أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مؤمن سمير - فكرة الموت في قصيدة النثر بقلم/ د. عبد الحكم العلامي















المزيد.....



فكرة الموت في قصيدة النثر بقلم/ د. عبد الحكم العلامي


مؤمن سمير
الحوار المتمدن-العدد: 5056 - 2016 / 1 / 26 - 23:09
المحور: الادب والفن
    


فكرة الموت في قصيدة النثر

الموت نقض للحياة ، وهتك لبهائها ، وإزاحة لمظاهر الجمال في روبوعها ، وقد ظلت فكرة الموت تطارد الإنسان منذ أن أشرف بنفسه على مواراة أحد أقرانه تراب هذه الأرض . لقد أيقن الإنسان منذ هذه اللحظة أنه للفناء ، وأن العدم قرين خطاه مهما تطاور في البنيان أو شيَّد من الحضارات ! وأمام هذه الفكرة / فكرة الموت تشعر الذات الإنسانية بأن وجودها وجود للموت ، ووجود للعدم تشعر بأنها مفردة لأن الفرد يموت وحده ، ولا يمكن لإنسان من الناس أن يحمل عن غيره عبء الموت ، أو ينوب عنه فيه ، ومن هنا تدرك الذات الإنسانية أنها مفردة ووحيدة أمام هذا المصير(1).
لقد بكى الإنسان نفسه في كل قصيدة رثاء كتبها عن الآخرين ممن رحلوا ، وبكى نفسه في كل وقفة وقفها على طلل ، وبكى نفسه كذلك في كل زفرة أراقها في وداع حبيب ، أو مفارقة ديار . إنه ذلك الإحساس الممضِ بالفناء ووحشة الوحدة في مواجهة العدم ، وملاقاة الخراب ! .
الزمن قرين الموت ، فإذا كان الموت نقض للحياة ، وهتك لبهائها ـ كما أسفلنا ـ فإن عامل الزمن هو المحرك الأول لدفع الإنسان إلى هذا المصير المحتوم/ مصير الموت ، فلقد أراد الإنسان أن يعيش حياة هانئة يتمتع فيها بقواه البدنية والعقلية ، ولكنه فوجئ بعامل الزمن يتهدده ليرى نفسه ـ بعد حين ـ عاجزًا عن ممارسة الحياة دون مساعدة الآخرين ، فكأن الزمن ـ هو الآخر ـ يحول بينه وبين حلمه بالسعادة في بقائه قويًا ، ويجعل وجوده محاطًا بالقلق والخوف من المجهول .ولقد انعكس هذا الإحساس ـ منذ القدم ـ على الشعراء من أصحاب النفوس العوالي ، فعالجوا فكرتي الزمن والموت باعتبارهما رافدين أساسيين محصلتهما العمل على إفناء وجود الإنسان على هذه الأرض.
وكتَّاب قصيدة النثر على الرغم من اختلاف طرحهم الشعري ، إلا أنهم كانوا على وفاق - فيما يبدو ـ مع أسلافهم من الشعراء في معاجلة فكرة الموت ومصادقاتها من عوامل الزمن، يقول " محمد السيد إسماعيل " في قصيدته عن أحد الراحلين من أقرانه وهو الشاعر " عبد الفتاح شهاب الدين " الذي اختطفه الموت وهو ما يزال يخطو أولى مشاويره على هذه الأرض :
عشرة أعوام كاملة
وأنت تسير أمامي
بجسدك النحيل
ورقتك التي تقاوم الهواء
وصوتك المتهدج
فأين كنت تدخر كلَّ هذه القسوة
القسوة التي جعلتنا ندور حول أنفسنا
عشرة أعوام أخرى
ونحن نبحث عن الدفتر الأخضر الصغير
الذي ذهبت به بعيدًا
قبل أن نعثر على طرف الخيط الذي ظل ـ كل هذه الأعوام ـ
ممسكًا بعقيدة الكلام (2)
فالموقف لا يتحدث هنا عن قصيدة رثاء بالمعنى المتعارف عليه في شعر الأقدمين ، وإنما جاء هذا الطرح مغايرًا تمامًا ، فعلى سبيل المثال بدلاً من أن يتحدث الموقف عن مآثر الميت ويبكي خصاله ،ويحكي عن فجيعة أهله فيه نراه ـ على خلاف ذلك ـ يعمل على نقض هذه الفكرة / فكرة الموت تمامًا ، ويتحدث عن أفعال الحياة لدى هذا المرثى ، فها هو ذا يسير بجسده النحيل ، ورقته التي تقاوم الهواء ، وصوته المتهدج. هو حي إذن ، وقسوته التي جعلتنا ندور حول أنفسها عشرة أعوام أخرى ، لا تتمثل في كونه مات ، وإنما تتمثل هذه القسوة في أنه فقط خبَّأ دفتره الأخضر الصغير عن أعيننا بغية أن نظل هكذا متحدثين عنه بوصفه فعلاً حيًا ، وبحسبانه غيابًا مؤقتًا ينتهي عندما نعثر على ذلك الخيط الذي ظل كل هذه الأعوام ممسكًا بعقدة الكلام! على حد تجليات الموقف التي لم تشأ أن تجعل من هذه القصيدة مرثية تقليدية كما عهدنا ذلك في مثل تلك الأطروحات الشعرية التي تكتب عن الراحلين ، وإنما آثر هذا الطرح الشعري الجديد ـ سواءًا بقصد أم بغير قصد ـ أن يبرز الشخصية المحتفى بها فاعلة هكذا وحية فيما يشير بقوة إلى رغبة الشاعر في تغليب فكرة الحياة على فكرة الموت لصالح هذه الشخصية المحتفي بها .
وفيما له صلة بهذا الطرح ما نجده عند الشاعر "عاطف عبد العزيز " في قصيدته " قدح مقلوب " التي يقول فيها :
صديقك مات
قبل أن يبلغ الثامن والثلاثين
فماذا أنت فاعل هذا المساء ؟
لو أنني في مكانك
لأخذت طريقي إلى مقهاكما المفضل
ولجلست على كرسيه متخذًا
نفس الوضع:
المرآة ورائي
ووجهي إلى الرف المزدحم
وكنت سأطلب بيرتي في قدحة الخزفي ،
ثم أبدأ في تدوين خواطري على قصاصة
مستخدمًا يدي اليسر(3).
يتخذ الموقف هنا صيغة المنصت لذلك الصوت الذي يتساءل مع الذات الشاعرة سؤالاً مؤداه: ماذا هي فاعلة في مواجهة مصيبة الموت التي حلت بذلك الصديق؟ وربما يكشف هذا التساؤل عن تلك المغايرة التي ينبغي أن تتعامل بها الذات الشاعرة تجاه هذا الحدث الجلل. والذي يبدو لي أن هذه الذات قد اتخذت موقفها الذي يتمثل هنا في تنحية البكاء جانبًا ، وأن تتغافل قاصدة عن محددات الرثاء بمعناها المتوارث ، وتدخل مباشرة إلى الحديث عن استحضار الفعل الحي لتلك الشخصية المحتفي بها ، فها هو ذلك الصوت يقترح على الذات الشاعرة أن تتخذ طريقها إلى ذلك المقهى الذي كان يضم مجلسها مع ذلك الصديق الراحل ، وأن تجلس هي على كرسيه متخذة الوضع نفسه : المرآة من ورائها ووجهها إلى الرف المزدحم وألا تنسى هذه الذات أن تطلب البيرة نفسها في القدح الخزفي نفسه ، وأن تبدأ في تدوين خواطرها على قصاصة ورقية مستخدمة يدها اليسرى تمامًا مثلما كانت تفعل تلك الشخصية المحتفى بها مما يبرهن مرة أخرى على نقض فكرة الموت، وتبني فعل الحياة من قبل هذه الشخصية المحتفى بها في محاولة جادة من قبل الذات الشاعرة لارتياد آفاق مغايرة تتحدث فيها عن الراحلين باعتبارهم أحياء فاعلين مرسخة ـ من خلال هذا الطرح ـ للون جديد من ألوان الرثاء لا يقتصر دوره على التوسل من أجل استحضار الدموع ومناشدة البكاء! مما يؤكد رغبة هذه الذات الإنسانية في البقاء حية نشيطة مدة أطول على هذه الأرض متخففة ـ ولو قليلاً ـ من أثقال تلك الفكرة / فكرة الموت التي ستظل تلحُّ عليها حتى تنال من هناءتها ، وتهتك من بهائها آخذة بيدها حثيثًا إلى مصيرها المحتوم !.
وفي قصيدتها المطولة " أصلح لحياة أخرى "تتبنى الشاعرة " غادة نبيل " فكرة البقاء المرتجاة هذه على هذا النحو :
لولا الصور
ما طلت علينا غرابتنا
ما فجعتنا الذكرى
ما طعتنا المفارقة
ولكُنَّا أكثر براجماتية
مع فكرتي الخلود والزوال (4)
الصورة في مقابل الأصل ، وبينهما لعبة الزمن التي أخذت منها الصور بهجتها العابرة ، وأوقفتها عند لحظة الالتقاط ، ثم تركت هذه اللعبة / لعبة الزمن تمارس هوايتها المفضلة في سحق معالم الأصل الذي يمثله صاحب هذه الصور أعني الإنسان الذي حاول ـ من خلال التقاط هذه الصور ـ أن يقبض على لحظة هانئة من لحظات السعادة لديه ، تلك اللحظات التي يوقن أنها لا تدوم بعد أن رأى بعيني رأسه فعل الزمن وهو ينشب أظافره الحادة في الملامح والسمات !. وإذن ، قاتل الله هذه الصور التي لولاها ما طلت علينا غرابتنا ، ولما فجعتنا الذكرى ، ولكُنَّا أكثر براجماتية مع فكرتي الزوال والخلود ، هكذا قاتل الله هذه الصور التي تذكرنا دائمًا بأننا للغناء ، وأن الخلود المرتجى ما هو إلا محض وهم يتمسك به الإنسان مفسخًا لنفسه ـ ولو خلسة ـ مساحة أطول للبقاء على هذه الأرض .
وفي قصيدتها " يبدو أنني أرث الموتى " تخلص الشاعرة " إيمان مرسال " إلى حقيقة مؤداها أننا في كل الأحوال سنموت ، فتقول :
ويومًا ما
سأجلس وحدي على المقهى
بعد موت جميع من أحبهم
دون أي شعور بالفقد
حيث جسدي سلة كبيرة
ترك فيها الراحلون
ما يدل عليهم (5)
هكذا سيركن الإنسان إلى وحدته : سأجلس وحدي ، وإلى وحشته : بعد موت جميع من أحبهم !! وسيحدث أن يصاب هذا الإنسان بحالة من عدم الشعور بالفقد لسبب بسيط جدًا يتمثل في أنه هو نفسه ـ أي ذلك الإنسان ـ أصبح عنوانًا كبيرًا لذلك الفقد ، بعد أن أضحى جسده كله سلة كبيرة ترك فيها الراحلون ما يدل عليهم ومضوا هكذا إلى مصيرهم المحتوم ! "والإنسان ـ في الحقيقة ـ حين ينفذ إلى أعماق ذاتيته يعثر على عدم يقين الحياة نفسها ، وحيث توجد ذاتيته يوجد عدم يقينه ، وهو أي الإنسان غاية وليس وسيلة ، والحضارة كلها مرتبة له ، والمسألة الكبرى بالنسبة إليه هي البقاء ، ومن هنا كان طموح الذات إلى الخلود ،بيد أن هذا الإيمان بالخلود هو مجرد إيمان يفرض نفسه على الذات الإنسانية كالجوع (6) وهكذا تتعمق أزمة الإنسان في مواجهة مصيره ، وتتفجر ينابيع أحزانه إلى أغوار سحيقة وآماد بعيدة! . والذي يسهم في أن تتعمق أزمة الإنسان في مواجهة مصيره ، ويذكي من تفجر ينابيع أحزانه ، يتمثل في ذلك السؤال الممض / سؤال الموت والكيفية التي ينتهي إليها ، وذلك لأن كل الإجابات المطروحة على هذا السؤال سواءً ذات نزعة دينية أو فلسفية أو حتى أسطورية حول حقيقة الموت ، إنما تبقى إجابات لا تفي وحدها بإشباع ذلك الظمأ الإنساني المكلف لمعرفة حقيقة الموت ، والحق أن " ثمة مفاهيم متنوعة موجودة لدى الفلاسفة وعلماء النفس ولدى الأدباء والفنانين حول الموت ، وهذه المفاهيم والتصورات هي تكوينات معرفية ورؤى تتعلق بالزمن الخطي المتواصل المستمر ، بالعاقبة ، والعقاب ، باليقين وفقدان اليقين ، بإمكانية العودة للحياة بعد الموت ، أو عدم قابلية حدوث هذه العودة ، بالرؤية العامة الشاملة لمفهوم الموت ، وكذلك لعلاقة الموت بالدين والأخلاق والقيم والعلاقات الإنسانية. (7) غير أن هذه المفاهيم وتلك التكوينات المعرفية والرؤى المتعلقة بحقيقة الموت ، تبقى في حدودها الدنيا هكذا مجرد مفاهيم وتصورات ذات بعد تنظيري مشكل لا يسهم في حل عقدة واحدة من عقد ذلك اللغز الكبير المسمى بالموت . وهكذا نجد الشعراء بوجه عام ، وشعراء قصيدة النثر على وجه الخصوص قد تمثلوا هذه المعاني المتعلقة بحقيقة الموت ـ كما أسلفنا ـ ولكنهم كغيرهم وقفوا عاجزين عن الحشد لأي إجابة تشير ـ ولو من بعيد ـ لهذه الحقيقة المدمرة في حياة الإنسان ، تلك الحقيقة التي تتعلق بكونه للفناء ، وأن الموت قرين خطأه ،والزمن ملاحق لبهائه وهاتك لجماله على هذه الأرض .
وفي قصيدته " حلة من ماء " يطرح الشاعر " عبد الله راغب " فكرة عن الموت تتسم بجدتها وحداثة طرحها تتمثل في أن بطل هذه الفكرة رافض لفكرتي الموت والحياة معًا ، رافض لهاتين الفكرتين بالمنظور المتعارف عليه قاصدًا ـ من وراء ذلك ـ إلى بناء منظور آخر مغاير خاص به تمامًا ، يقول عبد الله راغب :

الولد الذي سقط في
الماء توا
لم يعد .. ومعه غيابَهُ
لم يخبرنا أنه مسافر
كي نُعدَّ له فطائر
العرس الصباحية عند عودته
ونعلمه كيف يتفادى
مخاطر الطريق في رحلة
الموت .
يبدأ الشاعر ـ من خلال هذا الموقف ـ في بث رسائله ذات الدوال على أثر طرح سردي يحكى قصة هذا الإنسان الذي أراد أن يسلك طريقًا آخر إلى الموت لا ينتمي إلى تلك الطرق سابقة التجهيز ، فهذا الإنسان لم يعد " ومعه غيابه " الذي يدل عليه ، ولم يخبرنا أنه مسافر هكذا لم يعد ولم يخبرنا ، مما يشي بقصدية الفعل من لدن ذلك الإنسان ، تلك القصدية التي تتمثل في رغبته لأن يسلك طرقًا أخرى للموت يكون هو وحده محددًا لمساواتها ، وكاشفًا لمفاوزها في رغبة منه ـ على ما يبدو ـ للتخلي عن تلك المحاذير التي يتم تزويدنا بها من قبل الغير لتفادي المخاطر التي تقودنا إلى شراك الموت ، هو يود أن يخوض هذه التجربة / تجربة الموت وحده يضع لها طقوسًا من صنع يديه ويرسم لها خرائط فعلها المدمر بنفسه هكذا ، وكما هو حادث بالفعل على هذا النحو :
الولد الذي سقط في الماء
توًا
على ما يبدو تحالف مع
المحار
واختار في بطن الماء
حبيبة أخرى لا تخون.
هو بالطبع لم يقصد
الإساءة
للشط
لأنه تركه فجأة إلى
متن الماء
بغير استئذان
ولم يقصد
أن ينال من جنيّة
البحر
التي أغرته
بفتح كل أزرار
فستانها
لكنه تذكر فجأة أن
قبورنا على اليابسة خشنة
وأن ملائكة الحساب
لا يعملون تحت الماء.
المتابع للموقف هنا سيشهد جملة من الأفعال يتم إسناد القيام بها مباشرة إلى بطل هذه التجربة /تجربة الموت ، فهو قد تحالف مع المحار ، واختار حبيبة أخرى لا تخون ، وهو نفسه لم يقصد الإساءة للشط ، ولم يكن ضمن حساباته أن ينال من جنية البحر ، وهو فوق ذلك كله يقوم بفعل التذكر ، فقد تذكر قبورنا الخشنة على هذه اليابسة ، وهو في نهاية المطاف قد خلص إلى يقين مؤداه أن ملائكة الحساب لا يعملون تحت الماء " وهنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال : هل سنكون على وفاق مع صاحب هذه التجربة / تجربة الموت في أن الأمر كله بيديه ، إننا بالطبع لن نكون على هذا الوفاق البتة لأن الأمر جله مجرد افتراض يعرض نفسه على الإنسان بقصد الحيلولة دون إتمام هذه المواجهة التي لا شك في حدوثها /مواجهة الإنسان للحظة الموت ، لينحسر الأمر فقط في مجرد البحث عن حبيبة أخرى لن تخون ، وعن قبور أخرى لدفن الموتى بعيدًا عن هذه اليابسة . وعلى هذا فإن " القلق المخيف الذي يحيط بالكائن "المقذوف به هناك " إنما ينشأ عن وعي ذلك الكائن بأنه مغمور أو منغمس في علاقة زمنية مع العالم ، إنه هنا ، كائن موجه نحو الموت ، كائن يحاول أيضًا أن يهرب من مواجهة هذا الموت .وليس الشعور بالمحدودية الزمنية أو الوجودية ، السبب الوحيد لشعور ذلك الكائن بهذا القلق العارم الغلاب فقط ، لكنه شعور أيضًا بأنه موجود "في قلب الوجود " مقذوف به ، وهناك ، تم إلقاؤه داخل ذلك العالم ، قذف به في اتجاه الموت " .(8) لنقف مع الشاعر إذن حافيين بهذه الأجواء القاتمة ، ومستقبلين لهذا الاستدراك العاجل على هذا النحو :
لكن لم ينتبه إليه أحد
لم ينتبه أحد.
ولم نره منذ
أن أمطرت السماء
ليلة أمس
سقطت غيمة كاملة
على رأسه
وبالرغم من أنه كان
يجلس بيننا
سقطت عليه وحده
ولم يتبق منه
غير هذا الرجل
الذي يشرب الشاي
في ركن مهمل في الذاكرة. (9)
هكذا لم ينتبه إليه أحد ، وذلك لأنه ليس بإمكان أحد أن يحل محله في هذه المواجهة غير المتكافئة / مواجهته مع الموت ، هو واحد منا ، كان يجلس بيننا ، لكن مشيئة فعل الموت سرت عليه وحده دون غيره ، لقد ابتلع موته كاملاً ، أو ابتلعه الموت كاملاً ، ولم يتبق منه سوى بقايا ذكرى لإنسان كان ، وأصبح الآن مجرد حدث ما لإنسان ما في ركن مهمل بالذاكرة وفي قوله " في ركن مهمل " ما يغذي هذا المعنى ، وما يشي بصيرورته أي ذلك الإنسان إلى وجود الحق / وجوده المقرون بالموت .والمفضي به إلى يد العدم .
وفيما له علاقة بهذا الطرح ، ما نجده في قصيدة " أسفكسيا الخنق" للشاعر "مؤمن سمير " التي يتحدث فهيا هكذا:
أترك نفسي للبحر
فيهمس في بطغى ماكينات ورمال صفراء وخضراء
وزيوت وزجاجات ومسامير
وصخب وهدوء وبشر
وذكريات.
أنا على استعداد لقبول المزيد
..............................
أنا
كأي جثة مهذبة ـ
منعتُ دمعة وابتدأتُ الحفر
لكنَّ الأرض صرخت
هنا ديدان وبترول
وذهب وأعشاش نمل
وأنت حزنك شائك
وبطني حتمًا ستلفظك .
الموقف يعكس كذلك رغبة الإنسان في أن يكون له دور في رسم الكيفية التي ينبغي أن تجيء عليها لحظة الموت ، فها هو ذا يلقى نفسه للبحر ، ويقبل راضيًا ما سيلقى به البحرفي جوفه من ماكينات صدئة ورمال خضراء وصفراء وزيوت وزجاجات ومسامير ،إضافة إلى ما يزخر به هذا البحر من صخب وهدوء وبشر وذكريات ،وهو على استعداد لقبول المزيد ما دام الأمر يتعلق بإرادته هو في تشكيل هذه اللحظة / لحظة الموت ،وهو ـ على كل حال ـ جثة مهذبة تأخذ في حساباتها تكلفة الدموع ،وتتخذ من سواعدها وحدها آلة لحفر القبور ! وهنا تقوم قيامة الأرض فتصرخ فزعًا مما قد تلاقيه من مآلات إذا أقدمت على القبول بهذه الكيفية التي رتب لها الإنسان من تلقاء نفسه أعني كيفية الموت ، فالأرض التي قبلت راضية أن تضم في بطنها الديدان والبترول والذهب وأعشاش النمل ، ترفض قبول جثة هذا الإنسان معللة ذلك بعدم قدرتها على تحمل ما علق بهذه الجثة من أحزان في تأويل شعري جديد يتسم بطرافته وحداثة رؤاه ، وإسهامه في إذكاء الإحساس بهذه اللحظة الفارقة في حياة الإنسان ، ثم يعاود " مؤمن سمير " تأكيده الموجع على هذه المعاني المتعلقة بهذه اللحظة قائلاً :
صدقني.
أخاف عليك.
أنتظر الجثة منذ ساعة
أو يزيد.
لأقول فقط
كيف الحال عندك
يا صديقي.
الجثة بقى لها .. بقى لها
خمسة أعوام .. خمسة أعوام
في عظامي
ولا
تكف
عن
الثرثرة. (10)
كيف الحال عندما يا صديقي ؟! هو سؤال الحال والمآل إذن ، سؤال الغاية والمصير ، هو السؤال الكبير الذي قامت من أجل الإجابة عليه غنوصيات وفلسفات كاملة تتحدث عن فكرتي الوجود والعدم ، غير أن هذه الغنوصيات وتلك الفلسفات وقفت تقريبًا عاجزة في مواجهة الإجابة عن هذا السؤال شديد الفتك ، وما دامت كل الإجابات التي تمخضت عن هذه الأسئلة قد أفضت في نهاية الأمر إلى حقيقة واحدة تتمثل في إفناء ذلك الإنسان ومحو ما شيده من أثر على هذه الأرض ، فإن النتيجة المحتومة تتجه إلى مضاعفة آلامه ، وإلا ذكاء من عذاباته " ولأن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يستطيع أن يربط بين المقدمات والنتائج ، فإنه يعرف أن لكل شيء غاية ، وهو حين يعاين الموت مثلاً يلح عليه هذا السؤال إلحاحًا ممضًا ، فمما لا شك فيه أن الموت نفي للحياة ، والموت العام مثل موت الحضارات نفي عام للحياة ، وحين يدرك الإنسان أن كل شيء محكوم عليه بالموت يدرك أن الوجود والعدم وجهان لكون واحد" (11) . ولأن هذا الإدراك قد أصبح يمثل بالنسبة إليه الحقيقة التي لابد من الإقرار بها ، فإنه لا مناص إذن من استسلام ذلك الإنسان لهذا الإقرار لتظل جثته ـ على أثر ذلك ـ هكذا " خمسة أعوام ... ولا تكف عن الثرثرة " مما يقطع الطريق أمام أي تأويل آخر يتعلق بفكرة بقاء النوع الإنساني على هذه الأرض! وفي قوله " لا تكف عن الثرثرة "ما يهيب بديمومة هذا الطرح لمثل هذه الأسئلة التي تتعلق بفكرتي الوجود والعدم ، فما من كلام آخر يقال ، ما من كلام ! المسألة إذن ستنتهي هكذا تمامًا مثلما تكلم " عادل جلال " في قصيدته " ورد على قبرقيس " التي يحاول من خلالها إحداث حالة من المواءمة عن طريق افتراض صيغة جديدة للحوار مع الموت على هذا النحو :
أهكذا !
ستنتهي المسألة
تدركين .. أنكِ ستأخذين معكِ
المسرّات والبهجة ستأخذين الأحلام
والعصافير والوقت والمطر الخفيف
ستأخذين الأرض والهواء والموسيقى
والفراشات ستأخذين الروح
أهكذا ؟ أتدركين
الأمر على غير ما تظنين .. ثمة خيارات
بلا حصر منها :
سيصنع القلب والعينان
والروح والأعضاء منك أصولاً
بلا عدد لحاجتهم .. صاحبتك السلامة .(12)
للفقد الذي يمثله غياب هذه الحبيبة أن يأخذ ما يشاء من المسرات والأحلام وله أن يأخذ في طريقه العصافير والوقت والمطر ، وله كذلك أن يأخذ الأرض والهواء والموسيقى والفراشات هكذا ، نعم هكذا ، تلك خيارات هذا الفقد وأقصى ما يمكن أن يفعله يتمثل في شعور الإنسان بالوحدة ، ويذكى من إحساسه بالاستيحاش في هذا الوجود ، غير أن خيارات أخرى ـ على ما يبدو ـ تظل بيد الإنسان حسبما يتحدث الموقف تتمثل في قدرته على أن يحتفظ بأصول هذه الأشياء التي تمثل بالنسبة إليه مدار بقائه على هذه الأرض ثمة خيارات أخرى إذن بلا حصر منها : سيصنع القلب والعينان والروح والأعضاء منك أصولاً بلا عدد لحاجتهم ... " هكذا " أصولاً بلا عدد" مما يشير إلى أن جُلً ما يكن أن يتحصل عليه ذلك الفقد لا يعدو كونه مجرد صور باهتة مدارها ذلك الجسد الفاني ، لتظل أصول هذه الصور ـ حسب المقتضى الدلالي لهذا الموقف ـ سرًا كامنًا لا يتبدد ولا يفنى يتمثل في الروح التي هي سر الأسرار ، ودار البقاء الحق للإنسان فيما وراء هذا الوجود الظاهر للعيان !
ولكن ـ في كل هذه الأحوال ـ يبقى سؤال ممض ومربك لحسابات الإنسان في مواجهة الموت مؤداه : هل ما لدى الإنسان من خيارات ـ على هذا النحو ـ تفي وحدها بمتطلبات تلك المواجهة ، لتجيء الإجابة على هذا السؤال هي الأخرى في صيغة سؤال آخر مربك أيضًا لهذه الحسابات خاصة بعد أن أقر ذلك الإنسان بخسارته في هذه المواجهة غير المتكافئة ، وأيقن بأن الموت في نهاية المطاف ديدنه ، وبأن ما يقوم به من محاولات لتأجيل هذه المواجهة تبقى في حدودها الدنيا مجرد محاولات محكوم عليها سلفًا بالفشل !

المصادر والمراجع:
1) يراجع : د/ عبد الرحمن بدوي / دراسات في الفلسفة الوجودية / مكتبة النهضة المصرية / القاهرة 1996م .
2) انظر : محمد السيد إسماعيل / ديوان " تدريبات يومية " ، الهيئة العامة لقصور الثقافة / القاهرة 2010م .
3) انظر : عاطف عبد العزيز / ديوان " ما تنتظره لن يمر من هنا " / دار ميريت / القاهرة 2011 م .
4) انظر : غادة نبيل / ديوان " أصلح لحياة أخرى " / دار التلاقي للكتاب / القاهرة 2008م .
5) انظر : إيمان مرسال / ديوان " ممر معتم يصلح لتعلم الرقص " / الهيئة العامة للكتاب 2013 م .
6) يراجع : د/ عبد الرحمن بدوي / مرجع سابق.
7) يراجع : د/ شاكر عبد الحميد " الموت : ذلك الموجود هناك " مجلة الثقافة الجديدة / العدد 282 الهيئة العامة لقصور الثقافة / القاهرة / مارس 2014م.
8) يراجع : د/ شاكر عبد الحميد / السابق .
9) انظر : عبدا لله راغب / ديوان " تجذبه إلى آخر الكون " / دار التلاقي للكتاب / القاهرة 2009م .
10) انظر : مؤمن سمير / ديوان " بهجة الاحتضار " / سلسلة كتابات جديدة / الهيئة المصرية العامة للكتاب ط 2013م .
11) يراجع : صلاح عبد الصبور " حياتي في الشعر " / الهيئة المصرية العامة للكتاب ط1995م.
12) انظر : عادل جلال / ديوان " 100 قصيدة ليست لها " / طبعة أولى القاهرة 2008م.
د. عبد الحكم العلامي
سيــــــــــــــرة ذاتيـــــــــــــة
د. عبد الحكم عبد الحميد محمد عبد العال .
عبد الحكم العلامي
من مواليد سوهاج 22 سبتمبر 1962 م
خبير تربوي
المؤهلات العلمية:
• ليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية ـ كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة 1984م.
• ماجستير في اللغة العربية وآدابها بتقدير ممتاز في موضوع : "ملامح التصوف في الشعر العربي الحديث في مصر .. أصولها ودلالاتها " كلية الآداب ـ جامعة عين شمس 1996 م.
• دكتوراه في النقد الأدبي / مرتبة الشرف الأولى وموضوعها : "الظواهر البلاغية في الأدب الصوفي حتى أواخر القرن الرابع الهجري .. دراسة تحليلية" ـ كلية الآداب ـ جامعة عين شمس 2001 م.
صــدر لــه:
• حال من الورد ( شعر ) / الهيئة المصرية العامة للكتاب / القاهرة1992م.
• لا وقت يبقى ( شعر ) / إصدارات بدايات القرن ـ القاهرة 1998.
• موسيقا القرب (شعر) / إصدارات بدايات القرن / القاهرة / 2010م.
• رطب الصيف (شعر) / الهيئة المصرية العامة للكتاب/ القاهرة 2014م.
• الولاء والولاء المجاور بين التصوف والشعر (نقد) سلسلة كتابات نقدية / الهيئة العامة لقصور الثقافة / العدد 123 / القاهرة 2003 م.
• وجوه ومرايا (نقد) / الهيئة العامة لقصور الثقافة / ثقافة القاهرة2003م.
• الخطأ والأثر (نقد) / سلسلة كتابات نقدية / الهيئة العامة لقصور الثقافة / العدد 175 / القاهرة 2008م.
نشاطاتـــــــه:
• عضو اتحاد كتاب مصر.
• عضو لجنة تحرير معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
• عضو أمانة في مؤتمر أدباء مصر عن محافظة حلوان 2010م.
• عضو مؤسس لجماعة بدايات القرن الأدبية بالقاهرة.
• عضو نادي الأدب في قصر ثقافة عين حلوان.
تم تكريمه في العديد من الفعاليات الثقافية فحصل منها على :
• درع مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري / الدورة الحادية عشرة / الكويت/ أكتوبر 2008م.
• درع الهيئة العامة لقصور الثقافة/المؤتمر الأدبي العاشر / محافظة القليوبية / مارس 2010م.
• درع مهرجان الكاتب المسرحي المصري / الدورة الثانية / دورة الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن / محافظة حلوان / أبريل 2010م.
دراسات تناولت تجربته الشعرية:
• شعراء من سوهاج / أوفى عبد الله الأنور / الكتاب الأول 1993 م.
• الحوار مع النص / د. جمال الجزيري / إصدارات بدايات القرن / القاهرة 2002م.
• المدينة ومفردات الصدام / خالد الأنشاصي / إصدارات بدايات القرن / القاهرة2002م.
• شعرا لحداثة في مصر / د. كمال نشأت / الهيئة المصرية العامة للكتاب /ا لقاهرة 1998م.
• ظاهرة التمرد في الشعر العربي المعاصر / د.مشهور فواز / رسالة دكتوراه / كلية دار العلوم / جامعة القاهرة.
قيـد النشـر:
• وهم الأصابع. ( شعر)
• بلاغة العرفان في الأدب الصوفي. (نقـد)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,009,851,105
- - ذاكرة النسيان - شعر/ مؤمن سمير
- - مساءٌ عجوز - شعر / مؤمن سمير
- - تطلُّ علينا من العيون - شعر / مؤمن سمير
- - مبعوث السماء - شعر : مؤمن سمير
- - إلى مؤمن - شعر / بدوي سيد
- - مؤمن سمير - شعر / مأمون الحجاجي
- - تصدق يا مؤمن .. كلنا كذلك - شعر / عطية معبد
- - دورة الإصبع الوحيد - شعر / مؤمن سمير
- * سن النبوة * بقلم / مؤمن سمير. مصر
- * سماوات القتل * قصة : مؤمن سمير
- * النجمة * قصة : مؤمن سمير
- * عواء * قصة : مؤمن سمير
- * العمق * قصة : مؤمن سمير
- * الاسم * قصة : مؤمن سمير
- - ذراعٌ بذراع -
- - عالقٌ في الغمر ، كالغابةِ كالأسلاف - لمؤمن سمير: عن رعشة ا ...
- - مؤمن سمير و تجليات الاغتراب بين دِيوانَيْن - بقلم / خالد م ...
- عجائبية الخلق وموسيقى التكوين . قراءة في ديوان - عالقٌ في ال ...
- - الأبنودي وتناقضات الشخصية الكبيرة - بقلم / مؤمن سمير
- - بيوت - قصة بقلم / مؤمن سمير


المزيد.....




- نجمة عالمية تمنع طفلتها من مشاهدة أفلام -ديزني-
- نص-جرونيكا - أهداء الى عبير الصفتى احتفاءا بصباحات الحريه ...
- صدر حديثا للقاصة والشاعرة “مريم كعبي” مجموعتها القصصية الأو ...
- كيت بلانشيت تدافع عن حق أداء أدوار مثلية
- أمام الرواية السعودية لمقتل خاشقجي.. ما خيارات ترامب؟
- وزارة الثقافة والحضور المرتبك / حسين ياسين
- واشنطن بوست تكشف عن تسجيل سيدفع البيت الأبيض لرفض الرواية ال ...
- تناقض الاعتراف السعودي.. الرواية التركية لمقتل خاشقجي
- احذر.. مشاهدة هذا الفيلم قد تفقدك الوعي أو تجعلك تتقيأ
- -Ghost the Musical- Zorlu PSM-de sahnelendi


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مؤمن سمير - فكرة الموت في قصيدة النثر بقلم/ د. عبد الحكم العلامي