أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد خضر خزعلي - التكنولوجيا والدافع المكاني















المزيد.....

التكنولوجيا والدافع المكاني


محمد خضر خزعلي

الحوار المتمدن-العدد: 4912 - 2015 / 9 / 1 - 15:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدافع المكاني هي تلك الغريزة الفطرية التي تعبر عن علاقة الانسان بالمكان حسب لورنس. الدافع المكاني هو تلك الالفة التي تمنح نوعا من الامن ، والاستقرار ، والاطمئنان ، كما ان هذه الالفة تثير القلق على المكان وتحدد الهوية .
"نموت نموت ويحيا الوطن" ، جملة ذات ظلال زراعية ، تؤكد استعدادنا عما يمنحنا ذاك الامان والاستقرار ، والهوية ، وحسب لورنس ، فإن هذا الاستعداد ليس دفاعا عن الجغرافية بقدر ما هو استعداد للدفاع عن الاحساس. لكن يحيا لمن؟ هو سؤال ما فوق صناعي ، ينبأ عن تحول عميق في نسيج وبنية العلاقات القديمة لتحل اخرى جديدة مكانها ، حتى وان كان سير هذا التحول بطيء ، ومتفاوت من مكان الى مكان مثل الاردن و الولايات المتحدة على سبيل المثال.
"نحن باقون" او "جذورنا عميقة" ، و"نحن سامقون"...الخ من كلمات وجمل مشابهة ، كلها ترتبط في اذهاننا بمعنى واحد يدل على مكان محدد ، مثل البيت والوطن ، وهي تلك العلاقات التي استقرت في خلال المرحلة التطورية الزراعية الى فترة الصناعة. لكن الاتجاه العام يشير الى سيرنا نحو اللا مكان بدل المكان الواحد ، ومن المركزية الى اللا مركزية. فالمكان في المجتمعات الزراعية يحظى بقيمة سامية ، كما ان الانتماء للمكان الواحد في تلك المجتمعات هو انتماء قوي ، على خلاف الطبيعة البدوية التي لا تتميز بأدنى درجة لاعتبارات المكان ، فولاء البدوي للمكان ادنى من ولاء ثقافة الاستقرار الزراعية للمكان ، والمحدد الرئيسي لدرجة الولاء هو الحركة في كلا المثالين البدوي والفلاح.
في المجتمعات التكنولوجية الحديثة الحالية بدأت تتغير نظرتنا للمكان ، ويقل اهتمامنا بالمكان عما كان في السابق ، بحيث تغدو جملة مثل نموت نموت ويحيا الوطن جملة تقال على سبيل المجاملة اكثر مما هي فعلية ، واصبح الاهتمام بسؤال اخر وهو يحيا لمن هو الطاغي. بل ان ولائنا للوظيفة اكثر من ولائنا للمكان ، وتضاءلت مع ذلك قيمة المكان في تحديد الفروق بين الناس ، بل وكما يشير الفن توفلر بأن الولاء ينتقل من البنى الاجتماعية ذات الطبيعة المكانية مثل الوطن ، الدولة ، البيت ، الامة ، العشيرة ، الى ولاء عضوي اقتصادي ترابطي بتعبير دوركهايم ، مثل الانتماء الى منظمة او شركة او حتى وظيفة.
يرجع كل ما سبق الى التكنولوجيا وتطورها السريع في الاتصالات والمواصلات ، حيث يقوم التطور التكنولوجي المتسارع بزيادة كم الحركة ، وزيادة كم الحركة التي تقدمها التطورات التكنولوجية ، فلو قارنا مجتمعا ما خلال فترتين زمنيتين كأن نقول : الاردن عام 1950 والاردن عام 2015 ونتأمل في كم الحركة المتسارعة في التنقل خلال تلك الاعوام سنصاب بالدهشة ، فكم نسبة وجود السيارات في عام 1950 ، كم نسبة وجود الطائرات ، كم نسبة وجود تقنيات الاتصال ..ألخ، وكم نسبة التسارع في السرعة التي تقدمها تلك الاختراعات والتقنيات في عمليات الربط بين الناس والمجتمعات ؟ وكم نسبة الطرق حاليا الى نسبتها سابقا ؟ وكذلك الامر في باقي المجتمعات ، وفي هذا يقول بوكمينستر فوللر عام 1969 ما نصه :انني انتمي الى طبقة من البشر ممن يغطون في اسفارهم اكثر من 3.000.000 ميل ، في حين ان الامريكي عام 1914 لم يكن ليقطع اكثر من 100.000 ميل طوال حياته كاملة".
يقول الفن توفلر ان انسان العصر الحالي يربط بين التحرر بين الوضع الاجتماعي الثابت والموقع الجغرافي الثابت ، فأصبح الامل بوضع اجتماعي افضل مرهونا بالهجرة والانتقال ، فالهجرة او تغير المكان هي اول امر يطرأ على بال الشخص عندما يضيق ذرعا بوضعه الاجتماعي ، في حين ان مثل هذا التفكير لم يكن ليخطر على بال الفلاح ابدا. وفي هذه الايام نرى كثير من الشباب يربطون بين الهجرة او الانتقال من مدينة الى اخرى للحصول على وظيفة لتحسين الوضع الاجتماعي ، بل ان الناس ارتبط بأذهانهم قبل سنوات ان من يعمل في العاصمة فهو ذو شأن كبير ، وحاليا ينطبق الامر نفسه على من يعمل في اوروبا مثلا.
بتحديد اكثر ، لم يعد الدافع المكاني كما اتى به لورنس هو نفس الدافع المكاني الحالي ، بل ان الدافع المكاني في تحول مستمر ، ولا يرجع الامر الى الحركة وسرعتها المتسارعة في نقل الناس وربطهم ببعضهم البعض ، بل يرجع اساسا الى قصر مدة دوامية العلاقة بين الانسان والمكان ، فكم منا غير مكان سكنه ؟ وكم منا سافر وما زال يتنقل بين المدن والبلدان ؟ وكم منا ترك مدينته للبحث عن العمل ؟ وما يفتأ ان يتركه لصالح عمل اخر في مكان اخر؟
هذه التطورات في وسائل النقل والسرعة والحركة الكبيرة ادت كما يقول الفين توفلر ادت الى الاستخفاف بالمسافة ، فقبل سنوات كان رحلة الجح مثلا بالغة الصعوبة ، وكانت في اول القرن العشرين وما قبله تحتاج لأشهر ، لكن حاليا من اراد الحج او الاعتمار مثلا ، فأن المسافة التي كان يقطعها بأشهر لا تحتمل معه يوما او بضع ساعات فقط. فمفهومنا للمكان والزمان والمسافة اصابه كثير من التغير والانحسار.
وهنا وفي هذا العصر وهو عصر التكنولوجيا التي استطاعت ان توحد البشرية لأول مرة وتجمعهم كلهم تحت " نحن " مقابل اخر غير معروف او موجود ، وذلك عندما صورت الكرة الارضية من الفضاء وهي تدور ، فمع كل تطور تكنولوجي ومع كل تسارع في الانتقال والحركة وقصر مدة العلاقة بين الانسان والمكان الذي يعيش فيه يتسع المجال الذي يهب الامان لصاحبه ، فقبل 200 عام لم يكن يعني للصيني اي تدهور بيئي او دكتاتورية في فرنسا او اميركا ، وكذلك العكس بالنسبة للفرنسي او الامريكي فلم يكن لديه اي مسؤولية تجاه مجزرة في الامبراطورية العثمانية الا فيما يحقق له مصالحه ، لكن حاليا تشتد حركات الحفاظ على البيئة ، وحقوق الانسان والمرأة ، والطفل ، ومناهضة الحروب ...الخ ، لأن الدافع المكاني لم يعد يرتبط بمكان واحد مستقر وثابت ، فالدافع المكاني التقليدي كما هو عند لورنس قد اتسع مجاله الى اللا مكان ، فالمكان الذي يمنح نوعا من الامن ، والاستقرار ، والاطمئنان ، ويثير القلق على وتحدد الهوية اصبح الكرة الارضية برمتها ، فأنا مكاني الكرة الارضية ، فهي هويتي وهي التي تعطيني الامان ، وتمنحني الاستقرار ، لكن استقرارا من نوع اخر ، كما انها هي التي تمنحني الامن ، ولهذا اصبحت بمجملها من اهتمامي ، ولذلك ارفض ما يضر البيئة وما يضر الانسان ، وانادي بالحفاظ عليهما واعطائهما حقهما ، لأنني معهما اعيش وبدونهما لا استطيع العيش.
نحن في عصر لا اهمية لمكان واحد ، بل الاهمية للامكان ، بل نحن نسير في اتجاه مكان واحد وهو كل الكوكب في حين ان لا اهمية لجزء واحد فيه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,107,981
- بين نماذج النمو ودراسات العدالة
- نقد منهجية KOF Index of Globalization الصادر عن المعهد السوي ...
- المؤتمر الاقتصادي المصري ... مزيد من الخيبات ام فاتحة لدور ا ...
- العلم VS الفكر
- طريقة الوصول للنتيجة ام النتيجة
- نمط الجملة ودلالاتها النفسية والسياسية
- ازمات النظام العالمي
- تكنولوجيا وانتاج وقلق
- نظرية Counterfactual واشارة
- ارهاب الاسلام ... وقفة مع الارقام
- نظرية الاقمشاركة
- رأس المال والتفاوت العالمي
- ايمانويل والرشتاين والنظام العالمي الحديث
- التوسل في العقلية العربية
- حرب غزة بين الاهداف المعلنة وغير المعلنة:
- فقر ورق فكري :علم النفس بين الملحد والمؤمن:
- مشكلتك مع الاخر
- بين الحرب والسياسة ج1
- كيف استفادت ايران من علاقاتها مع دول اميركا الجنوبية
- القوة وانتقالها الى جهات غير رسمية :


المزيد.....




- الحريري يكشف عن حزمة إجراءات إصلاحية.. والمتظاهرون يردون: -ا ...
- أكراد يرمون الخضار الفاسدة على القوات الأمريكية المنسحبة
- لبنان: الحريري يقر سلسلة إصلاحات ويدعم إجراء انتخابات نيابية ...
- رئيس هيئة الأركان العامة في السعودية: القوات المسلحة تتصدى ل ...
- -رويترز-: وزير الدفاع الأمريكي يصل إلى السعودية في زيارة غير ...
- سويسرا: مكاسب تاريخية لحزب الخضر في الانتخابات التشريعية
- بالفيديو: أهم اكتشاف أثري بمصر منذ 100 عام
- دعما لإخوة الدم والمصير في سوريا .. أكراد العراق يقاطعون الس ...
- سويسرا: مكاسب تاريخية لحزب الخضر في الانتخابات التشريعية
- المجلس الانتقالي يتهم الحكومة الشرعية بمحاولة إفشال حوار جدة ...


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد خضر خزعلي - التكنولوجيا والدافع المكاني