أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - تحررت مدينة هيت ولكن متى تدور نواعيرها؟















المزيد.....

تحررت مدينة هيت ولكن متى تدور نواعيرها؟


عبدالحميد برتو
الحوار المتمدن-العدد: 5311 - 2016 / 10 / 11 - 02:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إحتفلت مدينة هيت بما أُطلق عليه عيد التحرير من داعش، وتبادل أبناؤها التهاني والتبريكات بكل إتجاهاتهم السياسية وفئاتهم الإجتماعية. ولم يستطيع أي من أبنائها كتم فرحته مهما كان مثخناً بالجراح والآلام وعدم الرغبة بأن يبدو وكأنه في موقع من يقف طموحه عند حدود مسقط رأسه، إلا أن شفيع أبناء المدينة أنهم من جانب آخر ينظروا الى التحرير بوصفه عيداً وطنياً أيضاً، ويريدونه كاملاً وغير منقوص وراسخاً، فرحوا لأنه يصب بإتجاه وحدة الوطن العراقي، ومن أجل كل العراق، ومن جهة أخرى فرح الناس من حولهم، كما فرح أبناء المدينة أنفسهم.

هذه المدينة ظلت متوازنة عبر تاريخها، لأنها تأكل مما تنتج، وإن طبيعة العلاقات القائمة في داخلها تقوم على أساس النزعة الوسطية البعيدة عن الغلو بكل إنواعه. وأبناؤها يحبون مدينتهم، ولكنهم يكنون ذات الإحترام لكل المدن أخرى، وهكذا كانوا عبر تاريخها المديد. وهم مثل كل سكان المدن العريقة في العالم لا يبخلون على مدينتهم بالأوصاف الرائعة عن وجه حق: عروس الفرات؛ أم النواعير؛ مدينة العيون؛ أم الخير والكرم ... الخ. ولأنها مدينة وطنية وطيبة ومسالمة فرح معهم كثيرون من أبناء الوطن العراقي بإتجاهات الأربعة.

هم يعرفون أن تنظيم داعش أساء لكل العرب والمسلمين قبل غيرهم، وليس لمدينتهم فقط. وأنزل بالعراق والعرب والمسلمين أفدح الأضرار، بما لم يُنزله ألد أعدادهم، وإن وصف داعش بأخطر تنظم إرهابي يبدو سقيماً، لأنه لا يصف أو يعبر عن الحقيقة كاملة، خاصة فيما يتعلق بالأساليب الوحشية للتنظيم، والتفاخر والتفنن البشع بتلك الأساليب. إن تنظيم داعش منح قوى اليمين والشر والعنصرية على الصعيدين العالمي والإقليمي طاقة وافرة للتأليب على شعبنا وشعوب منطقتنا دون أن تدفع تلك القوى ثمناً أو تبذل جهداً.

يتطلب الوضع الراهن جهود متنوعة من قبل ضحايا ذلك التنظيم لمعرفة الكثير عنه، وليس فقط إطلاق الشتائم والتهديدات، فلا توجد شتيمة تعبير بعمق عن تفرد داعش أو إحتلاله للموقع الأول في الإجرام، كما إن التهديدات لا تخدم أحداً سوى تنظيم داعش نفسه.

كل حركات التمرد تاريخياً تبدأ صغيرة ثم تتوسع عددياً وفي المساحة أيضاً، وتعتمد جل حركات التمرد التي تملك شرعية أو تلك التي لا تملك على أستخدام الطبيعة الجغرافية لتلعب دوراً لصالحها في عرقلة حركة الخصوم، مثل: الغابات؛ الأحراش؛ المخاضات المائية؛ الجبال وأي حواجز طبيعية أخرى. وهذا ما لم يفعله تنظيم داعش.

وفي كل حركات التمرد يعمل عناصر التمرد على كسب عواطف الناس الذين يقعون تحت سيطرتهم، وهذا ما لم يفعله تنظيم داعش، بل أوغل في تنفير الناس وإهانتهم. فلابد هنا من تشخيص بعض الحقائق التي ساعدت في ظهور هذه الحالة الشاذة، وطريقة عملها، وإسلوب وشكل ظهورها، وطبيعة تعاملها مع الناس، وبقائها هذا الوقت الطويل نسبياً، وذلك لإضاءة الطريق أمام المستقبل، ولمعرفة النقاط السوداء الغامضة، التي لم تنل حقها من البحث والدراسة والمعالجة.

كما إن كل حركات التمرد لابد أن تجد قوة دعم خارجية معلنة في الغالب، أو غير معلنة، ولكنها معروفة حدساً بما يقترب من اليقين، ولكن داعش لم يكن على هذا الحال، على الأقل في الظاهر.

حاز تنظيم داعش في البداية على مساحات شاسعة، ولكن تلك المساحة بدأت تتقلص تدريجياً، على عكس مما هو مألوف في كل الأماكن والأوقات السابقة. فما الذي يجعل تنظيم داعش يستمر كل هذا الوقت بعد حروبه مع عدة دول وفي وقت واحد. وبعد أن تحولت القوات الجوية والفضائية لكل دول العالم الى قوة جوية واحدة ضده. وربما هناك من يقول إن القصف الأمريكي لم يكن جدياً، فإذا وجه أحد الإتهام للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش، فهل هذا الإتهام ينطبق على روسيا، التي تؤمن بحروب الأرض المحروقة، ومارستها غير مرة. روسيا توقعت أن حربها الجوية في سورية سوف تستمر أسبوعاً واحداً أو إسبوعين على أبعد إحتمال. والأن مضى على التدخل الروسي أشهر، وهناك دولياً من يتمنى أن تتوغل روسيا في الأزمة الراهنة بمنطقتنا أكثر فأكثر على غرار التدخل السوفيتي في أفغانستان، وروسيا ذاتها تتوجس من ذلك المآل. لنبحث في أسرار محاولات إعادة تقاسم النفوذ والهيمنة بين الأطراف الدولية المعنية بأزماتنا، والتي تريد تحويل منطقتنا الى ميدان رماية لأسلحتهم الحية، علنا نجد ما غاب عن بالنا، ويفسر لنا الأحجية الدولية الراهنة، ومنها ظاهرة داعش بكل مفارقاتها التي أشرنا إليها. وقد تستمر اللعبة طويلاً، ويظل البعض منا يطرب أو يمتدح هذا الطرف الدولي أو الإقليمي أو ذاك. والأطراف الدولية تصارع بعضها على أهداف واضحة بالنسبة لها، على أراضينا وبدماء أهالينا، بعض الأطراف الدولية قد تكتفي ببعض الإحترام لمصالحها، والبعض الآخر أكثر شراهة. وربما هذا الصراع من عوامل وجود اللوحة الدولية الحالية التي تبدو غامضة وسريالية، وبكل إنعكاساتها الجائرة علينا.

علينا واجب نحن الذين تسحق مدنهم على يد تنظيم داعش، وأحياناً على أيدي متشددين ضد داعش قبل وخلال وبعد طردها. أن نقف صفاً واحداً ضد كل الإنتهاكات والسرقات والتهديدات والوشايات وغيرها من قبل أي جهة كانت، من أبناء تلك المناطق نفسها أو من خارجها، علينا أن نتعلم ثقافة التسامح والعدل وإحترام كرامة الإنسان وحقه في الحياة الآمنة والكريمة.

ولغرض المعالجة علينا على الأقل أن نطرح هواجسنا وشكوكنا وتقديرات وكل ما نتصوره عن الحل السليم، على كل شركائنا في الوطن أو الإنسانية، وما نراه حول الحكومة والقوات المسلحة ضمن الدولة وخارجها، وأن نستعد للتطورات المتوقعة، وهي سلبية على الأرجح، وعلى أكثر من صعيد، ومن أكثر من طرف، وينبغي علينا وضع حواجز قوية أمام المخاطر المحتملة لمنع ما يمكن منعه أو على الأقل الحد منها.

تابع الجميع أوضاع المدن التي عانت من إعمال داعش، في سورية والعراق وليبيا واليمن وغيرها، والتي مازالت تعاني من تلك المأساة المريرة. حديثنا اليوم يدور عن مدينة تحررت من داعش، وتريد أن تنفض غبار هجرة أبنائها الى مدن أخرى، وتعاني الخوف من المستقبل المجهول، ومن أوضاع بيوتهم المهدمة تفجيراً وقصفاً وبيوتهم المسروقة خلسة أو عنوة، والأبتزار والخوف من المخبرين، والقلق على مدارس أطفالهم، ومن الزمن نفسه.

مازال الخوف يطبع حياة الناس من غدر داعش، كما حصل غير مرة، ومن مظاهر أخرى جديدة، منها المسؤوليات الجديدة التي ستحل بعد طرد داعش بالكامل، ومنها ما يتعلق بطبعية الحالة السياسية العامة في البلاد، ومستقبل الحكومة الفاشلة والمنقوصة السيادة، والضغوط القوية على الإقتصاد العراقي، وعجزه عن توفير متطلبات عمليات إعادة الإعمار، والخطط المرسومة لمستقبل العراق كبلد، كما إن تبعات تلك الأوضاع مجتمعة ستلقي بثقلها على كاهل كل المدن التي لم تقع تحت إحتلال داعش أو التي تحررت الآن أو التي ستتحرر لاحقاً.

لا تقع المسؤوليات الكبرى للتخلص من الأوضاع الشاذة على الصعيد الوطني على مدينة بعينها، ولا طرف سياسي واحد، وهذا أمر مديد وإحتمالاته لا حصر لها، وليست حتى بيد طرف دولي واحد على الأقل لبعض الوقت. أما مصير المدن فإن الجزء الأكبر منه يقع على أبناء المدن أنفسهم لحمايتها وضمان الإستقرار فيها وإبعاد قدر كبير من الأهوال عنها، وعلى كل مدينة أن تبني هيئات تضم ممثلي القوى السياسية والإجتماعية لفرض الإستقرار.

ومن الضروري الآن الأخذ بالحسبان التحولات المستقبلية، ومنها:
ـ بعد طرد داعش من المدن الأساسية التي تقع تحت سيطرته سيتحول الى حرب العصابات، وهذا يمثل خطراً حقيقياً على العراق وغيره، هذا طبعاً إذا جرى التعامل مع الأمر، وكأنه مجرد عمل عسكري منعزل. هذه الإنتقالة إذا ما تحققت فإنها لا تمثل ضرراً خطراً على الدول الإقليمية التي تتدخل بوقاحة في الشان العراقي، كما لا تضر بمصالح الدول الكبرى حيث تنتهي قدرة داعش على توجيه ضربات من النوع الموجع لتلك الدول.
ـ أن القرارات الدولية المعلنة ليست بالضرورة تتطابق مع الإجراءات الفعلية، ولكل الأطراف الدولية أيادي تحركها في الواقع، ولكن في الظاهر تبدو معادية لها.
ـ هنالك مصلحة لكل الأطراف المتعادية فيما بينها لبقاء داعش لبعض الوقت بما يخدم كل طرف وفق تصوراته الى حين يصل الى درجة تضمن كل مصالحه.
ـ من الضروري الوقوف الصلب ضد فسح المجال أمام داعش ونظيراتها لتوظيف أو إستثمار إحساس الناس بهدر كراماتهم ومعتقداتهم من قبل السلطات والجهات المتنفذة بقطع دابر مثل تلك التصرفات.
ـ طريق القضاء على داعش يتطلب رفع مصطلحات مثل حواضن الإرهاب، فهذا مصطلح قابل للتفسير بما يأجج الحذر المتبادل بين الأطراف الطائفية المتنازعة، وقد يمتد الى عامة الناس إذا إتسع نطاقه وجرت إساءة متعمدة خلال التعامل معه.
ـ غياب أي تحليل نفسي ـ إجتماعي لوضع الناس الذين جرفهم تنظيم داعش، ومن أخطر تلك الحالات إغلاق الأفق أمام العناصر غير الفعالة التي تريد الخلاص من هيمنة داعش عليها. إن الإغلاق طريق التراجع ربما خطة لإبقاء بعض التماسك في صفوف عناصر داعش تحت وطأة إنغلاق الأفق أمامهم. لقد غاب على الصعيد الدولي وفي الدول التي تعاني من مأساة داعش الحديث عن المغرر بهم، أو فتح صفحات جديدة لكل من يريد أن يعود الى رشده، بما يفتح الطريق أمام العمل على أعادة بناء المناطق المعنية على أسس المواطنة وتكافؤ الفرص والعدل والتسامح. بينما نجد جهات دولية ذهبت أبعد، من فتح الطريق أمام من يريد العودة الى رشده، حيث تفاوض واشنطن طالبان، ونيجيريا بوكوحرام.
ـ غياب منهج فكري لمواجهة التشدد، إن الأمر لا يستقيم بمحاربة الجهالة بجهالة بأخرى من نوعها، وإنما بفتح جبهة واسعة على صعيد الفكر ضد التطرف والتشدد والعدوانية والكراهية وغيرها.

صحيح أن الضغط البشع لتنظيم داعش على حياة الناس الذين يعيشون تحت بطشه أو "غزواته" المجرمة والرعناء لا يترك مجالاً لرفاهية التحليل النظري، وربما حتى التخلي عن لغة ونوازع الإنتقام، خاصة للذين إضطروا للهجرة وترك مدنهم حذراً من إستهدافهم، أو قدموا ضحايا أبرياء على يد منظمة ليس فقط لا تعرف الرحمة، بل هي سادية للغاية، وحتى مثل هذا الموقف يمكن تفهمه من بسطاء الناس، ولكن معيب على الذين يتصدرون الواجهات بكل أنواعها أن يرفعوا لافتات الإنتقام دون النظر الى المستقبل المطلوب، ومن وراء ظهر القانون على علات القوانين السائدة في منطقتنا.

هذه ملاحظات سريعة في جو إحتفالي، وهذا ما ينبغي ألا نتأخر في النظر إليه بمسؤولية بعيد عن الذاتية والدوافع المريضة، ولا مجاملات في مصائر الأوطان والمدن الآمنة.

ليعم الفرح بتحرير مدينة عراقية مهمة، نالت من الضيم ما لا يوصف ككل المدن العراقية التي مثل حالها، وبات من حق المدينة والوطن كله أن يفرحا، وفي الوقت نفسه من المهم أن نؤكد على أهمية تحرير المدينة، ولكن في الوقت نفسه أن نسأل:
متى تدور نواعيرها من جديد؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- عملية سياسية مندحرة ولكنها مستمرة
- موجعة ذكرى الشهداء
- ثورة 14 تموز
- الفقراء يتضامون ... ويتبرعون أيضاً
- 31 آذار يوم مجيد لكل كادحي العراق
- وداعاً أبا نصير؛ المناضل عبد السلام الناصري ...
- ألف مبروك لكل من يهمه الأمر!
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (5)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (4)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (3)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (2)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (1)
- حملة التضامن مع إبراهيم البهرزي
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (3)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (2)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (1)
- نظرة الى دراسة إستطلاعية
- بين القرم ودمشق الشام
- التظاهرات نشاط سياسي حقق منجزاً
- ملاحظات موجزة حول كتاب آرا خاجادور


المزيد.....




- السيسي: لا يوجد أي معتقل سياسي في مصر
- مجلس الأمن يستعد لتمديد التحقيق في الهجمات الكيميائية بسورية ...
- أطباء يدعون لإنقاذ حياة توأم ملتصق في قطاع غزة
- رسالة الخارجية الأمريكية لحكومتي بغداد وكردستان
- مدير الـ (CIA) السابق ينصح ترامب
- المغرب.. نواب يستعطفون الملك للعفو عن معتقلي -احتجاجات الريف ...
- التربية الأخلاقية... منهاج مدرسي في الإمارات
- المدير في إسرائيل والموظفون في غزة
- كاميرا وقصة: مدمنات عربيات يحاولن الإقلاع
- تيلرسون: المعركة ضد داعش مستمرة والخلاف بين أربيل وبغداد سيح ...


المزيد.....

- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - تحررت مدينة هيت ولكن متى تدور نواعيرها؟