أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - حدث في قطار آخن -31-















المزيد.....

حدث في قطار آخن -31-


علي دريوسي
الحوار المتمدن-العدد: 5044 - 2016 / 1 / 14 - 22:50
المحور: الادب والفن
    


أقول عن غيابكِ أيتها المرأة، إنه غيابٌ محسوسٌ، لأني لم أجدهُ في غيابِ أحدٍ غيركِ...
كمْ أحنُ للمشاجرة معكِ؟ مِثلَما أحنُ إلى شرب النبيذ الذي لا ينطفأ!
أو كما أحنُ إلى المسير ليلاً أو نهاراً مشحوناً بالأحاديث المُلَّونة ...
أو مِثلَما أحنُ إلى النوم معكِ على شاطئ بحر أزرق حتى لو وُجِدَ رفاق سوء! بوجودكِ يندثرون...


"في تلك الليلة، استيقظَ مذعوراً! نهض وركض بقوته المتبقية إلى النافذة المفتوحة. كان يسكن في الطابق الخامس. مزّق قميصه الرقيق وأهداه للريح مقابل جرعةٍ من هواء...
هرعت صديقته من نومها إليه، عانقته، مسحت على ظهره وهمست: لا تخف، أنا هنا، هل كان الكابوس فظيعاً إلى هذا الحد؟ لقد أكلتَ متأخراً هذا المساء، بماذا حلمتَ؟
لقد حلمتُ بجارتي في قريتي البعيدة تبكي وتُوَلْوِلُ، ابنها الوحيد مات في حادث مرور، كنتُ شاهداً على موته!
ناولَتْه كأس ماء وقالت: الساعة تجاوزت الثالثة صباحاً، دعنا ننام...
عادا إلى سريرهما.
في الصباح الباكر اتصل بأخته، وصله صوتها حزيناً!
سألته: لماذا تتصل في هذا الوقت على غير العادة؟
أجابها: لقد مات الشاب الوسيم ابن جارتنا، ألم تسمعي بالخبر؟
غاب صوتها وعاد أكثر تهدجاً: بلى، أعطاك عمره الساعة الثالثة صباحاً!"


لم تمضِ على غفوته هذه الليلة إلا دقائق حتى أفاق مذعوراً!
ركض بقوته المتبقية إلى النافذة المغلقة في الطابق الرابع، فتح النافدة، هاجمته خيوط المطر، حاول تمزيق كنزة الصوف العسكرية، لم تتمزق، خلعها وأهداها للريح مقابل جرعةٍ من هواء نظيف، علّها تزيل بعض آثارٍ من كوكايين...
هرعت سابينه من نومها أو من مختبرها إليه، عانقته، مسحت على ظهره العاري وهمست: لا تخف، نحن هنا... هل كان الكابوس فظيعاً إلى هذا الحد؟ لقد بالغت بجرعات الكوكايين هذا المساء، بماذا حلمتَ؟
الحلم ذاته يرافقه، يؤرقه بين الليلة والأخرى!

"زارته شقيقته الكبرى في بلده الثاني. أرادتْ أن تمتحنه باللغة، أعطته كتاباً اختصاصياً قديماً في الفلسفة، كُتِبَ بالأحرف اللاتينية، قالت له: اقرأ!
انتابه الخوف، تَصبب عرقاً، أجابها كتلميذ غير مطيع: لا لنْ أقرأ، اخجلُ أنْ أقرأ وأنت تنظرينَ إليّ، اخجلُ أن أقرأ في حضرتكِ!
نظرتْ إليَه بتلكَ النظرة التي خَبَرها في الطفولة، طأطأ رأسه مُعتذِراً، بدأ بالقراءة... كانت قراءته بطيئة، خجولة، تَعبّقُ بالأخطاء وكأَنَّه عاد إلى طفولته في غار ضيعته، وكأَنَّ أخته عادت معلمته الملكة من جديد..."



أغلقت سابينه النافذة بعصبية وأمرته الذهاب للنوم، طَأْطَأَ رأسه وعاد صَاغِراً، خاطب نفسه: سأهرب الليلة يا بنت الكلبة وسأرسم للعالم لوحة صرخة من جديد، أفضل بكثير من صرخة إدفارت مونك.


حَدِّقي يا أَرْمَلة القَشّ في العتمة أكثر!
ليلتي باردة وقُبلتي هناك... تلثم شباكَ غرفتكِ الواسعة، تبحث عن كمشة دفءٍ، ألا تشعرين؟
اِفتحيه، اِفتحيه لي، قُبلتي تتوق أن تعانق شفتيكِ...
اِفتحيه، اِفتحيه أسرع... الثانية بالانتظار!
اِفتحيه، اِفتحيه أكثر... وطيري.
أما أنت يا أَرْمَلة الكوكايين فسأُكرِّر عليك سؤالي:
ماذا تفعلين بالشمعة الحمراء؟
ألا تستطيعين النوم من دونها؟
أدخليها بصمتٍ... دون خجل
أدخليها فالحياة أقصر من فستان اِمرأة صينية
أدخليها احتجاجاً على التعسف والقهر في بلدان العالم الثالث
داعبيه بها احتجاجاً على حروب الشرق
ابحثي بها عن شبق الجسد لإطفاء نار الكوكايين
أدخليها يا سابينه كي تنامي
أدخليها كي يصبح سعرك أعلى من سعر الكوكايين
أدخليها وانتظري وصول الفنان الألماني جيرارد ريختر،
بيكاسو القرن الحادي والعشرين،
ليرسم لوحة الشمعة من جديد
لْيُسّمّها الشمعة في المرأة
ليبيعها بضعفي سعر لوحة الشمعة
ليصبح سعرها أربعة وعشرين مليون يورو
أنصحك أن تدخليها يا سابينه
كي يأتي الرسام الفرنسي غوستاف كوربيه ليبدع لوحة أصل العالم من جديد،
ولْيُسّمّها: أصل العالم شمعة!
إبحثي بالشمعة الحمراء يا سابينه عن لَذَّة الحَيَاةِ،
كما بحث ويبحث الأدباء سراً،
كما بحثت الجزائرية فلة العنابية
برفقة قلم من رصاص
في رواية وليمة لأعشاب البحر
عن شبق جسدها كوسيلة للنسيان...


أشهر الأدباء والفنانين العالميين المتميزين، حتى الحائزين منهم على جائزة نوبل للآداب، فَضَّلوا استعمال قلم رصاص على غيره من الأقلام، أثناء تحليقاتهم الإبداعية، جميعهم كتبوا به، أمسكوه وداعبوه كعشيقة حتى بلوغ النشوة... الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، الأمريكي إرنست همينغوي، الهولندي فينسنت فان غوخ، الألماني ويلهلم بوش، الألماني غونتر غراس والأمريكي-الألماني جون ايرنست شتاينبيك الذي اشترط أن تكون أقلاماً بمقاطع مستديرة.
وحده الشيوعي التشيلي بابلو نيرودا اِنتشى بقلمٍ أخضر،
لأنه آمن بالأمل وزرعه في روحه البلشفية سّموه حبر تشيلي الأخضر وحصان الشعر الأخضر...
أما الهندي-الأمريكي أميتاف غوش فلم ينتشي إلا بقلمٍ أسود، ماركة بيليكان، بحبر جاف...
هل كان الروائي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز ينتشي بقلمٍ أصفر حتى تهدأ روح الإبداع لديه؟


منذ قرون وأقلام رصاص تلعب دورها في تغيير حياتنا والعالم من حولنا رغم حدوث الطفرة التاريخية في تسميتها رصاص، بعد كل إرهاب فاشل على الصحافة الحرة، تشارلي إبدو مثلاً، يصير السيد قلم رصاص، الكائن المتواضع أبداً، رمزاً عالمياً يُستخدم في المظاهرات والمسيرات، في الكتب والجرائد والمجلات، في السينما والتلفاز للتعبير عن حرية الرأي والفكر لمحاربة الإرهاب والطغاة والغزاة.
قبل ذلك، استخدمه الرعاة الإنكليزيون في مقاطعة كمبرلاند في القرن السادس عشر، بتلك المادة الداكنة التي اكتشفوها ذاك اليوم صدفةً في أحد المناجم، رسموا خطوطاً على ظهور أغنامهم لتمييزها، ثم غلا ثمنه وقلّ تصديره للأمم، إذْ استخدمته الجيوش في مدافعها مع أواخر القرن الثامن عشر...
عَمَّدَه الكيميائي الألماني-السويدي كارل فيلهلم شيلي تحت اسم الجرافيت من أجل الكتابة...
استعمله الفنانون الكلاسيكيون والرومانسيون بحماس رغم الاختلاف بوجهات النظر...
اعترف الكتاب والشعراء المبدعين بفضائله، أَحَبّوه، كتبوا عنه قصائداً وقصصاً قصيرة...
استخدمته النساء لتصفيف شعورهن وبلوغ النشوة!
ولطالما كان صديقَ الأطفالِ في رسوماتهم
والمهندسين في أعمالهم اليومية...
أما أنا المهندس أحمد، مذ تعلمت كيف أمسكه في طفولتي... ما زلت وفياً له! أحاضرُ في جامعتي وقلم رصاص يرافقني، أمسح أخطائي التي ما زلتُ ارتكبها عن غير قصد...



اذهبي للنوم يا سابينه، اذهبي و رَتّبي حقائب الكوكايين في مختبرك، أما أنا فقد قررت الهرب كي يكتب عني صديقي من جديد رسالة "لقد هرب الذئب من الغابة":


أيها الأرعن اللعين، أينَ أنت؟
أيها المنسي في جنّة الله، أينَ صوتكَ الدميم؟
فلتسقط عليكَ قنابل هيروشيما و ناجازاكي
ليضربكَ زلزال أغادير
و لتَفُحْ رائحة الشواء من بيت حسين المقفل
دون أن تنال قطعة خبزٍ ملوثة بالزَفَر
لتشم رائحةَ الخمرِ من دكان أبي زاهي
دون أن تنال منه رشفة
و ليرمقك الشرطي أبو نبيل الصيصاني بنظرة
وَفِي عَيْنِهِ شَزَرٌ
منذ لحظة دخولكَ الحارة حتى خروجكَ منها
ليدغدغك الشيخ فريد بذقنه في خاصرتك اليمنى
و الشيخ زكي في خاصرتك اليسرى
دون أن يضحكوك
لينصحك نائل، الذي أعدم كتاب الجغرافيا رمياً بالرصاص، مُتأتِئَ، بضعة نصائح لا تليق بك...
و لْيحكي لكَ أبو زاهي قصةً أطول من قصصه المعتادة
لْتحكي أم زاهي لكل نساء الضيعة عن حبكَ للصبايا
و لْيمكث عندك عبدو الظَّرِبَان عدةَ ساعات دون أن تستطيع طرده
لْتقرع الباب على الولد نادر ساعات وساعات دون أن يفتح لكَ
أيها الثعلب الماكر، لقد نجوتَ...
لقد أفلّتَ من ألسنةِ نساء الضيعة على أرصفةِ الشوارع
من وشايا ابن رومية المجاهد، البليد
من رائحة عبدو الظَّرِبَان مُنْتِنُ الرائحة، إذ فسَا من فمه
لقد نجوتَ من الجرابات المثقوبة
من البيضِ المسلوق
و من عرق أبو رعد
لقد هربَ الذئبُ من الغابة.


سأقتلكما أيتها الكلبتان ثم أهرب، أو أهرب لأعود يوماً كي أقتلكما في حفلة كوكايين جديدة.

سأهرب منكما كرجل شرقي مُغفَّل، يعتقد أن مركز الكون يكمن في مُثَلَّثِ النساء، كشرقي جاهز دائماً للصعود على رقاب من حوله وعلى دزينة من زجاجات الخمر النادرة، كي يقطف الرائحة من مُثَلَّثِ اِمرأة.
سأعود إليكما كرجل غربي، ألماني السلوك والطبع، فالرجال الألمان هم الوحيدون في العالم، الذين من الممكن أن يكونوا على أُهْبَةِ الاِستعداد في كل وقت للصعود عالياً على دزينة من النساء العاريات بمُثَلَّثَاتهن الشَبِقَة، من أجل الحصول إلى زجاجة من البيرة.

لن أدعكما تهزماني وتهرّمانني مرة ثانية، لا يُلْدَغُ العلماني من جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وحده الحمار من يقع في ذات الحفرة مَرَّتَيْنِ، لكني سأقول: شكراً لكما رغم كل ما حدث منذ صعودي إلى قطار آخن، شكراً لأنني تعلمت بأن المَعرِفة تراكم بطيء، تُطبخ على نارٍ هادئة، كما هي الثِّقَة بِالنَّفْسِ.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,932,580,618
- حدث في قطار آخن -30-
- حدث في قطار آخن -29-
- حدث في قطار آخن -28-
- حدث في قطار آخن -27-
- حدث في قطار آخن -26-
- حدث في قطار آخن -25-
- حدث في قطار آخن -24-
- حدث في قطار آخن -23-
- حدث في قطار آخن -22-
- حدث في قطار آخن -21-
- حدث في قطار آخن -20-
- حدث في قطار آخن -19-
- حدث في قطار آخن -18-
- حدث في قطار آخن -17-
- حدث في قطار آخن -16-
- حدث في قطار آخن -15-
- حدث في قطار آخن -14-
- حدث في قطار آخن -13-
- حدث في قطار آخن -12-
- حدث في قطار آخن -11-


المزيد.....




- اعمارة يجتمع بنظرائه الأفارقة بالحسيمة
- بايتاس قيادي الحمامة يقصف العمراني.. والعثماني يدعو الى الته ...
- #ملحوظات_لغزيوي: اللعب بالحريك !
- -الرسم على الجسد-...فنانة كورية تخطف الأضواء بأعمالها الفنية ...
- مهرجان المسرح الأوروبي سيشهد دورته الأولى بلبنان
- نمر يصاب بنوبة صرع أثناء عرض السيرك في روسيا! (فيديو)
- السبسي يعلن نهاية خمس سنوات من التحالف مع -حركة النهضة-
- بوريطة يشارك في اجتماع ترأسه الرئيس ترامب حول مكافحة المخدرا ...
- بوريطة يلتقي عددا من المسؤولين بنيويورك
- عمر روبير هاملتون يفوز بجائزة الأدب العربي لعام 2018، عن روا ...


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - حدث في قطار آخن -31-