أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد عبد المنعم عرفة - العلمانية في ثوب الإستشراق (طه حسين)















المزيد.....


العلمانية في ثوب الإستشراق (طه حسين)


محمد عبد المنعم عرفة

الحوار المتمدن-العدد: 5213 - 2016 / 7 / 4 - 17:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حول بيان معني الاستشراق وردت تعاريف كثيرة وكلها لا تخرج عن هذا المعني وهو (تعلم علوم الشرق).. وتلك كانت بدايته، بعد أن فتح الغرب عينيه علي الفتح الإسلامي، وبعد أن انتقلت حضارة المسلمين وعلومهم إلي الغرب في جامعات قرطبـة وطليطلة وصقلـية وغيرهـا.
وإن شئت فقل: إنه استخدام العلم في خدمـة السياسـة.

وأما عن بدايته فقد"بدأ الاستشراق في الأندلس (أسبانيا) في القرن السابع الهجري حين اشتدت حملة الصليبين الأسبان علي المسلمين، فدعا "ألفونس" ملك قشتالة: "ميشيل سكوت" ليقوم بالبحث في علوم المسلمين وحضارتهم، فجمع "سكوت" طائفة من الرهبان، وكلفهم بنقل بعض الكتب من اللغة العربية إلي لغتهم، ثم قدمها "سكوت" لملك صقلية الذي أمر باستنساخ نسخ منها وبعث بها هدية إلي جامعة باريس.
وكذلك قام رئيس أساقفه طليطلة "ريمون لول"بنشاط كبير في الترجمة، ومع الزمن توسع الأوربيون بالنقل والترجمة في مختلف الفنون والعلوم من إلهيـات وطب وهندسة وفلك وغيرهـا.
وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر عُقِد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس عام 1873م، وتوالي عقد المؤتمرات التي تلقي فيها الدراسات عن الشرق وأديانـه وحضاراته وما تزال تعقد حتى هذه الأيام.

وأن أردنا الدقة نقول: لقد نجح المشتشرقون في تغريبنا عن ديننا وجعلنا غربيين - وهذه إحدي الكُبَر - حيث قبلنا الذهنية الغربية وتخلينا عن الدعائم الأصلية، التي تفرض ذاتيه خاصة، وطابعاً مميزاً للإسلام، وأثيرت الشكوك في الثقافة والاجتماع والاقتصاد والتشريع والتربية، الـخ.
والهدف من كل هذا هو توجيه الثقافة إلي مفهوم الإلحاد والإباحية التي تفتح الآفاق علي الدين والخلق جميعاً.

وقد أفرط أناس يدّعون الإسلام في الثقة بهم والاعتماد عليهم والثناء المطلق علي جهودهم، ويمثل هؤلاء المعجبين بهـم الدكتور طـه حسين (1889- 1973) وهو من أوائل تلاميـذ المستشرقين في تاريخنـا الأدبي المعاصـر.

طــه حسيـــن
لقد كان طه حسين في مقدمة الذين أعلنوا الأعجاب والتقدير لمناهج المستشرقين، ويعتبر حامل لواء الدفاع عنهم وعن أهوائهـم، وكثيراً ما يقول: (إن هذه الحقيقة أو تلك في تاريخ المسلمين أو فكرهم مما لا يرضي بها الاستشراق)، وهذا أسلوب لا يقوم عليه إلا واحد من أهل التبعيـة حتي قال بعضهم: إن طـه حسين ليس إلا مستشرقاً من أصل عربي، وقد كانت أمانته للفكر الغربي ولمذاهب الاستشراق تفوق أمانة المستشرقين أنفسهم، ولهذا كان متابعاً لهم إلي أبعد الحدود، حتى في تلك المسائل الخطيرة، كقولهم ببشرية القرآن، وكانت كتاباته توحي بذلك، علي نحو ما سنبينه بعد قليل، وإن لم يعلنه جهاراً بعد أن صودر كتابة (في الشعـر الجاهـلي).

لقد كان الدكتور طه حسين شديد الولاء لأساتذته المستشرقين والغربيين، ويكفي كدليل على ذلك أنه بدأ محاضرة له في اللغة والأدب بحمد الله والصلاة على نبيه ثم قال: (سيضحك مني بعض الحاضرين إذا سمعني أبدأ هذه المحاضرة بحمد الله والصلاة على نبيه لأن ذلك يخالف عادة العصر)!! (مجلة الهلال - عدد أكتوبر ونوفمبر عام 1911م).
كما كان شديد الرغبة في انطواء المسلمين تحت لواء الغرب، وانصهار الإسلام في بوتقة الأممية والنصرانية واليهودية والغرب جميعا، فهو لا يرى للعرب والمسلمين سبيلا للنهضة إلا في هذا الانصهار، وهذا الاحتواء والذوبان، وقد صرح بذلك في كتبه، وخاصة في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) فهو يرى أن العرب قوم مستعمرون كالرومان والفرس.

ومن آيات ولاء الدكتور طه حسين لأساتذته،حرصه على نشر الكتب التي تثير الشبهات مثل: (رسائل إخوان الصفا) و (ألف ليلة وليلة) وعنايته بدراسة سير المـُجّان من الشعراء في كتابه: (حديث الأربعاء) وهو ثلاثة مجلدات، وقد خرج من دراستهم بشبهة مسمومة هي قوله: (إن القرن الثاني الهجري) كان عصر شك ومجون. معتمداً في بحثه على مصادر أساتذته من المستشرقين اليهود، وعلى كتاب (أنساب الأشراف) الذي طبع في الجامعة العبرية في القدس.
كما تابع مستشرقي اليهود في القول بإنكار شخصية "عبد الله بن سبأ" (ابن السوداء) وفي الشك بوجود سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل (عليهما السلام) وأعلن أنه يشك في وجودهما بالرغم من الإشارة إليهما في التوراة والقرآن.

طه حسين يقلد (جب) في القول ببشرية القرآن
يتناول المستشرق الإنجليزي (جب) فكرة بشرية القرآن بما يخدم انطباعه في كتابه (المذهب المحمدي) كما تناول طه حسين نفس الفكرة في كتابه (في الشعر الجاهلي).
أما (جب) فيقول: إن القرآن انطباع في نفس محمد ﴿------ وآله﴾--- نشأ عن تأثره بيئته التي عاش فيها، بمكانها وزمانها، ومظاهر حياتها الماديه والروحية والاجتماعية. قال (جب) هذا في كتابه (المذهب المحمدي) بأسلوب يبدو فيه تجنب الألفاظ النابية فيما يحكيه عن الرسول، وتجنب الصراحة المكشوفة فيما يريد أن يودعه في نفس القارئ.
وأما طـه حسين فيقول: إن القرآن تعبير عن الحياة التي عاش فيها محمد بما فيها المكان والزمان، وجوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والدينية والاجتماعيـة.

وكل من جب وطـه حسيـن فيما قالاه في كتابيهما عن (بشرية القرآن) ملازم للأخر، فإذا كان القرآن انطباعاً منبثقاً من البيئة، فهو يعبر عن ذات هذه البيئة، والعكس: إذا كان تعبيراً عن البيئة فقد انطبع أولا بلا شك في نفس قائله قبل أن يعبر به وقبل أن يقوله. وعلي هذا فاتجاه الرجلين: يفصح عن أن القرآن عمل خاص بسيدنا محمد ﴿------ وآله﴾---، تأثر فيه كما يتأثر الإنسان العادي، وعبر به عن المعاني التي كانت في نفسه من بيئته، كما يعبر الإنسان عن أية معان تجول بنفسه قد تأثر بها من بيئته، وانطبعت في خاطره من ظروف الحياة التي تحيط بـه.
ويلاحظ أن كلا الرجلين قد لاحظ أحوال البيئة التي يعلن فيها كل منهما رأية في (بشرية القرآن). فإذا كانت بيئة أجنبية غير مسلمة أمكن مواجهتها بما قاله جب في كتابه المذكور وهي: أن القرآن انطباع نفسي، أما إذا كانت بيئة إسلامية فيقضي الأمر أن يتبع فيها أسلوب اللف والدوران، كما فعل طـه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي) وتضمينه هذه الفكرة بهذا الأسلوب وهي: أن القرآن يعبر عن الحياة الجاهلية، أي حياة ما قبل الإسلام أصدق تعبيـر.

وخلاصـة ما قاله (جـب) في كتابه (المذهب المحمـدي) عن بشريـة القرآن:
(1) أن مكة كانت فيها حضارة وزعامـة، ولم تكن أرضاً جرداء، ولم يكن سكانها حفاة غلاظاً، بل كانت لديهـم فطنة وملكـة في السياسـة ومعارف واسعـة بالناس والمدن علي السـواء.
(2) وأن حياة سيدنا محمد ﴿------ وآله﴾--- كانت حياة (مكية) خالصة، بما فيها نشأنـه ودعوته وصراعه، فهي حياة محدودة بظروف الزمان والمكان. فدعوته إذن ليست دعوة عامة بل لأناس معينين، واختياره طابع الدعوة بأن تكون دينية ثم اختياره هذه الدعوة الدينية بأن تكون في صور حكومة إلهيـة هو من تحديد عوامل الحياة المكية، وقد وقع سيدنا محمد تحت تأثير ما دار فيها من اتجاهات سياسية واقتصادية ودينية.
(3) وأن القرآن ليس جديداً كله على العرب (المكيين)، وأن ما فيه من نصرانية لا يتعدى النصرانية الشرقية السريانيـة (يقصد) نصرانية الزهـد التي تأثرت بالاتجاه الإشراقي الزهـدي.
(4) وكذا ما فيه من يهوديـة لا يتعد اليهودية المعروفة في (المدينـة)، وليست معارضة (المكيين) له بسبب تمسكهم بالقديم، أو بسبب الإيمان كما يذكر القرآن (بل قالو إنا وجدنا آباءنا علي أمة وإنا علي آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها أنا وجدنا آباءنا علي أمـة علي آثارهما مقتدون * قال أولو جئتكم بأهدي مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) (الزخرف:33-34)
وأنما جاءت معارضة مكـة في نظر (جب) بسبب المنافسة في الزعامة والسياسة والخوف من انهيار حياتهم الاقتصاديـة.
والقرآن إذن كما يريد (جب) أن يقول: هو من عمل إنسان، إنسان معين هو سيدنا (محمد) عاش في حياة خاصة وهي حياة (المكيين) وتبلورت حياته الخاصة هذه فيما قالـه فيـه، هذا فيما يتعلق بحب وقولـه ببشريــة القرآن.

أمـا فيما يتعلق بالدكتـور طـه حسيـن في هذا الشأن فنقـول:
لقد أشرنا إلي أن طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي) قد قال ببشرية القرآن، وأن القرآن تعبير عن الحياة التي وجـد فيهـا (الرسول) وهي حياة ما قبل الإسلام.
وفكـرة كتاب الشعر الجاهلي فكرة واحـدة وهي: أن الشعر الجاهلي لا يمثل حياة العرب قبل ظهور الإسلام: أي لا يمثل الحياة التي عاش فيها الرسول قبل الرسالة، بما لها من جوانب وأجواء، إذا هو شعر مصطنع مفتعل، ولذا لا يعبر عن حقائقها ولا عما دار فيها، فهو في جملته يعبر عن حياة جاهلية فيها غلظة وخشونـة، وبعيدة عن التمرس السياسي والنهضة الاقتصادية، والحياة الدينية الواضحـة، مع أن حياة العرب في الجاهلية كانت حياة حضارية!
والعرب - كما يقول المؤلف ص 22،23 (لم يكونوا علي غير دين، ولم يكونوا جهالاً ولا غلاظاً ولم يكونوا في عزلـة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلي الأمم الأخري، كذلك يمثلهم القرآن) (وإذا كانوا أصحاب علم ودين وأصحاب ثروة وقوة وبأس، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامـة، متأثرة بها ومؤثرة فيها، فما أخلقهم أن يكونوا أمـة متحضرة راقيـة، لا أمـة جاهلة همجيـة، وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن ظهر في أمـة جاهلة همجيـة ؟) في الشعر الجاهلي ص: 15

الدكتور طـه حسين إذن يري أن الشعر الجاهلي لا يصح أن يكون مرآة صافية للحياة الجاهلية، وهي الحياة التي نشأ فيها الرسول وقام بدعوته وكافح من أجل هذه الدعوة فيها، وأن الشئ الذي يعبر عن هذه الحياة تعبيراً صادقاً وموثوقاً به كل الثقـة هو (القرآن) فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلـي.
ويخرج الدكتور من هذا بنتيجـة وهي: أننا إذا رجعنا إلي القرآن نجـده قد صور العرب وحياتهم بما يجعلهم أمـة سياسـة تنشد أن تكون القوة الثالثة بين الفرس والروم كما كانت (أمـة وسطـا) بين البحـر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي وبذلك كانت مركزاً للتجارة العابرة، وعن هذا الوضع بين الشمال والجنوب أثرت ونافست في القوة كما كان لها دين ومعتقـد ناهض.
فيقول في ذلك: (لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين، فأنت تري أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الفرس والروم (ألم* غلبت الروم * في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويؤمئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء) (الروم 1-5)
هذا الذي ذكره القرآن يراه (طـه حسين) عناية سياسية أكثر منـه أخباراً عن طريق الوحي بمصير الأمبراطوريـة الرومانية في الشرق.
ثم يستطرد الدكتور فيقول: (وهـو - أي القرآن - يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفـة (لايلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف) وكانت إحدي هاتين الرحلتين إلي الشـام حيث الروم، والأخري إلي اليمن حيث الحبشة أو الفرس، ثم يقول: وسيرة النبي تحدثنا أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلي بلاد الحبشة، ألم يهاجر المهاجرون الأولون إلي هذه البلاد ؟ وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوزوا الحِيرة إلي بلاد الفرس، وبأنهم تجاوزوا الشام وفلسطين إلي مصر، فلم يكونوا إذن معتزلين، ولم يكونوا إذا بنجوة من تأثير الفرس والروم والحبش والهند وغيرهم من الأمم المجاورة لهـم.
ثم يقول ص 23:22 (أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدي من التماسها في هذا الشعر العقيم الذي يسمونه الشعر الجاهلي ؟ أرأيت أن هذا النحـو من البحث يغير كل التغيير ما تعودنا أن نعرف من أمر الجاهليين) ؟
ومعني هذا القول أن صاحب كتاب (في الشعر الجاهلي) يريد أن يُفهم القارئ أن القرآن انطباع للحياة القائمة في وقت صاحبه - وهو النبي - وهو يمثل لذلك بيئة خاصة في عقيدتها ولغتها وعاداتها واتجاهها في الحياة وهي البيئة العربية في الجزيرة العربية.
فيقول: وليس من اليسير، بل ليس من الممكن، أن نصدق أن القرآن كان جديداً كله علي العرب، فلو كان كذلك لما فهموه ولما وعوه، ولا آمن به بعضهم ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر، وفي القرآن رد علي الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من وثنية، وفيه رد علي اليهود وفيه رد علي النصاري، وفيه رد علي الصابئة والمجوس، وهو لايرد علي يهود فلسطين، ولا علي نصاري الروم، ومجوس الفرس وصابئة الجزيرة وحدهـم، وانما يرد علي فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد العربية نفسها ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطـر ولا حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه، وضحوا في سبيل تأييده ومعارضتـه بالأموال والحيـاة).

ونخرج من كل هذا بما يريده الدكتور طـه حسين من كتابه (في الشعر الجاهلي) وهو: أن القرآن - دين محلي - لا إنساني عالمي، قيمته وخطره في هذه المحلية، وحدها، قال به صاحبه متأثراً بحياته التي عاشها وعاش فيها، ولذلك يعبر تعبيراً صادقاُ عن هذه الحياة، أما أنه يمثل غير الحياة العربية أو يرسم هدفاً عاماً للإنسانية في ذاتها: فليس ذلك بحق.
أنه ديـن (بشري) وليس وحياً إلهياً، قاله صاحبه لقوم معينين، ولذلك تجاوبوا معه، أو قاموا ضده، ولو أن صاحبه قاله في جماعة أخري لما حفل به أحـد، لأن ما يقوله فيه لا يتصل عندئذ بحياة الجماعة الأخرى في قليل أو كثير.
فالقرآن مؤلَّف ومؤلِّفه نبيه سيدنا (محمـد) ﴿------ وآله﴾--- ويمتاز تأليفه بأنه يمثل حياة العرب المحدودة في شبة جزيرة العرب في اتجاهات حياتها المختلفـة.
وإذن: فالقرآن محدود القيمـة، محدود المكان، محدود الزمـان. ومعني هذا بعبارة واضحـة أن كلاً من (جب) و(طـه حسيـن) منطقهما واحـد وهو: أن القرآن ليس وحياً لرسالة الله، إذ لو كان وحياً من عند الله لكان للناس جميعاً في كل مكان وفي كل جيل، ولو كان وحياً أيضاً لرسم خطة جديدة لهداية الناس في عقيدتهم، ولم يكن حاكياً لما كان عليه بعض أفراد الجماعة الإنسانية، ثم إن العرب أنفسهم قبل الناس الآخرين لم يكونوا في جهل، ولم يكونوا علي ضلال، حتي يحتاجوا لرسالة جديدة تدعـو إلي الهدايـة.

وقد كلف شيخ الأزهـر لجنـة من العلماء لإعداد تقرير عن كتاب (في الشعر الجاهلي) ثم كان أن قدم بلاغاً متضمنا تقرير العلماء هذا إلي سعادة النائب العمومي في 5 يونيو 1926م طالباً اتخاذ الوسائل الفعالة الناجمة ضد هذا الطعن علي دين الله الرسمي وتقديمه إلي المحاكمة وقد أرفق صورة من تقرير أصحاب الفضيلة العلماء الذين أشار إليهم في كتابه.
أما عن تقرير أصحاب الفضيلة: فقد كان صحيفة اتهام لطـه حسين الذي قال"أنه بني بحثه علي التجرد من كل شيء حتي دينه وقوميته عملاً بمذهب "ديكارت" الفرنسي، ويواصل أصحاب الفضيلة: والكتاب مملوء بروح الإلحاد والزندقـة، وفيه مغامرة عديدة ضد الدين، وانتهي التقرير إلي مطالبة فضيلة شيخ الأزهر والحكومة بوضع حد لهذه الفوضي الإلحادية خصوصاً التي تبث في التعليم لهدم الدين بمعول الزندقـة كل يـوم.

وهكذا رضي الدكتور طـه حسين أن يكون تابعاً مقلداً للمستشرقين في بلاده وعلي حساب دينـه الذي تجرأ عليه، والذي كشف فيه عن وجهته فراح ينكر ويشكك ويقوم بالدور الذي كلفه به أساتذتـه المستشرقون من ضرب للإسلام وتشكيك في مصدره الأول وهو القرآن (مما كان سبباً في طرده من الجامعة المصرية، ومصادرة كتابة"في الشعر الجاهلي"ولكن نفوذ الاحتلال الإنجليزي سرعان ما أعاده إلي الجامعة ومضى به صعداً لأعلي المناصب).
ولعل من المفيد هنا أن نشير إلي أن الدكتور طـه حسين لم يكن وحده في هذه التبعية للمستشرقين بل هناك كثيرون غيره - سوف نتعرض لبعضهم في صفحات قادمة - من أمثال (سلامة موسى، وفؤاد زكريا، وحسين فوزي، وزكي نجيب محمود في بداية حياته، ومحمود عزمي وعلي عبد الرازق، ونصر أبو زيـد، وفرج فودة، ونوال السعداوي، وحسن حنفي، وغيرهـم) وقد لقحت مناهج المستشرقين في البحث والنقد العلمي قرائح كثير من تلاميذ المستشرقين فنهجوا نهجهم، وأخذوا طريقهم فيما حاولوا من دراسات، وخاصة في مجال الجامعة والثقافة والصحافة وحملوا نفس الروح التي يحملها أساتذتهم في خصومـة الإسلام، وكانوا أشـد قسـوة علي أهليهم من الغريبين
ومن المؤكـد أن الدكتور طـه حسين ومن دار في فلكـه في خدمة الاستشراف والمستشرقين ممن يدعون التجديد في الفكر الإسلامي، إنما يؤكـدون صلتهم بأفكار الغرب ويسيرون حسب خطة مرسومـة لهذا التجديد!.
وهذه الخطـة جاءت واضحه جلية في كتاب (مستقبل الثقافـة في مصر) لطـه حسين، والذي تبدو فيه الفجـوة واسعة بين قسوة الهجـوم عل الأزهـر ورقة الحديث عن الكنيسـة وعدم الهجوم علي اليهـود.

القرآن ينفي هذه المزاعــم
ولست أدري كيف غاب القرآن عن فكر الدكتور طـه حسين وهو يكتب عن بشريـة القرآن - إن كان قد غاب عن فكر (جب) - ولا أحس أنه غاب عنـه.
ألم يقرأ كل منهما ما ورد في الآيات القرآنية مما ينفي هذا المزاعم يقول الخالق عز وجل (هو الذي بعث في الأمين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (الجمعة 2-4)
هذه الآية من كتاب الله تركز علي بيان"أن الله أرسل رسولا أميا يتلو آيات الله، وأنه أرسله بالتزكية، والتعليم، والحكمة لقوم أميين، وكانوا قبل أن ينزل القرآن في ضلال مبين.
وأن رسالة هذا الرسول ليست مقصورة علي هؤلاء القوم الضالين، بل تتجاوزهم إلي آخرين بعدهم لما يلحقوا بهـم.
وواضح أن ما أفادته الآيات الكريمـة علي هذا النحو الجلي، إنما يدل علي أن العرب خاصة كانوا في أمس الحاجة إلي الرسالة الإلهية لما كانوا عليه من ضلال مبين.
وأنهم لم يكونوا أصحاب حضارة ومعرفة بالصورة التي يصورهم بها (جب) و (طه حسين) في كتابيهما السابقيـن.
وأن رسالة الرسول ﴿------ وآله﴾--- ليست رسالة محلية، ولا مقيدة بمكان أو زمان أو جيل بدليل قولـه تعالي (وآخرين منهم لما يلحقوا بهـم).
وإذا انتقلنا إلي آيات أخري من القرآن نراها توجه صفعات لهؤلاء الذين افتروا علي رسول الله (ص)، من هذه الآيات قوله تعالي لرسولـه: (وإنك لتلقي القرآن من لدن حكيم عليم) (النمل:6).
ومن هذه الآيات قوله تعالي: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) الأنعام:50.
ومما لاشك فيه أن القرآن من خلال هذه الآيات - وغيرها كثير - إنما يقرر في وضوح أن القرآن وحي من عند الله، كما يقرر أن سيدنا محمداً رسول من عند الله، بعثه الله للناس كافة بهداية واضحة، هي هداية السماء التي أرسل بها من كان قبله من الرسل عليهم السلام.

طـه حسيـن وعلمنـه التعليـــم
طـه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) ص 37- 44 يقول، وقد كان وزيرا للتعليم : (التعليم عندنا علي أي نحو قد أقمنا صروحـه، وضعنا مناهجه وبرامجـه منذ القرن الماضي علي النحو الأوربي الخالص، ما في ذلك شك ولا نزاع، نحن نكون أبناءنا في مدارسنا الأولية والثانوية والعالمية تكوينا أوروبيا لا تشوبه شائبة)
ثم نري عميـد الأدب العربي - كما وصفوه - يقول بعد ذلك: (إن من السخف الذي ليس بعده سخف، اعتبار مصر جزءا من الشرق، واعتبار العقلية المصرية عقلية شرقية كعقلية الهند والصين).
ثم يختم كلامه في هذه النقطة قائلاً: (أن نسير سيرة الأوربيين، ونسلك طريقهم، ولنكون لهـم أنداداً، ولنكون لهـم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يجب منها وما يكره، ما يحمـد منهـا وما يعاب)!!
ثم يقول: (وأن نُشعر الأوربي بأننا نري الأشياء كما يراها، ونقوِّم الأشياء كما يقومها، ونحكم علي الأشياء كما يحكم عليهـا).
أرأيتم أيها المسلمون أخطر من هذا الكلام ؟! ولو أن الدكتور طه حسين اقتصر علي خير الحضارة في دعوته مشاركة الغرب في حضارته ولم يدعنا للأخذ بشرها أيضا، ولو أنه اقتصر علي حلو الحضارة ونبهنا إلي عدم الأخذ بمرها. ولو أنه دعانا إلي الأخذ بما يحب منها دون ما يكره. وما يحمـد منها دون ما يعاب، لو أنه فعل هذا لما عبنا عليه في شئ مما يقول، ولكنه أعلنها صريحـة مدويـة في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر): أن نأخذ بخير الحضارة وشرهـا، حلوهـا، ومرها، ما يحب منها وما يكره، ما يحمـد منها وما يعاب!!.
وكان من نتائـج هذه الدعوة في عملنة التعليم: أن تقلص حجم التعليم الديني، وتقلص نفوذ خريجيـه، كما ازداد حجم التعليم العلماني وانتشرت آفاتـه في الداخل والخارج، وأصبح لخريجيه الأهمية في مواقع التأثير والتوجيـه وخصوصاً ما يتعلق بالإعلام والثقافـة.

رأي الإمـام أبي العزائـم
في طـه حسيـن وأمثالـه
يقول الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم رضي الله عنه في كتابه"وسائل نيل المجـد الإسلامي"ص 172:
(بعض من يدّعون الإسلام سافروا إلي أوربا وهم جهلاء بروح الإسلام، بل بمبادئه التي يدركها أطفال المكاتب، فشهدوا حرية في فك قيود الآداب ونيل الغرائز، وما تقتضيه من الإباحة التي هي رتبة أسفل البهائم، فإن أكثر أنواع الحيوانات لها آداب لا تتعداها كالطيور والوحوش الكاسرة، فإن لكل ذكر منها أنثي لا يتعداها، وللبهائم الأخرى آداب أخري لا تتعداها، فإنك تر الذكر لا يأتي الأنثي ما دامت حاملة ولا في وقت إرضاعها، ولكن أهل الجهالة العمياء الصماء يرون في أوربا قبائح تتنزه عنها البهائم، فيرونها خيراً وجمالاً، لأنهم أنحطوا إلي أسفل أنواع الحيوان.
وها أنت تري منهم الآن من يقبح فضائل الإسلام، مع انغماسه في أقبح الرذائل، ويتبجح بالاعتداء علي القرآن المجيـد، والاستهانـة برسول الله ﴿------ وآله﴾--- كطـه حسين والرصافى وغيرهما ممن ألقوا بأنفسهم إلي هاوية من ختم الله علي قلوبهم وعلي سمعهم وجعل علي أبصارهم غشاوة.
وأني أشكر الله وأحمـده سبحانه لي ولأهل الإيمان ولجميع المسلمين، حيث حفظنا مما ابتلي به هؤلاء التعساء الجهلاء، الذين هم كالخفافيش التي لا تقوي علي ضوء الشمس، وسيأتي الوقت الذي فيه يندمون، قال سبحانـه (وتلك الأيام نداولها بين الناس) أل عمـران 140 فتـزول دولة عبادة المادة وتدول الدولة لنا عليهم (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) الشعراء: 227.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,516,803,180
- آخر ليلة في رمضان للإمام أبي العزائم
- تجربة العلمانية في تركيا
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [10]
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [9]
- الله وأنبيائه ورسله في التوراة وفي الفكر السلفي
- العلمانية الوجه الآخر لليهودية [2]
- العلمانية الوجه الآخر لليهودية [1]
- الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض [4] السيد محمد ع ...
- رسائل إلى الشيخ حسن فرحان المالكي [2]
- رسول الله ص يتنبأ بظهور الجماعات المتأسلمة ويخبرنا بأنهم مشر ...
- رسائل إلى الشيخ حسن فرحان المالكي [1]
- الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض [3] السيد محمد ع ...
- الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض [2] السيد محمد ع ...
- الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [8]
- عبادة الملائكة الروحانيين.. [2] الصوم كما يراه الإمام أبو ال ...
- يهود أم حنابلة ؟!! [5] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم
- يهود أم حنابلة ؟!! [4] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم
- يهود أم حنابلة ؟!! [3] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم
- يهود أم حنابلة ؟!! [2] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم


المزيد.....




- أمين عام رابطة العالم الإسلامي: الإسلام السياسي يمثل تهديدا ...
- جامعة القرآن الكريم بالسودان تُكرِّم عضوًا بـ”الشئون الإسلام ...
-  وزير الشئون الإسلامية السعودي: الرئيس السيسي “مجاهدا” حافظ ...
- بالصور... ابنة قاديروف تفتتح متجرا للأزياء الإسلامية في موسك ...
- حركة مجتمع السلم الإخوانية بالجزائر: الانتخابات الرئاسية ممر ...
- مناقشة أولى رسائل الدكتوراه في مجال العلوم الإسلامية بروسيا ...
- مصر... المؤبد لـ11 متهما من -الإخوان- والسجن 15 عاما لـ106 ف ...
- المرشد الأعلى الإيراني: لن نتفاوض مع أمريكا في أي مستوى كان ...
- «الإسلامية المسيحية لنصرة القدس» تحذر من تحويل الصراع السياس ...
- المحكمة العليا في إنغوشيا تلغي دار الإفتاء بالجمهورية


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد عبد المنعم عرفة - العلمانية في ثوب الإستشراق (طه حسين)