أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ماجد الشمري - (اللينينية)..وصانع الدوغما!.















المزيد.....



(اللينينية)..وصانع الدوغما!.


ماجد الشمري
الحوار المتمدن-العدد: 5169 - 2016 / 5 / 21 - 22:18
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


مثل ماجرى بتحويل منهج وافكار ورؤى ماركس الى نظرية مطلقة ومغلقة،لا يعتري اي من عناصرها:الشيخوخة ،والوهن،والضعف،والتقادم،كسيرورة تاريخيةجدلية متحركة،بل اعتبرت كحقيقة ميتافيزيقية مكتملة،ونهائية،كنص قداسي ثابت،غير قابل للتأويل او التجديد او الاضافة،لمواكبة التغيرات في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعلمي والتكيف تبعا لها.جرى نفس الشيء بالنسبة لنظرية وافكار وممارسات لينين السياسية والتنظيمية ايضا،بتحويلها الى دوغما متكلسة،ونظام جامد،اطلق عليه اسم"اللينينية"،رغم انه صناعة تحنيطية ستالينية،بأمتياز!فلا ماركس كان ماركسيا،ولالينين كان لينينيا،كما علبهم الاتباع!!.ولعله ليس من الصعوبة فهم تشابك العلاقات بين مفاهيم لينين من ناحية،ومفاهيم ستالين من الناحية الاخرى.،ومدى ترسيخ لاهوتية نصوص لينين،ك"لينينية" محنطة في الصراع السياسي السلطوي ،وحول العديد من القضايا السياسية الاساسية محل الخلاف،بعد موت لينين.وقد كتب الكثير من الدراسات التحليلية،وبعضها شخص بعمق ووضوح،تلك العلاقة بالغة التعقيد-بين لينين وستالين-وعملية توظيفها،بمكر ودهاء سياسي،في الصراع على السلطة،ولم يعد هناك مجالا لجديد يضاف.ان اعقد القضايا،واكثرها اثارة للجدل،هي تلك التي تبدو غير قابلة للنقاش والجدل!.ويمكن التعبير بهذا الشكل:انه صحيح ان ستالين اقام صرحه تاريخيا،فوق ارضية مانسب للينين،والتجربة التاريخية للبلشفية بكاملها،وانتفاضة اكتوبر،وتداعيات ماقبلها ومابعدها.ولكن يبرز السؤال المشاكس والمرتاب:اليس من الضروري من اجل قطع جذور الستالينية في الميدان النظري والممارسة السياسية،ان نقطع كل صلة لنا ب"اللينينية"نفسها المفبركة،كما تحنطت على سرير ستالين المقولب؟!.وسؤال متفرع:وهل تم تجاوز فكر وتجربة لينين بالذات من قبل الاوصياء الامناء؟!.لبحث هذه المسألة بخطوط عريضة دون ادعاء العمق والاحاطة الشاملة،ودون افتراضات او قناعات او آراء مسبقة،تصادر على المطلوب،قاطعة ونهائية،ومن اجل ان لاتنقلب الماركسية الى مجرد صيغة دوغمائية متحجرة،نرددها كنصوص وأدعية دينية جوفاء!.فهل يستطيع الماركسيون اجتياز هذا الامتحان العسير،اليوم او غدا،ليستوعبوا ويواكبوا المتغيرات الواقعية الموضوعية،للالفية الجديدة؟!.من الضروري ان نمعن النظر في قضية:ما اذا كان التمييز بين ماركس ولينين،ملحا وضروريا،لاختلافهما،وتناشزهما،ان لم نقل تناقضهما!.وهل يكفي هذا لحماية الشيوعيين من عودة"الظاهرة الستالينية"مجددا،ومرة اخرى،او(و)بأشكال اخرى؟!.ام ان النتيجة التي نصل اليها على النقيض من مظهرها الخارجي،وهي:ان" الستالينية"حقيقة سابقة على"اللينينية"وايضا سابقة على الماركسية،وبشكل اساسي؟!.واذا كان هذا الامر صحيحا،فلابد من البحث عن اجداد"الستالينية"وجذور الاستبداد في اماكن وازمنة اخرى!.ومن اجل المعالجة والمقاربة الجادة،يجب الابتعاد عن المحاباة والانحياز،لان هذا غير مجدي ويقود فقط الى طمأنة وتأييد الذات المستسلمة لقناعتها،والمحدقة بمرآتها النقية!.ونقطة انطلاقنا هي:عندما نقول ان ستالين،بنى صرحه السلطوي تاريخيا على ارضية اللينينية،والتجربة البلشفية..الخ،فيجب ان نبين بأن كلمة او مصطلح"اللينينية" يعني بأختصار:تصورا نظريا لم يجري تسويقه واستخدامه على نطاق واسع الا بعد وفاة لينين!،وان نوضح ايضا كيف زور هذا التصور!وكيف استغله،واستخدمه ستالين لصالحه!.وهل من السهل والممكن فصله عن "الستالينية"؟!.ان مجرد القول،ان ستالين:زور وشوه وصنع"اللينينية"غير كافي اطلاقا،ومتحاملا كجواب!،الا اذا استطعنا ان نحدد تلك السمات الاصلية لذلك الذي تم تزويره وتشويهه وصنعه.ان اول ماينبغي تسليط الضوء عليه هو:ماهي الضرورات التي حفزت على اختراع وصناعة"اللينينية"(وهي الصفة او الاسم الذي استخدمه اعداء لينين في السابق،وبصورة رئيسية في معاركهم الفكرية معه،كنسبة اسمية لافكاره)على انها نظام نظري للماركسية(الكلاسيكية)متطورة وكاملة؟!.ولدت"اللينينية"واصبحت دلالة ايجابية قيد التداول لدى البلاشفة،وكل الاحزاب الشيوعية التي تأسست اثناء الحقبة الستالينية،والدائرة في فلك الحزب الام!،لتصف نظاما في التكتيكات السياسية.وهذه الحقيقة اكدها بوخارين بالذات،عندما اعلن بعد اسابيع قليلة من وفاة لينين،وذلك في خطاب له القاه في الاكاديمية الشيوعية يوم17شباط عام1924وبشكل رسمي،ان:"اللينينية هي نظام نظري".اما محاضرات ستالين"اسس اللينينية"(التي لازال كثير من الشيوعيين يعتبروها توراتهم)!،فقد القيت في نيسان من نفس العام في جامعة سفردلوف،وهي المحاضرات التي ساهم في كتابتها الاكاديمي البلشفي"كسينوفونتوف"!-ولم يشار اليه ابدا لامن قبل ستالين،ولامن رهطه وخلفه!والذي جرى اعدامه عام1937 اثناء التحقيق معه في قضية"خيانة"ملفقة كما جرت العادة في اتهام الخصوم الفكريين المختلفين في الرأي،طيلة فترة حكم ستالين:خيانة..عمالة..تجسس..عدو البروليتاريا او الفلاحين الى الخ من تهم-!!..وقد ركز بوخارين،منتقدا الصيغة التي تبناها اساتذة الاكاديمية الشيوعية وهي:"الماركسية في العلم،واللينينية في التكتيك"،بحجة انها تعكس الفكرة السائدة،والتي تقلل من اهمية لينين كمنظر،على تحديد مكمن الاقلال من اللامنهجية واللابنيوية المتميزة لتطور عمل لينين.يقول بوخارين:"ان لينين لم يقم بشحن وتركيز وتصنيف مساهماته النظرية في سلسلة من العروض المترابطة عضويا..فكل المفاهيم والصياغات والتعميمات التي يمكن العثور عليها في كتاباته العديدة هي في الحقيقة مقدمة للقاريء اليوم في قالب محكم ومحدد.وهذا هو السبب الذي جعل العديد من الناس يظنون بأن لينين المنظر اقل بكثير من لينين صاحب الممارسة العملية".هذه الحجة لبوخارين،اصبحت اكثر التباسا وغموضا،عندما اشار الى الحاجة لعمل ما لم يقم به لينين:اي اعطاء فكره شكلا منهجيا،فقد قال بوخارين:"اظن ان عدم تمكن لينين من صياغة مفاهيمه النظرية بشكل مركز،ناتج عن طغيان الجانب العملي في حياته.هذا الجانب الذي يضرب عميقا في طبيعة عصرنا.الذي هو عصر العمل".وهنا يقفز السؤال فارضا نفسه وهو:هل تغيرت بموت لينين طبيعة العصر،لتتحول بقدرة قادر من طبيعة"عملية"الى طبيعة تمتاز بالميل الشديد الى التأمل النظري الهاديءوالمحض؟!.فأولوية العمل وضرورته كانت اكثر الحاحا ومضت مستمرة في تاكيد نفسها،لانها كانت مطروحة وبحدة في تلك الاوقات العصيبة بعد موت لينين.-فمن كان متفرغا لترف التنظير؟!-.كان بوخارين يعي ذلك اكثر من غيره،وهو الذي اعتبر ان:"اكثر سمات ماركسية لينين اشراقا،هي فهمه العميق للدور التابع الذي تلعبه البنى النظرية،مهما علا شأنها".ان التباس الصياغة واضح بشكل جلي!ولم يصبح هذا الفهم "عميقا" حقا وكاملا الا عند ستالين!عندما اصبح على طرف نقيض مع الوجه المعاكس تماما لنظرة لينين المتميزة!.ان رأي بوخارين كان يمثل البذرة الصغيرة التي ستنمو لاحقا الى غابة كثيفة من التعاليم والوصايا المقدسة،على يد الرفيق "كوبا"!ومهما يكن من امر،فان التناقض الاصلي الذي فرخ اسطورة"اللينينية"والتناقض الذي كانت هذه الاسطورة تسعى لابقاءه في الظل والغموض!.فمن جهة اعترف بوخارين:ان افتقاد النظام والبنيان المتسق لم يكن عيبا او نقصا عرضيا،بل سمة اساسية،لمجمل العمل النظري للينين،ومن جهة ثانية،سعى من اجل ازالة هذه السمة بالذات!!موكدا على ضرورة منهجة فكر لينين،لكي يفرض قوته النظرية على الجميع،وهذه الضرورة تتفق تماما مع ضرورة ضمان وحدة الحزب،حول نواة نظرية اصيلة،ولكن الاسلوب الذي اتبع لذلك تضمن عواقب وخيمة ومميتة!لم يشك لابوخارين ولا غيره،ولو للحظة في ذلك الوقت،ولو مجرد شك،بامكان حدوثها،وكونه واحدا من ضحاياها الكثيرين فيمابعد!!.
ان مبدأ تحويل فكر لينين الى شكل منهجي مركز،وبناء نظري متكامل،تطلب ليس كل ما اعتبر طارئا وعارضا من فكره ذاته،بل وفصل مبدأ السببية-سبب،نتيجة-عن العملية التي انطلق منها:عن التخمينات التقريبية،والاخطاء،والتذبذبات،في القرارات،والتصحيحات الاساسية،والافتراضات المقترحة،وغير ذلك،لمجمل العملية ذاتها،فضلا عن انه كان من الواجب التحقق:من ان عمل لينين النظري والعملي،ظل غير مكتملا،وخاضعا للمراجعة والتمحيص والتخلي عن مواقف وبني مواقف اخرى جديدة.فقد قطع لينين في شوطه النضالي التاريخي الطويل،لحظات شائكة ووعرة من ازمة فكرية(عقلية)عميقة ومؤلمة،حينما كان لينين،يسعى بكل جهده،للبحث عن طرائق واساليب جديدة غير مطروقة سابقا،لموضوعات هي ايضا جديدة فرضت واقعيا وعمليا العمل على حلها ،والاستجابة لها.كان لينين يتقدم ويتوقف ،ثم يعاود التقدم من جديد الى امام،بجلد وصبر الشيوعي المثابر والثوري الاصيل،متحملا اعباءا كثيرة من المشقة والصراع،مع الذات والحزب والخصوم الفكريين والواقع الروسي.وهكذا نجد ان مشروع كل خلفائه،بأستثناء تروتسكي،كان،ومنذ البداية،يتعكز على نوع من الالتباس والضبابية.وما حصل،كان اشبه مايكون،بالاطروحة المعروفة،التي تحدثت عن انفصال كل من المنهج،والنظام لدى الفيلسوف الالماني المثالي"هيجل".ولكن معكوسا بشكل مضاعف وغريب،يدعو للتأمل!.فالذي ترك جانبا،وتم نبذه والتخلي عنه،هو بالضبط منهج لينين وتجريبيته،في حين تم التمسك و"الحفاظ "على نظامه الذي مازال بحاجة لبناء،كما لاحظنا لدى بوخارين!.والسؤال المترتب على ذلك هو:من الذي سيشيد صرح بنائه؟!.المفترض،هو:الحزب بأكمله،مجسدا بأشخاص،هم اقرب رفاق وتلاميذ القائد الذي رحل.هؤلاء النخبة من الثوريين المحترفين من الحرس القديم،والذين كانوا يؤلفون،اعلى هيئة قيادية في هذا الحزب،الحزب البلشفي.ولكن لو كان اولئك القادة متفقين فيما بينهم،لما دعت الحاجة الى احياء نظام لينين او بناءه!.ولاكتفى القادة بمجرد،متابعة عمل لينين ببساطة،مهتدين بمنهجه،وارشاداته،وتوصياته،طالما هي صائبة ومجدية وعملية وفي صالح قضية ومستقبل البروليتاريا والحزب،او على الاقل،باحثين عن طرق واساليب،مبتكرة وجديدة لمعالجة الازمات والمعضلات،التي كانت تواجههم،وبأتفاق الاكثرية..ان شعورهم بالحاجة الى شبح لينين"اللينينية"،هو بالضبط بسبب عدم قدرتهم على التوافق والوفاق فيما بينهم،وبقصد توظيفها-اللينينية-كأداة رئيسية،مشروعة،ولكن مغرضة في صراعتهم داخل الحزب والدولة.فكل واحد منهم كانت له لينينيته المتصورة والموهومة!يدافع عنها لدحض الاخر!وهو دفاع عن اقتناع ذاتي اكثر مما هو دفاع عن اللينينية المتعددة الوجوه،بتعدد الرؤى!.ومن هنا نجد ان"اللينينية"فرضت نفسها للمرة الاولى في حمى الصراع الفكري والسياسي،ليس ك"لينينية"واحدة!.بل مجموعة متعارضة،ومتنازعة من"اللينينيات"!وحسب تصور وفهم كل عضو في القيادة.لتستقر فيما بعد على ذلك النظام"اللينيني"الصارم والمتصلب والفريد والمنتصر،لفرد اوحد!!.والذي لم يكن سوى العنوان الايديولوجي لل"الستالينية" الظافرة والساحقة لبقية اللينينيات الضعيفة،والتي جرى تصفيتها بالدم!!.فحتى في تلك الاوقات لم تأخذ"اللينينية"شكلها الثابت والمحدد والمقونن،فمضمونها كان في حالة من السيرورة الحيوية،والتدفق الدائم والمشع والمؤثر.فالكثير من الاراء،سواء كانت حقيقة او منحولة في نسبتها الى لينين!كانت تهمل في واحدة من "المنهجة الستالينية"،لتعاود الظهور،وتحتضن،ويركز عليها في حالة اخرى!والعكس بالعكس!.كانت اللينينية حمالة اوجه!تجد فيها كل ماتشاء،وما يدعم اطروحاتك وغيرك يجد فيها ايضا مايشاء وما يلائم رغبته وهواه!.ففي واحد من الامثلة على ذلك:"نظرية الاشتراكية في بلد واحد"التي لم تظهر في الطبعة الاولى من:"اسس اللينينية"لستالين!.يبين هذا،انه لم يكن مقتصرا على القضايا الثانوية الفرعية والجانبية فقط!.كما ان آراءا اخرى احتلت مكانا مركزيا في هذه المرحلة او تلك،عادت وتوارت في الظل،ودفع بها الى هامش المفهوم،والذي امسى موضوع نقاش من جديد!.وهكذا كلعبة دومينو سياسية!!.الم يوضع حتى مفهوم دكتاتورية البروليتاريا نفسه،هذا الذي اصبح موضوع نقاش من جديد(على الرغم من انه لم يصبح موضوع بحث ودراسة نقدية عميقة)في قبو الارشيف من قبل "كوبا"في مرحلة لاحقة من حياته،عندما اخذ يحث الشيوعيين على رفع شعار الحريات الديمقراطية البرجوازية والتحالف مع احزابها،بل والاندماج فيها؟؟!!!كما جرى في الصين مثلا!..كانت هذه الاشكال من التقلب والتلون،مسألة حتمية،فهي في خدمة السلطة الفردية المستبدة،لل"الاخ الكبير"!.طالما ان المحور المنهجي القائل:بالدور التابع للصياغة النظرية،بقى معمولا به وراسخا.فهل من الصواب طرح قيمة "اللينينية"للمناقشة والنقد؟!اليس من المحتمل اننا نقدم صورة قاتمة،وغير متزنة،ومتحاملة في تصورها وتساؤلها؟!.رغم ان حقيقة"الستالينية"هي بالتأكيد اكثر قتامة وعدم اتزان وتحامل من اي اسلوب اخر في التعبير!.من الضروري جدا التمحيص الدقيق،والتحليل الاكثر جدية ونقدا للمسألة،العودة من اجل ذلك الى جذور ذاك الصراع المبكر الذي كان ناشبا بين مختلف"اللينينيات"لنرى،ما اذا كنا قادرين على توضيح دلالاته،وحتمية عواقبه المأسوية المميتة،والتي قادت اليه،كدرب الى الجحيم!.ان كل قادة الحزب البلشفي-بأستثناء تروتسكي-شاركوا في اللعبة السياسية والايديولوجية،وانساقوا بعد وفاة لينين في كثرة استخدامهم لمصطلح"اللينينية" الجديد لدعم مواقفهم المختلفة والمتناقضة.نعم كانت هناك اخطاء تكتيكية معينة،ارتكبها تروتسكي،وهي التي عجلت بهزيمته،وساعدت على قيام الصراع داخل الحزب البلشفي،والوصول بها الى تطوير"الستالينية""اللينينية"!ولكن عدم ركوع تروتسكي واستسلامه،كان لمصلحته الرمزية التاريخية،كقائد ومفجر انتفاضة اكتوبر الخالدة،سواء قبل هزيمته ام بعدها،لخرافة"اللينينية"المزعومة(والتي كانت ستثير اشمئزاز لينين لو كان حيا كما اثار غضب ماركس مصطلح الماركسية!)،لانه كان الوحيد الذي فهم بالضبط اكثر من اي شخص اخر،ميزة لينين البارزة:كمنظر،وقائد سياسي متميز ونادر،ففي معرض هجومه على تشويه العلاقة بين لينين وروزا لوكسمبورغ،حدد تروتسكي هذه الميزة،تحديدا دقيقا،كما حدد طبيعتها،ففي نصه المعنون:"ارفعوا ايديكم عن روزا لوكسمبورغ"يقول:"ظل لينين يوسع افقه على الدوام،فقد تعلم من الاخرين يوميا،وكان يرفع الى مستوى اعلى من المستوى الذي كان فيه بالامس،لقد وجدت روحه البطولية تعبيرها في هذا الدأب،وفي هذا التصميم العنيد على النمو الروحي الدائم وتجاوز الذات".وخلال الصراع المشترك الذي شنه الثالوث:كوبا،زينوفييف،كامينيف ضد تروتسكي،خدم ذلك التناقض المزعوم بين"اللينينية"و"التروتسكية"في التقريب بين لينينيات الثالوث المتصارعة،لتتوحد ضد تروتسكي،وتنبطح مستسلمة جميعا لتلك اللعنة المدمرة ،التي صاغها بوخارين وستالين،وعمدوها بأسم"اللينينية".وعندما تعرضت "لينينية"بوخارين!للادانة والشجب والتجريم بوصفها"تحريضية معادية للينينية"!!!من قبل الزعيم الاوحد والذي بات دون منافس على قمة الحزب،محاطا بأقزام حمقى،بعد نفي تروتسكي خارج البلاد،لم يعد ستالين فقط فوق قمة الحزب،بل اصبح هو الحزب مجسدا بلحم وعظم!!وبوصفه المترجم الامين الوحيد،والمفوض الاصيل والوصي المخلص ل"اللينينية"!!!.كان ذلك انتصارا باهرا ل"الستالينية"،بأسم"اللينينية الاصلية"والتي كانت نسختها الوحيدة هي الضمانة المجانية المزعومة لوحدة الحزب،ولصحة خطه السياسي المتوحد كقالب صقيل مستقيم!،بينما كان الهدف والغاية من صناعة الدوغماهو: ترسيخ سلطة وتفرد الرفيق الكبيرفي حكم الحزب!.فلم يكن بأستطاعة ستالين تعزيز نفوذه،وتدعيم سلطته المطلقة،بدون تلك الموافقة الجماعية البلهاء،والمعومة بهذه الشرعية الايديولوجية،والتي كانت اداته للاستبداد بالسلطة.وعملية الشرعية تلك لم تكن ممكنة،لو لم يسهم بها اغلب ضحايا كوبا القوقازي!بل كلهم في المستقبل،وفي حمى تنافسهم فيما بينهم،لتحويل لينين نفسه الى مصدر وحيد لتلك السلطة،فقد كانت"اللينينية":ايقونة السلطة للستالينيين،وصليب الجلجلة للضحايا،رفاق الامس،وخصوم اليوم!!!!.
عندما كان لينين على قيد الحياة،لم يكن يعتبر مصدر سلطة،حتى ولو كان يملك سلطة اعتبارية لايستهان بها،الا انه لم يقم ولم يسعى لاستغلالها،ولم يفرض على قادة الحزب،ارائه وقراراته بالقوة الهرمية المستبدة،بل عن طريق الاقناع والقبول العقلي،والخضوع للاكثرية في اتخاذ القرارات.وهذه السلطة المعنوية الشخصية والحزبية،ومضمونها الديمقراطي المركزي،نتجت عن قوة المنطق(العقلي)والكامن في الحجج الصائبة،والاختيارات المناسبة والملائمة،والتي وظفها للدفاع عن آرائه وخيارته السياسية.تلك الهيبة المؤثرة،والتي اكتسبها من نجاحاته الماضية،اظافة الى السحر الفكري،والذي كانت تشع به شخصيته الكارزمية-مع تحفظنا على كلمة (سحر)التقليدية وغير المناسبة!-.لم يكن لينين عصيا على النقد او الدحض او الرفض او المعارضة،ولم يكن هو ايضا ضد ذلك من حيث المبدأ،فلم تعتبر سلطته غير خاضعة للنقاش او الاختلاف،بل كان الامر على العكس من ذلك،فقد كان يواجه الاراء المغايرة والمعارضة على الدوام،وحتى داخل المجموعة الحاكمة للحزب البلشفي.كان لينين هو الرأس المعترف به للحزب،غير انه كان مسموحا وطبيعيا مخالفته او معارضته،وحتى انه سمح لرفاقه ،بل وانتظر منهم معارضته،عندما كانت تلك المعارضة ضرورية ومهمة في لحظات اتخاذ القرارات المصيرية والحاسمة -فلم يكن لينين معصوما من الخطأ!-.نعم كان" رأسا"ولكن فقط لانه كان قادرا على اقناع حتى اكثر المتذبذبين والمترددين والعنيدين،وسحبهم الى قناعاته،وزجهم في النضال لتحقيق الاهداف.وليس لانه يملك حق رفض المعارضين واسكاتهم،وايمانه بالحاجة الى نظام طاعة حزبي شديد الصرامة والضبط،فلم يحاول ابدا ان يخضع معارضيه لذلك النظام من الطاعة(الانضباط)الحزبي،وببساطة لانه هو نفسه لم يكن خاضعا له او يطبقه!.كما انه لم يسعى للحصول على امتياز او تفضيل رسمي يمكنه من التهرب من سلطة الاغلبية التي هي اعلى من اي سلطة،والزامية قراراتها واحكامها واجبة التنفيذ في اي ظرف كان،في المؤتمرات والاجتماعات وكل نشاط للحزب،ووصل الامر به احيانا الى التهديد بالانشقاق عن الحزب!.وباعتباره قائدا ناجحا للحزب،لم يكن هذا يعطيه الحق على الاطلاق في مناقضة القرارات الجماعية،فلم يكن اكثر من صوت واحد،عضوا واحدا في الهيئات واللجان الجماعية:المكتب السياسي،اللحنة المركزية،المؤتمر،مجلس المفوضين في الحكومة..الخ.كان امتيازه الوحيد في تلك الهيئات ذو طابعا معنويا نسبيا فقط،وبعيدا كل البعد عن الآلية،فأي من توجيهاته،او بشكل ادق واعم،اي من اراداته،لم يكن يكتسب القوة التنفيذية الملزمة،الا بعد قبولها وتبنيها والموافقة عليها من جانب اكثرية المجموعة القيادية المختصة،الامر الذي لم يحصل دوما كما رأينا عبر تاريخ الحزب،وخاصة عشية انتفاضة اكتوبر التي عارضتها الاغلبية حينها!..ان اسلوب لينين في القيادة-ومن الحماقة اعتباره اسلوبا مثاليا--!-كان من المسلم به انه لم ينف امكانية الانشقاقات،كان يتطلب قابلية مواجهة الجدل والخلافات دون اللجوء الى شرعية ما من مصدر اعلى للسلطة او اللجوء للعنف-كماسيشيع لاحقا التصفية الجسدية لمن يختلف مع الامين العام!.فالقادة البلاشفة انفسهم الذين سارعوا بعد موته،الى تحويل افكاره الى مصدر للسلطة لايناقش او يرد عليه،كانت لهم صراعاتهم وخلافاتهم بمقدار اكثر او اقل ضد"الرأس"-لينين-الذي لم يكونوا يترددون في مصارعة"اخطائه"!.وبالطبع ان تلك الخلافات التي جعلت كحوادث هامشية،لم تجد لها مكانا في بنيان"اللينينية"،او بالاحرى وجدت مكانا،ومكانا مركزيا،ولكن فقط عندما كانت تساعد على:طرد او معاقبة او ادانة هذا الرفيق او ذاك!او عندما يخرجون عن مدار"اللينينية"التي جرى تحنيطها على يد الرفيق كوبا في الزمان والمكان المناسبين!!
فمثلا تجاهل ستالين،بل استبعد،معارضة كل من:زينوفييف،وكامينيف اثناء انتفاضة اكتوبر،عندما استذكرها تروتسكي،فهما كانا حليفان له في الترويكا الثلاثية ضد تروتسكي ويخدمه السكوت عنها!ولكن عندما التحق هذان الشخصان بالمعارضة،فيما بعد،جعل ستالين من خلافهما السابق،دليل ادانة وتجريم،وعلامة لاتخطيء على"الخيانة"والعداءل"اللينينية"!!..يقول ستالين في معرض دفاعه عن زينوفييف وكامينيف التالي:"يؤكد تروتسكي على ان حزبنا في اكتوبر كان يضم جناحا يمينيا يتجسد في شخص كامينيف وزينوفييف،اللذين كما يقول كانا اشتراكيين ديمقراطيين تقريبا،وما لايستطيع المرء ان يفهمه هو كيف امكن اذن في ظل تلك الظروف ان يتحاشى الحزب عملية انقسامية،وكيف حصل ان الخلاف لم يدم مع كل من زينوفييف وكامينيف الا بضعة ايام،لم يحصل الانقسام،ولم يدم الخلاف الا عددا قليلا من الايام فقط لان كامينيف وزينوفييف كانا"لينينين""بلشفيين"!!".هذا ماقاله ستالين في عام1924،اما ماقاله في هجوم عليهما فيمابعد عندما انفرط تحالفه معهما!. فهو:"واضح للجميع ان المعارضة امكانية الثناء الظافر للاشتراكية في بلد واحد،وبرفضها لمثل هذه الامكانية على كل حال،فاننا ننزلق بصورة مباشرة ومكشوفة الى مواقع المناشفة.ان خط المعارضة حول هذه القضية ليس جديدا بالنسبة لقادتها الحاليين،فقد كان هذا الخط الذي تبناه كل من زينوفييف وكامينيف عندما رفضا الذهاب الى انتفاضة اكتوبر"!!.هذا ماقاله ستالين في عام1927،اي بفاصل زمنى لايتعدى الثلاث سنوات!!!وشتان مابين الموقفين!!...ان المحتوى المرن والمتبدل والقابل لتعدد الوجوه والرؤى والتأويلات والتفسيرات المختلفة لل"اللينينية" المخترعة!اصبح واضحا بما فيه الكفاية،ولكن هناك المزيد مما يمكن ان يقال في هذا الصدد وحول هذه المسألة..ان البنيان المنهجي ل"اللينينية"يقود منطقيا الى تبني اثنتان من العبادات المترابطة هما:عبادة لينين،القائد الملهم الذي لايخطيء!،وعبادة الحزب،الكلي القدرة!.العبادة الاولى لم تظهر الا بعد وفاة لينين،اما الثانية،فلها جذور اكثر رسوخا من تلك الاولى،فقد كانت من سمات الحركة العمالية،التي عاشت على ايديولوجية اقرب الى القداسة عبر كل تعرجات ومنعطفات تاريخها والتوائه،قبل ان تأخذ ابعادها المتضخمة في تعملقها في الستالينية،وجمع هاتان العبادتان معا بعد موت لينين،كانت ابرز نجاحات ستالين،وكانت بمثابة اسمنت فائق الجودة للبنيان الشاهق واللاحق ل"اللينينية".وكما هو معروف فان عملية الدمج تلك سجلت في"قسم"ستالين الشهير الذي اقسمه في كلمة القاها امام مؤتمر للسوفييات.لنقرأ مايقوله،بنبرة كاهن كنائسي امام مذبح الرب!!لاقائدا شيوعيا!:"نحن الشيوعيين مقدودين من معدن خاص-ربما من الفولاذ او اكثر صلابة!!-فقد تمت صياغتنا من مادة متميزة-ربما من الفضاء الخارجي او ملائكة الاله!!-فنحن الذين نؤلف جيش الرفيق لينين،ذلك الاستراتيجي العظيم..عندما تركنا الرفيق لينين اوصانا بان نرفع عاليا ونبقي على نقاوة لقب عضوية الحزب العظيم،اننا نقسم لك-انه يخاطب لينين الميت عبر جثمانه المحنط!-ايها الرفيق لينين،باننا سننفذ بشرف مضمون وصيتك هذه،فلربع قرن من الزمن حافظ لينين على حزبنا وجعل منه اقوى وانضج حزب للعمال في العالم،وعندما تركنا اوصانا الرفيق لينين بحماية وحدة الحزب حزبنا مثل حدقات عيوننا،نحن نقسم لك ايها الرفيق لينين،باننا سنقوم بتنفيذ وصيتك هذه ايضا"..الوصي ينفذ وصية لينين المقدس فوق جبل سيناء(السلطوي)!لاحاجة طبعا لتشخيص النبرة الطقسية العبادية،والترديد الصلاتي الديني والمكشوف لهذه المفردات الكهنوية المصدر!والتي اتقنها ستالين ربما من المعهد اللاهوتي الذي درس فيه!!المهم هو:ملاحظة وظيفة الدمج بين عبادة لينين وعبادة الحزب"تقديسهما"،فالاولى اي عبادة لينين ساعدت ستالين في تعزيز وترسيخ الثانية،اي عبادة الحزب،-والتي ستصب على المدى الابعد بعبادته هو نفسه-!!عندما كانت معرضة للخطر من جراء عدم التوازن الي تعرضت له عضوية الحزب،عقب موت رأسه المعنوي،ولكن من الضروري ان يكون واضحا،انه من تلك اللحظة،والتي لم يكن فيها ستالين"تلميذا لاي من تلك العبادتين،وخاصة الجديدة،عمل على توحيدهما،وكما اشرنا سابقا لم يكن ستالين دوغمائيا بل صانعا للدوغما!!والذي كان يخلق مصدرا ومرجعا قداسيا للسلطة،انما كان يفعل ذلك من اجل الاخرين دون ان يكون هو ملزما بذلك قيد شعرة!!..عندما كان لينين على فراش الموت لم يترك"وصايا"فهو لم يكن نبيا ،بل زعيما لحزب سياسي عمالي ثوري،بل ترك دليلا سياسيا محددا،بما في ذلك تلك التوصيات العملية،ومنها اقتراحه بازاحة ستالين من منصب الامين العام،تلك التوصية التي كفر بها ستالين،ولم يقسم او يلتزم بتنفيذها!!وعندما جرى تذكير المؤتمر الثالث عشر للحزب بهذه التوصيات بعد ذلك،فبدلا من تنفيذها جرى عرض دراما "القسم" المسرحي المقدس والمجلجل!!وعد بالوفاء والالتزام ب"وصايا"لينين،وقف في طريق ايلاء اهمية كبرى لتلك المسائل المحددة والمصيرية،والتي هي في التحديد الاخير،يمكن محاكمتها بافضل ماتكون المحاكمة،من قبل المجموعة القياديةل"اقوى وانضج حزب عمالي في العالم"!!!!.
وهنا..نتسأل:الم يعمل لينين نفسه-من حيث لايقصد-على التمهيد لمسألة تقديس الحزب والتأسيس لها؟.من النافل التأكيد على اننا سنجد مقاطع عديدة من مؤلفات لينين،تبجل وتمجد القدرة والمهمة التاريخية للحزب البلشفي،وفي الحقيقة،فان بناء صرح"اللينينية"النظري لم يتم تشييده الا استنادا لتلك المقاطع النصية.غير ان تفكيك المقتطفات واعادة تركيبها،ليس اسلوبا مقنعا،وسيعيدنا حتما الى صخب وفوضى"اللينينيات"المتصارعة،والتي قادت لتلك النتائج المريرة والمعروفة.لابد لنا اذا،من البحث في مكان آخر.في حادثة ليست متداولة او معروفة على نطاق واسع،قد نجد ضالتنا،ونلقي بصيصا من الضوء على تلك المسألة..جرت الحادثة في وقت لم يكن لاحد فيه ان يتصور اي خرافة ل"لينين"تنشر"وصايا"للحواريين المؤمنين المخلصين!،والمستعدون لتنفيذها بأمانة وشرف رسولي!.في ذلك الحين كان ستالين نفسه قادرا على الحديث عن"اخطاء"القائد في حضوره!!وكان يفعل ذلك بطريقة مختلفة عن"طقس""القسم"الذي اتبعه لاحقا!.في جو من المساومة ذات الطبيعة الرخوة،مع شيء من المزاح والمداعبة المرائية،هو:اجتماعا نظم في موسكو بتاريخ23/4/1920-الذكرى السنوية الخمسين لميلاد لينين-.لم يكن الاحتفال يرفل بطقوس المهابة او العبادة ولو بحدودها الدنيا!وهذا مانجده في مساهمتين:مساهمة لينين،ومساهمة ستالين.بدأستالين كلمته قائلا:انه يريد ان يتحدث عن"نزعة خاصة بالرفيق لينين لم يسبق لاحد ان اكد عليها حتى الان،الا وهي:تواضعه وشجاعته ازاء الاعتراف بأخطائه"!!.ويضرب مثلا على ذلك:الاول:عن الجدل الذي كان محتدما في صفوف البلاشفة في كانون الاول/ديسمبر1905 حول مسألة مقاطعة الدوما الجديدة.والثاني:وهو الاكثر اهمية بكثير من الاول،فحسب رواية ستالين:لم تنجح الثورة بفضل مبادرة لينين!-الذي نجح في التغلب على التردد والممانعة التي ابداها اكثرية قادة البلاشفة،وبقرار منه-بل بفضل السياسة الحكيمة"للرجال العمليين"من اعضاء اللجنة المركزية(ومنهم بالطبع ستالين)فهؤلاء هم من تحركوا وفق الهامهم دون الالتفات الى نصائح لينين التي لم تكن تخدم الا في" تدمير كل شيء"!وان لينين اعترف،فيما بعد "بأخطائه"مقدما درسا لاينسى للجميع!!يبدو هنا ستالين مدافعا عن رأي تروتسكي،دون ان يقصد:"فنحن لم نصغي اليه(الى لينين)،بل تابعنا تعزيز السوفييتات وصولا الى عقد مؤتمر السوفييتات في25اكتوبر والانتفاضة المظفرة"-غير انه في مابعد،وفي كتابه"تاريخ الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي(موجز)"لم يتردد في تحويل اقتراح تروتسكي الى تهمة اضافية ضد"عدو الشعب"المكروه،والذي حاول،كما زعم ستالين!،ان "يماطل"فتضيع فرص الانتفاضة!!!.وطبعا ليس مهما هنا مدى التشويه الكبير لتاريخ انتفاضة اكتوبر!فستالين نفسه قام باجراء اكثر من"تصحيح"واحد لابراز دوره وتلميع هذا الدور!الهامشي!وفي الوقت الذي ثارت فيه بعد موت لينين،الخلافات السياسية حول قضايا التاريخ بين بعض من ابطال الانتفاضة،وقد توفرت بعد موت ستالين الكثير من الوثائق الدقيقة لوقائع التاريخ،مما يضع مصداقية اغلب الروايات على محك الحقيقة.اما الجانب الاكثر اهمية،فهو جوهر خطاب ستالين..واطروحته الاساسية المتوارية خلف قناع كيل المديح المرائي والمزيف!على تواضع وشجاعة القائد في" اعترافه بأخطائه بالذات"!والنقطة التي حاول ستالين تضخيمها هي:انه من الممكن حتى لقائد مثل لينين،وفي اكثر اللحظات حرجا وحسما ان يقع في اخطاء خطيرة(وفي هذه الحالة خطأتآمري مباشر!!)في حين ان الحزب بأستطاعته تصحيح الاخطاء وانقاذ الثورة!فعلى الرغم من عدم وجود قائد لايخطيء،مهما كان فكره وذكائه،فقد وجد الحزب،حزب البلاشفة،الذي استطاع من خلال تنظيمه وقيادته ان يمتلك موهبة استحالة الوقوع في الخطأ!!..اذا..لم لانقدم هذه الضمانة الايديولوجية هدية للطبقة العاملة!!والتي كثيرا ما خدعت ومورست ضدها الخيانة من قبل الاحزاب الاخرى??!!.اما مداخلة لينين التي بدأها-حيث لم يشارك في القسم الاول من الاجتماع،ولم يسمع بالتالي الكلمات الاولى لستالين-بمساهمته القصيرة،وبتقديم الشكر للمهنئين،وتابع كلامه ليقول:انه تلقى عربونا للصداقة،صورة كاريكاتورية ممتازة،تصور مثل هذه الاحتفالات والخطب الكثيرة:"انني اقدمها حتى يراها الجميع من اجل ان يعفونا من مثل هذه الاحتفالات،وبصورة تامة من الان وصاعدا"!وبعد هذه المقدمة الوجيزة المرحة والخفيفة الظل!انتقل لينين الى القسم السياسي من مداخلته.وهكذا رأينا ان لينين لم يحاول في مداخلته الختامية ان يخفي امتعاضه من الجو الانتصاري،والذي تشجع عليه تلك المناسبة،فقد شعر بضرورة التحذير من اخطار هكذا اسلوب في تمجيد الحزب.فقد عبر عن ردة فعله على المظاهر الاولى من النزعة-التي حددها غرامشي فيما بعد،وما سماه"الكبرياء الحزبي"-.وكان جوهر خطابه كامنا في دحض هذه النزعة،فبعد المقدمة الموجزة والخفيفة الظل كما ذكرنا،توغل لينين في اقتباس مطول من كاوتسكي،اعقبه تعليق قصير( اقصر من الاقتباس نفسه)وكان هذا كل شيء!.مايثير الاستغراب ان نجد اقتباسا بهذا الطول في خطاب واضح ومباشر وموجز!وخاصة عندما تكون الرابطة بين الاقتباس والتعليق ايضا واهية وضعيفة،بل ومقحمة ايضا.لذا نستطيع ان نستنتج،بان:لينين اعد هذا الاقتباس ليستخدمه في خطاب اكثر ملائمة،ولكن الخطب التي سمعها خلال تلك الامسية،هي التي قادته لاستخدام الاقتباس بشكل مغاير!وهذه الفرضية يوحي بها حقيقة،ان الاقتباس نفسه يمكن العثور عليه في الصفحات الاولى من نصوص اكثر شهرة،كان لينين يقوم بكتابتها في ذلك الوقت:الشيوعية اليسارية.والاقتباس موضوع البحث،مأخوذ من نص كتبه كاوتسكي في عام1902والذي تنبأفيه-معارض الثورة البلشفية في المستقبل-بأن:روسيا ستغدو طليعة الحركة الثورية،وانه"ستخدم الغرب كمعين للطاقة الثورية".لقد كانت تلك الكلمات نبوئية.وفي"الشيوعية اليسارية"استخدمها لينين بوصفها كذلك،من اجل التوكيد على الاهمية الاممية"العالمية للثورة الروسية:"كم كان كاوتسكي محقا في ماكتب قبل ثمانية عشر عاما".ومن الواضح ان هذا التعليق كان مفهوما بسهولة،وكان لينين على مايبدو قد قرر توظيف هذا الاقتباس من كاوتسكي لخدمة غرض اخر مختلف،بل ومناقض ايضا.فالتأملات الذي اثارها نص كاوتسكي هي كما يقول لينين:"ان هذه الكلمات تجعلني افكر بأن حزبنا قد يجد الان نفسه في وضع خطير جدا،هو وضع رجل متورم الرأس،وهو وضع كثير الغباء يدعو للخجل،ويثير السخرية،ونحن نعرف ان عمليات سقوط الاحزاب السياسية وانحطاطها غالبا ما كانت مسبوقة بأوضاع تساعد على بروز الرؤوس المتورمة،وفي الحقيقة فان ما توقعه الرجل الذي اقتبست من كلامه عن الثورة الروسية،والذي هو الان عدونا اللدود،كان عظيما الى درجة كبيرة"..من الواضح ان لينين يقصد:ان الاستنتاجات التي ظن بعض البلاشفة ان بوسعهم استخلاصها من نجاحات الثورة الروسية كانت اكبر من ان تقاس،وحذر من ان هذه النجاحات:"لم تتح لنا فرصة التغلب على الصعوبات الرئيسية"ذلك انه لم يكن ممكنا بعد"تولي المهام التي تشكل جوهر الثورة الاشتراكية".هذه الفكرة يجري التأكيد عليها المرة تلو الاخرى:"لذلك فأن الخطر الذي تنبهنا اليه الكلمات التي اقتبستها يجب ان يتذكره البلاشفة ويأخذوه مأخذ الجد كل منهم على حدة وبوصفهم حزبا موحدا وحدة عضوية ،من جهة ثانية".واخيرا اختتم خطابه قائلا:"املا ان لانسمح لحزبنا ،ومهما كانت الظروف بأن ينمو له رأس متورم".ولكن من المؤسف ان سمح الحزب البلشفي بان يتورم له رأس كبير جدا ابتلع باقي الرؤوس في تراجيديا دامية!!!!..
ان المواقف المختلفة لكل من لينين وستالين ازاء عبادة الفرد(الشخصية)و(او)الحزب،تعبر بوضوح عن هوة التناقض المنهجي بينهما.الا اننا سنذهب الى ابعد من حدود ذلك الحدث الذي ذكرناه سابقا،حتى نصبح في قلب القضية العامة المثارة بالفعل،للبحث عن جذور الستالينية.ان احد سمات مجموع نظام لينين الثابتة في المنهج والطريقة وابرزها،هي:الحاحه وحيويته في طرح الصعوبات التي لابد من التغلب عليها،وقد تأكدت هذه السمات بمزيد من القوة في المراحل الاخيرة من عمل لينين النظري ونضاله السياسي.ولكن كيف ينبغي تناول مثل هذه الصعوبات ومعالجتها؟.وهل هناك منهجا يمكنه ان يكون ناجحا وفعالا؟.بالنسبة لستالين،فان هذا المنهج موجود،وقد تمسك به بثبات خلال عمله السياسي كله من البداية الى النهاية.هذا المنهج هو:منهج الواقعية السياسية القديم قدم التاريخ،والذي تمتد جذوره الى ماهو ابعد من ذلك بكثير،لتصل الى المبدأ القائل،بأن:السياسة هي القوة..وقد يبدو من النظرة الاولى، ان ستالين لم يفعل اكثر من مجرد المبالغة في استعمال هذا المبدأ،مما افقده الكثير!(وهنا نتذكر نصامن"الشيوعية اليسارية":"ان ضمن الطرق للاساءة الى وتحطيم اي رأي سياسي جديد(ليس السياسي وحده)هي بتحويله الى التسطيح والابتذال بحجة الدفاع عنه.لان اي حقيقة اذا "بولغ"بها..او جعلت تتعدى حدود امكانيات تطبيقها على الواقع،يمكنها ان تغدو مبتذلة،بل وتكون محكومة لان تغدو كذلك في ظل مثل هذه الشروط"-هذا النص استبعده ستالين من الطبعة الرابعة للمؤلفات الكاملة للينين!!-.في التركيز على مفهوم كان ايضا سمة مميزة للينين،ولكن ليس هذا كل مافي الامر،فمن جهة رأى لينين فعلا:ان السياسة،وبصورة رئيسية،مسألة قوة او سلطة،ومن جهة اخرى،اعترف ستالين ايضا،ان السلطة ليست قضية قوة فقط،بل ومسألة قدرة وقوة احتمال وثبات وكفاءة وانضباط-اي مسألة تنظيم الارادة باختصار-.فقد كان ستالين سباقا في اللينينية وسباقا في الماركسية،لانه لم يرى شيئا خارج الارادة،وهكذا فهم اولوية السياسة على انها اولوية الارادة السياسية،وكل شيء هو مظهر من مظاهر الارادة كما رأى،وبالتالي فان كل شيء عليه ان يوظف في خدمة عملية تنظيم تلك الارادة السياسية..فحتى النظرية السياسية،بوصفها اداة تابعة للممارسة العملية وللارادة السياسية،كان عليها ان تخدم متطلباتها،وان تتكيف وفق مهماتها الشاملة،وفي خدمة هذا النوع من السياسة،فان للنظرية ان تتغاضى عن الصعوبات التي تعجز الممارسة السياسية عن التغلب عليها!.فاذا تبين ان العقبات التي تقف في طريق التحويل الاشتراكي للمجتمع عقبات عصية،ولايمكن التغلب عليها،وعلى سبيل المثال:فلم لانستنجد بنظرية تقول،بأن:ماهو قائم وماتم تحقيقه هو نفسه الاشتراكية؟؟!!!.فما ان تتوفر السلطة الكفيلة بمنع نقض هذه النظرية،حتى تصبح هي الحقيقة،وغير القابلة للدحض او النقض!!!.من السهل جدا رؤية التخريجات التي قادت اليها،غير انه علينا ان لانتغاضى عن حقيقة ساطعة،وهي:ان نفس المنطق التقليدي ماقبل الماركسي وماقبل اللينيني الذي ادى الى مثل هذه التخريجات المتحذلقة،وجعل من تبريرها وترسيخها واخفاءها ممكنين طوال هذه الفترة المديدة،وفي حالةعدم التعرف على الاصل،فقد تظهر عمليات مشابهة بصورة تلقائية(دون وعي بها)او قد تصبح خالدة ودائمة ومتخفية في صيغ اخرى،والاشكالية هي:ان اي نقد للستالينية يبقى بعيد المنال،اذا ماتم انقاذ"اللينينية"المفبركة بقالب بارد!،او"حرر المرء نفسه"من نظام لينين ومنهجه،بنسخة ستالين!فهل نستطيع ابراز التعارض بين البنية المنطقية للستالينية من جهة، وبين تلك التي نجدها عند لينين؟!.لنتتبع احد نصوص لينين،وهو تقريره الى المؤتمر الحادي عشر للحزب(اذار-1922)فليس من الصعب تعقب الخيط الرئيسي او العمود الفقري للتقرير،يقول لينين في تقريره:"لاتكمن المسألة في تولي السلطة السياسية،بل في القدرة على الادارة".هذه الصياغة بالغة الوضوح في التمييز بين القيادة من جهة،والسيطرة/الحكم من جهة ثانية.وهذ ايضا هو التمييز الذي استخدمه غرامشي في مابعد لتطوير نظرية الهيمنة لديه،وسيكون من باب التبسيط الشديد للامور.ان نضع ذلك مقابل مفهوم ستالين الذي ظل يكرره دون تردد في"مسائل اللينينية":"ان المسألة كلها في الحفاظ على السلطة وتعزيزها،وجعلها غير قابلة لان تهزم"!.بينما نجد لينين يقول:"اين تكمن قوتنا؟وما الذي نحتاج اليه؟اننا نمتلك قدرا كافيا من السلطة السياسية..السلطة الاقتصادية الرئيسية هي بين ايدينا..فما الذي نحتاج اليه اذن؟من الواضح ان الذي نحتاجه هو:الثقافة".ان ماهو اكثر اهمية هو:جلاء المضامين النظرية بعيدة المدى لهذين الموقفين.اننا امام مفهومين مختلفين من المفاهيم السياسية:فالسياسة بالنسبة الى لينين،ليست قوة وسلطة وتنظيما للارادة فقط،بل هي شيئا اخر مضاف لكل هذا وهو:"الثقافة".ففي التقرير الذي قدمه لينين الى المؤتمر الحادي عشر للحزب،تم تحديد ذلك "الشيء الاخر"بكلمة بسيطة جدا،ولو كان يكتنفها الغموض بعض الشيء!هي:"الثقافة".وفي هذه النقطة لابد من التعمق بالمسألة كلها:ليس فقط لاقتناص ماقصده لينين بدقة من كلمة"ثقافة"،بل ولجلاء العلاقة بين هذين العنصرين اللذان يكونان سياسة لينين،ومدى امكانية فصل احدهما عن الاخر،وجعلهما يستقلان عن بعضهما.من الواضح ان لينين لم يسع الى جعل انموذج معين،او علاقة ثابتة بين الناحيتين،استنادا لقاعدة نموذجية ما،وهنا ايضا فان فكره لم يتطور تطورا منهجيا بصورة كاملة،بل سار من الحاجات السياسية الملحة،الى مقترحات عملية للممارسة،وهو في كل الاحوال،اعتمد على بنيان مفهومي ليس فقط غير متطابق،بل ومتناقض مع الارادوية الستالينية،وبكثير من الالحاح(كما لاحظ هو نفسه،يصل لحدود الكابوس!،مثلما قال في كتاباته الاخيرة).فلينين يعود للتركيز على ضرورة تطوير العنصر الثقافي،ويبدو كما لو احس بانه تأخر كثيرا،وكما لو كان من الضروري التعويض تقريبا عن المبالغة في الالحاح على لحظة السياسة كسلطة.هذه المبالغة التي لجأاليها في الماضي،انطلاقا من الحاجة لاستثارة الطاقات الثورية،غير ان ذلك سيكون اسلوبا خاطئا في طرح المسألة:فلينين لايبدو ان تساءل لمرة واحدة حول،ما اذا كانت المبالغة في السلطة السياسية،يمكنها ان تصبح عقبة في طريق اتساع العنصر الثقافي!،فقد كان مقتنعا على كل حال،بان مثل ذلك الاتساع كان حاسما ليس فقط من اجل الدفاع عن سلطة الطبقة العاملة(والتي بدونه ستبقى معلقة في الهواء)بل وفي سبيل التحويل الاشتراكي للمجتمع بالذات.وفي الشهور الاخيرة من حياته الواعية،ادرك لينين:ان عددا من الاخطاء قد ارتكبت في هذا المجال!ولشعوره بالمسؤولية الشخصية،اقترح معالجة"مسألة ستالين"بحزم-ولانقصد فقط تلك المحاولة البائسة التي تضمنتها"وصية لينين"المفترضة او رسالته الى المؤتمر.بل الى سلسلة المناقشات الواردة في الرسائل والمقالات والكتابات النقدية التي املاها لينين خلال فترة مرضه الاخير.-ومن المؤسف انه لم يستطع لاان يصحح الاخطاء في حينها،ولا ان يتعمق في القضايا النظرية التي اثارها تحليل تلك التجربة،وخسر معركته الاخيرة،وانهزمت النزاهة والحس النقدي امام عجرفة وفظاظة ستالين!!!!.....
ليس من مجال للشك في امكانية تحويل مفهوم"الثقافة"لدى لينين الى جانب ثانوي وهامشي،وتابع من توابع السلطة السياسية.فالثقافة بالنسبة الى لينين،تشير بصورة رئيسية،ليس فقط الى القدرة التكنيكية على العمل،بل وايضا الى القدرة على تعلم كيفية القيام بالعمل،وفي الوقت نفسه،وهي بذلك تفترض مسبقا-الثقافة-،وجود تصميم دائم على قيام المرء بتجاوز نفسه والتفوق عليها،بتجاوز حدوده والتغلب عليها،دون الاخلاد للراحة،عبر الرضى عن الذات،والقناعة بما هو كائن وموجود.فالمعرفة الخاضعة للممارسة العملية والتابعة لها،غير قادرة على القيادة،على قيادة هذه الممارسة العملية،وبسبب كون المعرفة ملزمة بخدمة الممارسة العملية بالضبط،فانها تحتاج الى افق اوسع من ذلك الذي يتحدد بالاهداف المباشرة لهذا العمل المحدد او ذاك،ونظرا لاستحالة المعرفة المسبقة بما يلزم فعله في موقف معين،فانه من الضروري دوما تعلم المزيد،ونتعلم اكثر مما تطلبه تعرجات الممارسة العملية ومطباتها.لقد سبق وان اكد لينين في"الشيوعية اليسارية"على كيفية توظيف هذه الميزة البنيوية لل"الثقافة"لخدمة الضرورة العملية لسياسته الثورية:"اننالانعرف ولانستطيع ان نعرف تلك الشرارة،من بين العديد من الشرارات المتطايرة حولنا في كل البلدان نتيجة للازمة الاقتصادية والسياسية العالمية،التي ستشعل الحريق،بمعنى استنهاض الجماهير،وعلينا لذلك،بمبادئنا الجديدة والشيوعية،ان نعمل على تحريك كل شيء حتى القديمة جدا،وكل الاجواء حتى تلك التي تبدو لاامل فيها،والا فلن نستطيع ان نكون جديرين بمهماتنا،ولن نكون مستعدين استعدادا شاملا،ولن نكون ممتلكين لكل الاسلحة،ولن نعد انفسنا لابكسب النصر ضد البرجوازية(التي نظمت كل نواحي الحياة وعادت لتنسف ترتيبها بطريقتها البرجوازية)ولالتحقيق اعادة التنظيم الشيوعي لكل مجالات الحياة،اثر ذلك النصر"...ومثل هذا المفهوم لل"الثقافة" يأبى القبول بالضرورة الخالدة لتقسيم العمل(كما سبق لماركس ان اكد في ملاحظة هامشية له في"رأس المال" حول التعريف الهيجيلي"الهرطقي"-بوصف ماركس-يقول ماركس في تلك الملاحظة:"كان هيجل يحمل اراء بالغة الهرطقة حول تقسيم العمل فهو يقول في"فلسفة الحق":"عندما نقول المثقفين فنحن نعني اولئك الذين يستطيعون ان يفعلوا ما يفعله الاخرون".وهكذا فانه من المفترض،بالنسبة الى لينين ان يكون الامر محسوما مع الاضمحلال الكامل والمتوقع للدولة-هذا الامر الذي يعتبر هذه الايام ومرة اخرى لدى الكثير احد اكثر الجوانب"خيالية"في عمله النظري-.ومن الطبيعي ان يكون ستالين قد وضع شروطه ليتحرر من هذه الاعباء الطوباوية،وليستعيد الاراء الايديولوجية الاكثر قربا من الحس السليم،وبالتالي الاكثر برغماتية وجدوى بالنسبة للممارسة السياسية التي لاتتطلب الا اشكالا وصيغا ثانوية وتابعة من الثقافة.فمن خلال قيامه بتشيد بنيان"اللينينية"كمثال نظري نموذجي ووحيد،نجح ستالين في وقف اي تطوير او تجديد للتجربة الثورية البالغة الفرادة،والمتضمنة في عمل لينين النظري خلال نصف قرن من الزمن والتي استمرت ذيولها وتبعاتها حتى الانهيار الاخير الذي بدأمباشرة بعد وفاة لينين1924وحكم الثالوث وانفراد ستالين بالسلطة وتصفيته لاغلب اعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي!.هذه التجربة تتطلب وتستدعي طبعا توسيعا دائما ومراجعة نقدية،من ذلك النوع الذي كان لينين ميالا منهجيا لقبوله وتبنيه في كل مراحل تنظيره ونضاله السياسي.اما ان ندير ظهرنا لتلك التجربة،وكما لو كانت عاجزة عن ان تعلمنا شيئا وتمدنا بالدروس،فهذا سيقودنا حتما،ولو ضد رغبتنا،الى تقديم الطاعة والخنوع للستالينية التي حرصت ودأبت على ابعاد كل ماليس او ما يمكن ان يكون ممنهجا ومصبوبا في قوالب من فكر لينين.ان ذلك سيحكمنا بان نبقى اسرى عملية ايديولوجية هي جزء لايتجزأ من ارث ثقيل جاثم كالصخر،ومن الصعب ازالته والتخلص منه...لم يكن ماركس ماركسيا،وكذلك لم يكن لينين لينينيا-بالمعنى العقائدي المستقيم والجامد!-ولكن ستالين،جعل من منهج ماركس المادي التاريخي،دوغما مكفهرة قاتمة وخانقة ولاتطاق،وجعل من افكار لينين الحيوية والملموسة لواقع ملموس،صنع منها سريرا بروكوستيا"اللينينية"وبقياسات من حجمه الخاص،كارثوذوكسية اشد تزمتا من الاصوليات الدينية!ليكون هو لاغيره الوصي الوحيد والحارس الامين على تنفيذ التعاليم كحبر اعظم يستمد وحيا ماورائيا!!فلم يكتفي بتحنيط جثمان لينين-الذي كان ليثير الغضب لدى لينين لهذا الفعل المقزز!!-وتحويله الى ايقونة مقدسة!بل وحنط ايضا افكاره بخرافة"اللينينية"الكلية القداسة!!وليكون هو فقط دون منازع،كاهن المعبد الوحيد!!!.....................
..............................................................................
وعلى الاخاء نلتقي.....

.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,005,663,665
- ارنست بلوخ/النص الكامل للمقال.
- ارنست بلوخ/من الدوغما الشاحبة الى لاهوت الامل ويوتوبيا المست ...
- ارنست بلوخ/من الدوغما الشاحبة الى لاهوت الامل ويوتوبيا المست ...
- ارنست بلوخ/من الدوغما الشاحبة الى لاهوت الامل ويوتوبيا المست ...
- ارنست بلوخ/من الدوغما الشاحبة الى لاهوت الامل ويوتوبيا المست ...
- ارنست بلوخ/من الدوغما الشاحبة الى لاهوت الامل ويوتوبيا المست ...
- ارنست بلوخ/من الدوغما الشاحبة الى لاهوت الامل ويوتوبيا المست ...
- الجنس المقهور
- (كذبة خروشوف حول -موجز تاريخ الحزب)..قراءة وتعليق!..(3)
- (كذبة خروشوف حول-موجز تاريخ الحزب)..قراءة وتعليق!.(2)
- (كذبة خروشوف حول-موجز تاريخ الحزب)..قراءة وتعليق!.(1)
- بيان الحزب الشيوعي العراقي يوم14شباط عام1949/المجد للشهداء.
- 1963/عندما يكبو التاريخ
- مآثر: ستالين-بيريا ومفوضية(المسوخ)للشؤون الداخلية!!!.(11-الا ...
- مآثر: ستالين-بيريا ومفوضية(المسوخ)للشؤون الداخلية!!!.(10)
- مآثر: ستالين-بيريا ومفوضية(المسوخ)للشؤون الداخلية!!!.(9)
- مآثر: ستالين-بيريا ومفوضية (المسوخ) للشؤون الداخلية!!! .(8)
- مآثر:ستالين-بيريا ومفوضية(المسوخ)للشؤون الداخلية!!!(7)
- مآثر:ستالين-بيريا ومفوضية(المسوخ)للشؤون الداخلية!!!(6)
- مآثر:ستالين-بيريا ومفوضية(المسوخ)للشؤون الداخلية!!!(5)


المزيد.....




- السيسي و”العدو الذي بداخلنا”
- عمال “يونيون إير” يبدأون اعتصامًا مفتوحًا ضد الفصل وخفض المر ...
- الفساد حاجة وطنية ودعامة سياسية
- 17 عامًا على عملية 17 أكتوبر المجيدة
- أهالي قرى في النبطية شكوا من اشتعال الحرائق في المكبات
- المتمرنون الثانويون أعلنوا الاضراب غدا
- التاريخ العربي بشهداء فلسطين..
- بيان المجلس المحلي ببني ملال
- الفصائل الفلسطينية تنفى إطلاقها صواريخ على إسرائيل من غزة
- رسالة تهنئة من -طريق الشعب- للأستاذ عبد الكريم العبيدي


المزيد.....

- العولمة الرأسمالية والدولة الوطنية / لطفي حاتم
- ماذا يقول التاريخ عن الربيع العربي ؟ / فؤاد النمري
- البيان الشيوعي، بعد 170 عامًا - د.سمير أمين / أحمد البلتاجي
- مهمّة الانتخابات هي إصباغ الشرعيّة على النظام - / شادي الشماوي
- المنافسة الاشتراكية والمنافسة الرأسمالية / ارام محاميد
- العولمة الرأسمالية ومناهضة التبعية والتهميش / لطفي حاتم
- نقاش في الحتميات مع مهدي عامل: أحزاب الله اليسارية / محمد علي مقلد
- الفقر العالمي: جريمة الرأسمالية ضد الإنسانية / جوش هولرويد
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (2) / غازي الصوراني
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (1) / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ماجد الشمري - (اللينينية)..وصانع الدوغما!.