أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الأسعد بنرحومة - ردّ مستنير على مقال - هل الاسلام هو سرّ تخلّف المسلمين ؟ ّ لصاحبه سيد القمني















المزيد.....


ردّ مستنير على مقال - هل الاسلام هو سرّ تخلّف المسلمين ؟ ّ لصاحبه سيد القمني


الأسعد بنرحومة

الحوار المتمدن-العدد: 5455 - 2017 / 3 / 9 - 00:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ردّ مستنير على موضوع " هل الاسلام هو سرّ تخلّف المسلمين؟ "
لصاحبه : سيد القمني

ما من شكّ أنّ الأوضاع التي نعيشها اليوم تبعث على الألم وخاصة مع تردّي حالنا الى مزيد من الانحطاط والتخّلّف , هذا علاوة عن مهانة الخضوع للاستعمار ومذلّة التّبعية .
ولا يختلف اثنان حول ضرورة الخروج من هذا الوضع والسير نحو النهضة والرقي بشعوبنا لتعود الأمّة الى المستوى اللائق بها في المكانة الدّولية والقيادة الأممية .
في المقال الذي أورده سيد القمني بعنوان " هل الاسلام هو سرّ تخلف المسلمين ؟ " اعتبر أنّ المشكل لا يكمن في الاسلام , بل في رجال الدّين الذين استغلّوا الدّين وأقحموه في غير مجاله ,بما أن مجال الدّين حسب رأي صاحب المقال الايمان والتعبّد الفردي ولا دخل له في العلم وفي الحكم والدّولة , مبرّرا ذلك أنّ العلوم كالفيزياء والكيمياء والطب والعلم منفصل عن مجال الاسلام وعن مسألة الايمان . وبالتالي فان النهضة تكمن في ترك الدّين في مجاله الخاص به وتطبيق العلمانية على المجتمع والدولة .
وحتّى نقف على حقيقة ما دعا اليه صاحب المقال , وعن مدى صحّة هذا الدّعوة من عدمها لا بدّ من بلورة موضوع النهضة كواقع محسوس مدرك لكلّ صاحب عقل بعيدا عن الفلسفة النظريّة وأهواء المتفلسفين .
فماهي النهضة ؟ وكيف تنهض الشعوب ؟ وبالتالي : كيف ننهض نحن ؟؟
لا حاجة لنردّد أنّ اختصار النهضة في التقدم الاقتصادي ووجود الثروة أو في التقدم العلمي والصناعي أو الارتفاع الخلقي كلّ ذلك ليس هو واقع النهضة , وكلّ ذلك لا يدلّ على أنّ ذلك الشعب ناهض , فالواقع الذي نعيشه ونشاهده يدحض لوحده صحّة هذا القول . فهاهي العديد من الدّول في بلادنا تمتلك من الثروات ما يغني العالم بأسره , وتمتلك أعلى نسب الدخل الفردي والخام كالكويت والامارات وايران وقطر والسعودية وغيرها ومع ذلك فانّ هذه البلدان تعيش تبعية مقيتة وتخلفا كبيرا , ولا تملك سيادتها لا على سياستها الداخلية ولا الخارجية , ولا سلطة لديها على قرارها السياسي والسيادي وهي تتقبّل الاملاءات وتنفّذها فقط .
والكثير من بلداننا أيضا تحتوي آلاف الجامعات والمختبرات في جميع المجالات , كما عندها عشرات الآلاف من العلماء والخبراء والمهندسين والباحثين حتى صاروا عبءا على تلك الدول نفسها , ومع ذلك لم تخرج تلك الشعوب من بوتقة التخلف والانحطاط, بل صار هذا الكمّ الهائل من العلماء عرضة للتهجير القسري " هجرة العقول " وعرضة للاغتيال .
فالنهضة اذن أكبر في أن تختزل في مسألة الثروة والدّخل , أو في مسألة العلم والتقنية , أو في مسألة التنمية والنمو , بل هي شيء آخر غير هذا , وجميع هذا قد يكون من نتاجها أو من مظاهرها لكنه ليس هو سبب النهضة ولا هو بالنهضة .
فما هي النهضة ؟ وكيف ننهض ؟
انّ النهضة باختصار شديد هي الارتقاء الفكري , فالنهضة لا تكون الّا فكريةّ أي على أساس الفكر وذلك من خلال القدرة على التفكير المنتج وفق طريقة معينة في التفكير وعلى أساس قاعدة فكرية أساسية شاملة يعود اليها كلّ فكر جزئي وهي التعيّن لنا مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات ...
كيف ذلك ؟
انّ الانسان كائن يعيش مع غيره من الانسان , فهو كائن اجتماعي بطبعه لا يعيش منفردا ولا معزولا بل في جماعات توجد بينهم علاقات دائميّة فيكون المجتمع وتكون الدولة .
وتنشأ هذه العلاقات الدائمية من تحرّك الانسان أو من اندفاعه الطبيعي نحو " المادّة " لاشباع ما فيه من طاقة حيويّة تحتاج الى الاشباع وهي الغرائز والحاجات العضويّة , فالانسان يحبّ ويتناسل ويملك ويشارك ويحكم ويختلف ويتخاصم ويتعلم ويأكل ويشرب ويلبس ويسكن ويعبد ويقدّس....الخ , وهذه كلّها حاجات للاشباع , اما اشباع غريزة أو اشباع حاجة عضوية , فكلّ فرد من الانسان رجل كان أو امرأة يحتاج لاشباع هذه الطاقة الحيوية فيندفع للاشباع من مادة الكون والانسان والحياة : ولكنّه في هذا المستوى لا فرق بينه وبين الحيوان , لأنّ الحيوان أيضا يندفع اندفاعا غريزيا للاشباع , وهو أي الحيوان يميّز بين الأشياء عن طريق التمييز الغريزي , وعند الانسان هنا هو الادراك الغريزي .
لكن الانسان غير الحيوان , وهو يتميّز عن الحيوان بالعقل أو بالفكر , والعقل أو الفكر هو الذي يحدّد هذا الاندفاع وينظّمه فيضبط سلوكه , فمفاهيم الانسان هي التي تضبط سلوكه وهي التي تكيّفها وتحدّدها ليكون سلوكا مميّزا وراقيا .
والفكر هو الذي ينظّم علاقات الانسان ويرتّبها فلا تؤدي الى الصراع والتنافر والصدام , وذلك أن الانسان حين يسير مع غيره لاشباع ما عنده من طاقة حيوية تتكوّن علاقات فيما بينهم , وهذه العلاقات حتى تكون دائمية تحتاج للانسجام والتناغم والتعاون وليس للصدام والتنافر , ولكي يتحقّق هذا لا بدّ من وحدة النظرة الى الاشباع والى كيفية الاشباع والى الغاية منه ,أي وحدة النظرة الى المصلحة , أي وحدة المفاهيم والمقاييس والقناعات عندهم , والذي يعيّن وحدة النظرة هذه انما هو الفكر , ووحدة الفكر حول معنى الحقّ والواجب والخير والشرّ والعدل والحسن والقبيح , وحول مفهوم السعادة ومقياس الأعمال والمنفعة والغاية غيرها , هو وحده الذي يجعل العيش منتجا والعلاقات دائمية والتعاون حقيقي ومثمر وليس غيره .
لذلك فاذا اختلفت نظرة الناس في المجتمع الواحد الى هذه المفاهيم , واختلفت مقاييسهم , وتضاربت قناعاتهم فان علاقاتهم تضطرب تبعا لذلك , فتتنافر الجماعة فيما بينهم كما يتنافر الأفراد , وتضطرب وتتصادم علاقاتهم كما تتضارب علاقات الشعب بالسلطة , وكلّ هذا يؤدّي الى الصراع والفوضى والاضطراب وبالتالي الى الظلم والقمع والاستبداد , فيتجمّد المجتمع وتتعفّن الحياة ويحدث الانفصال بين الناس والسلطة وبين الناس أنفسهم , ويكون التحّلف والانحطاط هو عنوان المرحلة وهي الحالة التي نعيشها اليوم لأن كل ذلك لا يؤدي الى النّهضة ولا الى الابداع .
والذي يجعل النظرة واحدة الى مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات انّما هو الفكر الأساسي الشّامل الذي اعتنقه الناس أو الشعب أو الأمّة , وهذا الفكر الأساسي الشّامل هو العقيدة , فالعقيدة هي التي تعيّن النظرة الى الحياة ,فتعيّن مفاهيم الانسان وتحدّد لها الغاية من حياته والمرجع المحدد لجميع سلوكه أي مقياس الفعل , فالعقيدة التي اعتنقها مجموع الناس هي القاعدة الفكرية التي يتعيّن على أساسها كل فكر جزئي وكل سلوك : فالعقيدة الشيوعية عيّنت نظرة للحياة تقوم على أساس المادية والتطور المادي , والعقيدة الرأسمالية عيّنت نظرة الى الحياة تقوم على أساس فكرة فصل الدّين عن الحياة , وعلى أساس هذه الفلسفة ظهرت " العلمانية " , كما ظهرت " الدولة المدنية " و " الديمقراطية " .
لكن الاسلام وهو الدّين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على سيدنا محمدا رسول الله ,يقوم على عقيدة مختلفة ومتميّزة عن الشيوعية وعن الرأسمالية وعن جميع العقائد الأخرى , وهي العقيدة الاسلامية بوصفها عقيدة روحية سياسية , ويتوقف الدخول في الاسلام على الايمان بهذه العقيدة المتميّزة . وجاء تميّزها هذا من كونها عقيدة مبنية على العقل , وليس كما في العلمانية مبنية على الحلّ الوسط , ولا كالشيوعية مبنية على المادة وحدها , كما يأتي تميّز العقيدة الاسلامية وتفرّدها من كونها الوحيدة المقنعة للعقل والموافقة للفطرة , لأن فكرة الحلّ الوسط في العلمانية غير مقنعة للعقل لأنها غير مبنية على العقل , والعلمانية غير موافقة للفطرة لأنها تعترف لله بالخلق , وتنفي عنه الأمر , وهي أي العلمانية تحرف غريزة التدين عن مسارها السليم فعوض تقديس الله تعالى تقدّس العقل المحدود وتعطيه صلاحيات في غير مجاله , فالعقل مهما سما وتطور فانه يظل عاجزا عن التظيم والتشريع , وعاجزا عن ادراك حقيقة الحق والواجب والخير والشر والحسن والقبيح والنفع والضرّ لأن لا يملك القواعد الصحيحة للحكم , وحين تغيب القواعد الصحيحة يكون الهوى والقوّة هو سيد الموقف وهو الحكم وهذا حال الشعوب في الغرب اليوم .
والأمة التي نتحدّث عنها , وهي المعنيّة بموضوع النهضة هي أمّة بعينها لها خواصّها ومميزاتها , وأهم هذه الخواص والمميزات أنها أمة تعتنق العقيدة الاسلامية , فالاسلام دينها , وهي أمة اسلامية , فلا هي شيوعية ولا هي غربية , فلا يستقيم عقلا وواقعا هنا أن نجعل أساس نهضتها أفكارا ليست من جنس عقيدتها , أي لا يمكن الحديث على نهضة هذه الأمة على أساس العلمانية , لأنّ الاسلام دين لم يترك مجالا واحدا للعلمانية فهي دخيلة عليه , ودخيلة على عقيدته , وما حدث في بلدان أوروبا منذ القرن الثالث عشر ميلاديا من صراع وحروب حتى القرن السابع عشر أنتج فصل الدين عن الحياة هو شأن خاص بتلك الشعوب فقط , وهو خاص بكلّ عقيدة عاجزة لا تقدم نظرة للحياة الدنيا كحال المسيحية والكنيسة , وهذا بخلاف الاسلام , وبخلاف المسلمين ...
فالاسلام دين جاء لينظم كافة علاقات الانسان وليس فقط علاقة الانسان بربّه , فكما قال الله تعالى " وأقيموا الصلاة " قال " وحرّم الربا " وقال " والذّين يكنزون الذّهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم " وقال " كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم " , وكما قال " وآتوا الزكاة " قال " أوفوا بالعقود " وقال الرسول صلى الله عليه وسلم " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد" وقال " وانّ في النفس المؤمنة مائة من الابل وعلى أهل الورق ألف دينار " , وكما قال الله تعالى " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" قال الرسول " لا قطع الا في ربع دينار فصاعدا " ,وقال " البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا " الى غير ذلك ...
فالاسلام كما جاء بأحكام العبادات والأخلاق , جاء بأحكام المعاملات والعقوبات وبكيفيّة تنفيذ كلّ ذلك , فجاء بأحكام الاقتصاد فبين أنّ المشكلة الاقتصادية هي توزيع الثروة على جميع أفراد المجتمع فردا فردا وليس كما جاء في العلمانية التي يدعو اليها صاحب المقال بكونها الندرة النسبية للسلع والخدمات , وبيّن الاسلام بأن أجرة الأجير هي عقد على منفعة بعوض , وليس كما في العلمانية تقدّر بناء على مستوى المعيشة في حدّها الأدنى , وأوضح الاسلام بأنّ الملكية ثلاثة أنواع وهي الفردية والعامة وملكية الدولة , وليس كما في العلمانية جعلت الدولة تنهب ثروات الملكية العامة لصالح أصحاب رؤوس الأموال , وجعل الاسلام من الحاكم نائب عن الأمة في تطبيق الاسلام وليس كما في العلمانية أجيرا عند الشعب يفعل ما يطلب منه الأكثرية , وجعل الاسلام علاقة الرجل بالمرأة هي علاقة انسان بانسان , فالرجل والمرأة هو الانسان , فالأصل في المرأة أنها أمّ وربّة بيت وعرض يجب أن يصان , وليس كما في العلمانية جعلت الجنس والمتعة فقط هي أساس العلاقة , والمرأة في العلمانية فقط هي جسد ومتعة وجنس .... الخ
فالعلمانية , فكرة لا مكان لها في الأمة , كما لا أصل لها في الاسلام , علاوة عن كونها فكرة فاسدة لا تصلح للنهوض على أساسها , لأنها كما قلنا غير مقنعة للعقل وغير موافقة للفطرة ,وبالتالي غير محدثة للطمئنينة الدائمة أي غير محدثة للسعادة , وهي أحدثت نهضة في الغرب لكنها نهضة فاسدة وغير صحيحة , نهضة خالية من القيم الرفيعة ومن الأخلاق ومن المثل العليا والأهداف النبيلة , نهضة تجعل من القيمة المادية وحدها أساس العلاقات فلا قيم أخلاقية ولا قيم روحية ولا انسانية , وحتى ما يشاهد اليوم من بعض أعمال الخير والاحسان والتضامن , فهي أعمال ليست من جنس المبدأ أو الفكرة لأنّ العلمانية تقوم على فكرة الحرّية المقدسة وهذه الأعمال ليست الا ترقيعات تقوم بها المنظمات للتقليل من الآثار الفضيعة لتطبيق العلمانية على المجتمع والدولة والشعب .
واذا أردنا أن ننهض فلا سبيل الى ذلك الا من خلال الاسلام بوصفه دين كامل شامل مقنع للعقل وموافق للفطرة , دين والدولة جزء منه , دين لا يفصل الدنيا عن الآخرة بل يجعلها طريقا للآخرة , ولا يفصل المادة عن الروح بل يجعل القيام بالفعل على أساس ادراك الصلة بالله تعالى , والغاية من كلّ ذلك هي الفوز برضوان الله سبحانه وتعالى , والفوز بالجنّة : هذا وحده طريق نهضتنا وهو وحده أساس النهضة بعيدا عن غربة العلمانية وعن فضاعتها ودنسها وعقمها ...
أمّا ما تحدّث عنه صاحب المقال سعد القمني عن فصل بين الايمان والعلم أو بين الدّين وبين الفيزياء والطب والكيمياء ففيها مسألتان: الأولى في موضوع الايمان وواقعه , والثانية في موضوع العلاقة بين الدّين والعلم ..
أمّا لموضوع الايمان , فانّ تأثر صاحب المقال بالفلسفة الأوروبية ونظرة مفكّريها للايمان واضح وجليّ , ويظهر ذلك من خلال ما عرضه عن ضرورة الفصل بين الايمان والعقل وبين الدّين والعلم , وهي فكرة قادمة من وراء البحار وناتجة عن طبيعة العقيدة النصرانية التي تقوم على فلسفة الأقانيم الثلاثة أو تثليث الآلهة بين الآب والابن والروح القدس ,وهي فكرة خيالية وغير مقنعة للعقل ومع ذلك اعتنقها أصحابها بالتسليم مع اقصاء العقل والفكر ليبحث فيها , فكان تصديقا غريزيا بعيدا عن التفكير , لذلك لا عجب أن ترى من يصنع الصاروخ والطائرة هو في نفس الوقت يقدّس خشبة أو حجارة . ومن هنا جاءت مقولة لا علاقة بين الايمان والعقل , ولكنّ هذا الذي عليه الغرب من معتقدات فاسدة ليس ايمانا ولا يصحّ أن يسمّى ايمانا , لأنّ الايمان ليس التصديق فقط , بل هو التصديق الجازم أي اليقيني والقطعي والا لا يكون ايمانا , والتصديق الجازم لا يكون جازما الا بدليل , ولكن ليس كل دليل يصلح للاستدلال فقد يكون الدليل فاسدا , فلا يحدث الجزم كما هو الحال مع النصرانية في التثليث وكما هو الحال مع الشيوعية أو حتى مع العلمانية نفسها , فالأدلة المستعملة كلها فاسدة وغير صحيحة لأنها غير مطابقة للواقع , فالقول بأنّ المادة أزلية ولا اله لا تصلح للتصديق الجازم لأنها غير مطابقة للواقع , لأن الواقع يقول بأنّ المادة ليست أزلية وهي محدودة فهي مخلوقة لخالق , وكذلك الأدلة الواردة مع العلمانيين لا تصلح لتكون دليلا على صحة العلمانية , لأنها أدلة مبنية فقط على الاتفاق على الحلّ الوسط , فهو ليس في الفكرة نفسها من حيث صحتها أو بطلانها , ولا هو بحث في النصرانية نفسها , وبالتالي لا يصلح أن نسمي النصرانية أو غيرها ايمانا حتى نقول لا علاقة بين الايمان والعقل .
أما الاسلام فقد أوجب الايمان بالله تعالى , وأوجب أن يكون هذا اليمان بالعقل وعن طريق الدليل والبرهان , وحرّم الايمان بالظنّ أو التقليد بل لم يجعل الايمان بالظنّ ايمانا " أئله مع الله قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين " , أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم" , " وانّ الذّين اختلفوا فيه لفي شكّ منه مالهم به من علم ان يتبعون الا الظنّ " , " وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظنّ وان هم الا يخرصون " .
اذا الايمان لا يحصل الا بالدليل المطابق للواقع , أي بالدليل العقلي , فالعقل هو أساس الايمان بالله سبحانه وتعالى , والعقل هو أساس الايمان بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم , والعقل هو أساس الايمان بكون القرآن من عند الله سبحانه وتعالى , فلا فصل بين الايمان والعقل , هذا في مسألة علاقة الايمان بالعقل , فهي علاقة حتميّة لا تنفصل ولا تنقطع لذلك كانت العقيدة الاسلامية مقنعة للعقل.
أمّا في مسألة علاقة الدّين بالعلم وعلاقته بالفيزياء والكيمياء والغيرها ...والقول بأن عدم وجود علاقة بين الاسلام وبين مختلف هذه العلوم يستدعي ضرورة الفصل بين الاسلام وبين الحياة , فانّ مثل هذا الكلام لا يصلح للتذرّع به للدعوة للعلمانية أو القول بضرورة فصل الاسلام عن الحياة ومنها فصله عن الدولة وعن السياسة وعن الاقتصاد , والسبب في ذلك أن صاحب المقال لا يفرّق بين ما هو من الحضارة وما هو من المدنيّة , وهو ناتج عن عدم التفريق بين الحضارة والمدنية وبالتالي ناتج عن عدم ادراك ما هي الحضارة ؟ وما هي المدنيّة ؟ :
انّ الحضارة هي مجموعة المفاهيم عن الحياة , فمفاهيم السعادة والخير والشر والحسن والقبح والحق والواجب هي من الحضارة , ومفاهيم الحكم والعقود والقضاء والملكية والصرف والمحاسبة والتعليم وغيرها من الحضارة , والتاريخ والفقه والقانون كذلك من الحضارة , فمجموعة المفاهيم عن الحياة هي الحضارة , وهذه مجالها الاسلام , فلا تؤخذ من غيره , لأنّ الحضارة خاصة تكون بحسب وجهة النظر في الحياة , فكما هناك حضارة شيوعية , هناك حضارة رأسمالية وهناك حضارتنا , وهي الحضارة الاسلامية , فلا يصحّ حصول النهضة في بلادنا على أسس حضارة أخرى غير الاسلام ,لأنها حينها تكون مخالفة لما عندنا من العقيدة الاسلامية وبدل أن ننهض نزيد انحرافا وانزلاقا نحو مزيد التخلف والانحطاط . وعوض أن نزيد في تعقيد الوضع لا بدّ من السير في الطريق الصحيح والمنتج وهو العمل للنهضة على أساس الاسلام بعد فهمه وتبلوره في الذهن .
هذه هي الحضارة وهي مجموعة المفاهيم عن الحياة , وهي مجالها الاسلام , أمّا ما طرحه الكاتب من مسائل تتعلق بالفيزياء والطب والعلوم وغيرها , فهي ما تسمّى بالمدنية , فالمدنية هي الأشكال المداية المحسوسة التي تستعمل في شؤون الحياة , فكما انّ الطائرة والسيارة من المدنية , كذلك التلفاز والانترنت والصاروخ , وكذلك القلم والباخرة والنظارات وغيرها , فكلها من المدنية , وهي عامة ويجوز أخذها من أيّ مكان , ولا يتوقّف أخذها أو ايجادها على قبول الاسلام بها من عدمه لأنها عامة , فهي ليست محلّ البحث هنا , بل كلّ هذا ليس هو سبب النهضة ولا علاقة له بالنهضة من حيث ايجادها وتحقّقها لانها من نتاجها ومن مظاهرها لكنها ليست سببا في حصول النهضة , والا فان بعض الدول العربية في بلادنا تتوفر فيها من هذه الوسائل ماهو أحسن من عديد الدول الأوروبية ومع ذلك هي تعيش نفس الانحطاط والتخلف .
وعليه , فالعلمانية لا تصلح للنهضة في بلادنا لسببين اثنين هما : أولهما أنها فكرة فاسدة غير صحيح لا تبنى على العقل فلا تقنعه , وهي مخالفة للفطرة فلا تحدث الطمئنينة الدائمة أي السعادة , وثانيهما أنّها فكرة غريبة عنّا وعن الاسلام , وهي مخالفة للعقيدة الاسلامية ,ومخالفة للاسلام , ولذاك لا تصلح أحوال مجتمعاتنا بالعلمانية , ولا تحدث نهضة على أساس العلمانية , بل ما ينتج النهضة انما هي الأفكار الاسلامية والمشاعر الاسلامية وتطبيق الأنظمة الاسلامية .
ومن هنا كان من المحتم على المسلمين أن يوجدوا لديهم أفكارا وطريقة تفكير منتجة , ثمّ على أساسها يمكن أن يسيروا في اكتساب الثروة المادية وأن يكتشفوا الحقائق العلمية وأن يقوموا بالاختراعات الصناعية , وهذه الأفكار هي الاسلام , وطريقة التفكير المنتجة لا تكون الا على أساس الاسلام وحده , وما لم يفعلوا ذلك لا يمكن أن يتقدّموا خطوة , وسيظلّون يدورون في حلقة مفرغة بفرغون في دورانهم مخزون جهدهم العقلي والجسمي , ثم ينتهون الى حيث ابتدؤوا .






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295


المزيد.....




- طهران تدين بشدة الاجراءات الوحشية الصهيونية في المسجد الاقصى ...
- إيران تدين بشدة الإجراءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- الخارجية الايرانية تدين بشدة الاجراءات الوحشية للكيان الصهيو ...
- متحدث الخارجية الايرانية: ايران تقف بفخر إلى جانب شعب فلسطين ...
- شيخ الأزهر: اقتحام الأقصى والاعتداء السافر على المصلين إرهاب ...
- رغم إجراءات الاحتلال.. الآلاف يؤدون صلاة الفجر في المسجد الأ ...
- العاهل السعودي يوافق على بناء جامع خادم الحرمين في الجامعة ا ...
- شيخ الأزهر: تهجير أهالي الشيخ جراح بالقدس إرهاب صهيوني غاشم  ...
- بعد وفاته.. رحلة عبد الرحمن العجلان في نشر العلم الشرعي من ا ...
- الجامعة العربية تدين اقتحام المسجد الأقصى: حكومة إسرائيل أسي ...


المزيد.....

- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الأسعد بنرحومة - ردّ مستنير على مقال - هل الاسلام هو سرّ تخلّف المسلمين ؟ ّ لصاحبه سيد القمني