أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - كيف يتحقق الذكاء الجمعي لشعب ما؟ - 2/1 -















المزيد.....


كيف يتحقق الذكاء الجمعي لشعب ما؟ - 2/1 -


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 4914 - 2015 / 9 / 3 - 21:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


جرت منذ مدة على صفحات الحوار المتمدن مناقشات جادة بين القرّاء المتنورين، حول بعض القضايا المطروحة في مقالاتي، أسفرت عن السؤال التالي للأستاذ "نعيم إيليا":
لماذا ظهر أو تحقق الذكاء الجمعي لهذا الشعب، ولم يتحقق لذاك الشعب؟
وقال سيادته: إذا لم تجب على هذا السؤال فإنه لا معنى لمواصلة المناقشة!!!!!

كما نرى، الرسالة واضحة، والسؤال منطقي ووجيه جدًّا وله ما يبرره، وقد سأله، رواد النهضة في أوروبا منذ وقت مبكّر، وسأله أيضًا الكثيرون من المفكرين وعلماء التاريخ والاجتماع المستعربين مثل التونسي ابن خلدون )ت 1406م) في "المقدمة"، خصوصا فيما يتعلق بانهيار الحضارات واندثارها...

وحفاظا مني على التواصل المثمر والبناء مع القرّاء الأعـزاء وعدته بمحاولة الإجابة، لعلها تفتح الباب لمزيد من الحوار الموضوعي بهدف الكشف عن الأسباب الحقيقية وراء تبني دولة للذكاء بصورة جمعية، فتنهض وتتقدم، ودولة أخري، قريبة منها أو بعيدة عنها، تخضع لسطوة الغباء الجمعي، فتغط في ثبات عميق وتتخلف وتفسد. ولعلها أيضا توصلنا إلى مفتاح لفهم الأحداث الشاذة والمأساوية التي تجري في هذه المنطقة من العالم الغريب والعجيب.

بالطبع قد يتفق بَعضُنَا ويختلف البعض الآخر في الرأي، لأن الموضوع كبير جدًّا وشائك وبه متاهات كثيرة متأصلة ومعقدة إلى حد بعيد، وتتداخل في صلبه عوامل ميتافيزيقية - عقائدية عريقة وأكاذيب سياسية ودينية عميقة. ولكن بالتأكيد لن يفسد الاختلاف في الرأي للود قضية.

بداية أود أن أأكد على ثلاث نقاط أساسية:
الأولى: أن الذكاء والغباء الجمعيين Collective intelligence and stupidity، ليس لهما صلة على الإطلاق بأي من العوامل الوراثية، وأن إنتقالهما من جيل إلى أخر يتم - في الصغر - عن طريق التلقين والتعليم المبكر، وفي الكبر من خلال العادات والتقاليد ومسايرة المجتمع، وليس لهما أي تأثير مباشر على وجود الذكاء الفطري أو المكتسب للفرد من عدمه، لكنهما يؤثران بشكل واضح على روابطه بالثقافة السائدة من حوله كما يؤثران بالتبعية على طبيعة سلوكه ومواقفه من القضايا الإنسانية.
إنهما فقط يعكسان بوضوح المنهج الذي تسلكه المؤسسات والنخب العاملة في الدولة وفي الطريقة التي تؤدي بها عملها. وينتقلان من جيل إلى آخر، ضمن الانتقال الثقافي في المجتمع الذي سماه ريتشارد داوكينز بـ"الميمات Memetics" في مقابل الجينات الوراثية.
أنظر:
"الميمات: المتضاعفات الجديدة" ص 309، الفصل 11، في كتاب "الجين الأناني"، تأليف ريتشارد داوكينز، ترجمة تانيا ناجيا، دار الساقي ط 1، بيروت 2009،.
وأيضا:
https://ar.m.wikipedia.org/wiki/علم_التطور_الثقافي
وقد حاولت بإمكانياتي المتواضعة تناول هذا الأمر في مقالات سابقة.

والثانية: إنهما يتناوبان فترات زمية قد تطول أو تقصر في حياة الأمم والشعوب، تبعا لما يتداخل في تكوينهما من عناصر أيدولوجية وأكاذيب سياسية ودينية، تتبناها المؤسسات والنخب الهدامة في المجتمع. فالعقائد بشتى صنوفها تتميز بتسلحها بسلاح المحافظة على السكون المجتمعي والجمود الثقافي وبقاء الحال في المجتمع على ما هو عليه أطول فترة ممكنة. ولكن لأن المجتمع كائن حي لابد أن يتحرك، فإذا كان خاضعا الآن لأي منهما، سوف يجد نفسه في وقت ما مرغما على الانتقال إلى الآخر، وهذا التحول القهري هو الذي يلعب دورا جوهريا في نشوء الحضارات أو تلاشيها. حيث تتشكل المؤسسات والنخب العاملة في الدولة تبعا للنهج المتبع، فتكون فاعلة ومتعاونة وبناءة ومتقدمة إلى الأمام أو متحجرة وأنانية وجامدة ودافعة إلى التخلف والفساد.

والثالثة هي أن طبيعتهما الهيكلية والمؤسساتية تفرض بقوة ما يعرف بالذكاء أو الغباء الاجتماعي (.... Social) أو التفاعلي بين أفراد المجتمع، وفقا للتعريف الأصلي لـ"إدوارد ثورنديكي"،
Thorndike, E.L. (1920). Intelligence and its use. Harper s Magazine, 140, 227-235.,
وهو: "القدرة على الفهم والتعامل مع الرجال والنساء والصبيان والبنات، والتصرف بحكمة في العلاقات الإنسانية".
فعلى سبيل المثال لا الحصر، لولا وجود الكمِّ الهائل من المؤسسات الدينية الإسلاموية، التي تنتهج الغباء الجمعي وتفرض سيطرتها على المجتمعات بمساعدة الحكام، وتنتشر بكثافة مقيتة في المكان والزمان حتى وصلت غرف النوم من خلال وسائل الإعلام، لتغيرت نظرة الأفراد من المرأة التي تكون نصف المجتمع على الأقل، وما تعاملوا معها بمعايير مزدوجة. وتغيرت أيضا نظرتها إلى نفسها، وما اقتنعت نفسها بأنها مجرد بهيمة للجنس والإنجاب، وأن هذا وحده تكريم لها ولشأنها في الحياة.

كما أنهما يحدِّدان مواقف الأشخاص تجاه القضايا الإنسانية في المجتمعات التي يعيشون فيها، وعلى رأسها قضايا التنمية والتقدم في كافة مجالات الحياة. وعلى وجه الخصوص الأشخاص الذين يشكلون النخب، ويكون من المتوقع منهم أن يكونوا على وعي ودراية بما يدور حولهم، ويحظوا بمعرفة لما يجب عمله تجاهه. فالشخص قد يكون متعلما وذكيا إلى درجة العبقرية، ولكنه بسببهما يجد نفسه - في مجتمع - ما مضطرا لاتخاذ مواقف معينة لا تتفق على الإطلاق مع ما اكتسبه من ذكاء أو تعليم أو ثقافة، نجده يساير العوام تحت مبدأ: دارِهِم ما دُمْتَ في دارهم، أو يتَّبِع "التقية" الإسلاموية، أو الصمت والتجاهل خوفا من بطش الغباء الجمعي وسيطرته المطلقة.
أنظر المزيد في مقالي بعنوان: "الذكاء والغباء الجمعيان" في هذا الموقع أو في الموقع التالي:
http://bookoflife01.blogspot.de/2015/08/blog-post_70.html

الحقيقة أن كل إنسان يستطيع في أي مكان وزمان وفي كل الأحوال أن يقول أي شيء ويحتج ويعارض أي شيء، ولكن ذلك يتوقف على الطريقة التي يتبعها والأسلوب الذي ينتهجه. وأن يسكت فقط عن المواقف التي لا يكون السكوت عليها علامة الرضى بل يكون وسيلة مثلى للاحتجاج والمعارضة.

وهكذا يمكن تشبيه كلٍّ من الذكاء والغباء الجمعيين بخيمة تطبق على مجتمع بكامله، إما يكون بها نوافذ وأبواب وفتحات جانبية تصل إلى التفاعل الحضاري مع الآخرين وتسمح للمواطنين باستنشاق نسيم الحرية والتعاون والانطلاق إلى آفاق العمل العقلاني الخلاق بلا معوقات أو تحفظات، وإما أن تكون محكمة الغلق بها مؤسسات جامدة لاتسمح بذلك، وعلى الإنسان أن يقضي عمره بداخلها محاولا التكيف معها أو الهروب إلى منها.

إذا أرادت المؤسسات العاملة في أي مجتمع بشري أن يرقى هذا المجتمع ويتقدم لابد أن تلتزم بالذكاء الجمعي كما هو الحال في مملكة النمل أو النحل مثلا، فتتعاون بانفتاح مع بعضها البعض كي تتمكن من مواجهة أعمال ضخمة وتأديتها بدقة كبيرة. والنخب من ناحيتها يجب أن تدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها في التنوير والتحذير وعدم المهادنة أو التردد أو الخوف في السعي نحو تغذية المؤسسات بعوامل التقدم والرقي، ومتابعة الالتزام بها وتنفيذها بالدقة المطلوبة. يجب عليها ألَّا تخون ذكاءها وعلمها وثقافتها، من أجل تفادي الاصطدام مع الغباء الجمعي في مجتمعاتها.

في مقال مطوَّل للأستاذ فرانسوا باسيلي، الكاتب المصري المقيم في نيويورك، يعرض بأسلوب مشوِّق إجابة على سؤال: "لماذا تقدم الغرب وتخلف العرب؟" نشر في هذا الموقع بتاريخ 14 فبراير 2006
http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=57344&r=0

وذهب إلى أن العرب مازالوا يعيشون في صدمة حضارية هائلة منذ دخول نابليون إلى مصر بعتاده وعلمائه ومدافعه. وقال: "واصبح من الموجع حقا للمثقف العربي المخلص لأمتة ان يلاحظ بشيء من التعميم ان العالم كله يتقدم ما عدا العرب. بل ان الادهي من ذلك ان بلدا رائدا للمنطقة العربية كلها مثل مصر ليس فقط يتخلف عن الركب الحضاري العالمي بل يتخلف مقارنة بماضية الحديث نفسه اذ يمكن القول بلا مبالغة ان مصر في القرن العشرين وحتي نهاية الستينيات منه هي افضل من مصر اليوم حضاريا وثقافيا وعلي جميع الاصعدة".

وذهب إلى أن إختلافات اللغة والدين والجنس أو العرق ليست مفتاح الحضارة الاوروبية وبالتالي لا تشكل منفردة او مجتمعة سببا مقنعا لتخلف العرب عن ركب الحضارة العالمية المعاصرة. ويتساءل: "ما سبب هذا التخلف اذن؟".

وبني أطروحته بكاملها على أساس أن "التسلط الديني" هو السبب، وأن تحرير الإنسان في المنطقة منه هو الحل..
فقال: "هذا الفكر المدهش الذي يري في التردي الحضاري الشامل للمجتمعات العربية صحوة اسلامية هو احد المفاتيح الاساسية للبوابة التي يمكننا من خلالها الدخول الي المخدع المحرم او قدس الاقداس الذي ينام فيه نومة اهل الكهف سر اسرار التخلف الحضاري للانسان العربي المعاصر. هذه النظرة الدينية الاحادية بالغة الضيق لا بد ان تكون هي دليلنا الاول الذي نسترشد به في متاهتنا هذه نحو فهم واكتشاف اسباب التخلف العربي الحالي بشكل لا تعاني منه امة اخري علي وجه الارض ربما باستثناء بعض القبائل الافريقية في بعض الادغال النائية من القارة الهائلة".

ولكن مشكلة التخلف والتقدم بين الشعوب لا يجب أن تختزل ببساطة في هذا الطرح وحده، بل لابد أن تشمل أيضًا عوامل أخرى أعمق منه بكثير. وكي نصل إلى أبرز هذه العوامل، أود أن استعرض بإيجاز أحد أهم الكتب الصادرة في عام 2012 بعنوان “لماذا تفشل الدول: جذور السلطة والرفاهية والفقر” للباحثين الأمريكيين المتخصصين في علمي الاقتصاد والسياسة: دارون أسيموغلو (من معهد ماساسوشيتث للتكنولوجيا) وجيمس روبنسون (من جامعة هارفارد)،
Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty, by Daron Acemoglu James Robinson,
Crown Publishers, NY. 2012
Pages 544

وهو كتاب تمت ترجمتة الى لغات عديدة منها الألمانية والفرنسية والإسبانية. وأثنى عليه عدد كبير من علماء الاقتصاد الحائزين على جائزة نوبل، ورشَّحوه لأن يكون في المستقبل من المراجع الكلاسيكية لفهم التخلف والتقدم. ووصفه عالم الاقتصاد "كنيث أرو Kenneth J. Arrow" الحاصل على نوبل سنة 1972 بأنه : "مساهمة فعالة في الجدل القائم حول: لماذا دول متشابهة تشهد تقدما اقتصاديا وسياسيا مختلفا”.

ينطلق الكتاب من تساؤلات عريضة وحاضر بقوة لدى الباحثين والمؤرخين والرأي العام الواعي (النخب)، ويحاول الإجابة عليها، أبرزها:
ماذا تفعل بعض الدول لكي تتقدم وتنمو بينما الأخرى تبقى غارقة في التخلف والفقر؟
وإذا كانت الصين قد نجحت في بناء ماكينة نمو استبدادية، فهل ستواصل النمو وفرض سيطرتها على الغرب؟
وهل لا تزال الإمبراطورية الأمريكية في صعود؟
ما الطريقة المثلي لإعانة مليارات البشر على الانتقال من الفقر إلى الرفاهية؟

ورغم عدم تخصيص فصل خاص بالمنطقة العربية، إلا أن الكتاب الذي يعود إصداره الى عام 2012، ولذلك لا يعالج فترة الرئيس السيسي، يطرح تساؤلًا حول الثورة الأخيرة في مصر هل ستقود الى مؤسسات ونخب جديدة أم ستكون مثلها مثل باقي الثورات التي شهدتها البلاد، تعمل على إعادة إنتاج نفس المؤسسات والنخب الجامدة الإقصائية الطاردة.
وكان هذا التساؤل هو المحور الأساسي في مقال لي بعنوان: " مصر التعيسة بحكامها" نشر في هذا الموقع بتاريخ 28.6.2015.

ويتساءل الباحثان:
لماذا ملأ المصريون ميدان التحرير في القاهرة لإسقاط مبارك؟
وما مدلول ذلك بالنسبة لتحليلات الفقر والرفاهية؟

وذهبا إلى أن أساس الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة العربية كان تململ السكان من الفقر، والتعبير عن وضع اجتماعي بالغ الاختلال، معتبرين أن أهم القواسم المشتركة بين دول "الربيع العربي"، مصر وتونس وسوريا والبحرين وليبيا، أن هناك نخبة سياسية تستغل نفوذها لتوزيع الموارد الاقتصادية على نفسها.

ومع أن هذا الطرح صحيح إلى حد كبير، إلا أن الباحثَيْن تجاهلا عنصرًا هاما، هو أن الشباب الذين تربو نسبتهم على %60 من تعداد سكان المنطقة، وهم جيل ثورة المعلومات العابرة للقارات، كانوا ولازالوا في طلائع الطموحين والمتطلعين إلى تحقيق الذات من خلال المشاركة السياسية، وبناء دولة مدنية تحترم الحريات وحقوق الإنسان وكرامته. فثوراتهم في تصوري لم تكن ثورات جياع أو فقراء، بقدر ما كانت ثورات ضد الإخفاق في تحديد هويتهم الشخصية داخل إطار الهوية المفقودة لمجتمعاتهم. وإلَّا ما توقع البعض قيام "ثورة جياع" تأتي على الأخضر واليابس في حال فشل السلطة الحالية في معالجة الأوضاع المتردية منذ زمن طويل في البلاد.
ومهما كانت التفسيرات والتوقعات لتلك الثورات، فهي في العمق صرخة ضد مؤسسات الغباء الجمعي التي تنتج الفقر والفساد وتفرض أساليب القهر والتدني عبر مؤسسات مترهلة ونخب فاسدة تتحكم بعنف في مصير شعوب بأكملها.

ولا يعتبر الخبيران في الفصل الأول، وعنوانه "قريب جدا ومختلف جدا"، أن عوامل مثل الأماكن المتشابهة في الجغرافيا، والثقافات، والتركيبة العرقية والموارد الطبيعية، كافية للحكم على التخلف أو التقدم في بلد ما. فمثلا مدينة "نوغاليس Nogales"، الواقعة في الحدود الفاصلة بين ولاية أريزونا الأمريكية وولاية سونورا المكسيكية، كانت في السابق نقطة جمارك وتحولت الى مدينة تقسمها حدود فقط بين عالمين مختلفين. ويتساءلان لماذا تقدم الشطر الأمريكي ويتوفر على الرفاهية والدخل المرتفع بينما تأخر الشطر المكسيكي ويغرق في الجريمة المنظمة والفقر. ولعل المثال الصارخ في هذا السياق هو كوريا. فعلى الرغم من التشابه أو التماثل في البنية الاجتماعية والطبيعية للكوريتين، فإن كوريا الشمالية تعد من أفقر الدول، بينما كوريا الجنوبية من أغناها. وتفسير ذلك أن كوريا الجنوبية أنشأت مجتمعا قائم على الذكاء الجمعي، بخلق الحوافز، ومكافأة المبدعين، والسماح للجميع بالمشاركة في الفرص الاقتصادية. واستمرت في النجاح الاقتصادي الذي حققته، لأن الحكومة أضحت متجاوبة ومسئولة أمام مواطنيها. أما كوريا الشمالية، فقد تحملت عقودا من القمع السياسي، وانحرف بذلك نحو الغباء الجمعي. ويسري التصور نفسه في حالة المانيا الغربية والشرقية في الماضي قبل الوحدة وانهيار سور برلين وينتقل الى الشرخ الحضاري القائم بين دول شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط.

وفي الفصل الثاني يرفض الكاتبان النظريات التي فقدت قدرتها التفسيرية، وترى أن السبب وراء فقر بعض الدول يعود إلى محدودية ثقافتها أو مواردها، أو إلى جهل زعمائهم بالسياسات الصحيحة. لأن هذه العوامل في نظر الكاتبان ليست قدرية التأثير، وإلا فكيف نفسر حقيقة أن دولة محدودة الموارد مثل بتسوانا في الوسط الجنوبي من القارة الأفريقية أضحت واحدة من الدول ذات معدلات النمو الأكثر تسارعًا على مستوي العالم.

ومع أنهما لا يمنحان دورا رئيسيا للقيم والثقافة السائدة في المجتمعات في شرح التقدم والتخلف. إلَّا أنهما لا ينفيان دورهما الواضح في التقدم أو التخلف، وينسبان نجاح الدول أو فشلها إلى نوعية المؤسسات والنخب القائمة فيها، وكيفية تعاملها مع مطالب التغيير أو الثورات. هل هي تشكل حافزا نحو التقدم أو تزيد من الجمود والتخلف. ويركزان على مدى صلابة ونوعية المؤسسات التي يقوم عليها المجتمع سواء تقليدية أو حداثية أو تجمع بينهما، ومدى التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في وضع هيكل عام يتسم بـ " الذكاء الجمعي" بحيث تكون حاضنة، بهدف الخروج من التخلف نحو التطور وضمان استمراريته.

وجاء الفصل الثالث بعنوان "صناعة الرفاهية والفقر"، محاولا توضيح أن مستوي الفقر والرفاهية يتحدد وفق النسق الذكي والمحفزات التي تخلقها المؤسسات في أي دولة، وكيفية تتحديد هذه المؤسسات وإمكانيات التعاون فيما بينها في ضوء العوامل السياسية المختلفة.

ويقصد بـ "المؤسسات" حكم القانون، وتقييد قوة الحكومة، والتقليص من سيطرة الغباء الجمعي في الدولة، وهو أمر في غاية الأهمية لإحداث التنمية الاقتصادية، والإبقاء عليها. واستعان الكاتبان بالخبرات التاريخية لإثبات وجهة نظرهما، فحاول الفصل الرابع استقراء التاريخ لمعرفة كيف تتغير المؤسسات خلال الصراعات السياسية، ومن ثم كيف يتغير الحاضر بسبب الماضي، وتنتقل الدولة من وضع سياسي واقتصادي إلى وضع آخر.

ثم يتناول الفصلين التاليين تطور المؤسسات عبر الزمن، والانحرافات التي قد تعوق ذلك النمو. وفي الفصل السابع الذي حمل عنوان "نقطة التحول"، إشارة إلى ثورة 1688 في إنجلترا، والفرنسية عام 1789، التي أدت كل منهما الى تغيير المؤسسات الموجودة بالتخلص من النخب الحاكمة، وتغيير طريقة ممارسة السياسة، وتعميم السلطة وسط الشعب من خلال مؤسسات أشركت الأغلبية. مما أدي في نهاية المطاف لتغيير الاقتصاد، وفتح المجال أمام الثورة الصناعية.
ويقولان إن دول العالم شهدت ثورات في العديد من دول أمريكا اللاتينية في الخمسينات بعضها تقدم وبعضها سقط في إنتاج نفس السلطة وإن كان بإديولوجية مختلفة.

وجاء في الفصل الثامن أن النخب السياسية القوية في العديد من الدول اتجهت لمعارضة الثورة الصناعية لحماية مكانتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وفي إطار التحليل ذاته، حمل الفصل التاسع عنوان "التطور المعاكس"، حيث ركز على دور الاستعمار الأوروبي في إفقار أجزاء كبيرة من العالم. وهذا يعد من الأمور الإيجابية التي تحسب لهذا الكتاب وتوجيه انتقادات قوية للغرب بسبب فشله في نقل مفهوم مؤسساته الى باقي العالم ومنها المستعمرات. ويستخلص من العرض التاريخي للمؤسسات قيام الكولونيالية الأوروبية بتطبيق مفهوم المؤسسات الغبية الاقصائية في مستعمراتها في إفريقيا وآسيا وحكمت على الكثير من الدول بالتخلف الطويل الأمد ، ولم تساهم في بناء مؤسسات ذكية وحاضنة.

كما يعرض الكتاب لنموذج مغاير من تأثير المؤسسات السياسية في النمو الاقتصادي، وهو تحقيق بعض الدول للنمو الاقتصادي، في ظل وجود مؤسسات سياسية استبدادية في ضوء التركيز على تجربة الصين. إذ شهد العقد الماضي ظاهرة الصعود الاقتصادي للصين، بل من المتوقع أن تهدد الصين مركز الولايات المتحدة، باعتبارها القوة الاقتصادية العظمي.

وفي تقييمهما للتجربة الصينية، يري المؤلفان أن درجة الرفاهية بالصين لا تزال دون المستوي، ومن غير المتوقع أن تستمر، لاسيما في ظل حقيقة أن المؤسسات السياسية في الصين موجهة فقط نحو تمكين النخبة من خدمة مصالحها الخاصة، خاصة مع سيطرة الحزب الحاكم على الجيش والإعلام والكوادر السياسية. وهذه التركيبة وإن مكنت الاقتصاد من تجاوز الفقر، فإنه لن يصل إلى النموذج الغربي في الرفاهية.

وهذا القول عن وضع الصين ينطبق إلى حد كبير على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يوجه الاقتصاد الريعي بكامله لصالح الطبقة أو النخبة الحاكمة والمسيطرة، سواء كانت عائلة مالكة أو أقلية عسكرية، أو انتهازية، مما يزيد من ثراء الأثرياء على حساب ازدياد أعداد الفقراء والمعدمين.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,472,380,449
- كيف يتحقق الذكاء الجمعي لشعب ما؟ - 2/2 -
- الذكاء الجمعي والغباء الجمعي مرة أخرى
- لماذا يحب المتأسلمون الكذب ويكرهون الصدق؟!
- مصر المتعوسة بحكامها
- محمد مازال يحكم من قبره!!! لماذا؟ -2/2-
- محمد مازال يحكم من قبره!!! لماذا؟ -2/1-
- شوفينية الديانة الإسلاموية
- هل يمكن قيام ثورة دينية إسلاموية
- الإسلام والأصنام
- العبث الديني والتاريخي
- العبث الديني والتاريخي
- المتأسلمون يَرَوْن مجدهم في خذيهم ... مثال: عائشة
- وجهة نظر - العسكر والأفنديات في مصر
- الآن عادت إيران
- الكذب الإسلاموي المقدَّس
- الدواعش والذئاب في زي حملان
- قراءة للأحداث الجارية في الشرق الأوسط
- المتأسلمون ومرض الزينوفوبيا
- تفكير المتأسلمين والديانة الربانية
- الديانة الهشة تترنح


المزيد.....




- نيوزيلندا ترد على بيع نص -بيان- سفاح المسجدين في أوكرانيا
- لا توظفوا الفتاوى الدينية لخدمة العدو، ولا تلوثوا معايير الم ...
- هاشتاغ مجلس السيادة بالسودان يتصدر الترند.. واحتفاء بعضوية س ...
- أول تمثيل لأقباط السودان بالمجلس السيادي.. من هي رجاء عبد ال ...
- نتنياهو يسعى لأصوات يهود أوكرانيا... النجاح في كييف أو تل أب ...
- إسرائيل تلتزم الصمت حيال تصريحات ترامب بشأن "خيانة" ...
- إسرائيل تلتزم الصمت حيال تصريحات ترامب بشأن "خيانة" ...
- صمت إسرائيلي على تصريح ترامب بشأن خيانة اليهود
- مجازر الحرس الثوري.. 40 عاما على فتوى الخميني التي قتلت آلاف ...
- صمت إسرائيلي على تصريح ترامب عن خيانة اليهود الذين يصوتون لل ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - كيف يتحقق الذكاء الجمعي لشعب ما؟ - 2/1 -