أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - السيد نصر الدين السيد - الفتوحات المدنية لابن الانسان















المزيد.....

الفتوحات المدنية لابن الانسان


السيد نصر الدين السيد
الحوار المتمدن-العدد: 5496 - 2017 / 4 / 19 - 20:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ"
(سورة الذاريات: 55)

"وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ"
(مت 24: 30)

شهد القرن العشرين مجموعة من التحولات الجذرية الكبرى التي عملت مجتمعة على نقل الجنس البشرى نقلة هائلة بما أحدثته من آثار بعيدة المدى على المجتمع البشرى بمختلف مكوناته الاقتصادية والسياسية والثقافية لتمهد بذلك الطريق لما نشهده الأن في مطلع القرن الواحد والعشرين. وهي نقلة يصفها عالم الاجتماع الأمريكي لورنس سوم من جامعة ويسكونسن قائلا: "ﺇننا نمر بفترة تحول تماثل في جذريتها تلك الفترة التي مر بها أسلاف الإنسان في تطورهم من كائنات بحرية إلى كائنات برية، وأولئك القادرون على التكيف سيكتب لهم البقاء، أما الآخرون فاما أن يعيشوا في المستويات الدنيا أو أن ينقرضوا أو أن يدركهم الفناء".

ﺇنها التحولات التي شكلت، وما زالت تشكل، "مجتمع حضارة الألف الثالثة" الذى بتنا نعيش ملامحه بشتى صورها وأشكالها. فهي قد تكون على صورة منتج مادي، كالكمبيوتر والتكنولوجيات المرتبطة به والمنتجات المرتكزة على ﺇاستخداماته، أو على صورة صناعة جديدة تقوم على الهندسة الجينية وتكنولوجيات معالجة المادة الحية. وهي قد تتجسد في إعادة هرم الأهمية والمكانة النسبية لأفراد وجماعات المجتمع أو في ظهور بنى مؤسسية جديدة. وهي قد تظهر على هيئة منتج معنوي كرؤية مستحدثة لظاهرة إنسانيه أو طبيعية، أو كاتجاه فني أو مدرسه نقدية، أو كنسق قيمي جديد. ولم تكن هذه التحولات في حقيقة أمرها إلا تجليات لثقافة جديدة أسهمت وتسهم في تشكيلها كل من ﺇاكتشافات الإنسان في "العالم الطبيعي" بظواهره المختلفة وبما يحتويه من مادة جامدة وحية، ومن إنجازاته في "العالم المصنوع" التي أسفرت عن تكنولوجيات غير مسبوقة في وظائفها وفى طبيعة ما تتعامل معه من مواد، وأخيرا من فتوحاته في "العالم المعقول" التي راجعت رؤى ومفاهيم كانت قد استقرت وأوشكت أن تصبح من المسلمات.

وهكذا نجد أنفسنا، أفرادا ومجتمعات، أمام تحد لا بديل عن الاستجابة لمقتضياته ﺇلا الانقراض أمة وأفراد، ﺇذ تتجاوز قضية وبقاء مجتمع ما مجرد استيراد تقنية جديدة أو ترجمة كتاب أو ورقة بحثية أو تبنى مدرسة نقدية أو التعرف على ﺇتجاه فني أو الانقياد لنهج فكرى، تتجاوز هذا كله الى ضرورة فهم معنى ومغزى المنتج الحضاري أو الثقافي أيا كان شكله، ماديا كان أم معنويا، في سياق اللحظة التاريخية والظروف المجتمعية التي أنتجته. وهذا الفهم هو شرط الاستيعاب الخلاق الذي يؤدى بدوره ﺇلى القدرة على التكيف ويدفع بالمجتمع الذي يستورده ﺇلى تجاوز مرحلة الاستهلاك والتبعية ﺇلا مرحلة اﻹبداع الأصيل والاسهام الفعال في تطور المجتمع البشرى ككل. وبهذا تصبح قضية الوعي بالمضمون الثقافي لمنتجات تلك الحضارة، حضارة الألف الثالثة، والتبصير به فرض عين لا فرض كفاية على مفكري أي مجتمع ومثقفيه ﺇن أرادوا له البقاء في العالم الجديد.

فتوحات العالم الطبيعي
شهد النصف الأول من القرن العشرين، على صعيد العالم الطبيعي بما يحتويه من مادة جامدة، "حركة كشوف كونية" ماثلت في أثارها ما أحدثته "حركة الكشوف الجغرافية" في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. ولئن كانت الأخيرة قد وسعت من مدارك الإنسان عن الكوكب الذي يقطنه وعما يوجد على سطحه من مخلوقات، فان الأولى قد فعلت الشيء نفسه بالنسبة لمادة الكون الجامدة والحية وبالنسبة للحيز الذي نوجد فيه زمان كان أو مكان. فلقد كان ميلاد وتطور الفيزياء الحديثة في الثلث الأول من القرن العشرين بمثابة ثورة كاملة غيرت من مفاهيم الإنسان التي طال ﺇاستقرارها عن الواقع المحسوس والملموس الذي يعيش فيه. فرأيناها تسبر أغوار مادة الوجود فتكشف عن بنيتها وعن أحوالها في الكونين: "الكون الأصغر" Microcosms، بما يحتويه من ذرات وجسيمات أولية، و"الكون الأكبر" Macrocosms، بما يضمه من مجرات ومجموعات نجمية. ورأيناها تمد من نطاق ﺇدراك الإنسان للمكان وللزمان فأصبح بمقدوره التعامل مع ما يحدث في امكنة بالغة الصغر أو فائقة الكبر، وأن يرصد ظواهر طبيعية لا يدرك الحس دوامها وأخرى لا يتخيل العقل منتهاها.

وقد توالت في الثلث الثاني من القرن العشرين ﺇاكتشافات الإنسان في عالم المادة الحية فنجح في فك شفرة الحياة باكتشاف بنية لبنتها الأساسية، جزئ الـ "د نا" DNA وبتعرفه على آليات إنتاجه لنفسه. وولد علم البيولوجيا الجزيئية Molecular Biology ليحدث ثورة في مفاهيم الإنسان عن المادة الحية شبيهة بتلك التي فعلها علم الفيزياء الحديثة في عالم المادة الجامدة.

أما الثلث الأخير فقه حملت لنا بداياته أنباء ﺇكتشاف ظواهر "الانتظام الذاتي" Self- organization في كل من عالمي المادة الجامدة والمادة الحية التي كشفت عن آليات تخلق الانتظام من الفوضى وبزوغ التعقد من البساطة. كما بينت هذه الظواهر تشابه سلوك منظومات كلا العالمين وكشفت عن الكثير من القوانين العامة التي تحكم سلوك كل من الموجودات الحية وغير الحية.

فتوحات العالم المصنوع
لقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين، على مستوى "العالم المصنوع"، ثلاث ثورات تكنولوجية تركت أولاهما أثارهما الجذرية على المجتمع الإنساني ومازالتا تفعلا فعلهما، أما ثالثتهما فحتى وهي في مرحلتها الجنينية باتت آثارها في التبلور والظهور.

والثورة التكنولوجية الأولى هي ثورة "تكنولوجيا المعلومات" Information Technology، أو "الثورة الرقمية" Digital، أقدم الثورات نشأة وأسرعها تطورا وأكثرها تغلغلا وتأثيرا في حياة الإنسان. وقد شهدت هذه الثورة مرحلتان فارقتان في تاريخ تطورها. المرحلة الأولى هي مرحلة الـ "رقمنه" Digitization أو تمثيل أي شيء يقابله الإنسان في الواقع الفعلي ويهتم به على هيئة رقمية. وهي الهيئة التي يمكن اختزانها في ذاكرة "الكومبيوتر"، الذي يعتبر الآلة الرئيسية والمحورية لتكنولوجيا المعلومات والتي يمكنها التعامل تحديثا وتبديلا مع كل ما هو مختزن في ذاكرته. وهكذا أنشأت تكنولوجيا المعلومات من خلال آلتها المحورية الكومبيوتر "واقعا رقميا" موازيا للواقع الفعلي الذي يعيش فيه الإنسان. وكانت المرحلة الثانية لثورة تكنولوجيا المعلومات هي مرحلة دعم "التواصل" الإنساني التي تحققت بدمج كلا من تكنولوجيات الكمبيوتر مع تكنولوجيات الاتصالات في منظومة واحدة هي منظومة "تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ت م إ)". وهي المنظومة التي مكنت بنى البشر من التواصل مع بعضهم البعض أيا كان مكانهم على سطح الكرة الأرضية وأيا كانت فروق التوقيت التي تفصل بينهم. وهكذا قلصت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجغرافيا الى نقطة وحولت فضاءها الفيزيائي ﺇلي "فضاء ذهني" تترابط أنحاؤه ﺇإلكترونيا وتنعدم فيه المسافات. كما أسهمت تكنولوجيا المعلومات، وآلتها الرئيسية الكمبيوتر بمادتها الأولية ومنتجها الرئيسي المتمثل في المعرفة بشتى أنواعهما وبمختلف طرق تمثيلهما أو تبادلهما، في تعظيم القدرات العقلية للإنسان.

أما الثورة التكنولوجية الثانية فهي ثورة "التكنولوجيا الحيوية" Biotechnology أو "الهندسة الوراثية" Genetic Engineering التي منحت الإنسان القدرة على تغيير الصفات الوراثية للمادة الحية الموجودة على كوكب الأرض بشتى صورها بدءا من النبات وإنتهاءا بالإنسان نفسه. وكانت نقطة الانطلاق لهذه الثورة هي اكتشاف أسرار "المادة الوراثية" للكائنات الحية، أو تركيب جزئ الـ "دى إن إيه" DNA. وبانكشاف هذه الأسرار أصبح بمقدور الإنسان تخليق كائنات حية جديدة أو تعديل خصائص ما هو موجود منها. وإذا كانت ثورة تكنولوجيا المعلومات قد غيرت مما يقوم الإنسان بـ "فعله" فإن التكنولوجيا الحيوية قد منحته القدرة على تغيير "طبيعة" المخلوقات بما فيها طبيعته هو نفسه.

وأخيرا نأتي إلى الثورة الثالثة أحدث الثورات التكنولوجية نشأة ثورة "التكنولوجيا النانووية" Nanotechnology التي مازالت في مرحلتها الجنينية مرحلة البحوث والتطوير. وإذا كان الهدف الرئيسي للتكنولوجيا الحيوية هو "تغيير" المكونات الأساسية للمادة الحية المتمثلة في جزيئات الحمض الوراثي، أو جزئ الـ "دى إن إيه"، فإن هدف التكنولوجيا النانووية هو "تغيير" المكونات الأساسية للمادة غير الحية، الذرات والجزيئات، واستخدامها في بناء آلات متناهية الصغر. والـ "نانو"، أو "النانو متر" Nanometer هو وحدة لقياس الأطوال قدرها واحد على البليون من المتر. والنانو بالمقارنة مع المتر يماثل حجم بلاطة بالمقارنة مع حجم الكرة الأرضية وعلى سبيل المثال يبلغ قطر شعرة الإنسان 80,000 نانومتر. والموضوع الأساسي للتكنولوجيا النانووية هو كيفية التحكم في المادة غير الحية على مستوى الذرات والجزيئات، أي في نطاق تتراوح أبعاده ما بين 1 و100 نانومتر، وبناء آلات بالغة الصغر لا يتجاوز حجمها هذه الأبعاد.
فتوحات العالم المعقول
لقد شكلت كل من ﺇاكتشافات الإنسان في "العالم الطبيعي" وإنجازاته في “العالم المصنوع" “بنية أساسية" Infrastructure، مادية وذهنية، مكنت الإنسان من القيام بحركة مراجعة شاملة للمفاهيم التي ظلت تحكم نظرته لنفسه ولمجتمعه (الانسانيات)، وتسيطر على رؤيته لما يدود في الكون الذي يعيش فيه (الطبيعيات) على مدى الثلاثة قرون الأخيرة. وقد هيأت تلك البنية الأساسية البيئة الملائمة لبدء حركة فتوحات جديدة في العالم المعقول. فلقد ﺇكتشف الإنسان سذاجة منطق أرسطو بثنائيته الشهيرة ثنائية الصواب الخالص والخطأ الخالص، فكان (المنطق الجديد)، بنظمه المختلفة، وتبين قصور منهج التحليل والتجزئة فكانت "المنظوماتية" System Approach بعموم رؤاها وكلية نظرتها ﺇلى الأمور. ومن هذه الفتوحات العقلية وغيرها تشكلت العقلانية الجديدة لثقافة الحاضر المعاصر والمستقبل المنظور. وهكذا بدأت ملامح حضارة جديدة، حضارة مجتمع الألف الثالثة، في التشكل والظهور في العديد من المجتمعات، حضارة تقوم على "الموارد الذهنية والثقافية" التي يحوزها المجتمع، والمتمثلة في مجموع إبداعات أفراده في كافة المجالات العلمية والتقنية والأدبية والفنية، وفى ما يمتلكه من مؤسسات منتجة لهذه الإبداعات أو حافظه أو ناشرة لها، وفى منظومة القيم والذهنية العامة اللتين تهيئان سويا البيئة المعنوية المواتية لاستخدام هذه الإبداعات بكفاءة وفعالية. حضارة بحكم توجيهاتها "باراديم جديد" تتأكد فيه يوما بعد آخر "العولمة" Globalization و"وحدة مصير الإنسان"، ويحل فيه "التطور الخلاق" الذى تحكمه إرادة الإنسان ووعيه محل التطور الغشيم والعشوائي، وتتقارب فيه الثقافتان، "ثقافة الطبيعيات والتقنيات" بما تقدمه من رؤى عن العالم الطبيعي والعالم المصنوع، و"ثقافة الانسانيات" ما تحتويه من رؤى الإنسان لنفسه ولمجتمعه، وتتأصل من خلاله ديمقراطية جديدة تتجاوز آفاقها مجال السياسة إلى كافة مجالات المجتمع من تعليم وعمل وغيرها، وتتآكل فيها المركزية والتنظيمات الهرمية Hierarchy، ويتعاظم فيها دور مبادرات الأفراد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- والمثقفون يتبعهم الغاوون (عن المثقفون وعن أدوارهم)
- سلاح الغلابة
- مرافعة لم يطلبها أحد
- مذبحة الروبوتات
- جامعة المستقبل: الرؤية والرسالة
- نظرية ورقة النشاف
- المادة المضادة ومأساة انسان العقل المُغَيب
- الديموقراطية وجودتها المنشودة
- القيراط الخامس والعشرين
- أسطورة تجديد الخطاب
- أمة في أزمة
- حاوريني يا طيطة
- حكاية المنظومتين
- محاكمة الحضارات
- ومن التفكير ما قتل
- هذا ما جناه علينا ارسطو
- الكمبيوتر -بَوَظ الصنعة-
- العلم من جنة اليقين الى دنيا الاحتمالات
- مواطنين لا رعايا
- السياسي والأكاديمي: الحوار المفتَقد والحل المنتَظر


المزيد.....




- ترامب يتهم أوباما بإمكانية التواطؤ حول التدخل الروسي في الان ...
- أوباما يبدأ عطلة -الحنين- في إندونيسيا
- ميركل: سوريا ليست قرب الولايات المتحدة وإنما على عتباتنا
- هجمات عنيفة على ميركل تشعل الحملة الانتخابية في ألمانيا
- ترامب: المحيط الهندي سيشهد أكبر مناورات أمريكية هندية ياباني ...
- الناتو: التهديد الروسي يتزايد على جميع الجبهات
- شاهد: صلاة العيد في المغرب وإيران والهند
- الأولمبي العراقي يهزم نظيره السوري على ملعب كربلاء
- ما هي طقوس المصريين في العيد؟
- عيد -شمس-... فرحة -غائبة-!


المزيد.....

- رواية / مزرعة الجنرالات / عبدالنبي فرج
- رأس المال التنظيمي - بحث في إدارة الأعمال ودراسات الجدوى بال ... / تامر البطراوي
- الأوضاع الاجتماعية (الطبقية) في الضفة الغربية وقطاع غزة (199 ... / غازي الصوراني
- حول الإمبريالية وروسيا الإمبريالية 2-2 / سلامة كيلة
- فى ذكرى حرب العاشر من رمضان ( ملاحظات حول حرب أكتوبر 1973) / سعيد العليمى
- هل تصلح الرأسمالية الأمريكية .... نموذجا يحتذى .....؟؟ / علي الأسدي
- النجم الاحمر فوق الصين / بقلم ادغار سنو / الصوت الشيوعي
- العواقب: مذكرات محقق أمريكي / محمد الأزرقي
- في الترجمة ووحدة الوعي الإنساني / شاهر أحمد نصر
- ثمن الخيانة العظمى و تفكك الاتحاد السوفيتي / نجم الدليمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - السيد نصر الدين السيد - الفتوحات المدنية لابن الانسان