أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - الأسعد بنرحومة - النّظام الرأسمالي في تونس ...أزمة حكم - الجزء الثّاني -















المزيد.....


النّظام الرأسمالي في تونس ...أزمة حكم - الجزء الثّاني -


الأسعد بنرحومة

الحوار المتمدن-العدد: 5469 - 2017 / 3 / 23 - 16:57
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


النظام الرأسمالي لا يضمن الحاجات الأساسية للانسان:
ان ترقيعات النظام الديمقراطي الرأسمالي لاتضمن الحاجات الأساسية للانسان ,وهذه الترقيعات هي التي تسمى الضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية ,واشتراكية الدولة وكذلك الاشتراكية الحقيقية ومنها الاشتراكية الماركسية.ففي هذا النظام كان زيادة الدّخل هو الأساس في معالجة المشكلة الاقتصادية , ثم لما ظهر الفساد والظلم نتيجة تطبيق هذا النظام وضع منظّروه بعض الأحكام للعمال والموظفين والفقراء والمحرومين لتخفيف شيء من الظلم الواقع بهم وذلك من أجل تغطية فساده وفشله في رعاية شؤونالناس .فالضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية ليس أساسا في النظام ولا أمرا جوهريا فيه ,بل هي مجرد أحكام طارئة أدخلوها للترقيع.
وحتى اشتراكية الدولة فان الضمانة فيها هي معالجات الحالات التي يظهر فيها فساد النظام الرأسمالي في الملكية وأجور العمال وأرباح الرأسماليين وهي كذلك أحكاما طارئة هذا اذا افترضنا امكانية تطبيقها .
لذلك لا وجود لضمانة الحاجات الأساسية الا في الاسلام ,ذلك أن هذه الضمانة هي الأمر الأساسي في سياسته الاقتصادية ,والأمر الذي يتوقف على تحقيقه الموضوع الثاني من سياسة الاسلام الاقتصادية وهو تمكين كل فرد من اشباع حاجاته الكمالية .
فالسياسة الاقتصادية في الاسلام هي ضمان اشباع الحاجات الأساسية لجميع الناس فردا فردا اشباعا كليا ,وتمكين كل فرد منهم مناشباع حاجاته الكمالية على أكبر قدر مستطاع .

نظرة الاسلام الى الاقتصاد:

تختلف نظرة الإسلام إلى مادة الثروة عن نظرته إلى الانتفاع بها، وعنده أن الوسائل التي تعطي المنفعة شيء، وحيازة المنفعة شيء آخر. فالمال وجهد الإنسان هما مادة الثروة،وهما الوسائل التي تعطي المنفعة، ووضعهما في نظر الإسلام من حيث وجودهما في الحياةالدنيا، ومن حيث إنتاجهما يختلف عن وضع الانتفاع بهما، وعن كيفية حيازة هذه المنفعة. فهو قد تدخّل في الانتفاع بالثروة تدخلاً واضحاً، فحرَّم الانتفاع من بعض الأموال، كالخمر والميتة، كما حرَّم الانتفاع من بعض جهود الإنسان، كالرقص والبغاء، فحرَّم بيع ما حَرُم أكله من الأموال، وحرَّم إجارة ما حَرُم القيام بهمن الأعمال. هذا من حيث الانتفاع بالمال، وجهد الإنسان. أما من حيث كيفية حيازتهمافقد شرع أحكاماً متعددة لحيازة الثروة، كأحكام الصيد، وإحياء الموات، وكأحكام الإجارة والاستصناع، وكأحكام الإرث والهبة والوصية
هذابالنسبة للانتفاع بالثروة وكيفية حيازتها، أما بالنسبة لمادة الثروة من حيثإنتاجها، فإن الإسلام قد حث على إنتاجها، ورغّب فيه حين رغّب بالكسب بشكل عام، ولميتدخل ببيان كيفية زيادة الإنتاج، ومقدار ما ينتج، بل ترك ذلك للناس يحققونه كمايريدون. وأما من حيث وجودها فالمال موجود في الحياة الدنيا وجوداً طبيعياً، وخلقهالله سبحانه وتعالى مسخراً للإنسان، قال تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّافِي الأَرْضِ جَمِيعاًوقال: {اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِوقال: { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَافِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ "وقال: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىطَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا.فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا . وَعِنَبًا وَقَضْبًا . وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا.وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ" وقـال: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ"وقـال: { وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}. فبـيّن في هذه الآيات وما شابهها أنه خلق المال، وخلق جهد الإنسان،ولم يتعرض لشيء آخر يتعلق به، مما يدل على أنَّه لم يتدخل في مادة المال، ولا فيجهد الإنسان، سوى أنه بيَّن أنه خلقها لينتفع بها النّاس. وكذلك لم يتدخل في إنتاج الثروة، ولا يوجد نص شرعي يدل على أن الإسلام تدخل في إنتاج الثروة، بل على العكس منذلك نجد النصوص الشرعية تدل على أن الشرع ترك الأمر للناس في استخراج المال، وفيتحسين جهد الإنسان، فقد أخرج مسلم من طريق عائشة رضي الله عنها ومن طريق أنس رضيالله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في موضوع تأبير النخل: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» ورُوي أنه صلى الله عليه وسلم أرسل اثنين من المسلمين إلى جُرَش اليَمَنِ، يتعلمان صناعة الأسلحة. وهذا يدل على أن الشرع ترك أَمْـرَ إنتاج المالإلى النّاس، ينتجونه بحسب خبرتهم ومعرفتهم
وعلى هذا فإنّه تبين من ذلك أن الإسلام ينظر في النظام الاقتصادي، لا في علم الاقتصاد،ويجعل الانتفاع بالثروة، وكيفية حيازة هذه المنفعة موضوع بحثه، ولم يتعرض لإنتاج الثروة، ولا إلى وسائل المنفعة مطلقا
السياسةالاقتصادية
يعيش العالم الإسلامي بمجموعه أسوأ أوضاع اقتصادية، ويعود ذلك إلى طبيعة النظام الاقتصادي الذي يتحكم في العباد والذي يباشر حكام المسلمين تطبيقه بالغلبة والقهرواللف والدوران تنفيذاً لوجهة نظر المستعمر من فرض السياسة الاقتصادية التي يريدهاحتى يبقى هذا العالم الإسلامي تحت سيطرته ونفوذه وهيمنته، وحتى تربط أمريكاومثيلاتها من دول الاستعمار العالم الإسلامي بعجلتها وتبقيه سوقاً لبضاعتهاوأطماعها، أوجدت ما يسمى بالرأي العام عن التخطيط الاقتصادي وعن التنميةالاقتصادية، وروّجت لأفكار زيادة الإنتاج الأهلي وغيره من أفكار اشتراكية الدولةأو العدالة الاجتماعية، كما روّجت للكتب التي يصدرها الغرب عن الاقتصاد والتنميةالاقتصادية بغية جعل المسلمين يعتقدون أنه لا بد لهم من السير في مراحل حتى يصلوا إلى مرحلة التقدم الصناعي وغيره. إن أفكار زيادة الدخل الأهلي وجعلها أساساًللنظام الاقتصادي خطأ، وإن أفكار اشتراكية الدولة أو الاشتراكية الحقيقية خطأومخالف للواقع، كما أن أفكار العدالة الاجتماعية ظلم وإطالة لعمر النظام الرأسمالي
إنالسياسة الاقتصادية الثابتة لأي بلد مثل العالم الإسلامي إنما تنبثق عن الفكرةالكلية عن الكون والإنسان والحياة.. والبلاد الإسلامية لا يجديها رسم سياسةاقتصادية غير ثابتة، ولا يجديها رسم سياسة اقتصادية منبثقة عن غير الإسلام، بل لابد أن تكون سياستها الاقتصادية مبنية على أساس العقيدة الإسلامية (بمعنى أن تكونالسياسة الاقتصادية للعالم الإسلامي أحكاماً شرعية مستنبطة من الكتاب والسنّة أومما يرشد إليهما الكتاب والسنة".
والأساسفي سياسة الاقتصاد في الإسلام تقوم على النظرة إلى أربعة أمور هي:
-1-النظرة إلى كل فرد بعينه فهو فردي في إشباع الحاجات
-2-النظرة إلى إشباع الجوعات الأساسية إشباعاً كلياً حتىتُحفظ حياة كل فرد
3-النظرة إلى إباحة السعي للرزق والمساواة في الإباحة بين جميع أفراد الرعية وذلك لإفساح الطريق أمام كل منهم يأخذمن الثروة ما يشاء ليسير الناس نحو الرفاهية
4-النظرة إلى سيادة القيم الرفيعةعلى العلاقات القائمة بين الأفراد جميعاً
ومنهنا كانت سياسة الاقتصاد في الإسلام هي لمعالجة المشاكل الأساسية لكل فرد باعتباره إنساناً وتمكين كل فرد من رفع مستوى عيشه وتحقيق الرفاهية لنفسه باعتباره فرداً.فتعطي لكل فرد إمكانية الوصول إلى الرفاهية ويُترك له أن يأخذ من هذه الرفاهيةبالفعل النصيب الذي يشاء
فسياسةالاقتصاد في الإسلام هي بجعل القيم الرفيعة تسيطر على العلاقات القائمة بين الناس

وعلى هذا فإن سياسة الاقتصاد التي يجب أن توضع للعالم الإسلامي ليست زيادة الدخل الأهلي أو إيجاد ما يسمى بالعدالة الاجتماعية أو اشتراكية الدولة، وإنما سياساتها يجب أن تكون ضمان توزيع ثروة البلاد الداخلية والخارجية على جميع أفراد الأمّة بحيث يُضمن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية إشباعاً كلياً، ويُضمن تمكين كل فرد منهم من إشباع جميع حاجاته الكمالية على أكبر قدر مستطاع
غيرأنه لما كان توزيع الثروة يعني بيان كيفية حيازتها من مصادرها، فإن تنمية الثروة تأتي طبيعياً من هذه الكيفية للحيازة، فإن الكيفية التي تجري فيها حيازة الأرض مثلاً تؤدي طبيعياً إلى استغلالها وزيادة إنتاجها، وبناء على هذا فإن معالجة موضوعالاقتصاد في البلاد الإسلامية تكون على قسمين منفصلين عن بعضهما ولا علاقة لأحدهمابالآخر. أحدهما: السياسة الاقتصادية، وثانيهما: زيادة الثروة (التنمية الاقتصادية".
أمّاالسياسة الاقتصادية فإن معالجتها تكون في أمرين:
-1-الخطوط العريضة لمصادر الاقتصاد، 2-الخطوط العريضة لضمان الحاجات الأساسية
وأمّامعالجة زيادة الثروة فإنها موضوع آخر وهي لتكثير الثروة وليست لمعالجة الإنسان فتختلف من بلد لآخر، وتعالَج في بلاد الإسلام على أساس إيجاد زيادة في الإنتاج الزراعي مقترنة بثورة في الإنتاج الصناعي حتى تصبح الصناعة رأس الحربة في النموالاقتصادي، وهذا يعالَج في أربعة أبحاث هي:
-1-السياسة الزراعية، 2- السياسة الصناعية، 3- تمويلالمشاريع، 4- إيجاد أسواق خارجية

-1-السياسة الزراعية: وهي تقوم في الأصل على زيادة الإنتاجالزراعي وتسلك عادة طريقين
أحدهما:طريق التعميق بأن تجري المحاولات لزيادة إنتاج الأرض، وثانيهما: طريق التوسيع بأن تزداد المساحات التي تزرع
أ-أمّا التعميق فيحصل بانتشار الأساليب الحديثة بين المزارعين وباستعمال الموادالكيماوية، والعناية بتوفير البذار وتحسينه، وتعطي الدول المال اللازم للعاجزين هبة وليس قرضاً من أجل شراء ما يلزمهم من آلات وبذار ومواد كيماوية لزيادةالإنتاج، ثم تشجع القادرين على شراء ذلك تشجيعاً مؤثراً
ب-وأمّا التوسيع فيحصل بتشجيع إحياء الأرض الموات وتحجيرها، بإقطاع الدولة أراضٍ للقادرين على الزراعة ممن لا يملكون أرضاً أو ممن يملكون مساحات قليلة وذلك مماتحت يدها من الأراضي. وبأخذ الأرض مجبراً وعلى الفور مِن كل مَن يُهمل أرضه ثلاثسنوات متتالية
وبهذين الأمرين: التعميق والتوسيع تحصل زيادة الإنتاج الزراعي ويتحقق الأصل في السياسةالزراعية
غيرأن هناك أموراً فرعية في السياسة الزراعية تأتي بعد زيادة الإنتاج ألا وهي نوعيةالإنتاج وإلى جانب هذا أيضاً تقوم سياسة زيادة الثروة فيها على أساس التقدم المادي بالقيام بثورة صناعية إلى جانب
الثورةالزراعية على شرط أن تكون الصناعة هي رأس الحربة في التقدم. ولهذا كله لا بد أنتكون السياسة الزراعية مستهدِفة زيادة الإنتاج في ثلاثة أمور هي
أ-زيادة الإنتاج في المواد الغذائية، ذلك أن هذه المواد لازمة لإطعام المزيد من السكان ولإبعاد خطر المجاعة عن البلاد في حالة طرؤ قحط أو انحباس مطر أو في حالةحصار اقتصادي. ومن هنا يجب أن يُبذل الجهد لزيادة الإنتاج في حقل المواد الغذائيةسواء في الثروة الزراعية أو في الثروة الحيوانية
ب-زيادة الإنتاج في المواد اللازمة للكساء كالقطن والصوف والحرير، لأنه من الحاجاتالأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها حتى لا نشتريها من الخارج وحتى نبعد عنالناس خطر العري والحاجات إلى اللباس في حالة الحصار الاقتصادي
ج-زيادة الإنتاج في المواد التي لها أسواق خارج البلاد سواء كانت مواد غذائية أممواد للكساء أم غيرها كالحمضيات والتمور والفواكه والمعلبات وغير ذلك
هذامن حيث زيادة الانتاج.
أمّامن حيث مشاريع العمران من مثل السدود والأقنية والآبار الارتوازية وما شاكل ذلك،فإنه لا بد أن يقام بما هو ضروري منها ولا يمكن الاستغناء عنه، لأنه ليس المرادالقيام بثورة زراعية فقط بل المراد القيام بثورة صناعية والاعتناء بالثورةالزراعية عناية كافية لزيادة الإنتاج، لأن الهدف هو إيجاد التقدم المادي وهو لايكون إلاّ بالثورة الصناعية. فالبلاد الإسلامية بلاد متأخرة مادياً وهي تقوم علىالزراعة ولا تكاد توجد فيها صناعات، لهذا يجب أن يوجه الجهد إلى القيام بالثورةالصناعية ومخالفة خطط الدولة المستعمِرة في صرف البلاد الإسلامية للزراعة وتشجيعهاعليها لتعوقها عن التقدم الصناعي فتُبقيها ضعيفة في حاجة الغرب
ويجب أن يلاحَظ أن الحكم الشرعي يقول: ما كان مصرفه مستحَقاً على وجه المصلحة والإرفاقدون البدل ولا يَنال الأمّة ضرر من عدم وجوده فإن استحقاق الصرف له مقيد بالوجود دون العدم. أي إذا كان هناك مال لدى الدولة قامت به وإذا لم يوجد لديها مال لا يصحلها أن تفرض ضرائب من أجله ولا يصح أن تقترض ولو من رعاياها من أجل القيام به

2-السياسة الصناعية: يجب أن تقومالسياسة الصناعية على جعل البلاد بلاداً صناعية، ويُسلك إلى ذلك طريق واحد لا غيرهو إيجاد صناعة الآلات أولاً، ومنها توجَد بقية الصناعات. أي أن يباشَر أولاً وقبلكل شيء بإيجاد المصانع التي تصنع الآلات ثم بعد ذلك تؤخذ هذه الآلات وتُصنع فيهاباقي المصانع، ولا توجد طريق آخر لجعل البلاد بلاداً صناعية إلاّ بالبدء بصناعةالآلات أولاً قبل كل شيء. ثم عدم القيام بايجاد أي مصنع إلاّ عن الآلات المصنوعةفي البلاد..

أمّاالقول بأن صناعة الآلات تحتاج إلى وقت طويل ولا بد أن نبدأ بصناعة الحاجات الأساسية، فهو قول هراء، ودسيسة يراد منها تعويق صناعة الآلات وصرف البلاد إلى الصناعات الاستهلاكية حتى تظل سوقاً لمصانع الغرب والشرق. والقول إن صناعة الآلات يحتاج إلى إيجاد وسط صناعي من مهندسين وعمال فنيين وما شاكل ذلك هو قول مغالطةوتدليس، فدول العالم الصناعية لديها فائض من المهندسين والعمال الفنيين ويمكن استحضار المئات منهم في الحال حتى يتم إرسال المئات من أبناء المسلمين لتعلم صناعةالهندسة الثقيلة وهو سهل ميسور وفي متناول اليد. ولهذا لا يصح أن يُلتفت إلى أيشيء من الصناعات الاستهلاكية وأن يُحصر الاتجاه نحو إيجاد صناعة الآلات ليس غيرلتحقيق سياسة اقتصادية معينة هي جعل البلاد بلاداً صناعية، ومن أجل هذا لا بد منالبدء بإيجاد صناعة الآلات، وأن يكون هذا البدء ثورة صناعية وبشكل انقلابي لا عنطريق التدرج ولا بالانتظار حتى تقطع مسافات في الصناعة أو حتى تقطع مراحل وهميةتُرسم لنا لإعاقتنا عن السير والحيلولة بيننا وبين الثورة الصناعية
أمّاما عند المسلمين من صناعات استهلاكية فإنها لا تزال في بداية النشوء فتظل هذه كماهي ولا يسار فيها شوطاً أكبر ولا ينشأ غيرها، بل يجب التوقف عند حد ما هو موجودوتغيير الطريق تغييراً فجائياً وحصره بالاتجاه لإنشاء صناعة الآلات، مع الإبقاءعلى باب الاستيراد مفتوحاً حسب سياسة الاقتصاد في الإسلام وحتى يحصل الشراء منإنتاج آلاتنا.وحتى الصناعات التي تحتم السياسة الاقتصادية ملكية الدولة لها مثلصناعة استخراج الحديد وغيره فإن الدولة لا تشتري مصانع لاستخراج هذه المواد لأنهيشغلها عن إيجاد مصانع الآلات ويعوق الثورة الصناعية، بل تشتري الدولة الموادالخام حتى توجد مصانع الآلات أولاً ومنها توجد مصانع استخراج النفط والحديد وغيرهامع الإبقاء على المصانع الموجودة في البلاد دون توسع في ذلك حتى تقوم صناعة الآلاتعندنا.

3-تمويل المشاريع: لا شك أن السياسة الاقتصادية في الإسلام قد حددت المشاريع التي يجب أن تتولاها الدولة،وحددت المشاريع التي يتولاها الأفراد. فالسياسة الزراعية إنما هي مجال القطاع الخاص يتولاها الأفراد ولا مكان للقطاع العام فيها سوى إمداد المزارعين بالهبات وإنشاء المشاريع العمرانية لا المشاريع الإنتاجية، والسياسة الصناعية محصور مدى القطاع العام فيها بالصناعات التي تصنع ماهو داخل في الملكية العامة، وما عدا ذلك فهو مجال القطاع الخاص.
وهذهالمشاريع سواء ما كان منها في القطاع العام أو ما كان في القطاع الخاص تحتاج إلىأموال حتى تقوم، فمن أين تُموّل هذه المشاريع؟ والجواب على ذلك أنه بالنسبة للقطاع الخاص فإنه يُترك لكل فرد أو شركة أو جماعة أن تموّل مشاريعها بالأسلوب الذي تراهسواء بالقروض أو بغيرها من الطرق المشروعة. أمّا القطاع العام فإنه لا يصح له أنيموّل مشاريعه عن طريق القروض الأجنبية لأنها طريق للاستعمار والسيطرة وبسط النفوذوزيادة الفقر علاوة على أنها لا تؤخذ إلاّ بالربا وهو حرام، فلا بد أن تموّل مشاريعها ذاتياً من البلاد نفسها ولو بفرض الضرائب على الأمّة جبراً وبمقاديركافية لإحداث الثورة الصناعية، وحسبما يبينه الحكم الشرعي في الضرائب. ويمكن تمويلهذه المشاريع عن طريق التسهيلات الائتمانية لأنها من التجارة الخارجية، بشرط أنتُشترى الآلات بثمنها نسيئة ولو بقدر أكثر من ثمنها حالاً على أن يكون ذلك بمعاملةبيع لا بمعاملة ربا.

4-ايجاد الأسواق الخارجية:
إن تصريف الإنتاج من أهم الأمور التي تزيد ثروة البلاد. وقد عُنيَت الدول قديماًوحديثاً بإيجاد أسواق لمنتجاتها حتى قامت عظمة بعض الدول عن طريق حماية تجارتهاالخارجية وإيجاد أسواق لإنتاجها. فلا بد من العمل على إيجاد أسواق خارجية لإنتاجالعالم الإسلامي. إلاّ أنه يجب أن يُعلم أن إيجاد الأسواق لتسويق الإنتاج وحده ليسغاية وإنما هو هدف من الأهداف (مثل: الحصول على بضائع تلزم للثورة الصناعية أوالحصول على العملة الصعبة أو إمكانية إرسال أبناء المسلمين لتلقي التعليم اللازممن هندسة وطب وعلوم متقدمة"... الخ
وبناءعلى هذا تقوم سياسة إيجاد الأسواق الخارجية على أساس تجاري صناعي وليس على أساس تجاري فقط، فلا يجري الاهتمام كثيراً بالميزان التجاري مع أي بلد أو الاهتمام بالميزان التجاري العام مع جميع البلدان، بل يجوز أن تُجعل صادراتنا أكثر أومساوية أو أقل من وارداتنا على أن تتحقق السياسة الخارجية فتكون تجارية صناعيةسواء كان فيها الميزان التجاري لصالحنا أم لصالح غيرنا ما دام هذا العمل ييسر لناحمل رسالة الإسلام ونشر الهدى بين الناس. غير أنه ينبغي أن يلاحظ أن الأساس الذينسير عليه في تجارتنا يخالف الأساس الذي تسير عليه باقي الدول كلها. فالدول كلها الآنتسير على أساس منشأ البضاعة لا على أساس موطن التاجر، ونحن نسير على أساس رعويةالتاجر والمال وليس على أساس منشأ البضاعة. ولهذا لا بد من ملاحظة ذلك عند عقداتفاقات تجارية.
فتجارنا الذين هم من رعايانا يتاجرون من غيرهم على أساس الإباحة المطلقة وفي المواد التيلها قيمة شرعاً. لكن تجار رعايا البلاد الأخرى فيعامَلون حسب سياسة الدولةالخارجية معهم، وبهذا يحصل عمل هام من أعمال تنمية الثروة.
ان الافكار في أيةأمة من الامم هي أعظم ثروة تنالها الامة في حياتها ان كانت امة ناشئة، وأعظم هبة يتسلمهاالجيل من سلفه اذا كانت الامة عريقة في الفكر المستنير
أما الثروة المادية، والاكتشافات العلمية، والمخترعات الصناعية، وما شاكل ذلك فان مكانها دون الافكار بكثير، بل انه يتوقف الوصول اليها علىالافكار، ويتوقف الاحتفاظ بها على الافكار.
فاذا دمرت ثروة الامة المادية فسرعان ما يمكنتجديدها، ما دامت الامة محتفظة بثروتها الفكرية. اما اذا تداعت الثروة الفكرية، وظلتالامة محتفظة بثروتها المادية فسرعان ما تتضاءل هذه الثروة وترتد الامة الى حالة الفقر.كما ان معظم الحقائق العلمية التي اكتشفتها الامة يمكن ان تهتدي اليها مرة اخرى اذافقدتها دون ان تفقد طريقة تفكيرها. أما اذا فقدت طريقة التفكير المنتجة فسرعان ما ترتدالى الوراء وتفقد ما لديها من مكتشفات ومخترعات. ومن هنا كان لا بد من الحرص على الافكاراولا. وعلى اساس هذه الافكار، وحسب طريقة التفكير المنتجة تكسب الثروة المادية، ويسعىللوصول الى المكتشفات العلمية والاختراعات الصناعية وما شاكلها".
"والامة الاسلاميةاليوم تعتبر فاقدة للافكار، فهي طبيعيا فاقدة لطريقة التفكير المنتجة. فالجيل الحاضرلم يتسلم من سلفه اية افكار اسلامية، ولا افكارا غير اسلامية، وبالطبع لم يتسلم طريقةتفكير منتجة. ولم يكسب هو افكارا، ولا طريقة تفكير منتجة. ولذلك كان طبيعيا ان يُرىفي حالة الفقر رغم توفر الثروات المادية في بلاده، وان يُرى في حالة فقدان للاكتشافاتالعلمية والمخترعات الصناعية رغم دراسته نظريا لهذه الاكتشافات والمخترعات وسماعه بهاومشاهدته لها. لانه لا يمكن ان يندفع اليها اندفاعا منتجا الا اذا كان يملك طريقة تفكيرمنتجة، اي الا اذا كانت لديه افكار يبدع في استعمالها في الحياة. ومن هنا كان من المحتمعلى المسلمين ان يوجدوا لديهم افكارا وطريقة تفكير منتجة، ثم على اساسها يمكن ان يسيروافي اكتساب الثروة المادية، وان يكتشفوا الحقائق العلمية، ويقوموا بالاختراعات الصناعية.وما لم يفعلوا ذلك لا يمكن ان يتقدموا خطوة، وسيظلون يدورون في حلقة مفرغة، يفرغونفي دورانهم مخزون جهدهم العقلي والجسمي، ثم ينتهون الى حيث ابتدأوا".
وهذا الجيل منالأمة الاسلامية ليس معتنقا أفكارا مضادة للفكر الذي يراد ايجاده لديه حتى يدرك هذاالفكر الذي يعطى له، ويجري الاصطدام بين الفكرين فيهتدي من هذا الاصطدام الى الفكرالصواب، وانما هو خال من كل فكر من الافكار، ومن أية طريقة من طرق التفكير المنتجة.فهو قد ورث الافكار الاسلامية باعتبارها فلسفة خيالية، تماما كما يرث اليوم اليونانفلسفة ارسطو وافلاطون. وورث الاسلام باعتباره طقوسا وشعائر للتدين، كما يرث النصارىدين النصرانية. وهو في نفس الوقت عشق الافكار الرأسمالية من مجرد مشاهدته نجاحها لامن ادراكه لواقع هذه الافكار، ومن خضوعه لتطبيق احكامها عليه، لا من ادراك انبثاق هذهالمعالجات عن وجهة النظر الرأسمالية للحياة. ولذلك بات خاليا من الافكار الرأسماليةتفكيريا، وان كان يخوض غمار الحياة على منهجها، واضحى وخاليا من الافكار الاسلاميةعمليا، وان كان يتدين بالاسلام ويدرس افكاره.
النظام الرأسمالي هو المشكل ’ والحل في قلعه وازالته
لقد تبين بشكل لا يدعو للشك أن النظامالرأسمالي هو كارثة ليس على المسلمين فقط’ بل هو تهديد حقيقي للانسان في ذاتهونوعه معا ’ أي هو يهدد بقاء ذات الانسان كفرد وبقاء نوع الانسان كانسان .وذلك لأنهذا النظام يقوم على قاعدة فكرية تنافض العقل وتخالف فطرة الانسان وهي عقيدة فصل الدين عن الحياة .
هذه العقيدة لم تكن يوما نتيجة بحث عقلي ’بلجاءت مجرد حل وسط بين مختلف الفئات المتصارعة في أوروبا زمن عصورها المظلمة ’وكانمجرد ترضية للجميع ينهي هذا الصراع واتفقوا على أن يكون الدين مجرد مسألة فردية لادخل له في المجتمع ولا في السياسة ولا في الدولة .
وهذا الذي حدث في أوروبا لا علاقة لهبالمسلمين ولا بالدولة الاسلامية ولا بالاسلام .فالمسلمون حينها كانوا يبهرون العالم بفكرهم وبكتاباتهم وبانجازاتهم حتى أصبحوا رواد الحضارة ’والدولة الاسلاميةذاع صيتها شرقا وغربا وعم عدلها وحسن تدبيرها مختلف الربوع والأصقاع .
أما الاسلام فهو الدين الذي أنزله الله تعالىعلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد جاء منظما لعلاقات الانسان المختلفة سواءعلاقة الانسان بربه كالعقائد والعبادات ’أو علاقة الانسان بنفسه كالأخلاقوالمطعومات والملبوسات والمشروبات ’وعلاقة الانسان بغيره كالمعاملات والعقوبات.فلا فصل بين الاسلام والحياة أو بين الاسلام والمجتمع أو بين الاسلام والدولة .
فالاسلام مبدأ اذ هو عقيدة ينبثق عنها نظامللحياة ’والعقيدة الاسلامية هي أساس كل شيء في حياة الفرد والدولة والمجتمع لأنهاقاعدة فكرية يبنى عليها كل فكر متعلق بالسلوك وكل فكر عن الحياة .وهي قيادة فكريةتقود صاحبها في هذه الحياة .
ومن هنا ’ فالأمة الاسلامية اليوم وقد مضىعليها قرابة قرن وهي تعيش بأنظمة الكفر ومفاهيمه من الدولة المدنية والديمقراطيةوالحرية ’لا يمكن أن تستعيد مجدها من خلال عملية انتخابية باهتة تجري هنا أو هناك’في تونس أو مصر أو اليمن أو غيرها ,فالانتخاب يعمق الجرح ويعقد الأزمة ولا يغير منالحال شيءا ’لأنه فقط مجرد صراع على السلطة بين مختلف الحركات الاسمية والأحزابالمصلحية التي تتفق في مجموعها على مفاهيم الحضارة الغربية وعقيدة فصل الدين عنالحياة ’ولا دخل للاسلام في صراعهم هذا ...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,603,700
- النظام الرأسمالي في تونس .. أزمة حكم وتعميم المعاناة ج1
- أزمة التّفكير وآفاق النّهضة
- الايمان بين الوجدان والعقل .. هل يتناقض الايمان مع العقل؟
- المشهد السياسي في تونس وجهود بيع البلاد الى خارج
- تونس : النقابات الأمنية ومستقبل الأمن في البلاد
- في تونس : قانون المالية2017 ...أزمة حكم ومأزق تبعيّة
- لماذا يرفضون عودة المقاتلين من بؤر التوتّر؟؟ من حقنا أن نسأل ...
- الربيع العربي وبشاعة الاستعمار .. تونس مثالا . ج3
- الربيع العربي وبشاعة الاستعمار .. ج2
- اضطهاد المرأة ... بين رؤية الثقافة وممارسة الفعل
- الر بيع العربي ... وبشاعة الاستعمار : تونس مثالا
- الوطنيّة ... جمع وتوحيد , أم عنصريّة وغريزة
- سوريا والعراق : ربيع العرب أم ربيع أميركا؟
- هل نحتاج فعلا الى ّ دولة مدنيّة - وعلمنة المجتمع؟
- الدّيمقراطيّة : سيادة شعب ؟ أم وجه آخر للاستبداد واستعباد ال ...
- ردّ مستنير على مقال - هل الاسلام هو سرّ تخلّف المسلمين ؟ ّ ل ...


المزيد.....




- ألمانيا لن تستبعد هواوي الصينية من مشروع شبكة "5 جي&quo ...
- ألمانيا لن تستبعد هواوي الصينية من مشروع شبكة "5 جي&quo ...
- قائد -سوريا الديمقراطية-: جمّدنا عملياتنا ضد تنظيم الدولة
- أدين بالفساد.. شقيق الرئيس الإيراني يدخل السجن
- ترامب يهدد أردوغان بعقوبات مدمرة إذا فشل اجتماعه مع بنس
- اجتماع عاصف... ترامب ينفجر غضبا في وجه رئيسة النواب ويهينها ...
- ترامب لأردوغان: لا تكن متصلبا
- مصدر طبي بالحسكة: إصابات بذخائر -كيماوية- جراء القصف التركي ...
- إصابة عشرات الفلسطينيين برصاص وغاز الجيش الإسرائيلي شمال الض ...
- لحظة إنقاذ عامل في السعودية سقط في بئر ارتوازية بعمق 400 متر ...


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - الأسعد بنرحومة - النّظام الرأسمالي في تونس ...أزمة حكم - الجزء الثّاني -