أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلاقات الجنسية والاسرية - مازن كم الماز - الماركيز دي ساد و التنوير















المزيد.....


الماركيز دي ساد و التنوير


مازن كم الماز
الحوار المتمدن-العدد: 5360 - 2016 / 12 / 3 - 15:05
المحور: العلاقات الجنسية والاسرية
    


يجسد دي ساد بعض أهم خصائص مشروع التنوير : إن فلسفته تمثل في الواقع النتيجة المنطقية للكثير من أفكار التنوير . إنه يكشف مثلا أن الأخلاق مشروطة أو محددة تاريخيا و ثقافيا , أي أنها مجرد أعراف و عادات و تقاليد لمجتمعات محددة في زمان و مكان محددين . أحد تلك العادات الأخلاقية ليس صحيحا أو حقيقيا أكثر من بقية العادات أو التقاليد الأخرى . استخدم دي ساد أدلة و تقنيات الأنثربولوجيا المقارنة بنفس الطريقة التي استخدمها فيها أشخاص جريئون آخرون منذ ستينيات القرن الثامن عشر , ليكشف عدم وجود شيء اسمه عادات عامة و بالتالي عدم وجود شيء اسمه أخلاق أو دين عامين أو شاملين لكل البشرية . ليس هناك إله بالطبع , فقط مبادئ ميكانيكية يمكن اكتشافها أو تفاعلات كيميائية تحدد كل الأفعال و المشاعر , نظرة شاركه فيها كثير من المؤلهة و الربوبيين أيضا . كان دي ساد من أكبر الدعاة إلى الفلسفة الطبيعية , و اعتقد خاصة أن الملاحظة العلمية أكثر دقة من المنطق العاطفي . الطبيعة , كما فهمها , خالية تماما من أي نوايا أو أغراض أخلاقية , تتألف أساسا من تكرار لا غاية له , و ضياع و تدمير . القواعد الطبيعية العالمية الوحيدة هي المصلحة الذاتية و السعي وراء اللذة , تحديدا اللذة الجنسية . الرجال و النساء هم مخلوقات طبيعية بالكامل , كالحيوانات تماما , و يمكن الحكم عليهم ( أو محاكمتهم ) فقط اعتمادا على قواعد الطبيعة . الفعل الوحيد "غير الأخلاقي" هو أن تقاوم طبيعتك . و المعيار الأخلاقي الوحيد هو ذلك الذي أكده بولونيوس في هاملت شكسبير : أن تكون أنت حقيقة , و ألا تكون مزيفا أمام أي إنسان آخر . لهذا كانت ممارساته السادية المازوخية في حياته الفعلية مهمة جدا لفلسفته : هي التي حددت حقيقة "أخلاقه" لأنها تكشف أنه ليس مخادعا , أو محتالا فكريا . كان رسولا ( نبيا ) تفكيكيا ( 1 ) : فقد سعى لفضح نفاق كل الأنظمة الأخلاقية و علاقات القوة أو السلطة الموجودة داخلها , ثم قام بتدميرها أو قلبها ليحرر الفرد كذات حقيقية ( أصيلة ) غريزية , عوضا عن أن يكون موضوعا تحدده الثقافة أو الإيديولوجيا . قضى دي ساد كثيرا من وقته في تفكيك مفهوم "التكاثر" ( الإنجاب ) , و كشف حقيقة أن كل السلوكيات في الطبيعة التي تصنف تحت خانة "التكاثر" تتألف أساسا من أ - أفعالا غير تكاثرية , و ب - أفعال مضادة للتكاثر . مثلا , إن الطبيعة مبذرة جدا في الطريقة التي تتعامل فيها مع بذور الحياة : تموت ملايين النطاف بينما يقوم أحدها فقط بتخصيب البيضة , و يتم إنتاج أعدادا لا حصر لها من تلك البيوض كل شهر فقط ليتم التخلص منها بكل بساطة في نهاية المطاف دون أن تتحول إلى ثمار . الغالبية العظمى من الأفعال الجنسية لا تؤدي إلى الإخصاب و هي كثيرة و متكررة باستمرار بحيث لا يمكن أن يكون هدفها الحقيقي هو الإخصاب . يبدو أن سيلان المفرزات , لا الإخصاب , هو الهدف الحقيقي لما يسمى برغبة "التكاثر" أو الإنجاب . "ينتج المني ليطرح خارج الجسد , مثل أية مفرزات أخرى" ( قصة جولييت - دي ساد ) , أي أن القذف يتنكر في شكل التكاثر في رؤية الرومانسيين ( العاطفيين ) للطبيعة . استخدم دي ساد الملاحظات عن غلبة عدم التكاثر و معاداته في الطبيعة ليحتفي بالتفوق الطبيعي للعادة السرية و الجنس الشرجي ( اللواطة ) على الاتصال الجنسي التقليدي . ثانيا , إن أغلب ما يسمى بفصل التزاوج لا يتألف من التزاوج نفسه , بل من المعارك التي يحاول من خلالها الذكر المهيمن أن يتأكد من أن بقية الذكور لن يحصلوا على فرصة للتكاثر أو الإنجاب . في الحقيقة لا يوجد أي تعاون لضمان بقاء أو حفظ "ال"نوع أو "ال"جنس , بل صراعات بين الفروع و الأسر المختلفة داخل تلك الأنواع , تتقاتل فيم بينها للسيطرة على منطقتها . أكثر من ذلك , لا تكترث الطبيعة حقا ببقاء أي من الأنواع أو الأجناس . من الشائع أن يحاول أحد هذه الأجناس القضاء على جنس آخر ( حتى لو فقط عن طريق التهام كل أفراده ) . و أكثر من هذا , فإن الزلازل , الفيضانات , المجاعات , الحرائق , الأوبئة , شائعة أيضا في الطبيعة , دون أن يكون لها أي "غرض" محدد لكي تحققه . ليست الاستمرارية و المحافظة هي أبرز سمات الطبيعة , بل التغير و التدمير . يدافع دي ساد عن ( أو بالأحرى , يحتفي ) بالسادية - المازوخية بعدة طرق : أولا , نجد في الطبيعة ممارسة الجريمة أكثر بكثير من منعها . الكائنات الطبيعية ( مثل الحيوانات التي لم تلوثها الحضارة ) هي لا مبالية بقسوة تجاه مصير الآخرين , مستغرقة بكل أنانية في ملذاتها الخاصة , و تسعى لممارسة السيطرة الكاملة على الآخرين , و هي تسبب لهم الآلام و تستخدم التخويف و التدمير لتحقق سلطتها تلك , و تسبب الألم للآخرين حتى في سبيل متعتها الخاصة فقط . ( الأشخاص الذين يحملون رؤية عاطفية أو رمانسية عن الطبيعة صعقتهم تماما تلك الفترة من حياة ديفيد أتينبورغ على سطح الأرض التي كشف فيها أن حيتان المينك ترمي صغار الفقمة بعيدا و تقتلها فقط من أجل المتعة ) . ثانيا و ربما الأكثر انتشارا , قال دي ساد ببساطة أن رجالا و نساءا معينين يجدون في داخلهم ( من طبيعتهم ) أنهم – أنهن يحصلون على المتعة من خلال التسبب بالألم الجنسي أو التعرض له . أي أن هذا سلوكا "طبيعيا" بالنسبة لهم , و أنهم محقون في التصرف وفق طبيعتهم : "في كل الأحوال ليس لك أي حق لكي تندهش أو تدينني , لأني أتصرف حسب الطريقة التي صنعتني بها الطبيعة , لأني أسير في الطريق الذي أعدته لي , و لأني عندما أفرض عليك الانضمام إلى عالم شهواتي القاسية و المتوحشة , فإن ذلك لأن وحدها القادرة على أن تقودني إلى أقصى درجات اللذة , إني أتصرف هكذا حسب نفس مبدأ الحساسية المرهفة مثل العاشق ذي العواطف الباردة الذي لا يعرف سوى أزهار العاطفة بينما لا أؤمن أنا إلا بالأشواك , لأني عندما أعذبك , أقطعك إربا , أفعل الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يحركني , تماما كما أنه عندما يضاجع عشيقته ( حبيبته ) يفعل ذلك الشيء الذي يحركه , لكنه يملك حساسية مخنثة , لكن ذلك الشيء ليس لي" ( قصة جولييت ) . يقر دي ساد بأن تلك الرغبة هي أشبه "بالهوس" , لكنه هوس طبيعي , و أن الأسس الطبيعية هي الأسس الوحيدة التي يمكن الحكم من خلالها على تلك الرغبات الطبيعية . ثالثا و الأكثر أهمية , أن السادية المازوخية هي تكنيك أو أداة لإعادة الصلة بين الإنسان و الطبيعة . كما أوضح دي ساد ذلك في جولييت , إنها تمثل "صدمة" قوية بما يكفي لإعادة توجيه الإنسان من المسار المزيف للحضارة إلى المسار الأصيل ( الحقيقي ) للطبيعة . ( لو أن دي ساد استخدم تعبيرا تشبيها من السكك الحديدية , لقال أن السادية المازوخية هي الهزة أو الصدمة الكهربائية الذي تنقل العربة من المسار الخاطئ و يضعه على المسار الصحيح ) . الفاسق ( الخليع ) السادي يعرف أكثر اللذات قوة , أشدها , و أكثرها إثارة , من خلال إيقاع الألم بضحيته , و من ثم الرعب . هذه الرغبة "المتوحشة" حرفيا تجرد كل المشاركين من أية إنسانية , سواء من يمارس السلطة المطلقة كما الضحايا الذين يختزلون إلى عجز مطلق , و الذين يمكنهم من خلال ذلك أن يدركوا أنهم مجرد مخلوقات للطبيعة , الأمر الجيد بالنسبة لدي ساد . بكلمات أخرى السادية المازوخية هي أداة للثورة . يمكن استخدام الهرطقة أو الكفر لنحرر أنفسنا من أغلال الدين بنفس الطريقة التي تحررنا بها السادية المازوخية من القيود المعادية للطبيعة . هذا رغم أن الهرطقة لا تحدث من خلال الطبيعة الحيوانية , لكنها تكنيك مبرر و مقبول يستخدمه الفاسقون لإعادة بناء النظام الطبيعي بدلا من النظام المسيحي . إن الهرطقة و السادية المازوخية مرتبطان معا بقوة في عالم دي ساد , و أنا أعتقد أن الطريقة الشفافة التي يستخدم بها دي ساد الهرطقة أو الكفر تساعدنا في رؤية كيف يستخدم السادية المازوخية بنفس الطريقة كأداة سياسية , كوسيلة لهدفه أكثر من أن تكون غاية بحد ذاتها . كأداة للتنوير و التحقق ( الوعي ) الذاتي . لقد قيل , منذ روسو , أن "السعي الجامح و الهوسي نحو السعادة يجعلنا تعساء" . لكن هذا لا ينطبق على حياة دي ساد . لقد قضى دي ساد معظم حياته الناضجة في السجن , مع فرص محدودة للأسف ليسعى وراء سعادته , و أيا تكن المعاناة أو البؤس التي عاشها فإنها ترتبط بعقابه أكثر من هواجسه . لقد قيل من قبل أن البشر بعيدون عن أن يكونوا أحرارا , أنهم مستعبدون , و منحطون و أن شهواتهم تدمرهم . لكن دي ساد كان مستعبدا و دمر في الحقيقة بسبب رد فعل المجتمع على شهواته , ليس بسبب شهواته نفسها . لقد أدين دي ساد لأنه "مستمني" ( ممارس للعادة السرية ) . يدهشني أنه ما يزال من الممكن في القرن الحادي و العشرين القول بأن العادة السرية هي فعل جنسي منحط , أو أنه يمكن اعتبارها تعويضا مريضا أو هوسيا أو أنها الملجأ الأخير . على العكس من خصوم ( منتقدي ) العادة السرية في القرن الثامن عشر و بعدها في القرن التاسع عشر , كان دي ساد من أوائل الذين اعتبروا أن العادة السرية طبيعية تماما , و أنها متعة ذات قيمة في حد ذاتها . أعتقد أن معظم أطباء اليوم قد انتهوا إلى رؤية دي ساد بعيدة النظر التي لا تعتبر العادة السرية مرضية . يزعم الكثيرون أن قراءة الكثير من كتابات دي ساد تبعث على الملل و الخمول , و أنها تستخدم البرونوغرافي ( الأدب الإباحي ) بشكل سيء جدا . لكني لا أعتقد أن هذا يعبر عن كل تجربة قارئي دي ساد . أعتقد أن هذه عبارة مجازية تعود إلى البلادة يستخدمها ذوي العقول المترفعة ليدحضوا قوة البرونوغرافي ( الأدب الإباحي ) . يحتاج معظم مستخدمي البرونوغرافي إلى تكرار صور غير متغيرة , و غالبا محددة و ذات طابع فيتشي ( فيتشية ) . غالبا ما يكون ذوق قارئ البرونوغرافيا يتعلق بالتفاصيل , قد يبدو أن ما يحقق له ( أو لها ) أقصى إشباع مملا أو مضحكا لذوي الأذواق المختلفة . طبعا من المخجل أن نقول علنا أن عمل فاحش ما هو مثير , لذلك فإن الذين يقولون عادة أنه ممل هم الذين ينتصرون . أعتقد أن هذه العبارة المجازية عن الملل تأتي أيضا من التجربة العامة جزئيا عن استخدام برونوغرافي الجنس المحرم , ففي اللحظة التالية للإشباع ( القذف ) , يتبعها شعور بالقرف أو الاشمئزاز الذاتي . لكن التغلب على هذا القرف هو متعة ( سعادة ) الفاسق . إني أجد أعمال دي ساد منعشة فكريا , بتعابير الفلسفة الجنسية – حتى بعد قراءة أعماله الكاملة , و لو بترجمتها إلى الانكليزية , مرتين على الأقل , و قراءة أعماله الأقصر و جوستين أربع إلى خمس مرات . في كل مرة يذبح فيها بقرة مقدسة , ننملكني موجة عارمة من الفرح . أعتقد أن استخدامه لأسلوب سقراط في الحوار رائع , و لا أفهم كيف يعجز القراء عن فهمه أو الإعجاب به . مقاله "حوار بين رجل دين ( قسيس ) و رجل يحتضر" , و بعض كتاباته القصيرة الآخرى ( و بعض المقاطع "غير الفاحشة" من جوستين ) يمكن مناقشتها بالفعل في الفصول الجامعية دون الخوف من تهمة الترويج للبرونوغرافي , و أنا واثق من أنها ستحظى بمناقشات جدية داخل تلك الفصول . بينما يمكن القول أن روسو هو على العكس من ذلك , يحوي الكثير من الهراء . اعتمد كتاب فرانسين دي بليسيكس غراي "في المنزل مع الماركيز دي ساد" كثيرا على الفرويدية . و كذلك كتاب أنجيلا كارتر "المرأة الدي سادية" ( 1979 ) , رغم أنها تقر بأن نظريات فرويد قد تكون "حقائق شعرية" لكنها علم نفس مزيف . لكن كارتر تعتمد أكثر على نظريات يونغ ( تلميذ فرويد - المترجم ) ( الأكثر مناسبة لدي ساد بما أنه يتعامل مع الثقافة أكثر من العائلة ) . إن مقال كارتر الموسع هو في المجمل نقد راقي و توضيحي لأدب دي ساد الإباحي و فلسفته , خاصة فيما يتعلق بالتحرر الجنسي للنساء . قصة كارتر تجسد المخيلة السادية المازوخية ( و قد قرأت أعمالها الكاملة أيضا ) , لذلك غالبا ما يكون تحليلها الاحتفالي لدي ساد ممتعا , خاصة لأنه يأتي من نفس المدرسة . من المثير أيضا أن دي ساد كان أيضا ناقدا أدبيا في بعض الأحيان , و كان قد تعرف على الأدب الانكليزي المعاصر له الذي كان قريبا من فلسفته . قرأ دي ساد خاصة ريتشاردسون , و لو فقط من ترجمة بيرفوست , و امتدحه كثيرا . و قرأ أيضا فيلدينغ , و "الراهب" للويس , و أسرار أودولفو لرادكليف , و واحدة أو اثنتين من رواياتها الأخرى ( مترجمة إلى الفرنسية ) . تقييم دي ساد للتقليد التاريخي للرواية و نصائحه لروائيي المستقبل : الفكرة الأساسية للرواية ( 1800 ) يستحق القراءة . تحليل دي ساد لريتشاردسون خاصة مثير و هدام عادة : "إن ريتشاردسون و فيلدينغ هما اللذان علمانا أن دراسة قلب الإنسان فقط , تلك المتاهة الحقيقية للطبيعة , يمكنها أن تحفز كاتب الرواية , الذي يجب أن يجعلنا عمله نرى الإنسان ليس فقط كما هو أو ما يكشف هو عن نفسه ( إن هذه مهمة المؤرخ ) , بل لما قد يصبح أو ما قد يصبح تحت تأثير الرذيلة و ضربات الرغبة . لذلك من الضروري أن نعرفها جميعا و أن نستخدمها جميعا إذا رغبنا بأن نعمل في هذا المجال . تعلمنا أيضا أن المصلحة لا تتحقق دائما بجعل الفضيلة تنتصر , أنه من الضروري أن نبقى نسير باتجاهها طالما كان ذلك ممكنا , لكن تلك القاعدة لا توجد لا في الطبيعة و لا عند أرسطو , لكن مع أنها القاعدة الوحيدة التي نرغب أن يخضع لها كل البشر في سبيل سعادتهم , فإنها ليست ضرورية بأي حال من الأحوال في الرواية , و لا يجب حتى أن تتغلب على المصلحة . لأنه عندما تنتصر الفضائل , و تكون الأشياء "كما يجب أن تكون" , فإن دموعنا ستجف قبل أن تهرق , لكن إذا شاهدنا أنه بعد آلام شديدة القسوة , كيف تسحق الرذيلة الفضيلة في النهاية , فإن أرواحنا لن تجد عندها مفرا من الشعور بالفظاعة أو الذعر , و تكون عندها تلك الرواية التي حركت أعماقنا بقوة , قد أغرقت قلوبنا في الدماء , كما قال ديدرو , ستتحقق عندها الفائدة , الشيء الوحيد الذي يضمن الشهرة . لنطرح هذا السؤال : لو أن ريتشاردسون الخالد أنهى الرواية بعد 12 أو 15 فصلا بشكل أخلاقي ( قائم على الفضيلة ) بأن يغير لوفيلاس و يجعله يتزوج كلاريسا بكل بهدوء , هل كنا سنذرف الدموع السخية التي تصدر فقط عن المخلوقات مرهفة الحس ؟ إنها الطبيعة التي يجب أن نتعامل معها و نحن نعمل هنا , قلب الإنسان , أقوى أعماله , لا الفضيلة أبدا , لأن الفضيلة , مهما بدت جميلة و ضرورية , ليست إلا واحدا من تلك الأمزجة المتعددة لذلك القلب المدهش , التي تكون دراستها العميقة ضرورية لكاتب الرواية ( الروائي ) , و التي يجب على كل تطور في الرواية , تلك المرآة الصادقة لذلك القلب , أن تسجلها" . لقد وصمت روايات دي ساد بأنها مجرد "كراهية قاسية للنساء" , لكني أعتقد أن موقفه من النساء أكثر تعقيدا من ذلك . لقد كان تدمير( قلب ) دي ساد للقيم الأخلاقية التقليدية قويا جدا ( متطرفا جدا ) بحيث أن تعبير "كراهية المرأة" أصبح بلا معنى في هذا السياق . لكن بغض النظر عن هذا , كان دي ساد نسويا بطريقة ما , طريقة حقيقية جدا , رغم أن نسويته شديدة التطرف , تدعو إلى أكثر من مجرد إحراق حمالات الأثداء . عرف دي ساد أن النساء كن سجينات في فكرة المرأة نفسها , و أن الخاصية المركزية في هذه الفكرة هو تعريف المرأة بقدرتها البيولوجية على الإنجاب . قال دي ساد صراحة أن المرأة الجديدة يمكن أن تتحرر فقط إذا رفضت بالكامل فكرة أن التكاثر ( الإنجاب ) ضروري في طبيعتها , إذا رفضت فكرة أنها توجد فقط كتابع للرجل , بتأكيد أنها ذات جنسية ( لا موضوعا جنسيا ) يمكنها أن تتمتع بالجنس لمتعتها الخاصة فقط . يقر دعاة النسوية منذ القرن الثامن عشر أن العائق الأساسي أمام حرية المرأة هي فكرة أو صنع المرأة كزوجة و أم و طفلة – الذي يختزل المرأة في مبدأ التكاثر أو الإنجاب البيولوجي . أراد دي ساد تحرير النساء بإزالة الهالة المحيطة بهذه الفكرة عنهن كنساء . لذلك تقوم إيوجيني في "الفلسفة في غرفة النوم" باغتصاب أمها بقضيب اصطناعي كبير , و تحاول أن تعديها بمرض السفلس ( الإفرنجي 2 ) , ثم تخيط فرجها ( فتحتها التناسلية ) أمها بإبرة و خيط . هذه ليست خيالات جنسية شخصية لشخص كاره للمرأة , بل سلسلة من الصور التي تستخدم بشكل منهجي لتدعم رؤية أو فكرة التحرر الفردي و الجنسي . إليك بعض الأفكار من تحليل أنجيلا كارتر لفكرة الرواية هذه ( من مقالها المرأة الدي سادية ) : "على إيوجيني أن تقضي على جنسانية أمها قبل أن تصبح حرة .. إن أيوجيني , على عكس أوديب , تتصرف و هي تعلم أنها ترتكب جريمة . إن جريمتها هي نتيجة لبحثها عن المعرفة . إنها تضاجع أمها بدافع الانتقام و تجد نفسها بالتالي في وضع أوديب أنثوي لكنها لا تصاب بالعمى , لقد أبصرت النور ... أساس الحكاية هو علاقتها بأمها و انتصارها الأخير المتناقض على مبدأ الأنوثة كما يتجسد في وظيفة الإنجاب ... لذلك فإن العداوة الجنسية هي علاقة حتمية بين الأم و الابنة , طالما اعتبرت الأم أن الجنسانية تتطابق مع الإنجاب و أنه بالتالي فعل مقدس تشارك فيه فقط الأم المقدسة نفسها ... ( إن الأم في روايات دي ساد ) هي مدفن ( قبر ) الجنسانية الإنجابية . لذلك فإنها تجسد بنفسها قمع اللذة الجنسية ... الأم نفسها هي النفي المجسد لفكرة اللذة الجنسية بما أن جنسانيتها توجد فقط في خدمة وظيفة الإنجاب فقط ... الانتقام , الاعتداء , المجد ! تدير إينجيني مؤخرتها لأمها و تطلب منها أن تقبلها . إن حصولها على استقلالها يشترط تحطيم كل تابو قد تخشاه ... إن نفي الفتنة المفلسة للرحم يعني التخلص من القسم الأكبر من السحر المخادع في فكرة المرأة , لتكشف عن المرأة كما هي , ككائنات من لحم و دم , تنحرف أفكارها عن الضرورة البيولوجية لتجبرها على التخلي عن , ربما بشيء من الندم أو بشيء من الراحة , عن الكهنوت المزيف أو المخادع لوظيفة الإنجاب المقدسة" . يمكننا بالطبع أن نختلف مع تحليل كارتر لكنها على الأقل أحد النسويات اللواتي اعتقدن أنه من الخطأ تفسير دي ساد على أنه يكره أو يخاف جنسانية المرأة : إنها فقط جنسانية المرأة المصطنعة كامرأة هي ما يكرهه دي ساد . في هذه السنة ( 2014 ) تمر ذكرى مرور قرنين على موت دي ساد في 2 ديسمبر كانون الأول 1814 , إنه الوقت المناسب , ليس فقط لنحتفل بسقوط آخر معقل للنظام القديم ( كما كان النظام الملكي قبل ثورة 1789 يسمى ) , بل أيضا لنتذكر الكلمات الخالدة لآخر السجناء السياسيين في الباستيل , الماركيز دي ساد ( 3 ) : "انهضوا و أعيدوا رسم الحدود بين الخطاب المهيمن و بين الآخر , اهدموا , أيها الرفاق , اهدموا !" .

( 1 ) التفكيكية نظرة نقدية طورها دريدا عن العلاقة بين النص و المعنى
( 2 ) السفلس أو الإفرنجي مرض منتقل جنسيا , سماه العرب بالإفرنجي , كتعبير عن الهوموفوبيا , التي تشيطن الآخر و تقدس الذات
( 3 ) قبل مهاجمة الجماهير الباريسية للباستيل كان دي ساد يصرخ من نوافذه قائلا للناس أن الحراس يقتلون السجناء في الباستيل و كان يلقي بقصاصات يردد فيها ذلك , لكن عندما اقتحم الباريسيون الباستيل لم يكن دي ساد داخله , كان قد نقل إلى سجن آخر

نقلا عن
http://rictornorton.co.uk/though21.htm





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الثورة الروسية و الحكومة السوفييتية , لبيتر كروبوتكين ترجمة ...
- حفيد غيفارا الأناركي
- الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في ...
- التوليتارية و الأدب – جورج أورويل
- هل يمكننا تغيير العالم من دون الاستيلاء على السلطة ؟ جون هول ...
- 1نيتشه و الأناركية – شاهين
- تأسيس الأممية الأولى
- الدكتور فيصل القاسم و الدواعش و العلمانجيون
- المعارضة السورية و أياديها البيضاء على الثورة السورية 2
- الخلفية الأناركية للأممية الأولى
- الشيوعيون و الهوموفوبيا أو رهاب – كراهية المثليين , حوار مع ...
- المثلية الجنسية في اتحاد السوفيتي
- المعارضة السورية و أياديها البيضاء على الثورة السورية
- الناشطون بين المشهد النيوليبرالي و التسيير الذاتي للجماهير
- دماغ لينين - بول غريغوري
- نعوم تشومسكي عن سوريا : مجموعة قاتمة من الخيارات
- من هو السجين هنا ؟ - بول غريغوري ... عن حراس معسكرات الغولاغ
- نصوص لدانييل خارمز مهداة إلى حلب
- ليس دفاعا عن تشومسكي - تعليق على مقال الرفيق فؤاد النمري
- الأناركية و القومية


المزيد.....




- أوكرانيا.. حادث مروري مروع -بطلته- امرأة
- لماذا النساء أقل أنانية من الرجال؟
- نساء لـ (الزمان): جرأة الفتاة شجاعة لا وقاحة
- عندما تدفع الناجية الثمن مرتين
- Me too
- الفتيات أيضا يحبن الأسلحة
- موريتانيا: -معيلات الأسر- ترصد حالة اغتصاب داخل مدرسة
- #MeToo: حمّى التحرش الجنسي التي بدأت بواينشتاين
- مدن الجحيم على النساء
- بطلات رفعن اسم مصر فى 2017


المزيد.....

- بول ريكور: الجنس والمقدّس / فتحي المسكيني
- المسألة الجنسية بالوطن العربي: محاولة للفهم / رشيد جرموني
- الحب والزواج.. / ايما جولدمان
- جدلية الجنس - (الفصل الأوّل) / شولاميث فايرستون
- حول الاجهاض / منصور حكمت
- حول المعتقدات والسلوكيات الجنسية / صفاء طميش
- ملوك الدعارة / إدريس ولد القابلة
- الجنس الحضاري / المنصور جعفر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلاقات الجنسية والاسرية - مازن كم الماز - الماركيز دي ساد و التنوير