع الموت الذي لا يفارق العراق منذ القدم، وآخرها هذه الحرب الطائفية التي ما زال أواراها مشتعلا لاينطفيء.
وفي النهاية أستطيع القول انّ محمد حياوي إستطاع ان يجسد لنا الغواية التي أنشدها أدوارد يونغ (عندما يأتي الليل يوشك الملحد أن يستسلم لغواية الإيمان بالله)، وسط بلدٍ يتحارب فيه المؤمنون بالله ورسوله من أجل إرضاء الكفرة المارقين والمحتلّين أعداء الشعوب والإنسانية.

هــاتف بشبـوش/عراق ـ دنمارك





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,654,442
- موسيقى القطِّ والفأر.... Katten & Musen
- نساء (17)....
- باقرعبد الملك ..إستشهادُّ شيوعيُّ ورياضي
- محمد حياوي..في خان الشابندر (1)......
- نساء (16)...
- لؤي عمران ...كي لايعود دكتاتورُّ ثانية ً( 3).........
- نصوص قصيرة (16)
- لؤي عمران ...كي لايعود دكتاتورُّ ثانية ً( 2).........
- نساء (15)..نحيبُ إمراة
- لؤي عمران ...كي لايعود دكتاتورُّ ثانية ً( 1).........
- نصوص قصيرة (15)
- أنمار رحمة الله ....وإسألهم عن القرية(3) ....
- لوليتا البربريةُّ
- نساء( 14) ....
- أنمار رحمة الله ....وإسألهم عن القرية(2) ....
- نمار رحمة الله ... و اسألهُم عن القرية(1)....
- نساءُّ في فالنتاين (13)....
- نساءُّ في فالنتاينِ (12)...
- المغربُ العربي الجميل
- نساءٌ وكذبٌ جميل (11)...


المزيد.....




- فنان مبدع يرسم بحذائه وجه نيمار -مقلوبا- (فيديو)
- صدر حديثا : الصراع العربي الاسرائيلي في أدب الأطفال المحلي ...
- أنزور ينفي ما يتم تداوله عن تعرضه للضرب على خلفية -دم النخل- ...
- مبدعون خالدون.. معرض لرواد الفن التشكيلي المصري المعاصر
- دراما الفنان والمقاول محمد علي مستمرة... والرئيس المصري يرد ...
- بالفيديو.. النمل الأبيض يدفع فنانة كويتية لتحويل منزلها إلى ...
- أول تغريدة للحلاني بعد نجاته من الموت بأعجوبة
- فنان مبدع يرسم بحذائه وجه نيمار -مقلوبا- (فيديو)
- صور مؤثرة تجمع عادل إمام وشريهان وحسين فهمي وغيرهم من أبرز ن ...
- الفنان المصري أحمد مالك يستكشف الذهب في هوليود


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاتف بشبوش - محمد حياوي ..في خان الشابندر(3)....