أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السعدنى - كارثة إختيار الأقل كفاءة















المزيد.....

كارثة إختيار الأقل كفاءة


محمد السعدنى
الحوار المتمدن-العدد: 5014 - 2015 / 12 / 15 - 22:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


سبق أن اتفقنا على أن غاية التاريخ فى مجملها هى تحقيق التقدم، وهو فى كل مساراته عبر الزمان والمكان كان مدفوعاً دائماً بقادته وأبطاله، وهم رجال دفعت بهم قدراتهم وأعمالهم ومصائرهم إلى تشكيل التاريخ، إنْ فى صعوده وتحقيق أهدافه، أو فى هبوطه وتعثر مآلاته. من هنا جاء مفهوم البطل التاريخى، وكذا المجرم فى حق التاريخ ومصائر أمته. ولقد استهوى ذلك المبحث علماء الحضارة، وقد رأوا فى كثير من أعمالهم أن الحضارة والتقدم رهن بعطاء الشعوب وقدرتها على الصمود والتحدى والاستجابة كما قال أرنولد توينبى، أو كما ردها بعضهم لعبقرية الفرد كما قال مايكل هارت فى كتابة "العظماء مائة" أولهم محمد صلى الله عليه وسلم، بما أحدثه من تأثير فى العالم كله.
ولقد عشنا ردحاً طويلاً بين دفات كتب التراث والتاريخ، العربية منها والأجنبية لنصل إلى قناعة تؤكد دور الفرد واثره التاريخى فى صنع النهوض والتقدم. لماذا أقول هذا؟ أقوله لأن فيما ذهب إليه مفكرونا العرب الكبار من أمثال طه حسين وعباس محمود العقاد وزكى نجيب محمود ومحمد أركون والطيب تيزينى ومحمد الماغوط وحسن حنفى وغيرهم، بأن التقدم والنهضة فعل تاريخى ينجزه حامله الاجتماعى، "البشر،النخبة والجماهير" من رجال ونساء يدركون بوعيهم التاريخى أن الخروج من واقع انحطاطهم وتخلفهم يقتضى امتلاك آلية هذا الفعل وإمكاناته وحدوده ووعيه وقدراته، وهو ما اصطلحنا على تسميته إختصاراً: بالكفاءة.
ومن أسف أن نكبت بلادنا المحروسة بآفة العصر التى لانستطيع حتى يومنا هذا الفكاك من إثارها، ألا وهى معاداة حكوماتنا وأصحاب القرار فينا لكل الكفاءات والمواهب، وتنكب المؤهلين والقادرين بالإستبعاد والتهميش، مفضلين عليهم الطيعين العاطلين عن كل موهبة، اللهم إلا قدرتهم على النفاق والإنحناء وسهولة الإنقياد، وهذا مايفسر تدنى مستويات القيادة فى معظم مؤسساتنا، وإنحدار مستوى الأداء العام فى معظم وزاراتنا وحكوماتنا ومحافظينا ومرافقنا وحتى سياساتنا الداخل منها والخارج. وهو أمر يدفع ثمنه الوطن كله، وربما سبب كوارثاً كنا فى غنى عنها لو أوسدنا الأمور للقادرين عليها والمؤهلين للقيام بأعبائها، وما كنا فى حاجة لإضاعة الوقت وتضييع الفرص وتأخير التنمية الشاملة لبلادنا وإحباط الجماهير، لو قام المسئولون عن الإختيار بأداء واجبهم بحياد وتجرد وقدر معقول من المسئولية. والأمثلة على ذلك كثيرة ماثلة أمامنا فى وزاراتنا المختلفة ومحافظاتنا وأحيائها وشركاتنا ومؤسساتها وحتى فى جامعاتنا ومراكزنا البحثية وحتى أجهزتنا الرقابية والمحاسبية.
وهنا يطرح السؤال نفسه، هلى هى مسئولية الرئيس وأجهزته المعاونة وحدهم؟ ام هى مسئولة محيطنا السياسى العام ونخبنا المشغولة بتوزيع المناصب والمغانم وتحصيل المصالح الذاتية الضيقة؟ أم هى مسئولية أحزابنا الهشة وشكلانية إهتماماتها الهامشية التى لاتعبأ بالصالح العام قدر اهتمامها بما تحصله من مقاعد مجلس النواب والقرب من دوائر الحكم والرئاسة، وبما يبعدها عن القدرة على الفرز وتقديم قيادات جديدة مؤهلة وأفكار غير تقليدية تتغيا الصالح العام وتدفع بمصالح الوطن وتحقيق آمال شعبنا الصابر المجهضة أحلامه رغم ثقته المفرطة فى رئيس يتمتع بالشعبية الجارفة، يرونه فى الميدان وحده، وكأن هناك من يحاول إختطافه من شعبه وحصاره فى دوائر ضيقة لاتأتى من خلالها إلا أسوأ الإختيارات وأفشل القيادات، اللهم إلا استثناءات قليلة يصعب التعويل عليها، ولاتستطيع وحدها القيام بعبء الموكول إليها من أعمال، وما ينتظره الشعب من إنجاز يلبى حاجاته ومتطلباته.
ولعلنا بكل التجرد والإنصاف لانعلق مسئولية الإصرار على إختيار الأقل كفاءة فى عنق الرئيس والأجهزة وحدهما، إذ مسئولية الأحزاب السياسية حال نضج أفكارها وحسن توجهاتها، أن تكون شريكة فى تقديم الكوادر والكفاءات، بل لاأتجاوز الحقيقة إذا قلت أن من واجبها أيضاً صنعها وتخليقها وإعدادها. وهذا ماتفعله الأحزاب فى دول الدديمقراطيات العريقة، تصنع الكوادر وتتعهدها بالرعاية والصقل والتدريب، وتكفل لها إكتساب الخبرة وحس الممارسة الهادفة ليكونوا قيادات ووزراء ومحافظين ومسئولين على درجة من الكفاءة والتمكن والقدرة.
وأنظر كيف صنعت الأحزاب السياسية فى إطار الديمقراطيات الحقيقية لا الشكلية فى أوروبا قيادات تاريخية مثل فيلى برانت وجيرهارد شرودر ويوشكا فيشر وإنجيلا ميريكل فى ألمانيا، ميريكل دارسة الفيزياء الناشطة فى أحزاب ألمانيا الشرقية منذ الصغر، تتقلب وتتدرج فى الحزب الديمقراطى المسيحى ويتعهدها هلموت كول بالعمل إلى جواره ومطبخه السياسى لتصبح أقوى سياسية أوروبية تحقق النهضة لبلادها. وأنظر وكيف جاءت فيديريكا موجيرينى مفوضة الإتحاد الأوروبى مروراً بوزيرة خارجية إيطاليا بعد أن كانت مسئولة العلاقات الخارجية فى حزب الشبيبة الشيوعى الإيطالى وتدرجت حزبيا وهى مواليد 1973 حتى أصبحث تضطلع حالياً بمسئوليات جسام، لاعن دولتها فقط ولكن عن أوروبا كلها. ولعل فى ذلك درساً تتعلمه أحزابنا الممثلة فى مجلس النواب المنتخب لتبدأ فى إعداد كوادرها، وتستقطب الكفاءات وتعهد إليها بتأسيس حكومات ظل، وتكوين مراكز تفكير ودراسات تكون جاهزة لتولى مواقع المسئولية فى الحكومات القادمة، حتى لانفاجأ باختيارات بائسة تؤخر أكثر مما تقدم وتفشل أكثر مما تنجح، وتدفع للأسف والأسى أكثر مما تتسبب فى الفخر والإنجاز. إنها مسئولية الأحزاب تحت قبة البرلمان، وهى مسئولية أولى من الإنشغال بالتحالفات والصفقات ولعلها هى السبيل الحقيقى لدعم الدولة ودعم الرئيس، ودعم مستقبل الوطن بالمضى قدماً نحو التقدم والنهضة وتحقيق طموحات شعبنا المجهضة وتطلعه لحياة حرة كريمة تخرج به من دوائر الكفاف والظلم والعوز واليأس والبطالة إلى مجتمع الكفاية والعدل والعمل والأمل. ساعتها نكون قد مضينا على الطريق السليم ونكون أقرب لكسب معاركنا مع الإرهاب والتخلف والعشوائية والتشوه الإدارى والإرتجال.
إن التمركز فى دوائر ترصد المواهب وأصحاب القدرات، والإصرار على إختيار الأقل كفاءة، هو ماأوصلنا إلى طريق مسدود وموقف صعب يهدد بفقدان الكثير من حصتنا فى مياه النيل ومن نصيبنا فى جذب الإستثمار، ومن تخلف سياساتنا التعليمية، ومن ضعف فرصنا فى التشغيل والإنتاج، ومن حقنا فى التتنمية المستدامة والتقدم والنهضة. إنها مسئوليتنا جميعاً شعباً وأحزاباً وكتاباً ونواباً ومثقفين، قبل الحكومة والأجهزة والرئيس. وبهذا وحده نكون قد حققنا دورنا فى التاريخ، ولم نخزل أجيالاً قادمة، فالتاريخ يحمل وعيه، ويستدعى قادته وأبطاله، ولا يسامح من يستبعد حاملى مشاعله من رجال ونساء قادرين على التحدى متسلحين بالعلم والمعرفة والكفاءة، ويكتب بين دفتيه وبالإسم من خذله فى تحقيق غاياته ومن انحرف به عن مساراته.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,003,677,225
- أزمة حقيقية أم تمثيلية محكمة؟ من يلعب بالنواب والحكومة؟
- مصر والسعودية والمشهد الدولى المرتبك
- من أنشودة مالك بن نبى إلى حملة أولاند : ياجنرال لست فى الميد ...
- باريس: موهبة النور ومحنة الظلام
- هواة فى مواقع السلطة
- الكاتب المأزوم والأفكار -العميطة-
- روسيا تحت قصف البروباجندا الأمريكية
- فلا تكونوا شوكة فى خاصرة الوطن
- السيسى والسفر عبر الزمن
- الإتحاف والإنباء عن الحكومة والوزراء- السيسى فى اجتماع الجمع ...
- البرادعى يقود الهوسبتاليين الجدد وينعق من جديد
- نخبتنا العاجزة: الدولة لاتصنع السياسة
- التفكير: فريضتنا السياسية الغائبة
- لا أخلاقية السياسة الأمريكية
- إشكاليات الثقافة والإدراك فى العلاقات المصرية الأمريكية
- فى كامب ديفيد .. الشيطان يعظ ويصلح الساعات
- عن الحمقى والمغفلين
- إستهداف ملكة الحد الأوسط: مصر يصعب أن تكون تابعاً
- الأرض لما بترمى ف سنبلة بشاعر نبيل الأبنودى: عمر من النضال و ...
- الأزهر ومحاكم التفتيش


المزيد.....




- لافروف ليورونيوز: بريطانيا تحاول التأثير على السياسات الأورو ...
- مورينيو.. من فمه أدانوه
- -لعنة- أمم أفريقيا تصيب ليفربول
- الساوية.. مدرسة فلسطينية تتحدى الاحتلال
- السيسي في روسيا، فماذا يريد؟
- ردا على سحب -لقب دولي-... إسرائيل توجه رسالة إلى لبنان
- إعلان جريء يسيء لميلانيا ترامب وزوجها بشكل غير مسبوق
- رئيس غرفة المحاسبة الروسية: سنكون في الوضع الآمن بالنسبة لمخ ...
- النائب العام المغربي: 7 قتلى في حادث انقلاب قطار
- اليمن.. ماذا وراء إقالة رئيس الحكومة؟


المزيد.....

- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الإخفاقات الذريعة ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الضعف الاستراتيجي لقطاع السياحة في مصر / مجدى عبد الهادى
- الفيدرالية في اليمن.. ماضياً وحاضراً (ورقة بحثية) (الحلقة ال ... / عيبان محمد السامعي
- Dialog oder Crash der Kulturen in Deutschland? / كاظم حبيب
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية 6-12 قوانين الديالكتيك.. / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السعدنى - كارثة إختيار الأقل كفاءة