أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - غاز.. غاز قصة قصيرة















المزيد.....

غاز.. غاز قصة قصيرة


يعقوب زامل الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 5430 - 2017 / 2 / 12 - 20:38
المحور: الادب والفن
    


أمام باب حديدي كبير موصداً بدا مدخلاً وحيداً لدار كبيرة عالية البناء وقف جمع غفير بين طفل وامرأة ورجل بيد كل واحد منهم ورقة بحجم متشابه مكتوبة بخط واحد غير متقن يلوحون بها امام وجوههم ضاجين بانتظار ان يخرج من خلف تلك الباب من يأخذها منهم ليجلسوا اسوة بالذين اقتعدوا الارض على الجانبين قبلهم.
الذين وقفوا يتخاشنون بانتظار تسليم ما بأيديهم من اوراق كانوا يتدافعون كالموج يلتحم بعضهم مع بعض صارخين مولولين يطغي صخبهم العنيف على لغط الجالسين وحين يهدهم التعب ويوهن الجهد اجسامهم يركنون الى هدوء مؤقت. يسقط الصمت على رؤوسهم المثقلة بالقلق كالغبار. ومن جديد يبدأ همس الكلمات تحت الرؤوس المطرقة للأرض، يطقطق في الجوانب كهسيس النار في الحطب الجاف يتناثر بين تجمعات الذين سلموا ما في ايديهم فقعوا منتظرين ردود من في الدار الكبيرة.
الحب يجعلها تحلم بالأمومة المعقدة.
ربتت " سنية " برفق مغرٍ على بطنها المنتفخة. كانت تمنح نفسها لرغائب حلم طويل لا ينطفئ إلا لحظة ينتفض ضيف السعادة القصوى في احشائها فجأة فتشعر بالألم السعيد.
ــ خير! إنشاء الله..
تلقي بنظرها الدقيق على مزلاج باب الدار تسأل برفاهية الالم:
ــ شممت رائحة أبيك يا لعين.
طيلة أشهر حملها التسعة انتظرت " سنية " أوبة " صالح " ليشعرا معاً بالسعادة. لحظة يجس بطنها سيدرك معها " وقاحة " الذي خلفه في رحمها.
تقول أُم زوجها:
ــ يتحرك الجنين حينماً يجس الأبُ بطن زوجته.
رفسات جنينها غدت كثيرة قوية في الايام الاخيرة تثقب جفنة الفرح بين يديها فتغدو خالية من غير ان تمتر بثمالة السعادة بعودة الزوج الذي طالت غيبته.
مذ أغلق صالح الباب خلفه قبل ستة أشهر في نهاية آخر إجازة دورية له انكفأت على نفسها،
بكت.. بكت... بكت... حتى اوشل راسها من الدمع.
كان هاجساً لعيناً لكنه كان صادقاً اصابها في الصميم !.
غالبا ما يصحر روحها اكتئاب محموم.. يفسد عليها طعم الليل والنهار.
تحسب لصالح الساعات والدقائق.. بل الثواني ايضا انتظاراً لمجيئه. تكنس ارض الدار.. ترشها بالماء.. احيانا بمزيج الماء وماء الورد.. تبخر ركنا منعزلا من البيت.. تطفئ عود البخور لحظة تتذكر أن صالحا لا يستسيغ رائحته التي تصيبه بحالة من الربو.. يقول: تذكرني برائحة القبور!. تؤنق نفسها.. تتعطر.. ترتدي أجمل الثياب.. تعطر فراشها الدافئ..
تصعد للأعلى... تنتظر. وحين يخيب ظنها اللذيذ تنكس رأسها مكروبة في خمول أبلة حزين.
بعد كل ليلة من الخيبة تفعل الشيء نفسه وتنتظر. في الايام التي كانت العصافير تثير فيها نزاعاتها الشديدة أو يكنس طفلها أرض الدار تجلس متفائلة بقدوم ضيفها المؤمل! يجعلها الانتظار سعيدة ريانة.
في مرة توافق زمن خصام العصافير مع زمن سعادتها لحظة اجتازت متلهفة باب غرفتها، وجدته وقد رمى حقيبة حاجياته الصغيرة جانباً، ناشراً ذراعيه امامها. اندست في اسارهما تهمهم كالمريضة الكسلى، فنامت مطمئنة حتى الصباح، على درجة عالية من الحياء والتنسك كانت، إلا أنها، وبعد تلك الليلة، بدت وقد تماثلت للشفاء مضاءة في عاطفة انوثتها الكبيرة.
كانت كآبتها تلك نوعا من الخمول العاطفي الذي يصيب المغرمات ساعة يتشوقن لشريك السعادة. لكنها وطوال فترة وجوده في جبهة القتال لم تبكِ يوما كما بكت في تلك الليلة التي كان هاجسها صادقا!.
أبنها الذي أكمل العاشرة من عمره غدا اشد الشبه خلقة بأبيه.
حين رمى حافظة كتبه المدرسية عند عتبة الغرفة متعباً.. اخذته بين ذراعيها.. ضغطت رأسه على صدرها... شمته.
"غاز.. غاز..." ورائحة البخور تخشن صبرها.
كان الصوت يقلق الصمت والارصفة ينادي طير صدرها. بفزعها!
تنفعل بنوبة الاختناق.. يتكسر كالماء في صدرها.. يتقرّن في بلعومها، وثمة شيء يفسد تنفسها!
سنوات مارست مهنة الآلام الصلبة لكنها لم تشعر يوما بمثل الشعور الذي احسته يهاجم للتو بدنها وعقلها وقلبها في لحظة واحدة.
انصب رجائها أن تموت الان تحت تأثير الوجع سريعاً على أن ترى نفسها عرضة للفزع ذليلة بهذا القدر.
من سقط السقف على رأسه أن لا يفكر بطريقة بنائه، بل عليه أن يصرخ.
غطت وجهها بتجمل كي تخفي عن طفلها علائم هبوط الذلة العنيفة التي مستها فجأة، لتلوذ منشغلة برفع ملابسه التي تركها على الارض. هربت صوب الخارج. شرقت وهي تساله:
- جوعان؟
- ميت من الجوع ماما!.
في زاوية الدار التي اتخذتها مطبخا، كان القدر وقد تركته على النار ينفث بخاراً كثيفاً من بين جوانب الغطاء.
لحزنها عطر نفاذ قوي يؤجج حاجتها للبكاء! ما أن تنشقته حتى تحول في رئتيها مثل غبار ثقيل! لاذت زمنا بمنعزل من نفسها كي تزيله عن صدرها.
تفري مرارة الغصة المتضخمة، وحيدة، دموعا من عينيها . صوت كئيب يتردد في المبائت، صداه يقلق ضميرها، يلوث جو مدينة راسها، يعفن طعامها، رائحتها، منامها، أملها "غاز.. غاز..".
ـ جوعان!
سمعت سنية أبنها يصيح متضوراً من الجوع.
مسحت وجهها الندي بطرف ثوبها. أنّتْ.. حين تذكرت حلمها بالأمومة مست بطنها الضامر.
خفضت راسها.
لم تكن قاسية بل وديعة تنتشق حرارة جسدها.. يلاحقها صدى "غـ...ا...ز" تهرب لصرّة الذكرى...تحلها تنبعث رائحة تبغه، ملابسه، كتبه، قهوته، جسده لحظة يحتضنها محاولاً عض قطعة من جسمها.. تصرخ ضاحكة، تموء بنصف جملة تغص احتشاما في نصفها الاخر. "لقد اصبحت كالـ..".
شعرت بحركة يديه تطوقان خصرها. أرخت روحها، بدنها، كان أريج عجوز يضوع، كالهالة يغطيها، رفس بطنها كالأمس. ارتعشت داخل سوار الاضمامة.
كان وجهها متغضنا بالأحاسيس، وبالدماء المتكاسلة، جسمها، وكان لطعم ملوحة الدمع في فمها نكهة مستساغة تمطقتها.. تمرغ لسانها في حلقها. فكرت أن تقول له " أبنك اللعين رفسني اليوم اربع مرات ". لكنما مذاق عطره المغمس برائحة التبغ الذي انتشر في فضاء رئتيها، جعلها تحبس الكلمات في زاوية حميمة خوفا أن يذيب الصوت همودها البهي.
حين ضيّق سوار يداه حول بطنها ندت عنها أنّة محتشمة:
- أأأي.. لقد أحسك تطوقني فبدأ يرفس!
انفاسه الممزوجة بالتبغ تغضن موخرة رقبتها، وشيء دافئ ـ تعرفه جيدا- ينطبع عند منبت اذنها. حين مسدت بطنها شعرت بان ريح يديه ما تزال تطوق خصرها، وكانت دفقة طرية من الحنان قد مرقت قوية مثل تيار دافئ، اخترقت جسدها، استدارت لتواجه موضع الدفئ الخضيب، لم تجد غير ضوء عليل متكسر لنهار شتائي يلوح في الخارج.
وهندما وضعت " صينية " الغذاء بينها وبين صغيرها كانت رائحة الدفء ما تزال ندية على جسدها.
-"غاز.. غاز... غاز.. "
صوته الشائخ، الفخم، المليء بالطعنات ، ينكسر في خاطرها.. يتذبذب في راسها! صوت ضوضاء الرغبة كان يتسرب في وجدانها شيئا فشيئا.
في بادئ الامر تصورت انه لا يعنيها بالذات فـ "الغاز.. الغاز" مجرد غاز، خبيث، عفن، متمدن، مثل تكشيرة استياء. يسقط كالضباب الخانق ثم يطرده الهواء. لكنها حين وعته وجدت نفسها أسيرة طغيانه فأحست بالخجل!
تذبذب الصوت في داخلها.
كان له وقت يبدأ مذ تأوي سنية للنوم حتى تغرق بالحلم، لكنه ما برح يدخلها مرات ومرات في اليوم. تجاهد ان تبقى قوية.. ان لا تترك له فرصة ينغرس خلالها في القلب، او في مكان من تلافيف راسها.
في النهار وقت تنشغل في امور بيتها.. طفلها.. ذكرياتها.. تنساه. تغض الطرف عنه إلا لماماً. لكنها في رحلة الليل الطويلة بعد أن ينام ابنها، كان الصوت يندس تحت الغطاء معها. عندها يحمر خجلا جسدها.. فكرها. ولكي تطرده عن وجدانها، وسادتها... تروح تنبش رماد عواطفها عن جمرة المفقود التي لا تدانيها جمرة في الكون!
تحضن خياله.. تحث تأويلاته على جسدها.. روحها لحظة تكون مسرورة.؟
في الغبش تلجأ بعد صلاتها للدعاء أن يمنحها الله القوة والصبر كيلا يمسها القلق والعجز. تتطرى بالدموع متوسلة ان لا تمسي خالية من الثبات.
تتفجر، يتسرب الغاز لحظة، ثم تصحو. تعنف بالضربات الموجعة روحها، تتشبث بأذيال ذكريات صالح.
للقوة في نفسها تقويم صارم تأطره بماضي الزوج وحاضر الابن الذي هو اشبه خلقة بأبيه تشاركه اللعب والصياح والغضب والعناد الطفولي وحتى البكاء. تصارع شكوك نفسها، تؤلم ذاتها، " لا تستحقي حياة تخونيها سراً يا سنية ". وعند الشروق تنهمك في التعب والارهاق. تستنزف جسدها حتى تصيبها الحمى.
تأتي على اشياء بيتها.. كل اشيائها. تعمل فيها يداها.. جسدها.. فكرها.. حتى الصحون والملابس النظيفة تعيد غسلها. تفركها تشطفها، تبريها، تجففها، تكويها، وترتبها، ثم تغسلها ثانية حتى تتجمد. تتقرح يداها يتلبد وجدانها!
في المساء تقول لنفسها: كل الناس عندهم مشاعر واحاسيس يا سنية.. واكيد يملكون الارادة لكن لا يملكون الوقت الذي يجعلهم اقوياء".
تخفض عينيها على سجادة عبادتها. تبكي بصمت. تبكي.. تبكي.. ! لكنها وقت تنتبه الى نفسها تجهل بعض من علل بكائها!
تقول متهدجة " ربي أحمني من الضرر...".
في الليل تلهو من جديد مع طفلها. تجدد لمرات فروضه المدرسية.. تتبسط معه في الخيال واللغة واللعب، تداعبه، تشاكسه حتى يتعب. تطعمه غافيا.. تهزه بلطف، بقوة، بمسكنة، " لا تنم يا حبيبي، الليل طويل".
يسقط في النوم وتلوذ وحيدة بالصمت.
قبل ان تلوذ بالنوم. تتملى سريرها. بمجرد وجودها مع السرير تشعر بالاسى وبالخجل! يحمر جسدها/ وجهها/ ملتهبا بالخوف، لأن صباحها سيكون شاقاً إذ عليها ان تسدد دين الليلة الفائتة. تمر الصور بطيئة ممطوطة، مثل كلمات في ماء.
ذلك هو مستقبلها الشنيع يسبقها الى الفراش.
يهمس يطفو كالاثير.. "غاز... غاز..."
خرج رجل بدين، متوسط القامة، حليق لبق مثيرا للحنق والشفقة ليؤكد من جديد:
ــ " بهدوء، رجاء، انتظروا. قلت لكم مرة.. انه واحد فقط، لا يوجد عندنا غيره! وحتى نكمل جمع طلباتكم وندققها، سيكون الرجل من نصيب احدكم. هل فهمتهم قولي؟ ".
اهتزت رؤوس الجمع الجالس بايماءات مختلفة، ومع الرؤوس أهتز راس سنية المتعب بالقبول وبالرضا على الانتظار والاستكانة وهي تردد بالدعاء.. "إلهي أجعله من نصيبي، أجعله صالحي".
الرؤوس التي اهتزت معها وقبلها وبعدها، رددت".. " أجعله لنا.. آمين ". ومع الرؤوس المهطعة، اطرقت راسها. كان الجميع يبحث في اللا شيء عن شيء مفقود!.
قال رجل مسن اثقل الزمن والهم كاهله:
ــ في اخر إجازة له، أكملت لأبني أغراض عرسه، قال لي لابد أن اكمل الاجراءات المتبقية في وحدتي العسكرية، وها قد مضت أثنا عشر عاماً. ولم يعد!
اومأ رجل توافقت قصته مع قصة محدثه قال:
ــ مثلك في المصيبة.. انتظرته ثمانية عشر عاماً لأزفه على ابنة اخي المسكينة.
قالت عجوز:
ــ قد يكون ولدي. أنه أخر الضنى يا بنتي. كان لي ثلاثة غيره. مات الاول في السل، والثاني لا اعرف اين اخذته بنت الحلال! أما اصغرهم فقد استشهد في الحرب بعد اخيه المفقود. تصوري يا بنت الاجاويد، لم يبقَ لي غيره أدعي معي أن يكون هو أبني.
قالت سنية التي كانت تحاذي العجوز:
ــ يا رب.
وقد اكملت في سرها خجلة: "اجعله من نصيبي. هو صالح ان شاء الله.
كان آخر الذين سلموا اوراقهم للرجل البدين عند باب البناية، شاباً لم يتجاوز السادسة عشر. كانت له عارضة من الزغب الناعم، تنبت بين فمه وأنفه توشم فتوته بالرجولة.
قبل ان يأخذ مكانه بين الرجال المقعين على الارض، وقف على رؤوس مجموعة كان يحدث نفسه:
ــ نحن بحدود الثلاثة الاف، فمن عسى سيربحه؟.
الذين سمعوه قالوا في صوت واحد:
ــ أبني.. بل أبني.. زوجي.. أخي.. أبني... ولدي.. زوجي... وحيدي.. أبي.
امرأة في الثلاثين وقد جففت العرق في وجهها، سرت في نفسها: " بل حبيبي، قلبي يحدثني أنه هو. فقد اوعدني واوعدته أن لا يكون لغيرنا ابدا. يا رب اجعله هو. فحتى الارامل اللائي في سنى تزوجن إلا أنا".
الرجل المكدود، مر بالطرقات...
كانت له هيئة مليئة بانكسار العمر الضائع، وبالتعب وبوشلة الامل المعقد!.
ضرب بقضيب من حديد قصير دائرة حديدية علقها بمؤخرة العربة الخشبية التي كان يدفعها امامه.
صوته الفخم الاجش يصيح.. يملأ راسها:
ــ غاز... غاز... غاز.
النسوة المتعبات.. وبعض اللاهيات، وجمع من المنشغلات بشؤون الدنيا والبيت والاطفال والحب، مر بهن صوته "غاز!" مس سمعهن. صيحاته النارية تصعد باستقامة نحو السماء. كانت عيناها مفتوحتين، صعدت رائحته لراسها اغمضتهما.. ضاق جوف معدتها. تردد الصوت مرات لكن بعد حين ضاع.
النور المذهب الحزين في الازقة الضيقة، وهن هو الاخر، وخلف صوته ضاع!.
اندست الظلمة في البيوت، مخلفة صوته في الصمت والالوان الرمادية.
النسوة نسين صوته.. لكنه في ضمير " سنية " وحدها ظل يتردد موهنا طوال الليل!.. يلاحقها "غاز!" تختفي. يطن صوته كانه من داخل المياه "غاز!".
"... أي صوت هو؟!. تفكر مجدفة بالأشياء!.
يفكر الاخرون بالشؤون المختلفة، في المكان، في الزمان، في المال، في الموت.
تنبح الكلاب.. تموء القطط، أما هي التي غربت شمسها منذ اعوام، يظل صوته يطاردها... "غاز.. غاز". تتقاذفها الرغائب المشبوهة، تخدش عفاف صبرها/ تفوقها/ تنسكها، تكشط تجلط الشيخوخة عن روحها، ينبري بريق انوثتها، تنفعل كجمرة خبيثة تحت رماد الارغام، تنكفئ ملتاعة، تتلظى تبكي.. مثل آنية هشة من الزجاج، قدرية/ متميزة تهرب من تساقط نفسها خشية ان تنثلم / تنكسر.
في ليلة تجرأت ان تترك روحها على سجيتها!
في تلك الليلة فعلت ذلك. المرة الوحيدة التي اشعرتها غريزتها كامرأة ناضجة أن عليها أن لا تهرب، أو تختفي، كأنما ادركت ولأول مرة أن افكارا صغيرة منبعها الحب ليست ضارة!!.
- عليك ان تخبرني بالله يا رجل.. اصدقني القول!
- لقد رايته بعيني هاتين يسقط في ساحة المعركة.
صمتت وكان وحش الألم يأكلها.. أصاب حيويتها أولا ثم افكارها.
- لكنكم في لباسكم الموحد متشابهين! كيف ميزته؟!
- أعرفه جيدا حتى من قفاه.
اصابع مخملية لامست قلبها، وثمة ضباب مخدر انطبق فوق عينيها، قالت تبحث في وحل هزيمتها عن خرزة اليقين.
- ألم يشتبه العرض عليك في تلك اللحظة؟!
- مازالت صورته واضحة امامي حتى الان.
ضاق صدرها. غطت وجهها بدت عاجزة عن فعل شيء. سمعها تشهق بالسؤال:
- هو؟!
- هو.. ليس لي صديق سواه!.
وتظل تسال بائع الغاز عن تفاصيل أخرى. لكنها حين لاحظت الدموع تترقرق في عينيه سكتت.
لم يكن امام سنية وقد آل جدار أملها للسقوط، إلا أن تهرب لزاوية من بيتها بعد ان عجزت عن تحويل عالمها الى صحراء لتبكي بملء قدرتها فيها.
وكامرأة كسيرة شعرت أن خيالها مثل كبد ضعيفة لا ينظم ايمانها بقدر ما يتلفه.
في الصباح وقد استيقظت مريضة، انكبت رغم خمودها تجلد نفسها في العمل المضني قبل أن تسقط مغشيا عليها.
الرجل البدين وقف مفردا قامته القصيرة أمام الجمع الذي وقف بدوره. وكانت ضجة متربة قد عجت في المكان. صاح:
ـ بعد قراءة طلباتكم ومطابقتها مع مواصفات الرجل الوحيد عندنا، وجدنا ان جميعها سلبية لا توافق مواصفاتكم لصفاته، نحن في اشد الاسف لذلك.
سمع الجميع صوت الباب الحديدي حين دفعه الرجل خلفه، يصم اذانهم، ملأ الفضاء ضجيج معقد من الذهول المبهم.
ثبتت " سنية " نظرها ببائع الغاز الذي استدار ناحية الخلاء الواسع... تتبعه بخمول. يصم اذنيها وراسها صوت مطرقة الحديد التي غشيت صوته:
ــ غاز... غـ..ا..ا..ا..ز
.............
كانون الثاني/2003
نشرت في مجلة الاقلام – عدد ابداعي خاص بملف القصة القصيرة العراقية. العدد ـ 1ـ كانون الثاني، السنة واحد واربعون/ 2006.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,417,997
- الاشباح التوأم قصة قصيرة
- حلم أتمام القصيدة ...
- صمت الغرانيق قصة قصيرة
- مائدة الحلم قصة قصيرة
- الغائب قصة قصيرة
- شقي بن كسير !. قصة قصيرة
- دبيب التملك..
- اسفنديار.. قصة قصيرة .
- سيناريو الحلم والانهيار.. قصة قصيرة.
- ماذا إذا شحَ المُعنّى؟!..
- قراءة في كتاب...
- كان أسمه - أنا - !..
- ديرم أسمر...
- على وشك...
- تصلب الحب قصة قصيرة
- حكاية الشعبة (د) سيناريو قصة قصيرة
- لعمق جهاتكِ وجهي...
- موشح.. لما يعتري!..
- عليلا شفيتَ..
- بُنية القص في ( الغائب )..


المزيد.....




- تلخيص رواية -الكفر الحلو- لإليف شافاق
- وزارة الثقافة تتحرك ضد واقعة جلوس أحد العازفين فوق بيانو يعد ...
- بفيلم استقصائي.. الجزيرة تكشف علاقة متطرفي -هوية الجيل- بالج ...
- ظنوا أنها مزحة.. ممثل كوميدي هندي يتوفى على خشبة المسرح في د ...
- -سيدة البحر- للمخرجة السعودية -شهد أمين- للعرض في مهرجان فين ...
- بعد استقالة الأزمي.. العثماني يجتمع ببرلمانيي المصباح
- علامات الممثل عند دينس ديدرو
- ثروة الفنون التشكيلية الجميلة
- فيلم يجمع بين أنجيلينا جولي وسلمى حايك
- الموسيقى تضيء شارع المتنبي


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - غاز.. غاز قصة قصيرة