أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد عبد المنعم عرفة - الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض [4] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم















المزيد.....



الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض [4] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم


محمد عبد المنعم عرفة

الحوار المتمدن-العدد: 5209 - 2016 / 6 / 30 - 02:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كيفية سيادة الأمة الإسلامية

بعد الوقوف على أسباب ضعف الأمة الإسلامية، وبعد التعرف على سبل النهوض بها، نتحدث عن كيفية الوصول بالأمة الإسلامية إلى سيادة العالم مرة أخرى، وقيادة المسيرة الحضارية الإنسانية.

ونرى أنه لن تقوم للمسلمين قائمة فى النظام العالمى، ولن تكون لهم كلمة مسموعة فيه إلا بتحقيق [الوحدة الإسلامية الشاملة]، وإعادة تكوين الأمة القوية المستظلة براية [الخلافة الإسلامية الجامعة].
والمتعين الآن بعد إلغاء الخلافة، كما يقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم رضى الله عنه فى كتابه (وسائل نيل المجد الإسلامى) هو: (أن ينتخب أهل الشورى والرأى والعصبة الإسلامية خليفة من أتقى المسلمين وأورعهم إن تيسر، ودليل ذلك من آثار السلف الصالح أن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه طلب من أستاذه محمد بن سهل أن يبين له صفات عمر بن الخطاب ليعمل بها، وأن يدله على أهل التقوى فيولهم أعمال المسلمين، فكتب إليه: يا عمر، إذا أنا بينت لك ما كان عليه أمير المؤمنين وقمت به، فأين الرجال الذين كانوا مع عمر؟ سر فى الناس بقدرهم فى زمانهم، ولكنى أدلك على خير: ولِ أمور المسلمين ذوى البيوت والشرف والمجد، فإنهم إن لم يمنعهم عن الدناءة دينهم، منعهم شرف أنفسهم.
والخليفة إنما هو حصن المسلمين ووالدهم، والشريعة لم توجب تعيينه من بيت مخصوص، ولو كان كذلك لتولى الأمر بعد رسول الله  العباس بن عبد المطلب، أو على بن أبى طالب، وهما من يعلم المسلمون قرابتهما من رسول الله ﴿ص وآله﴾ وتولاه رجل من بنى تميم أمره رسول الله أن يصلى بالناس فى حياته، فلما تبين للمسلمين أن رسول الله اختاره لدينهم اختاروه لدنياهم، وهو أبو بكر الصديق رضى الله عنه، فالخليفة مختار الأمة، وأمينها ووليها بعد رسول الله، فالحق فى تعيينه للأمة) (1).

والملاحظ أن كلمة الوحدة مضافة إلى الأمة، أى: (وحـدة الأمة)، لم ترد فى القرآن الكريم، ولكن ورد وصف الأمة بأنها واحدة. فالتركيز فى القرآن قد جاء- إذن- على مفهوم الأمة التى توصف بأنها أمة واحدة، وليس على مفهوم الوحدة التى تضاف إلى الأمة. وهذا يعنى أن الأمة الواحدة هى الأصل، أما مسألة توحيد الأمة ووحدتها فقد كانت متأخرة فى الزمان بعد أن طرأ الاختلاف على الأمة مما استدعى القيام بجهود كبيرة لإعادتها إلى أصل نشأتها.
فنحن نقرأ فى القرآن الكريم وصف الأمة الإسلامية بأنها واحدة فى موضعين:
1- يقول تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ ( الأنبياء: 92).
2- ويقول تعالى: ﴿ وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ﴾ (المؤمنون: 52).

ووحدة الأمة الإسلامية لاينبغى أن يفهم منها نفى الخصائص المميزة لكل شعب من الشعوب الإسلامية داخل هذه الوحدة، فالوحدة هى الإطار العام تنفى التناقض ولكنها لا تنفى الاختلاف فيما هو خارج نطاق الأصول العامة، فقد خلق الله الناس شعوباً وقبائل لتتعارف وتتآلف لا لتذوب خصائصها كلية، وإلا لم يكن هناك داع فى الأساس لجعلهم شعوباً وقبائل.

والإسلام عندما يتحدث عن وحدة الأمة الإسلامية ويحث عليها، ويدفع المؤمنين دفعاً إليها، فإنه لايركز بأية حال من الأحوال على مجرد الكثرة العددية، فالوحدة الكمية لا يمكن أن تكون هى الأساس المتين لبناء الأمة وقوتها.
وقد عبر عنه النبى ﴿ص وآله﴾ بغثاء السيل فقال: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعىالأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن فى قلوبكم الوهن. فقـال قائل: يا رسـول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيـا وكراهـيـة المـوت) (أبو داود وأحمد).
وعندما نظر المسلمون فى غزوة حنين إلى كثرة عددهم وأصابهم شئ من الغرور، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، دارت عليهم الدائرة، وفى ذلك يقول تعالى:﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتُكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾ (التوبة: 25).
ومن أجل ذلك يركز الإسلام على الوحدة النوعية، ويمكن لمجموعة قوية من العالم الإسلامى اليوم أن تتحد بغض النظر عن الباقين- وسوف يجمعهم الله بفضله- فالنوعية المؤمنة القليلة العدد تستطيع- بوحدتها وتماسكها وقوة إيمانها وثقتها بنصر الله- أن تتغلب على الكثرة الكاثرة الخاوية من الإيمان. وفى ذلك يقول تعالى: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ (البقرة:249).

والحق أن هذه الأمة الإسلامية الواحدة، وإن لم تكن موجودة بالفعل على أرض الواقع اليوم، فإنها موجودة بالقوة فى ضمائر الأغلبية العظـمى من أبناء الإسلام.. فالذى يقرأ واقع المسلمين بعمق، يدرك- إن كان منصفاً- أن الشعور بوجود الأمة ووحدتها، والإحساس بآلامها وأفراحها، شعور سائد ومتغلغل فى كيان أبنائها وأعماق وجدانهم، وخصوصاً فى أوقات الشدائد والمحن.. لا نتحدث عن الحكام والمتسلطين وعبيد الفكر الغربى ممن انفصلوا عن ضمير أمتهم، وغرَّب الاستعمار الثقافى مشاعرهم، كما غرَّب أفكارهم، إنما نتحدث عن جمهور الأمة العريض من المثقفين وغير المثقفين الذين يخفُّون لنجدة كل منكوب، ومساندة كل مستضعف، ومعاونة كل ذى فاقة من أبناء الإسلام حيثما كانوا.
فالأمة الإسلامية حقيقة لا وهم، بمنطق الدين، والتاريخ، والجغرافيا، وباعتراف أعدائها، ولكن انتقالها من مجرد شعور وجدانى إلى واقع عملى تقف دونه عوائق وعقبات كؤود.

أسباب تفرقة الأمة الإسلامية
* يكشف لنا الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم رضى الله عنه فى كتابه (النور المبين لعلوم اليقين ونيل السعادتين) ص 49- 51، عن أسباب تفرقة الأمة الإسلامية فيقول:
(أصل مرض الأمة الإسلامية- التفرقة- ناشئ من ثلاثة أنواع: أمراء السوء، وعلماء الفتنة، ودعاة الجهالة.
1- أمـراء السـوء:
مالوا إلى الترف والطمع والغرور، وتقريب أهل المفاسد، وسرعة الغضب والانتقام، وإذلال المصلحين، ومعاداة العلماء العاملين والأشراف المتقين، والنفور من الموعظة، والتكبر على العاملين بالتقوى، والاشتعال باللهو واللعب والغفلة عن أمور العامة، والظلم فى جمع الأموال، والإهمال فى إقامة الحدود، لأنهم لا يبالون بعمل المنكر.
وساعدهم على ذلك علماء السوء الذين اتخذوهم أعواناً لهم، وأيدى لتنجيز شهواتهم، وسيوفا لقطع الحق وإحقاق الباطل، فشغلهم الظلم عن الإعداد للأعداء كما قال سبحانه: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ (الأنفال:6).
وصار الأمير لا عدو له إلا النصحاء الأمناء من المسلمين، فقاومهم وأضعف قوته، حتى استولى الأعداء على ثغور المسلمين لخلوها من الحصون المانعة، والجيوش الراغبة فى الدار الآخرة، لأن الناس على دين ملوكهم، وبشغله أهملت الصناعات والتجارات لاشتغال الأمة بالوشايات، وتفرقة كلمتهم بالتحزب.

2- علمـاء الفتنـة:
ثم قام علماء السوء فتقربوا إلى الأمراء، بجدل الكلام، وتأويل السنة والكتاب بما يهواه الأمير، وما ينالون به المنزلة العالية والسيادة والشرف، حتى يكون منهم المفتون بالضلالة، والدالون على غير الهدى مع إهمالهم للأعمال الشرعية، والازدراء بالفقراء والعمال وأهل الذكر من العارفين، وأهل علوم اليقين.
وقد بلغ بهؤلاء الضالين المضلين أن ابتدعوا فى الدين بدعاً فرقوا بها المسلمين، وأوقعوا المسلمين فى تكفير بعضهم ولعن بعضهم، حتى بلغ حالهم من العداوة والبغضاء أن تساهلوا فى أمور الجماعة وإحياء الكلمة وتجديد أمور السنة، حتى ذلوا وخُذِلوا وتمكن منهم العدو، وداخلهم الشيطان فصاروا تبعاً بعد أن كانوا أئمة وسادة لجميع العالم. كل ذلك للطمع فى الدنيا وإيثارها على الآخرة، وترك الحق وراء ظهورهم طمعاً فيما لا ينفع فى الدنيا ولا فى الآخرة من الشهرة والسمعة ونفوذ الكلمة.
ودعاهم الطمع والغرور وطلب زهرة الدنيا إلى أن ألَّفوا كتباً فى بِدَعِهِم يردون فيها على أهل الإخلاص والصدق والتوكل والعلم واليقين والعمل بالحق، وسعوا فى الأرض ينفرون المسلمين من أئمتهم وقادتهم.
حتى إذا تسلط الكافر على المسلمين: تركوا أمراء المسلمين، وقاموا لذمهم وموالاة المتسلطين عليهم لنوال الرتب والشرف والأموال والجاه والرفعة.
فوا عجباً لكلاب الدنيا الظاهرين فى حُلَلِ المؤمنين! المتجملين بجمال العلماء الراسخين! كيف لا ينهاهم نُهاهم ولا تمنعهم عقولهم ولا معقولاتهم ولا أحكام دينهم عن الغرور بالدنيا وهدم أركان الدين؟ ولابد أن تظهر الحقيقة فى يوم ما والله غالب على أمره.

3- دعـاة الجهـالة:
دعاة الجهالة إن لم يساووا علماء السوء فى جلب المضرة على المسلمين فهم أضر منهم، لأنهم يموهون على العامة أنهم الدعاة إلى الله تعالى، الوارثون لأحوال الأقطاب والأبدال، ويموهون عليهم أنهم يمكنهم النفع والضر، ويلفتون المسلمين عن العمل الواجب عليهم شرعا وعقلا من العلم والعمل للدنيا. ثم إنهم بجهلهم يوهمون أن التوكل ترك الأعمال، وأن الرضا عدم المعارضة وترك الناس يعملون ما شاءوا.
ومنهم من يقترب إلى الأمراء أو المتسلطين فيكونون أعواناً لهم على حب العامة لهم والرضا بأحكامهم وأعمالهم، بل ويفهمونهم أن هذا هو الخير، وأن هذا فضل من الله ونعمة، وهو فى الحقيقة سخط من الله ونقمة.
ثم إنهم لطمعهم يوقعون العامة فى بُغْضِ العلماء والأتقياء والدعاة إلى الخير، فتحصل التفرقة ويقوم كل فريق لمناوأة الآخر فتتفرق الجماعة، ويسارع كل فريق إلى المتسلطين أو الأمراء فيستعينون بهم على أهل الحق، حتى يضعف القائمون بالحق ويختفون وينتشر الباطل.
وأول فتنة حصلت فتنة مسيلمة الكذاب، ثم حوادث الخوارج، ثم بنى أمية، ثم بنى العباس، ولكن كان نور الكتاب والسنة مشرقاً على جميع المسلمين.
لأن الكتاب والسنة من عمل بهما مصدقا مقرا زكت نفسه، وأشرقت عليه أنوار اليقين فتحقق قدر الدنيا والآخرة، فيعمل فى الدنيا ليجمعها وينفع بها جماعة المسلمين لنوال الآخرة، وبذل نفسه لنوال رضاء الله تعالى. وقد جمعت السنة حقيقة العقيدة، وأجمل المعاملات، وأكمل العبادات والقربات، والأخلاق، والسياسات النبوية، التى بها سعادة الدنيا والآخرة.

4 – عبيد المادة:
وقد أضاف الإمام المجدد أبو العزائم رضى الله عنه سبباً رابعاً من أسباب تفرقة الأمة الإسلامية فى كتابه (الشفاء من مرض التفرقة، ص 16) وهو: (عبيد المادة، الذين عبدوا الحس ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فأولئك إما موتى، أو انحطوا إلى أسفل سافلين البعد عن الله تعالى، وليسوا فى نظر العلماء بالله بأناسى).

دواء ذلك المرض:
من نظر بعين العبرة فى مرض المسلمين الآن وما أصابهم وهو مرض التفرقة يجد ذلك ناشئا عن تلك الأسباب المتقدمة. ودواء ذلك المرض أن يتحد الأمراء والعلماء والدعـاة بالقلب واللسان على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﴿ص وآله﴾ وإحياء سيرة السلف مع الزهد فى الدنيا، والتوبة ببذل أنفسهم وأموالهم فى إحياء سنة رسول الله ﴿ص وآله﴾ بالحكمة والموعظة الحسنة.
وإلا فالله سبحانه وتعالى له عباد أحبهم وأحبوه يجعل إحياء ذلك الأمر على يدهم، لأن الله غيور على دينه وسنته وكتابه وسنة نبيه ﴿ص وآله﴾ وما الله بغافل عما يعمل الظـالمون.
أسأل الله أن يوفقنا لما يحب من القول والعمل والحال، وأن يجمع قلوبنا على الحق، وأن يهب لنا عناية يحيى بها السنة إنه مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عقبات الوحدة الإسلامية
* ونلاحظ على كلام الإمام أبى العزائم رضى الله عنه أن عقبات طريق الوحدة الإسلامية الشاملة هى:
1- فقدان الفهم الصحيح للأخوة الإسلامية:
التى تعنى المحبة، والتعاون، والتناصر، والإيثار.. وغيرها من المعانى الجليلة.
2- الميراث الاستعمارى البغيض:
حيث نجح الاستعمار فى تحقيق هدفه الأول، بتفتيت الأمة الإسلامية الواحدة إلى أجزاء متناثرة ومتنافرة، ليسهل افتراسها والقضاء عليها.
3- شهوة السلطة الزمنية:
حيث يبلغ عدد الدول الإسلامية الأعضاء فى منظمة المؤتمر الإسلامى خمس وخمسين دولة، لكل منها رئيس أو ملك أو أوسلطان أو أمير،ولا يرغب أحد فى التضحية بسلطانه وصولجانه من أجل الوحدة الإسلامية المنشودة.
4- رواسب الكراهية فى نفوس بعض الشعوب لبعضها الآخر:
فقد تسببت الخلافات الشخصية بين الزعماء فى إحداث فجوة هائلة فى نفوس بعض الشعوب المسلمة تجاه بعضها الآخر، وهى فجوة لا يمكن علاجها بين يوم وليلة، بل تحتاج إلى سنوات طوال حتى تزول آثارها وتخمد جذوتها، وذلك بخلاف الأحقاد الناشئة عن غياب التكافل الاجتماعى بين الشعوب المسلمة المترفة، وبين الشعوب المسلمة المعدمة المحرومة.
5- الانقسام المذهبى:
حيث لا تزال الهوة عميقة بين الشيعة والسنة على سبيل المثال، وتحتاج إلى وقت طويل لردمها، وإلى جهد جهيد للقضاء على آثارها، ولن يتم هذا إلا بعد القضاء على الوهابية صنيعة وزارة المستعمرات البريطانية التى تقوم بتفريق المسلمين فى كل مكان، ببث سمومها وأفكارها التى تجعل من الخلاف على الفروع أصلاً من أصول الإسلام.
ولكن إذا تم صهر هذه الخلافات فى بوتقة الأخوة الإسلامية التى تجمع كلا من الطرفين، لكانت العودة سهلة، لأن جميع طوائف المسلمين بينها توافق فى الأصول، والخلاف إنما هو فى الفروع وهو أمر طبيعى.
6- فقدان الرؤية الوحدوية المتكاملة:
إذ أن كل دولة تعمل فى إطار مصالحها الإقليمية ولا تتعداها، وتتخذ قراراتها وتوجهاتها فى هذا الإطار الضيق دون ما اهتمام بأثر هذه التوجهات على المستوى الجماعى الإسلامى، وهذا يؤدى إلى مزيد من الضعف والتشتت فى الأمة الإسلامية.
7- غياب الشخصية القيادية التى يلتف حولها الجميع:
يستفاد من التجارب التاريخية المتعددة، أنه فى حالة الضعف والتشتت يحتاج المسلمون إلى قيادة ذات موصفات خاصة من : الإيمان، والحزم، والشجاعة، لتستطيع أخذ زمام المبادرة نحو توحيد المسلمين تحت راية واحدة، وليس أدل على ذلك من شخصية صلاح الدين الأيوبى.
* يقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم رضى الله عنه عن خصال هذه الشخصية القيادية فى كتابة (وسائل نيل المجد الإسلامى):
خصال الزعماء المصلحين الذين يعيدون للأمة مجدها:
(الخير مطلوب كل حى، وأكمل الحياة وأشرفها وأعلاها الحياة الإنسانية، ومن أجل ذلك فزعامة المجتمعات الإنسانية يجب ألا تنحصر إلا فيمن جمعت فيه أربع خصال:
أولها: أن يكون الرجل نشأ من أسرة عريقة فى المجد والشرف، فتغذى من طفوليته بلبان الفضائل والآداب وكرامة النفس، ونمت قواه النفسية بغذاء الهمة والعزيمة بتلقى العلوم النافعة، وشهود ما يقوم به أولياء تربيته من الفضائل، وما يدعونه إليه من المسارعة إلى الأخذ بالأجمل من كل شئ، وإلى التحفظ من الوقوع فيما تدعو إليه النفوس المهملة، مما تقتضيه أحط الهمم وأدنى النفوس، مما يقع للناس فى شبابهم، أى فى سن التقليد.
فإن الولد فى شبابه الأول يرتسم على جوهر نفسه ما يتلقاه ممن تولوا تربيته، وكم من رجل تصدر فى العالم وقاد الأمم، ولكنه يوقع من وثقوا به وجعلوه زعيماً فى هاوية الرذائل والأغلاط الاجتماعية، وتكون زعامته عليهم شراً مستطيراً، وذلك لأنه نشأ على حب الانتقام والحرص والإيثار لنفسه، فتدعوه تلك الخصال الذميمة إلى أن يترك الحق جانباً وينفذ ما حسنه له هواه وطمعه وحرصه على نيل المشتهيات، وهذا لا يكون زعيماً.

ثانيها: وهى الخصلة التى يكون بها الزعيم نافعاً.. أن يكون واسع الصدر، عالماً بأن اتحاد الأمة وإصلاح ذات بينها هو القوة التى تغنيه عن ملء الأرض جيوشاً جرارة كاملة العدة والعدد، يغض بصـره عما يراه من موجبات التفرقة فضلاً عما يسمعه من ذلك.

ثالثها: أن يصطفى أهل التقوى والصلاح الذين يألفون ويؤلفون، الذين يجمعون له الأمة ويداوونها من أمراض التفرقة والحسد، فإنه إن اصطفى أهل النفوس الخبيثة الذين يجعلونه قنطرة الفوز بمشتهياتهم، كالانتقام من أعدائهم، ونيل الرياسة، وتحصيل حطام الدنيا، أرداه فى هاوية سحيقة.

رابعها: وهى مِلاكُ الأمر.. أن يكون تقياً عاملاً بأصول الدين وفروعه، مراقباً أن فوقه قوة الله تعالى التى تحسن إليه إن أحسن، وتنتقم منه إن أساء، يكون الله معه، ومن لم تجمع له تلك الصفات فذله أقرب إليه من ظله.
الزعيم هو من يحسن إلى من أساء، ويصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، وبذلك يكون كالشمس نفعاً، لأن خيرها عام لكل موجود، وكالليل ستراً فإن المعاصى تكثر فيه، ولا يعلم بها أحداً، وكالأرض تواضعاً، وإذا وجد هذا فهو السيد الذى يلجأ العالَم إليه بعد الله تعالى.. وأين هذا والمجتمع الإسلامى أحوج ما يكون إلى مثله فى هذا الوقت العصيب؟! لَعَمْرى إنه ليُفْدَى بالأرواح، فليتدبر من دعته نفسه لأن يكون زعيماً عظيماً.
قال العربى:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرُتَب ولا ينال العُلا من طَبْعُه الغضب

لقد كان من ولاة السلف الإمام أبو عبيدة عامر بن الجراح رضى الله عنه وهو أمير المجاهدين، وسيدنا معاذ بن جبل وهو والى اليمن، وأبو موسى الأشعرى رضى الله عنه، وغيرهم من الولاة، فكانوا كالنجوم المشرقة فى الأفاق، تضئ نهاراً على الناس، وتضئ ليلاً فى ملكوت السموات بما يقومون به من ترتيل كلام الله تعالى، كان الرجل منهم يخدُم نفسه فى منزله، ويعلف دابته، ويكرم ضيفه ولا خادم له، مع ما ملّكهم الله فيه من الملك ونفوذ الكلمة، ساروا فى الناس بسيرة رسول الله ﴿ص وآله﴾ حتى كأن المسلمين لم يفقدوه ﴿ص وآله﴾، فأشرقت به أنوار الحق فى جميع الخلق.
وإنا لفى شوق شديد إلى أن يوجِد الله تعالى للمجتمع الإسلامى ولاة يتشبهون بالسلف الصالح، حتى يعيد الله لنا هذا المجد، ويكون معنا كما كان معهم.
على أنى لا أيأس من رَوْح الله، فإن الله لا يُخْلى الأرض من قائم له بالحجة، والليالى حبالى يلدن كل عجيبة، وطالب الحق لا يعدم نصيراً، والواجب كله منصب على الأمة، فإن لهم الغُنم، وعليها الغرم، وما توفيقى إلا بالله) (2).

كيفية تذليل عقبات الوحدة الإسلامية:
يتمثل ذلك أولاً وأخيراً فى تعميق معانى الأخوة الإيمانية الحقة فى قلوب وضمائر المسلمين كافة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال ما يلى:
ا- جعل الحديث عن الوحدة الإسلامية والأخوة واجب حتمى على كل أب تجاه أسرته، وإن أمكن ضمن المقررات الدراسية فى مختلف المراحل التعليمية على معانى الأخوة والمحبة والاتحاد، وحينئذ يسهل تحقيق الوحدة على مستوى القمة، بعد أن تحققت على مستوى القاعدة.
2- توعية المسلمين بأن الوحدة الشاملة هى فريضة دينية، يجب عليهم العمل المتواصل لتحقيقها، ثم أنها فى الوقت نفسه ضرورة يحتمها الواقع، فى ظل الواقع العالمى الجديد الذى يعد التكتل والاندماج من أهم ملامحه.
3- التركيز على ما تنطوى عليه العبادات والشعائر الإسلامية من معانى الوحدة والإخاء والمساواة، وإبراز هذه الخصائص لتكون ماثلة فى ذهن المسلم وهو يؤدى هذه الشعائر، ومن ثم تدفعه إلى التنفيذ والتطبيق.
4- تنبيه المسلمين إلى ضرورة مواجهة مخططات الأعداء الرامية إلى مزيد من التفتيت فى بدن الأمة المسلمة، وعدم الاستجابة لهذه المخططات الشيطانية.
5- نبذ العصبيات الإقليمية، وابتعاد وسائل الإعلام عن تغذية مشاعر القومية الضيقة، وتركيزها على مشاعر الوحدة الإسلامية الشاملة.
6- تذويب الخلافات بين الشيعة والسنة، والسلفية والصوفية، وغيرها، وذلك عن طريق صهرها فى بوتقة الأخوة (الإسلامية) التى تجمع بين هذه الأطراف.. ومما ييسر الأمر، أن الخلاف بين طوائف المسلمين كان خلافاً فى الأمور الفرعية الجزئية، وليس فى أصول العقيدة الأساسية العلية، فالكل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والكل يصلى ويصوم ويزكى ويحج ويجاهد فى سبيل الله…إلخ.
وهذا من عظيم فضل الله على المسلمين، إذ أن غيرهم قد اختلفوا فى الأصول العقائدية ذاتها فتناحروا وتقاتلوا، ولم تجتمع لهم كلمة إلا فى مواجهة المسلمين.
أما المسلمون فقد وقاهم الله شر ذلك الاختلاف المهلك، فليجتمعوا على ما اتفقوا عليه من أساسيات العقيدة، وليعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه من أمور جزئية لا تضر بجوهر الدين.
7- أن يجعلوا دينهم ونسبهم ووطنهم هو الإسلام:
- لأن الإسلام هو الدين الحق لقوله تعالى:﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ (آل عمران: 85).
- ولأن النسـب حقيقـة هو الإسـلام لقـوله تعـالى:﴿ النبى أولى بالمؤمنيـن من أنفسهم وأزواجـه أمهـاتهـم﴾ (الأحزاب: 6). ولقوله ﴿ص وآله﴾: (أدخل الإسلام بلالاً فى نسبى، وأخرج الكفر أبا لهب من نسبى) ولقوله ﴿ص وآله﴾ : (سلمان منا آل البيت) (الحاكم فى المستدرك، والطبرانى فى الكبير).
- ولأن الوطن الحقيقى هو الإسلام لقوله تعالى:﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (الأنبياء: 92).
8- أن يجعلوا لغتهم هى لغة القرآن:
* يقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم رضى الله عنه فى كتابه وسائل نيل المجد الإسلامى: (المجد الذى كان فيه المسلمون لم يكن إلا بقوة الاتحاد والائتلاف والتعصب لإعلاء كلمة الله، والعمل بكتابه وسنة نبيه، ولا اتحاد إلا بدين ولغة ونسب ووطن، "ولم تجمع تلك المعانى كلها إلا فى الإسلام"، فإن للدين لغة هى لغة القرآن، ولغة رسول الله ﴿ص وآله﴾ ولغة أئمة الهدى من عرب وعجم، فإن أكثر أئمة الهدى كانوا من العجم ولغتهم هى لغة القرآن.
هذا سيدنا سلمان الفارسى، وهذا سيدنا بلال الحبشى، الذى جعله أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب سيدنا بقوله: (أبو بكر سيدُنا وأعتق سيدَنا( يعنى بلال، وهذا صهيب الرومى، الذى ورد فيه: (نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه) كلمة أثنى بها الله تعالى على رسله الكرام وهى كلمة: ﴿نعم العبد﴾ وقد أثنى بها رسول الله ﴿ص وآله﴾ على صهيب، وهذا سيدنا أبو رافع مولى رسول الله ﴿ص وآله﴾ وسيدنا حارثة، وسيدنا زيد بن حارثة، وسيدنا أسامة بن زيد، الذى أمَّرِه رسول الله على أئمة المهاجرين والأنصار وغيرهم، ومن لا يحصى عددهم من الأعاجم لم تكن لهم لغة إلا لغة القرآن.
ثم قام بتنفيذ تلك السنة أئمة المسلمين فى كل زمان، فكانوا إذا فتحوا مدينة من المدن حثوا من أسلم على تعليم اللغة العربية، "حتى يفهم أسرار الدين وتنكشف له أنوارُه، وكأن اللغة العربية أصل من أصول الدين، لا يكون الدين كاملاً إلا بها، وبدونها لا يكون المسلم مسلماً كاملاً، بل يكون مقلداً لا تُشرق على قلبه أنوار الإسلام، ولا يظهر لنفسه جمال الإسلام الحقيقى".

وما عَيْنٌ رَأَتْ مِنْ خَلْفِ سِتْرٍ كَعَيْنٍ شاهَدَتْ حِسّاً وَمَعْنى

لما كان الدين الإسلامى هو كتاب الله وكتاب رسول الله، كان لابد للمسلم أن يحفظ من القرآن ما يجب عليه أن يحفظه، فرض عين أو سنة مؤكدة، ليس المراد بحفظه أن يكون كالببغاء، يتكلم بما لا يفهم، فإن ذلك لا يكون به المسلم مسلماً قد أقام الصلاة ونطق بكلمة التوحيد، فعلى كل مسلم أن يجعل أول مهم يبذل قصارى همته فى نيله تعلم اللغة العربية، وفهم معانيها بقدر ما يخرجه عن أن يكون كالببغاء، (بل يحفظ رتبته فى الوجود)، فلا يعمل عملاً إلا ويعلم سره، ولا يعتقد اعتقادًا إلا بعد أن يطمئن قلبه به، إما بنور التسليم أو بواضح الحجة.
ومن قال إنى مسلم ولم يتعلم اللغة العربية تعصبًا للغته، ورأى لغته أحب إليه من لغة القرآن، وأخذته الغيرة على لغة آبائه وأجداده التى لم يكن المراد منها إلا التفاهم فقط، كان هاوياً فى هاوية الذل فى الدنيا، وفى حُطَمَةِ العذاب فى الآخرة، لأنه يصير ممن لغة آبائه أحب إليه من لغة كتاب الله وسنة رسول الله، ولو تدبر أخى المسلم- بصَّره الله بعيوبه ونقائصه- فى هذا الأمر لتحقق أن عمله غير سنة، ومحض جهالة لا ينتفع بها فى الدنيا، بل تضره فى الدنيا وتوبقه فى العذاب الأليم فى الآخرة، لأنه لجهله باللغة العربية يحرم فهم أسرار دينه، وعلم جمالاته الحقيقية، وما كان عليه الأئمة الهداة المرشدون من العوائد الحسنة.
ولقائل أن يقول : إن أكثر من يتكلمون باللغة العربية يجهلون تلك المعانى، فأجيبه: إن جهالة المتكلمين باللغة العربية بتلك المعانى أنتجت لهم المذلة والخسران فى الدنيا، لأنهم أهملوا تعليم لغة القرآن والسنة، واقتصروا على اللغة العامة، واجتهدوا فى التفنن فى تعليم اللغات الأعجمية، ولو أنهم تعلموا اللغة العربية لفهموا أسرار القرآن، ولفقهوا أحكام الله سبحانه وتعالى.

شرف اللغة العربية بالقرآن :
أيها المسلم.. دينُك الإسلام، ووطنُك الإسلام، ونسبُك الإسلام، ولغة القرآن هى لغتُك، فلِمَ تلقى بنفسك من الأُفُقِ العَلِىّ إلى المكان السحيق؟ تبعد نفسك عن الله تعالى وعن الرسول ﴿ص وآله﴾ وتقطعها من أخوة المؤمنين فتقول : إنى تونسى، إنى أفغانى، أو تركى، أو مصرى، أو بخارى.. نعم أنا أقول تلك الكلمة عند التعارف لأميز نفسى أمام غيرى، ولأرفع الستار عن منزلتى من إخوتى المؤمنين فربما كان المتكلم معى له قرابة لى لها واجب شرعى غير واجب الأخوة الإسلامية من صلة أو إحسان. لكن يلزم أن أكون موقناً أن الإسلام وطنى ونسبى، كما أنه دينى. وأن لغتى هى لغة القرآن التى لا أتكلم إلا بها ولو مع غير المسلم كائناً من كان، من غير نظر إلى أنى تركى أكره أن أتكلم بلغة العرب، أو أنى صينى وهى لغة العرب، بل لأنها لغة القرآن لا لأنها لغة العرب. فإن تعصب العربى لها لأنها لغته ولغة آبائه فقط، بذلك يكون فاسقاً ضالاً. كما يحصل التعصب للغة العربية من نصارى مصر والشام زعماً أنها لغة آبائهم، أو أنها اللغة الفصحى التى من دونها كل اللغات . فمن تعصب للغة العرب بتلك المعانى فقط فليس بمسلم، وإن كانت فى الحقيقة هى اللغة حقاً .
ويجب على كل عاقل من أنواع بنى الإنسان أن يتكلم بها، لغزارة مادتها وخفة ألفاظها على النفس، ولتأثيرها الرُوحانى على أهل العقول وحسن أساليبها، ولكن مجدها الحقيقى وشرفها الحقيقى من جهة أنها لغة القرآن فقط، فمن لم يتعلمها بعد علمه بأنها لغة القرآن وقال: أنا مسلم، فقد ظلم نفسه وأساء إليها.

إذا وفقنا الله وأعاننا بأن نجعل لغة القرآن هى اللغة التى يجب أن يكون التفاهم بها، أكرمنا الله بما يلى:
أولاً: بالائتلاف والاتحاد حتى نكون كالجسد الواحد.
ثانياً: يحفظ الله مجتمعنا من تداخل الأجنبى بيننا بالفساد بوجوه:
ا- أنه لا يتكلم معنا إلا باللغة العربية، فلا يمكنه أن يدس دسيسة باللغة العربية، لأنه يخشى أن ينفضح أمام المسلمين.
2- أن غير المسلمين ممن يدعون أنهم عرب، لا يجدون لهم باب شر يدخلون منه على جماعة المسلمين ليفرقوهم.
3- أنى لو قلت : أنا تركى، والآخر قال: أنا عربى، ونحن نتكلم باللغة العربية، لا تحصل عداوة بيننا لأننا نمثل رجلين كل رجل من قبيلة يفتخر بقبيلته، لا دخل للدين فى الموضوع، كما يفاخر بنو هاشم بنى أمية.
4- يحصل خير عظيم بتعليم اللغة العربية، وجعلها لغة التفاهم، لأن الشياطين الذين يدخلون بين المسلمين بالتفريق بدعوى أن الخلافة تركية أو عربية، لا يجدون سبيلا، وكم من عدو للمسلمين يسهر الليل ليكيد لهم بسبب اللغة التركية والعربية، ولو أن إخوتنا الترك محوا هذا الشر لجددوا مجد الإسلام، وردوا له ما كان فى عصر سلفنا الصالح.
هذا ما يحصل من الخير فى الدنيا .. أما ما يحصل من النعيم المقيم يوم القيامة، فذلك بما ينكشف للعقل من أسرار القرآن، وما يتجلى للروح من أنواره، وما يطمئن به القلب من أدلته وحججه، حتى ينعقد القلب على توحيد الله تعالى والصدق فى معاملته، والإخلاص لذاته الأحدية بما يفهمه من كتاب الله، وما يُمَدُّ به من روحانية رسول الله عند قراءة كلامه ﴿ وآله﴾). أ.هـ

9- معرفة معنى المسلم وحقيقته:
* يقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم رضى الله عنه فى كتابه (النور المبين لعلوم اليقين ونيل السعادتين) فى بيان معنى المسلم وحقيقته:
المسلم الحقيقى هو "المسلِّم أمره لله تعالى" تسليما حقيقياً عن تبصرة وهدى ومعرفة وبيان. نظر بنور قلبه إلى نفسه فعلم حقيقة عجزه إذا اشتعل بتدبير نفسه، وتحقق قصوره الذاتى- إذا اقتصر على رؤيته- عن إدراك الكمالات التى أعدها الله تعالى للمسلم الحقيقى، ونيل السعادة الأبدية التى وعد الله المسلم بها فى جوار حضرته العلية ومنازل رضوانه، وتحقق اضطراره إلى نيل الكمال الدنيوى والأخروى اللذَيْنِ بفقد أحدهما يُحْرَمْهُما، لأن طلب الدنيا للمسلم بالمعنى الحقيقى والعمل فيها طلب للآخرة ولله تعالى وعمل لجنابه العلى سبحانه.
وأن المسلم مطالب بحقوق بقدر أنفاسه، لا يمكنه أن يقوم بجميعها إذا أهمل فى نفَس من أنفاسه، أو ظن لجهله أن السعادة قاصرة على عكوف الهم على عمل واحد دون غيره، فإنه بذلك يضيع الدنيا والآخرة.
وكيف لا؟ وهو كما أنه مطالب بحق عليه لنفسه من تدبيرها وتزكيتها وتقويم معوجها وحفظ الصحة عليها، فهو كذلك مطالب بحقوق مثل هذه الحقوق، وهى أوكد لكل مسلم - من المجتمع الإسلامى العام - أين كان المسلم وكيف كان، بحيث تتفاوت الواجبات إما بتدبير خاص ومعونة، أو بتدبير عام بنصيحة أو برأى أو بمنع عن ظلم، أو بتضامن على إحياء سنة أو محو بدعة وضلالة، أو مشاركة بالضمير والشعور الذى يطلق الألسنة بالدعاء والتضرع إلى الله أن يكشف السوء الذى لا قبل للكل بدفعه عن أنفسهم.
وبهذا يكون المجتمع العام الإسلامى كجسد واحد يمثل كل فرد من أفراده عضواً من الأعضاء، فيكون الإمام الأعظم لهم هو القلب، وكل فرد بقدر منزلته عضو من الأعضاء الباقية، وبذلك يكون كل مسلم منهم كاملاً فى إسلامه، عاملاً للدنيا والآخرة، عاملاً من عمال الله المخلصين، بل ويكون كل واحد منهم خليفة لرسول الله ﴿ص وآله﴾ فى القيام بمعنى من معانى الرسالة، ويكون المجموع بأكمله صورة كاملة لرسول الله ﴿ وآله﴾تمثل أخلاقه ﴿ص وآله﴾ ومعانيه ﴿ص وآله﴾ وأحواله ﴿ص وآله﴾ ويكون كل فرد من أفراد المسلمين كأنه فى معية رسول الله ﴿ص وآله﴾ لأنه متجمل بجمال أهل معيته، متصف بما وصفهم الله تعالى به.
وبهذا يكون المسلم الواحد أمة عظيمة قوية! (3) لأنه جاهد نفسه مجاهدةً فى ذات الله حتى تحققت أن الله تعالى أولى بها منها وأعلم بخيرها منها، وأقدر عليها منها.
وإن العقل الإنسانى وإن كَمُل، والفكر الآدمى وإن رقى، لا يستقل بإدراك ما هو خير فى الحقيقة ونفس الأمر، ولا يقتدر أن يقهر النفس على الأعمال التى بها نيل السعادة الحقيقية، لما جبلت عليه النفس من حب النزوع إلى المـُلائِم والرغبة فى العاجل، فكانت أحكام الله تعالى ووصاياه، وتعاليم رسول الله ﴿ص وآله﴾ وهدى أصحابه رضوان الله عنهم والتابعين لهم بإحسان هى المراقى التى يرقى بها المسلم إلى منازل السعادة الحقيقية فى الدنيا والآخرة، ونيل الخير الحقيقى فى الدنيا والآخرة) (4).

ما هو المجد الذى فقده المسلمون؟!
* يقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم رضى الله عنه فى كتابه (وسائل إظهار الحق) :
(لعل أخا يسألنى قائلاً: ما هو المجد الذى فقده المسلمون حتى يمكن أن يَسْعَوا - بعد العلم به - بالعمل لتجديده، فإنى أرى المسلمين كثيرين لم ينقص عددهم، ولا يزال القرآن يتلى بينهم، ومعاهد العلم آهلة بالمعلمين والطلبة، والمساجد عامرة بالذاكرين والمصلين، والناس يحجون بيت ربهم، ولا يزال العمل فى الأحكام على القواعد الشرعية. وفى نظرى أن الإسلام على ما هو عليه لم يتغير منه شئ ولم ينقص؟
فأجيبه: أنا لا أريد بالمجد الذى أنبه النفوس إلى تجديده قلة عددهم ليكثروا، ولا قلة المساجد المشيدة فى المدن لنزيدَها، ولا قلة المعاهد العلمية التى كنز لها السابقون الإنفاذ لريعها، ولا ولا ولا .. ولكنى أقصد بالمجد الحقيقى الذى هو "الروح الحقيقية الإسلامية التى تسرى فى القلوب فتُجملها باليقين، وفى الأجسام فتنشطها للقيام بعظائم الأعمال، وتُحتقَر فى عين المسلم صغارها".
هذا المجد جعل المسلمين بعد القلة يكثرون، وبعد الذلة يعزون، وبعد الجهالة يعلمون، وبعد الخوف يخيفون، وبعد أن كانوا مملوكين يملكون.
هذا المجد الذى كان يجعل المسلم وهو فى مياه الهند، يلبى أخاه وهو فوق جبال البرينات فى الأندلس.
هذا المجد الذى جعل المسلم وهو فوق منبر المدينة المنورة، ينادى أخاه وهو على سفح جبال سوريا فيسمع نداه.
هذا المجد الذى كان كل مسلم فيه مع كثرة عددهم واتساع ملكهم واختلاف ألوانهم وترامى بلدانهم، كعضو للمجتمع بأجمعه يعمل لخير الكل غير ناظر لنفع نفسه، وإنما يحب نفسه ويحب لها البقاء ليعمل للخير العام.
هذا المجد الذى جعل الأمم المختلفة الأخلاق والأنساب والعادات والبقاع، يمتزج بعضها ببعض؛ ويزدوج بعضها ببعض؛ وتتجنس بجنس واحد هو الإسلام، وتقوى تلك الرابطة حتى تحصل الألفة التى تجعلهم كجسد واحد موصل جيد للحضارة، بحيث لو أن جزءاً صغيراً منه مسته الحرارة ارتفعت درجة حرارة الجسم كله مع تنائى أطرافه وعظم جسمه. وكذلك كان المجتمع الإسلامى متحداً اتحاداً بحيث لو أن أدنى مضرة ألمَّت بأصغر فرد منهم شعر المجتمع بأجمعه بالألم، وقام كل فرد كأنه المجتمع يدفع الشر ويجلب الخير.
هذا المجد جعل كل فرد من المسلمين كأنه الأمة بعينها يؤمن من شاء، ويضمن على الأمة ما شاء، ويعاهد فلا يخفر أحد ذمته، ولا ينقض بيعته، ولا يرد أمانة.
هذا المجد الذى جعل الألسنة مع كثرتها كأنها لسان واحد، لأنها لا تنطق إلا بالحق ولو عليها. وجعل القلوب قلباً واحداً لأنها لا تطمئن إلا بالحق ولو عليها، وجعل الأيدى يداً واحدة لأنها لا تحرك إلا لعمل بسنة أو لدفع ضلالة وبدعة، وجعل الأرجل رجلا واحدة، لأنها لا تنتقل إلا لقربات أو مكرمات.
هذا المجد الذى سوى بين بنى الإنسان حتى ارتفع التمييز بين القرشى والعجمى. هذه هى الضالة التى ينشدها كل عاقل من غير المسلمين، فكيف بالمسلمين أنفسهم؟ ولو نظرت أيها السائل بعين الفكرة إلى المجتمع الإنسانى فى كل أقطار الأرض فى هذا العصر، لوجدت أن كل جماعة من هذا المجتمع تعد بما فى وسعها من العقل والقوة معدات تسوق غيرها من الجماعات إلى هاوية الذل لتجعلهم كبهائم مسخرة، وتكون لها الكبرياء. وها هى المعدات الجهنمية يتنافس فيها الذين يدعون أنهم أهل مدنية، وأنهم خدموا العمران، وأنهم الرحماء ببنى الإسلام. فليأسف على مجد الإسلام النصرانى قبل اليهودى، واليهودى قبل المجوسى!!
المجد الذى جعل غير المسلمين متمتعين بالحرية المطلقة والملاذ الشهوانية أكثر من المسلمين، كان المسلم إذا شرب الخمر يضرب ثمانين سوطاً. كان مكلفاً بلقاء الأعداء ولو فرَّ قُتل، ومكلفاً بشهود الجمعة والجماعات وتعليم العلوم، ودفع أمواله عند الحاجة لبيت أموال المسلمين، وبالرباط على الثغور، ولمساعدة الفقراء وبأحكام أخرى لا يكلف بها غير المسلم. وأهل الذمة فى بحبوحة الأمن والأمان، والأمم المجاورة للمسلمين فى رغد العيش والإكرام.
لِيَبْكِ المظلومون من جميع الأمم على هذا المجد، وليبذلوا كل نفيس وغال فى إعادة هذا المجد، ليعود السلام ويستريح العالم بأجمعه من هذا العذاب، وينجو من تلك الهاوية التى يسوق الإنسان أخاه إليها.
هذا رذاذٌ من وابِل، ولا ينكِر على قولى هذا أحد، وكيف ينكر وكل المدن التى فتحها المسلمون لا يزال بها اليهود والنصارى فى أرغد عيشة وأهنأ حالة، ولكنك لو نظرت إلى المدن التى بدلها الإفرنج، التى كانت آهلة عامرة بالعلوم والعدل والأمان، لا يقل عدد المسلمين فيها عن خمسة ملايين نسمة، أصبحت الآن وليس فيها مسلم واحد ولا مسجد، ولكنك لو نظرت نظرة عامة إلى البلاد الإسلامية لوجدت الكنائس كما كانت، والبِيَع على ما هى، وأهل الأديان ممتعين بالحرية الكاملة إلا من اعتنق الإسلام عشقا فيه، واعتقاداً أنه الحق، لم يدْعُهُ إلى الإسلام إلا عقله الذى قنع بنور الإسلام، وقلبه الذى اطمأن بجمال الإسلام.

تجدد الإسلام سلامة لجميع بنى الإنسان:
لعلك أيها السائلُ علمت أن مجد الإسلام مجد لكل بنى الإنسان، وأن تجديد الإسلام تجديد عام لخير بنى الإنسان، وأن العمل بشرائع الإسلام سعادة لكل حى من حيوان وإنسان.
أين تلك الأخلاق الفاضلة التى جعلت أمير مصر القرشى فى مستوى واحد مع رجل من أهل الذمة فقير مسكين؟ ثم بعد أن استوى معه فى المجلس استوى معه فى الحقوق، فقام ولطمه على خد يأنف أن يمسه أعلى الكواكب (5). كيف لا ينشد تلك الضالة غير المسلم، ويتمنى أن يعيد الله أنوار تلك النفوس الطاهرة، وأسرار تلك القلوب العامرة باليقين، وأعمال تلك العقول الزكية الكبيرة التى صغرت أمامها العظائم؟ لا شك أن كل موجود فى تلك الدار الدنيا يتمنى أن يكون من أهل ذلك الزمان الماضى، أو أن الله يعيده حتى يكون آمنا على دمه وماله وعرضه وأهله من شرور أهل هذا العصر، الذين يدعون أنه عصر المدنية والحضارة، والحقيقة أنه عصر الظلم والجهالة.

تأمل فى الرحمة التى باطنها العذاب:
تسمع الأصوات تنادى: وارحمتاه بالحيوان من ظلم بنى الإنسان فى البلاد الإسلامية، وتصرخ: واشفقتاه على الذين استرقّهم المسلمون لتحريرهم، فتسمع الآذان صدى تلك الصيحات، فتقول: ما أرحم وأشفق بنى الأصفر!
وما تلبث قليلاً إلا ريثما ترى رؤوس الكهول والأطفال قد اختطفتها لهب النيران، وبطون النساء قد بقرتها المقذوفات، وهجمت الوحوش المفترسة على البلدان فتركت أشلاء القتلى كالتلال. ويا ليتهم شعروا بتلك الآلام، ولكنهم يقيمون الزينة والأفراح بين أنين الجرحى، وتأوه المرضى، وأنفاس مفارقى الدنيا.
عجباً لمن يرحم الحيوان الذى فى يد المسلم، ثم ينقلب فيحرق صاحبه بنار البارود وشواظ المقذوفات !!
عجباً لمن يحرر الرقيق الذى تمتع بأكمل الحرية بالعيشة الهنية مع مولاه فشاركه فى نعمته، وربما زوجه بابنته، وكيف يسلطون تلك المقذوفات الجهنمية على أشراف الناس وأحرارهم!!
عجباً لقوم يبعثون البعثات لتداوى المرضى مجاناً وتعطف على البؤساء، ويبعثون وراءهم نار الحريق الماحقة للدين والدنيا والنفس والعرض !! نعم هى رحمة، ولكن من ورائها العذاب الأليم! ولو أنها رحمة من ورائها خير لكان الأولى أن يقوموا بها للبؤساء فى بلادهم الذين يموتون جوعاً على أرصفة الشوارع، ويمر الغنى عليهم فينظر إليهم نظرة صَغار، وإلى نفسه نظرة علو وعز وكبرياء، ويقول: لولا موت هذا جوعاً ما شبعت.
سبحان الله لابد وأن تنكشف الحقيقة فى يوم ما، وكما يدينون يدانون، وسيجعل الله بعد عسر يسرا.

هذا أيها السائل الكريم هو المجد الذى أتمنى أن يعيده الله كما بدأه، ويتمناه معى كل محب لسعادة المجتمع الإنسانى. هذه قطرة صغيرة من فضل العمل بالإسلام فى الدنيا، فكيف بالفضل العظيم الذى يناله فى الآخرة العامل بشرائع الإسلام فى الدنيا؟ لاشك أن نيل الأجر به فى الآخرة أكمل وأتم، والفوز بالسعادة به أجمل وأشمل وأعم. فكيف لا أتمناه لكل إنسان وبه سعادة العالم بأجمعه فى الدنيا والآخرة.
لا تظن أنى تعصبت فى دينى، ولكنى أحببت الخير لبنى نوعى. أقول الخير بعد تبصره وبيان، ونظر وبرهان. والحمد لله لم يبق على الشمس ما يحجبها إلا ظهرت أشعتها من هذا الحجاب، لمن له تبصرة أو ألقى السمع وهو شهيد) (6).

واجب الوقت
لعودة المجد الإسلامى
* يقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم رضى الله عنه فى كتابه (وسائل نيل المجد الإسلامى) ص 233-234:
(والوقت الحاضر يقتضى أمرين عظيمين :
الواجب الأول:
الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله، لنجدد ما تركناه، ونعيد العمل بما أهملناه، وهو المقصد الأسمى الذى به الفوز بكل قصودنا، والشأن الأهم الذى بإهمالنا فيه يضيع منا كل شىء، حتى حياتنا الإنسانية، فنعيش عيشة الحيوانات الداجنة التى تعمل لغيرها.
الواجب الثانى:
تابع للواجب الأول، وبه يُنال، وهو :
المسارعة إلى رد ما فقدناه من ملك ووطن وعلوم وصناعات وفنون وحرية وإرادة
ودفع ما ابتُلينا به من الاستعباد والاستبداد، وفساد الأخلاق والعوائد، وانتشار الفواحش ظاهراً وباطناً، والركون إلى أعداء الله تعالى، والمسارعة فيهم وطلب الدنيا بأعمال الدين، وإهمال العمل بكتاب الله تعالى عملاً بما وصفه أهل الكفر، وفقد الغيرة لله ولرسوله وللفضائل، ونسيان القلوب يوم القيامة وهوله، ومحو الرحمة الإسلامية من بين المجتمع حتى من قلوب أفراد العائلات لبعضهم، وفقد الثقة من بعضنا لبعض ووضعها فى أعداء الله ورسوله ﴿ص وآله﴾ وأعدائنا، حتى تمكنوا منا لغفلتنا وغرورنا، وهذان هما واجبا الوقت)

* ومما سبق من كلام الإمام المجدد أبى العزائم رضى الله عنه ينبغى توافر الشروط التالية لعودة المجد الإسلامى:
1- تحديد الهوية وأساس الانتماء:
على الأمة أن تحدد بصراحة ووضوح هويتها وانتماءها، ولا هوية ولا انتماء لغير الإسلام، فهو محور حياتها، وروح وجودها، وسر بقائها. وصانع حضارتها، و أساس وحدتها.
وقد قال الفاروق عمر رضى الله عنه: (نحن كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز فى غيره أذلنا الله).
وبهذا ترفض كل العصبيات: العنصرية، واللونية، والإقليمية، واللغوية، والطبقية … وغيرها التى تهدم ولا تبنى، وتفرق ولا تجمع.
وأن تقيم الدولة الإسلامية علاقاتها الدولية باسم الإسلام فقط، بعد أن كشفت المعركة السياسية فى الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ودول عدم الانحياز، والمنظمات الإفريقية، والأفروآسيوية، والفرانكوفونية، ومجموعة الخمسة عشر، والسبعة والسـبعين وغيرها.. تنكر هذه المنظمات لها.. وأنها جميعاً أنشئت لإلغاء أو لتفتيت الوحدة الإسلامية، وتفريق شمل المسلمين.
2- تحديد المرجعية العليا:
ويترتب على تحديد الهوية والانتماء، تحديد المرجعية العليا لحياة الأمة بمختلف جوانبها: العقدية، والتشريعية، والثقافية، والاجتماعية … والتى يحتكم إليها الناس إذا اختلفوا، ويرجعون إليها إذا شردوا أو انحرفوا..وما دامت الأمة هى أمة الإسلام فلا مرجع لها غير الإسلام. والمقصود به (إسلام القرآن والسنة) بعيداً عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
فالإسلام هو الإسلام كما أنزله الله فى كتابه، وكما دعا إليه رسوله﴿ص وآله﴾ وكما عرفه خير قرون هذه الأمة.
3-ضرورة الاجتهاد والتجديد:
* يجب على الأمة أن ترفض الجمود والتقليد، وأن تؤمن بالاجتهاد والتجديد وفق الأصول الإسلامية الثابتة، وأن ذلك وسيلة ضرورية لفهم مقاصد الإسلام ونصوصه، وتنزيلها على وقائع الحياة، مراعية ما قرره علماؤها العاملون من تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال.
ولا توجد أمة حث دينها على الاجتهاد مثل هذه الأمة، حتى إن المجتهد المخطئ الذى تحرى واستفرغ وسعه فى طلب الصواب له أجر، وإن كان أجره دون أجر من أصاب الحق، كما يقول النبى ﴿ وآله﴾:(إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد، وإن أصـاب فله أجران) (الشيخان).
ولا غرو إن تنوعت المشارب، وتعددت المذاهب، واختلفت المدارس، وتعايشت جنباً إلى جنب فى ظل رحابة الإسلام وسماحته.
والتجديد المقصود ينصرف إلى الأمور الدينية البحـتة، وإلى الأمور الدنيوية الحياتية:
ففى الناحية الأولى:
يشير المصطفى ﴿ص وآله﴾ إلى شرعية التجديد فى الدين بقوله: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (أبو داود، والدار قطنى، ودلائل النبوة للبيهقى).
* وليس معنى التجديد إظهار (طبقات جديدة) من الإسلام فى كل قرن أو عصر، تتغير بتغير الناس، وتتلون بلون الحياة. فالحق أن الإسلام- بأصوله الثابتة وأحكامه القطعية- هو الذى يحكم الحياة ويصبغها صبغة الله، فهو الحاكم لا المحكوم، وهو الميزان لا الموزون، وإنما التجديد هنا: تجديد الفهم للدين، وتجديد للإيمان به، وتجديد للعمل به والعمل له. بمعنى ألا يقتصر دور الفرد المسلم على مجرد انتظار المجدد، بل لابد من المشاركة بدوره ونصيبه فى حركة التجديد، من خلال العمل الجاد بالإسلام وللإسلام، مع البحث المتواصل عن مجدد زمانه، حتى يتفضل عليه سبحانه بأن يجمعه به فى الدنيا والآخرة.
وفى الناحية الثانية:
يتبين أن التجديد إذا كان مطلوباً فى أمر الدين- والأصل فيه الاتباع- فهو أكثر طلباً ولزوماً فى أمور الدنيا وشئون الحياة- والأصل فيها الابتداع- فلابد من تهيئة المناخ العقلى والنفسى والاجتماعى للإبداع والابتكار، وتنمية المواهب، والقدرات الخاصة، وتشجيع العقول المبدعة، وتكريم النبوغ والتفوق، واستعادة العقول المهاجرة إلى ميدانها الطبيعى فى رحاب أمتها، فهى أولى بهم وهم أولى بها.
كل هذا مطلوب من الأمة الإسلامية بشدة، حتى ليعتبره الإسلام من فروض الكفاية، التى لابد أن يقوم بها البعض ليسقط الإثم عن الباقين، وإلا أثم الجميع بتركها.
4- تجسيد الإسلام فى أخلاق وأعمال:
ينبغى على الأمة أن تجسد إسلامها – الذى تفاخر به وتعتز- فى أخلاق وأعمال، ولا يبقى مجرد شعارات ترفع، أو دعاوى تدعى.
وأهم ما يجب أن تحرص الأمة على التمسك به وتطبيقه: التجرد والإخلاص لله، والانتصار على شهوات النفس، وعلى نزعات العرقية والقبلية، التى حطمت الصومال تحطيماً شاملاً، وحطمت أفغانستان وأحرقت ثمرة جهادها، وتوشك أن تحطم أثيوبيا وإرتريا، وتوشك كذلك أن تمزق دولاً إسلامية أخرى شر ممزق.
إن تحويل مبادئ الإسلام وتعاليمه السمحة إلى واقع سلوكى تطبيقى، هو الذى ساهم فى بصورة فعالة فى نشر نور الإسلام إلى آفاق الأرض، فما انتشر الإسلام إلا بأخلاق المسلمين، وأغلب البلدان الإسلامية لم يدخلها جيش فاتح، بل مسلم تقى صالح..على أن الجيش قد يفتح أرضاً ولكنه لا يفتح قلباً، وإنما القلوب تفتح بالإقناع والقدوة.
5- الأخذ بأسباب القوة الاقتصادية والعسكرية:
لكى تصبح الأمة المسلمة ذات نفوذ وتأثير قوى فى النظام الدولى، لابد أن يتوافر لديها رصيد ضخم من القوة الاقتصادية والعسكرية، إذا أنهما يتكاملان فى سياق إبراز مكانة الأمة الإسلامية فى النظام الدولى.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك فى قوله تعالى:﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ﴾ (الأنفال : 6) . فلقد جاء هذا التكليف الإلهى موجهاً إلى الأمة جمعاء ﴿وأعدوا﴾ ليكون كل فرد آخذاً بنصيبه من هذا الأمر الإلهى، كل فيما يخصه وفى مجاله، وفى حدود أقصى استطاعته.. بهدف تحقيق القوة فى جميع المجالات: السياسية، والاقتصادية والعسكرية. ولهذا جاء لفظ (قوة) منكراً ليفيد العموم.. ثم كان تخصيص القوة العسكرية بالذكر لبيان مدى أهميتها الفائقة فى الوصول إلى الهدف المنشود، بأن تكون الأمة المسلمة مرهوبة الجانب من قبل أعداء الدين وأعدائها.
وحينما تصبح الأمة قوية مرهوبة الجانب، فإنها حينئذ تصبح قوة عظمى لها تأثيرها القوى ونفوذها المباشر فى النظام الدولى.
6- تحقيق نهضة علمية شاملة:
لا يمكن للأمة أن تحقق النمو الاقتصادى والعسكرى بدون وجود قاعدة علمية متينة، فبالنهضة العلمية تمكنت كل من اليابان وألمانيا من النهوض مرة أخرى بعد الدمار الشامل الذى أصاب كليهما فى الحرب العالمية الثانية، وأصبحتا فى سنوات قلائل من القوى العظمى فى المجال الاقتصادى العالمى، ومن خلال هذا التفوق الاقتصادى- القائم على أسس علمية سليمة – استطاعت ألمانيا – مثلاً- أن تستعيد وحدة أراضيها فى بداية التسعينيات.
ومن هنا ينبغى على الأمة الإسلامية أن تستغل الإمكانات المتاحة لديها لتحقيق نهضة علمية شاملة تكون أساساً قوياً للنهضة الاقتصادية والعسكرية المنشودة- أو على الأقل محاولة تطوير ما وصلت إليه الحضارة الغربية- بغية الوصول إلى المكانة القيادية فى المسيرة الحضارية الإنسانية.

وبعـد: فهذه رؤية سريعة ومبسطة للمسلمين فى ظل النظام العالمى الجديد، وعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما بين البقاء على وضعهم الراهن بما فيه من فرقة وانقسام وتنافر، أو توحيد الكلمة واجتماع الصف ليعيدوا أمجادهم وسيرتهم الأولى.
والطريق إلى تحقيق هذا واضح، والوصول إليه سهل ميسور بشرط توافر النوايا الصادقة والهمم العالية .


خاتمة
بالجد والاتحاد نيل المجد
* بالجد والاتحاد يعود المجد ويقهر الضد، لأن الجسد لا يبلغ كمال صحته ومسراته إلا إذا اتحدت الأعضاء على العمل للجسد، فقامت العين واليد والأذن وغيرهم لخدمة الجسد. والاتحاد يكسب أهله خيرين: خير الشرف التاريخى الذى يكسبه المجد، وخير السيادة ونفوذ الكلمة وقوة العصبية. والتفرقة تهوى بصاحبها فى ذلين : ذل احتقاره بين الأمة، وذل حرمانه من الثقة به، منحنا الله الاتحاد جميعاً.
* إن الله سبحانه وتعالى بشرنا بأنه يظهر ديننا على الدين كله، وهو القاهر الفاعل لما يريد، وبشرنا بأنه سوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه، يجددون ما اندرس من معالم دينه، ويحيون ما مات من سنن نبيه﴿ص وآله﴾ وإنا لنطمع أن نكون منهم- إن شاء الله تعالى- وقد آن الأوان، وبلغ الظلم عنان السماء، وجاس أعداؤنا خلال الديار، وطعنوا فى ديننا، وقد بشرنا رسول الله ﴿ص وآله﴾ بأنه لا تزال طائفة منا قائمة على الحق.
* فالواجب علينا الآن أن نترك ما حرم الله تعالى، من الربا، والزنا، والخمر، والميسر، والمسارعة فى أعداء الله، وأن نظهر عداوتهم دينا- خصوصاً من أظهروا عداوة الله ورسوله والمسلمين- عملا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ (الممتحنة: 1).
ثم نبر ونقسط إلى من لم يقاتلونا، ولم يخرجونا من ديارنا، قال الله تعالى: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ﴾ (الممتحنة: 8). ويجب علينا معاداة غيرهم، والتباعد عن معاملتهم كما قال الله تعالى: ﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم﴾ (الممتحنة: 9). يجب علينا أن نوالى من والى الله ورسوله، وأن نتحد قلباً وقالباً على المنفعة الإسلامية العامة، وأن نتجرد من العمل للمصلحة الخاصة بالنفس، وأن نعين من علمنا منه حب الله ورسوله، وبغض أعدائه، وتحققنا منه السعى للخير العام، وأن نطهر أنفسنا من الطمع فى غير مطمع، ومن الحسد، باعتقاد جازم أن الموت قريب، وأن عداوة المسلم عداوة لله ورسوله، وأن كل مسلم يسعى لخير نفسه وإخوته المسلمين، ثم نحافظ كل المحافظة على القيام بشعائر ديننا، ونترك ما نهانا الله عنه دفعة واحدة، مهما كان فيه من الخير العاجل لنا، كموالاة الأعداء، وتقليد خصومنا، وترك الواجب علينا خوفاً أو حياء أو مداراة للعدو، فإن من ترك الحق حياء أو خوفاً أو مداراة للعدو فقد عظم غير الله تعالى، ومسلم عظم غير الله مرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
* يا قوم: للمداراة قدر مخصوص لا تتجاوزه، وللحياء حد محدود لا يخرج عنه، وللخوف صورة واحدة، وهى أن يخاف على نفسه من الموت معتقداً أنه ينجو فيتحيز إلى فئة قوية يقوم معها مجاهداً لله، ومن خاف فى غير هذه الصورة فترك الحق تركه الحق.
* ليس بين المجتمع الإسلامى وبين أن يعود له المجد الذى كان له شقة شاسعة، وإنما هى لمحة تحصل بها الصلحة، ونحن والحمد لله لم يغب عنا رسول الله﴿ص وآله﴾ ولن يغيب ﴿ص وآله﴾ وهو فينا ونحن معه، أما كونه ﴿ص وآله﴾ فينا فالقرآن المجيد والسنة المطهرة- حفظهما الله لنا من التغيير والتبديل، وسهل جداً علينا العمل بهما، والغيرة لهما، وإقامة حدودهما، وقهر المتساهلين على القيام بما أوجبه الله تعالى، ورغب فيه الرسول ﴿ وآله﴾.
وأما كوننا معه﴿ص وآله﴾ فأمر لا يكلفنا مشقة، وليس بيننا وبينه شقة، وقد بين الله تعالى صفات وأخلاق وأعمال من يتفضل عليهم بمعيته ﴿ص وآله﴾ التى بها نكون مع الله تعالى، ويكون الله معنا.
* وكل مسلم يعلم أن الله تعالى ما فرط فى كتابه من شئ، وأن رسول الله ﴿ص وآله﴾ بين لنا كل شئ من أحوالنا الشخصية، للفرد وحده، وله مع والديه وإخوته وأرحامه، وله مع زوجته وأولاده وأتباعه، وله مع جيرانه ومع أهل قريته، وللفرد مع شركائه ونظرائه فى عمله، من تجارة وزراعة وحرفة وخدمة لكل فرد مع كل فرد، ومع المجتمع، وللأفراد مع بعضهم من المسلمين، ولهم مع أهل الذمة، وللمجتمع مع أهل الحرب.
* بين الله لنا كل شئ حتى علمنا كيف نأكل، وكيف نلبس، وكيف نلامس النساء، وكيف نمشى، ووضح لنا رسول الله ﴿ص وآله﴾ بعمله وقوله كل شئ من شئوننا مما لا تهتدى إليه العقول، ولا تصل إليه الأفكار، بالبحث والتجارب، رحمة من الله تعالى بنا، وعناية، فصرنا- والحمد لله- أعزاء بالله بعقائدنا، سعداء بعبادتنا لله تعالى، إخواناً متحابين بالتشبه برسول الله ﴿ص وآله﴾ أغنياء بمسارعتنا لما أمرنا الله به من العمل للخير العام، فى أمان من شرور الخلق بالتمسك بحسن المعاملة الشرعية، أصحاء الأبدان بتحريم الخمور والفحشاء والفجور، يهابنا ملوك الأرض لتعظيمنا لله تعالى، ومحافظتنا على أحكامه.
* لعمر الله هذا هو العز فى الدنيا والمجد فى الآخرة، به تخضع لنا تيجان ملوك الأرض، وبه نفوز بجوار رسول الله يوم العرض.
* لذا يجب علينا أن نتبصر فى أمورنا، ونتوقى مكائد أعدائنا، ونعتصم بحبل الله تعالى، عاملين بكتابه سبحانه، وبسنة نبيه ﴿ص وآله﴾ ونعتقد أن الحياة الدنيا دار فناء فنحتقر حظوظها وملاذها، متحدين على العمل بالقلب والقالب فيما ننال به سعادتنا ونعيمنا فى الآخرة، محتقرين كل رياسة أو ثروة أو سعادة توقعنا فى التفرقة وشتات الحال، فإن عدونا قوى يقظ. وننبه إخواننا من البلاد الإسلامية أن يعتبروا بما فات، وأن يستقبلوا المستقبل بقلوب اتحدت على نصرة الحق، وأبدان اجتمعت لتجديد المجد لنفوز بالسعادتين، ونحظى بالحسنيين، ولنعتقد أن عزنا ومجدنا بالرجوع إلى أحكام ديننا، قال الله تعالى: ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ (آل عمران: 126). وقال سبحانه: ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ (الروم: 47)، أسأل الله تعالى أن يمكن لنا فى الأرض بالحق، وأن يحفظنا من الفتن المضلة، ويوفقنا للعمل بمحابه ومراضيه.

نتائج البحث
1- أسباب ضعف الأمة الإسلامية يعود إلى عوامل كثيرة، منها ما هو نابع من داخلها، ومنها ما كان نتيجة المؤامرات الخارجية التى نسج خيوطها أعداء الأمة بمهارة شديدة.
2- معالم النظام العالمى الجديد هى إما تدمير الاقتصاد والثقافة وتبعية الشعوب الإسلامية للقائمين على هذا النظام، وإما إبادة العالم الإسلامى بأسره. أو بمعـنى آخر إما أن يرتد المسلمون عن دينهم، أو يبادوا.
3- سبل النهوض بالعالم الإسلامى تبدأ أولاً من بناء الفرد المسلم، ثم بناء الأسرة المسلمة، ثم بناء المجتمع المسلم، وبالتالى بناء الأمة الإسلامية الكبيرة.
4- الإسلام وحده هو المنهاج الصالح لإقامة نظام عالمى عادل ورشيد، يكفل للبشرية ما تتطلع إليه من أمن واستقرار ورخاء، إن عاد المسلمون إلى دينهم.
5- مستقبل المسلمين فى ظل النظام العالمى مرهون بوحدة صفوفهم واجتماع كلمتهم، وأنه لا سبيل للنهوض بالأمة الإسلامية إلا بالقضاء على أسباب ضعفها وعوامل مرضها.
6- العدو الرئيسى الخارجى للأمة اليوم هى الصهيونية الممثلة فى إسرائيل، والصليبية الممثلة فى الولايات المتحدة الأمريكية، ويجب أن تحدد الأمة عدوها، وتسخر جهودها للقضاء عليه.
أما العدو الداخلى للأمة فهى العلمانية والوهابية، فالأولى تحارب الدين، والثانية تفرق المسلمين.

توصيات البحث
1 - نوصى جميع الشعوب الإسلامية بمختلف أجناسها وألوانها ولغاتها أن توحد انتماءها، وتعمل للمنفعة العامة، وتجتمع تحت راية واحدة هى راية الإسلام، التى هى الرباط الجامع بينهم.
2 - نوصى جميع المسلمين أن لا يجعلوا شهوة السلطان حائلاً دون تحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة، وعليهم أن يطرحوا خلافاتهم الشخصية وراء ظهورهم، وأن يهتموا بتعميق معانى الأخوة والوحدة فى نفوس شعوبهم، بأن تكون الوحدة الإسلامية ضمن أساسيات المقررات الدراسية فى المراحل التعليمية المختلفة فى جميع بلدان العالم الإسـلامى. وإن لم يتيسر ذلك فهو واجب على كل أب بالنسبة لأسرته، وواجب على الجمعيات الدينية والطرق الصوفية، وخطباء المساجد أن يهتموا بغرس معانى الوحدة والأخوة بين المسلمين.
3 - نوصى أجهزة الإعلام المختلفة – مرئية ومسموعة ومقروءة- بأن تطهر مادتها الإعلامية من كافة ما يخالف القيم الإسلامية، وأن تجعل هدفها وغايتها إنشاء الإنسان المسلم الصالح كنواة للمجتمع المسلم الصالح، وتحسين صورة المسلمين فى عيون أعدائهم. وإن لم يتيسر ذلك فلا بد من عقد مصالحة عاجلة بين الزوج وزوجته- فىكل بيت مسلم- من أجل اختيار البرامج الهادفة التى يراها أبناؤهم حفاظاً على الجيل المسلم الناشئ.
4 - نوصى الشعوب الإسلامية بتفهم حقيقة العولمة والجات والنظام العالمى الجديد، والتصدى لهذه الأفكار الخبيثة كما يلى:
أ- بالنسبة للعولمة: لابد من المحافظة على القيم والتقاليد والعادات الحسنة، والأخلاقيات الإسلامية الفاضلة، التى تساهم فى بناء الشخصية السوية، وكذلك المحافظة على اللغة العربية، والمراقبة الشديدة لما يبث فى الإعلام المتغرب من سموم مقروءة أو منظورة أو مسموعة.
ب- بالنسبة للجات: لابد من تشجيع المنتجات الوطنية والإسلامية، ومقاطعة بضائع الأعداء- أمريكا وإسرائيل- وعدم ركوب وسائل مواصلاتهم، أو التعامل مع بنوكهم، أو تناول الطعام فى مطاعمهم المنتشرة فى بلادنا الإسلامية، والإقلاع النهائى عن التدخين وكل أنواع المخدرات، مع تحسين الصناعة، وترويج البضاعة، وتخـصيب الزراعة، وبث روح الابتكار والاختراع فى الأمة.
ج- بالنسبة للنظام العالمى الجديد: لابد من اتحاد الأفراد والجماعة، ونبذ الفـرقة والتشـاحن والبغضـاء، والاستعداد الجيد بقـدر الاستطـاعة فى شـتى مجـالات الحياة لمواجهة هؤلاء الأعداء.
5 - لابد من عودة الدور التربوى للبيت والمسجد والمدرسة.
6 - مناصرة الأقليات الإسلامية، ومد يد العون لها، ودراسة كيفية الحفاظ على هويتها وانتمائها.
7 - تقوية عمل دور القيادة الشعبية الإسلامية العالمية، لأنها هى الرمز الوحيد لتوحيد الأمة الإسلامية الموجودة اليوم، ولنعمل على إنشاء السوق الإسلامية المشتركة ولو على نطاق مجموعة من الدول الإسلامية.
8 - العمل على عقد لقاءات تصاعدية تبدأ من الجمعيات العاملة فى حقل الدعوة الإسلامية فى مصر، ثم الجمعيات فى البلاد العربية، ثم البلاد الإسلامية، حتى يعقد المؤتمر الكبير على مستوى العالم الإسلامى.
9 - العمل على تصحيح صورة المسلم فى عيون أعدائه، وذلك بالسلوك الإسلامى القويم فى بلادنا، وبالسفير الإسلامى الملتزم بتعاليم دينه فى بلادهم.
1. – ضرورة رفع الحصار عن الشعوب الإسلامية، والذى فرضـه أعـداؤها من الصـهاينة والأمريكان فى إطار ما يسمى بالأمم المتحدة، وحتى يصـير المجتمع الإسلامى كالجسد الواحد لأن السكوت عليه يعتبر جريمة إنسانية وخطيئة دينية.
11 – العمل على إيقاف ضخ الأموال الإسلامية إلى بنوك الأعداء مع دراسة إمكانية سحب أرصدة المسلمين من المصارف الأمريكية والغربية، واستثمارها فى مشاريع تقام على أرض العالم الإسـلامى، عن طريق إنشاء بنك إسـلامى عالمى يربط بين المصـالح الاقتصـادية والسـياسية والماليـة للأمـة الإسلامية.
12 – إنشاء مركز إسلامى دولى لفض المنازعات بين الشعوب الإسلامية، ورعاية الأقليات الإسلامية، وتقريب وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية، يمول إسلامياً. هذا المركز يعتمد أساساً على الأسس الإسلامية فى فض المنازعات وتقريب وجهات النظر، لقوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (الحجرات: 9). هذا المركز يجب أن يكون تحت إمرته جيش إسلامى كبير قادر على الردع، وإرهاب العدو.

___________________
(1) (وسائل نيل المجد الإسلامى، ص 115،116).
(2) (وسائل نيل المجد الإسلامى) (ص 15- 18)
(3) هناك رجل برجل، ورجل بعشرة رجال، ورجل بمائة، ورجل بألف، ومن عباد الله تعالى من يزِنُ أمة بأسرها، قال تعالى: (إن ابراهيم كان أمة).
(4) (النور المبين، ص44-46).
(5) يشير الإمام إلى صيحة عمر بن الخطاب في وجه عمرو بن العاص ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) وقد رواها ابن عبد الحكم بإسناده في (فتوح مصر): أن عمر بن الخطاب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس إنه قد أتى علىّ زمان وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده، وقد خيّل إلىّ بآخره أنه قد قرأه أقوام يريدون به الدنيا ويريدون به الناس، ألا فأريدوا الله بأعمالكم وأريدوه بقراءتكم، ألا إنما كنّا نعرفكم إذ ينزل الوحى وإذ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، فقد انقطع الوحى، وذهب النبي صلّى الله عليه وسلم فإنما نعرفكم بما نقول لكم الآن: من رأينا منه خيرا ظننّا به خيرا وأحببناه عليه، ومن رأينا منه شرّا ظننّا به شرّا وأبغضناه عليه، سرائركم فيما بينكم وبين ربّكم، ألا إنّى إنما أبعث عمّالى ليعلّموكم دينكم ويعلّموكم سننكم ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا أموالكم، ألا فمن أتى إليه شىء من ذلك فليرفعه إلىّ، فوالذى نفس عمر بيده لأقصّنّه منه.
فقام عمرو بن العاص فقال: أرأيت يا أمير المؤمنين إن عتب عامل من عمّالك على بعض رعيّته فأدّب رجلا من رعّيته إنك لمقصّه منه؟ قال: نعم، والذي نفس عمر بيده لأقصّنّه منه! ألا أقصّه وقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقصّ من نفسه ؟! ألا لا تضربوا المسلمين فتُذلّوهم! ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تجمّروا بهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعّوهم.
فأتى رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم
قال: عذت معاذا
قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربنى بالسّوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين!
فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصرىّ ؟! خذ السوط فاضرب.
فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الألْأَمين!
قال أنس: فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحبّ ضربه فما أقلع عنه حتى تمنّينا أنه يرفع عنه.
ثم قال عمر للمصرىّ: ضع على صَلْعَةِ عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربنى وقد اشْتَفَيْتُ منه.
فقال عمر لعمرو: مُذْ كَم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا ؟!! قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتنى. اهـ
وهذه القصة المشرفة النورانية الممجِدة للعدل والحرية والكرامة الإنسانية، يكرهها الوهابية بشدة، لأنهم مطبوعون على العلو على الناس والإستبداد وعيشة السباع في الغابة، ولم يرتقوا إلى رتبة الإنسان، ولا يصلحون لهذا.
(6) (وسائل إظهار الحق)، للإمام المجدد محمد ماضى أبو العزائم ص 31- 35.



#محمد_عبد_المنعم_عرفة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل إلى الشيخ حسن فرحان المالكي [2]
- رسول الله ص يتنبأ بظهور الجماعات المتأسلمة ويخبرنا بأنهم مشر ...
- رسائل إلى الشيخ حسن فرحان المالكي [1]
- الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض [3] السيد محمد ع ...
- الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض [2] السيد محمد ع ...
- الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [8]
- عبادة الملائكة الروحانيين.. [2] الصوم كما يراه الإمام أبو ال ...
- يهود أم حنابلة ؟!! [5] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم
- يهود أم حنابلة ؟!! [4] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم
- يهود أم حنابلة ؟!! [3] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم
- يهود أم حنابلة ؟!! [2] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم
- يهود أم حنابلة ؟!! [1] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم
- أدعية الغفران في شهر القرآن للإمام أبي العزائم - الجزء الثان ...
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [7]
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [6]
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [5]
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [4]
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [3]
- الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها [2]


المزيد.....




- بانوراما: الثورة الإسلامية وانجازتها الدولية، ماكرون وموجة ث ...
- جبهة العمل الاسلامي في لبنان دعت لتعاون الجميع من أجل إلغاء ...
- المعلم الروحي الذي يشغل الهند بسبب -معجزاته- العلاجية
- الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي يؤكد لنظيره السوري وقوف الجمهو ...
- مقتدى الصدر: لو دافعت الدول العربية والإسلامية عن القرآن لما ...
- مقتدى الصدر: لو دافعت الدول العربية والإسلامية عن القرآن لما ...
- مفتي الجمهورية يعزي تركيا وسوريا في ضحايا الزلزال المدمر
- أمريكا تتباكى على ضحايا زلزال سوريا.. ماذا عن ضحايا زلازل ال ...
- الاوقاف السورية تفتح صالات وخدمات المساجد لاستقبال المتضررين ...
- شاهد.. ابرز عناوين بانوراما انجازات الثورة الاسلامية


المزيد.....

- تكوين وبنية الحقل الديني حسب بيير بورديو / زهير الخويلدي
- الجماهير تغزو عالم الخلود / سيد القمني
- المندائية آخر الأديان المعرفية / سنان نافل والي - أسعد داخل نجارة
- كتاب ( عن حرب الرّدّة ) / أحمد صبحى منصور
- فلسفة الوجود المصرية / سيد القمني
- رب الثورة: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة / سيد القمني
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الأخير - كشكول قرآني / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني عشر - الناسخ والمنسوخ وال ... / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل العاشر - قصص القرآن / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد عبد المنعم عرفة - الأمة الإسلامية.. عوامل الضعف وأسباب النهوض [4] السيد محمد علاء الدين أبو العزائم