أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - ثورة 14 تموز















المزيد.....

ثورة 14 تموز


عبدالحميد برتو
الحوار المتمدن-العدد: 5225 - 2016 / 7 / 16 - 22:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كتب الصديق د. قاسم أمين الهيتي موضوعاً عن الثورة العراقية ـ 14/تموز/1958، صب جهده الأساسي على تأشير منجزات الثورة، وهي منجزات لا يمكن إغفالها من جانب مؤيدي الثورة أو خصومها. نال المقال حظاً جيداً من الإهتمام والمداخلات. ووجدت من جانبي رغبة في التعليق عليه. ولاحظت أيضاً أن مرور ذكرى حدث كبير مثل ثورة تموز كان مناسبة أشعلت مواقع التواصل الإجتماعي مدحاً وقدحاً، ولكن بصفة إستثنائية هذا العام، خاصة في أوساط العراقيين أشخاصاً وأحزاباً، حصل ذلك على الرغم من أن المناسبة على أهميتها ليست الأولى أو الخمسية أو العشرية أو اليوبيلية، الفضية منها أو الذهبية. ربما يكمن في ذلك الإهتمام أهداف ومقاصد وشؤون آخرى تؤشر وتشير الى الأزمة العامة في بلادنا، والى رغبة كل إتجاه في إرواء حقوله الخاصة.

إعتمد خصوم ثورة 14/تموز على نقطة سهلة للنيل من سمعة الثورة وقيمتها التاريخية، تركزت على إدانة المجزرة التي أرتكبت ضد العائلة المالكة. والمجزرة أمر لا يسهل الدفاع عنه حتى من قبل أشد أنصار الثورة إندفاعاً وحماسة وطيشاً، لأنه بغض النظر عن النوايا فالصفة الإنسانية لموقف الإدانة يظل قائماً، ولا تنتقص منه حتى طبيعة الدوافع المتنافرة التي تقف خلفه. ويظل الموقف الإنساني قوياً متحدياً الطابع العام السائد في حياة بلادنا خلال الأعوام الأخيرة الذي إتسم بالوحشية المفرطة من جانب جميع أطراف الإسلام السياسي المهمين على السلطة والحياة وخيرات البلاد والمعادي له على حد السواء. ولكن كل تلك الوحشية المفروضة على حياة كل العراقيين عنوة وبالقهر الذي ما بعده قهر عجزت عن إنتزاع الحس الإنساني تجاه إدانة المظالم من قبل فئات عراقية واسعة. وإستند خصوم الثورة على نقطة إفتراضية أخرى أيضاً، تفيد بأن الثورة إختزلت تاريخ وطموحات الشعب العراقي، وقطعت طريق التطور الديمقراطي، وفتحت الباب واسعاً أمام الإنقلابات العسكرية وأهواء الأجهزة القمعية.

بإختصار، كان هناك موقفان بارزين في جميع المقالات والمداخلات حول الثورة تمحورا حول وضعين إفتراضين رئيسيين، هما: لو واصلت الثورة طريقها لكان العراق اليوم في مصاف الدول المتقدمة. والآخر يقف على الضفة الأخرى دون قواسم مشتركة. وكل منهما كان في تناقض مطلق مع الموقف الآخر، وكل منهما تعامل من جانبه مع تلك الإفتراض كأنه حتمية تاريخية تسير بخطى راسخة لا مفر منهما.

ومن بين أهم الأمور المثارة في الكثير من المساهمات التي تتيح وتستدعي النظر إليها ما يتعلق بالسؤال حول طبيعة الثورة ـ هل هي ثورة أم إنقلاب؟

يعتقد كثيرون أن الحكم على الأمور يكون بخواتمها فقط، وبهذا يتجاهلون طبيعة السير المتعرج لأي فعل أو حدث. أظن أن في هذا التقدير ما ينطوي على بعض خصائص الحكم القسري المتعسف في النظر الى العمليات والأحداث التاريخية، سواء كانت تلك الأحداث والعمليات ذات طبيعة فردية أم مجتمعية. إنهم يتجاهلون الفوارق الفاصلة بين التطورات في الحياة الإنسانية للمجتمعات والأفراد، وبين تطورات وإحتمالات الطبيعة المادية على صعيد نوع التنبؤ وتأثير العوامل الطارئة أو غير الظاهرة عند البدء أو الإستثنائية التي قد تفعل فعل القانون العام في بعض الحالات، وتغيّر إلإتجاه المتوقع للحالة أو الفعل أو الظاهرة.

من منطلق الخواتم هم يحكمون في الغالب على ثورة 14/تموز، ويطلقون الحكم تحت وطأة إنتكاس الثورة، وبعد مرور عقود على إنتكاستها، ولا يهمهم إذا كانت تلك الإنتكاسة نتيجة لظروف موضوعية قاهرة، أو بسبب عوامل أدنى من ذلك. لا يتفحصون في هذه المرتبة تأخيرة عوامل كثيرة على صعيد توليد الإنتكاسات، منها: مستوى العمل على خلق وعي عام ناضج سياسياً وإجتماعياً؛ الغفلة السياسية؛ نزعة الإنتظار والترقب، المؤثرات الدولية والإقليمية، وضعف خبرة وكفاءة القيادات الوطنية في فترة وقوع الحدث نفسه، أو العجز عن فهم تشابك العوامل المختلفة وغير ذلك من العوامل والأمراض التي قد تُطيح بالقوى التي من المفترض أنها تؤثر إيجابياً في مسيرة أو صيرورة عملية التطور ونوع الحياة السياسية.

إن أصحاب الرأي القائل: إن ثورة 14/تموز أجهضت النمو الطبيعي للحياة العامة والحياة السياسية في العراق، ويرون أن النظام الملكي كان يمكن أن يتطور بإتجاة الحياة الديمقراطية البرلمانية، ويتحول الى أداة للإصلاح، ولتعميق الحريات بمعناها السياسي والإجتماعي. فإن تلك التقديرات لا تتجاوز كونها مجرد إفتراضات لا تملك مقومات إثبات واقعيتها، كما لا ينبغي أن تكون مدعاة للتعصب في الرأي والحساسيات المفرطة.

ربما تجد تلك الإفتراضات المسوغ الأساسي لها، وتنال بعض الوجاهة في التعبير عنها من خلال الحالة البائسة القائمة حالياً في بلادنا. وهذا التقدير ينطبق على الآراء التي ذهبت بالإتجاه الآخر، بينما يبقى الأمر المهم يكمن في إستخلاص الخبرة من تجربة تموز، وفي البحث حول مصادر قوة وضعف تلك التحرية على حد سواء، ولكن ذلك ظل موضع تجاهل على الرغم من قيمته العملية.

وصلت تلك الإفتراضات عندهم حد تجاهل إمكانية الإنتكاس في حالة إستمرار الجوانب التي يعتقدون أنها جيدة في النظام الملكي، هذا طبعاً إذا إفترضنا جدلاً أن النظام الملكي كان يملك المقومات التي يدعونها. أما ما يثار حول قتلك الملك والعائلة المالكة وبعض رمز النظام الملكي فهو موقف لا يمكن الدفاع عنه من الجوانب الإنسانية والأخلاقية، ولا ينبغي تبريره، ليس فقط من الزاوية الإنسانية وإنما من أجل ضمان مستقبل للبلاد يرفض كل إنتهاك لحرمة الإنسان وأن ينفذ الإفراد القانون بأيديهم حتى ضد المجرمين، ومن خلال إجلال هذه القيمة تقدمت شعوب كثيرة.

وبصدد قمع السلطات، إبتداءً يجب التأكيد على أنه ليس من حق احد أن يتساهل في هذا الشأن، وأن يكون الموقف واحد أينما يكون القمع. إن أعوام الثورة حتى يوم إجهاضها من خلال إنقلاب 8/شباط/1963 شهدت إنجازات كبيرة بكل المعايير والى جانب ذلك إرتكتب أخطاء كبيرة أيضاً، ولا أظن أن أحد يحتاج الى ذكر أمثلة على الحالتين.

وخلال تحليل عوامل وأسباب القمع، من المهم هنا الإشارة الى تأثير قوة الحركة السياسية المعارضة لأي نظام، وما تتركه عوامل قوة أو ضعف المعارضة على الأساليب التي يتبعها النظام المعني في مواجهاته لقوى المعارضة، وعلى مدى ميله لممارسة العنف. حين يعتقد النظام المعني بأن الأطراف المعارضة ضعيفة فإنه يتجه الى ضرب أطراف قوى المعارضة وليس مراكزها، وبأساليب لا تثير أي إنطباع حول وحشيته. أما حين يظن بوجود خطر داهم عليه من المعارضة، فإنه يعتمد الأساليب القمعية الأكثر وحشية، ويضرب بكل إتجاهات، وبجميع الوسائل المتوفرة لديه، فالقمع لا يتصاعد فقط برغبة دكتاتور ما، وإنما يتناسب مع تصاعد قوة قوى التغيّر الجذري، وفي حالات كثيرة تزداد شراسة الأنظمة الحاكمة بتشجيع مفضوح أو صامت من القوى الكبرى العالمية، وتشير أغلب التجارب الى أن الدول ذات الأهمية الإستراتيجية للقوى الكبرى تكون وحشية الأنظمة أكثر عمقاً ووضوحاً.

حتى الديمقراطيات الكلاسكية العريقة تفقد إتزانها، إذا شعرت بوجود تهديد من قوة داخلية حقيقية على الأرض. وأوضح مثال على ما ذهبنا بإتجاهه، هو إقدام مارغريت تاتشر على إستخدام الرصاص الحي في قمع إضرابات عمال المناجم البريطانيين. وفرضت تاتشر قانوناً ينتزع حق إعلان الإضراب والإعتصام من النقابات، وأقرنت تاتشر ذلك الحق بموافقة معظم القيادات النقابية على أي الإضراب أو الإعتصام، وحرمت العمال من التعويضات عن أيام الإضراب إذا لم يحقق الإضراب النسبة "القانونية".

إن ثورة 14/تموز نالت صفة الثورة ليس من الزاوية السياسية فقط، بل ومن الزاوية الطبقية أيضاً، فمن الناحية السياسية لم يكن الأمر مجرد نزوة من قيادات داخل الجيش العراقي، وإنما كانت الثورة في العراق محاطة بحركة شعبية واسعة، وكان الضباط والجنود الوطنيون رأس سهم الثورة، وهذا الى جانب أن التأييد الشعبي للثورة أوقف كل محاولات التدخل الإستعماري لقمع الثورة الوليدة، وكانت حركة الضباط الأحرار جزءاً أصيلاً من و في الحركة الوطنية العراقية.

إن الإهتمام بالجيوش وبناء التنظيمات في داخلها قضية شغلت كل حركات التحرر الوطنية، وشغلت حيزاً كبيراً في فكر وعمل أحزاب الطبقة العاملة. وهي ليست صناعة عراقية خاصة. كانت الأممية العمالية العالمية الثالثة تعتبر وجود تنظيم عسكري شرطاً أساسياً للإعتراف بأي حزب شيوعي، وكل الثورات التي حصلت في القرن الماضي كان أدوار الجيوش فيها حاسماً بما فيها ثورة أكتوبر 1917.

ومن الزاوية الطبقية (الإجتماعية) كان النظام الإقطاعي في العراق قبل ثورة 14/تموز هو إسلوب الإنتاج المهيمن في الإنتاج الإجتماعي العراقي، وكانت البرجوازية تحبو ومحدودة كماً وكيفاً. إن 14/تموز خلقت تحولاً هاماً في حياة المجتمع العراقي، وضربت الإقطاع، ومضت في طريق تصفيته، وقطعت خطوات مهمة على صعيد التصنع من قبل القطاعين الخاص والعام، والقضاء على الإقطاع ومظالمه، هذا الإنجاز الأخير منح صفة الثورة بمعناها الإجتماعي ليوم 14/تموز، غني عن البيان إنجازات الثورة على صعيد التعليم والصحة وبقية الخدمات، ومنح المرأة حقوق عميقة وغير ذلك.

لا أحد ينكر أهمية المشاريع التي نفيذها مجلس الإعمار في العهد الملكي، كما لا تخلو مساعي بعض قادة تلك المرحلة أو الفترة من أفكار تسعى لتحويل العراق الى دولة صناعية ـ زراعية، والعمل على خلق إقتصاد راسمالي. وربما من الأسباب التي عظمت عهود ما قبل الإحتلال الأمريكي عام 2003، وخلقت حالة من الحنين الى الماضي، ولا سيما فترة حكم الزعيم الوطني بحق الراحل عبد الكريم قاسم، أن العراق شهد قادة لا ضمير عندهم على صعيد حماية أرواح المواطنيين، وحماية الأموال والممتلكات العامة، والعمل على إحترام قواعد الوحدة الوطنية، وتعزيز سمعة البلاد وحماية كرامتها وسيادتها.

إن معظم الموضوعات التي تناولت ثورة 14/تموز خلال الأيام القليلة الماضية ذهبت بإتجاهين مختلفين، وعلى نحو إفتراضي مجرد وجامد في بعض الحالات، مما أفقد تلك المحاولات المطروحة بعض قيمتها العملية والنظرية في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها بلادنا وكذلك الحالة الإقليمية والدولية أيضاً.

بقي أن نقول بصدد توقيت الثورة، وما طُرح حول: هل جاءت في وقتها أم إتسمت بالإستعجال أو التباطئ؟ هناك قدر كبير من المصداقية للإتفاق على أن معظم الشروط الكلاسكية المعرفة لعوامل قيام الثورة عشية يوم 14/تموز/1958 كانت متوفرة، ومن تلك الشروط: وجود قوى ثورية مؤثرة تملك قوة تعبوية عالية؛ إرتخاء قبضة السلطة الحاكمة، ووجود مشروع لدى القوى المعبرة عن الثورة الإجتماعية الواعدة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الفقراء يتضامون ... ويتبرعون أيضاً
- 31 آذار يوم مجيد لكل كادحي العراق
- وداعاً أبا نصير؛ المناضل عبد السلام الناصري ...
- ألف مبروك لكل من يهمه الأمر!
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (5)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (4)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (3)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (2)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (1)
- حملة التضامن مع إبراهيم البهرزي
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (3)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (2)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (1)
- نظرة الى دراسة إستطلاعية
- بين القرم ودمشق الشام
- التظاهرات نشاط سياسي حقق منجزاً
- ملاحظات موجزة حول كتاب آرا خاجادور
- بوتين و نيمتسوف
- أعداد النازحين واللاجئين أكبر مما نتوقع
- عراقيو بوهيميا يتضامنون مع شعبهم


المزيد.....




- مسؤول أمريكي سابق: "المقربون من ترامب وراء قرار الاعترا ...
- مسؤول أمريكي سابق: "المقربون من ترامب وراء قرار الاعترا ...
- العثماني أمينا عاما للعدالة والتنمية المغربي
- قطر توقع اتفاق شراء 24 طائرة -تايفون- بريطانية
- البيت الأبيض يأسف لرفض الفلسطينيين لقاء بنس
- العثور على كميات كبيرة من الذخيرة بالقرب من سوق لعيد الميلاد ...
- تحذير من ملابس شتوية خطر في السعودية
- فيديو صادم لأب أمريكي يضرب ابنته بسبب تطبيق -?سناب شات?-
- صحيفة -نيويورك تايمز- تكشف عن علاقة غريبة بين ترامب والتلفاز ...
- نتنياهو يلتقي وزراء خارجية أوروبا اليوم في بروكسل


المزيد.....

- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - ثورة 14 تموز