أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ياسين المصري - مصر المتعوسة بحكامها















المزيد.....


مصر المتعوسة بحكامها


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 4908 - 2015 / 8 / 26 - 12:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لماذا أصف مصر دائما بـ"التعيسة"؟، بينما نرى الغالبية العظمى من المصريين لا يشعرون بالتعاسة، فهم مازالوا منذ آلاف السنين يقبلون بنهم على أكل الفول والطعمية (الفلافل)، ويسرحون في شوارع المدن وحقول القري، ويكافحون بجد ونشاط - وبشرف أو بلا شرف - في سبيل لقمة العيش، وتربية أولادهم كما يحلو لهم، ويضحكون ويبكون ويولولون ويهلوسون في هستيريا لأتفه الأسباب، ويتزوجون أو يطَلِّقون مثل بقية البشر، ويتشاجرون ويصطلحون على المصاطب، تحت شعار "المسامح كريم"، ويتنافسون في الإنجاب مثل الأرانب البرية في صحراء استراليا، و"الرازق كريم بالمثل". بعضهم يمرحون على شواطئ البحار وفي النوادي الليلية والنهارية والحانات، والبعض الآخر يعيشون سعداء في العشش والمقابر، وبين أكوام القمامة والقاذورات، ويذهب الجميع للصلوات مثلما يذهبون لأماكن التحشيش أو الدعارة، غير معنيين بما يُطْبِق على أنفاسهم من تلوث بيئي وسمعي وثقافي، فقط "إن شاء الله" دائما وأبدًا. لا مشيئة لهم ولا إرادة، كلٌ منهم في حالِه، يهرب من نفسه ومن غيره مثلما تهرب الفريسة من الذئاب الجائعة. ما زالوا كما هم يطبلون ويزمرون لأي زعيم يظهر أمامهم في الأفق، ولا يهتمون على مدى تاريخهم العريق بماذا يفعل بهم، فالسياسة عندهم نجاسة، الأمر الذي يسهل علي عليه ابتزازهم وسرقتهم ونهب خيراتهم وسلب ممتلكاتهم ومص دمائهم حتى أخر قطرة ......

ما مصدر تعاسة مصر إذن؟
التعاسة في أن تكون الدولة، ومعها النخب بكل أطيافها في وادي، حيث كل شيء بين أياديهم الناعمة، وعموم الشعب في وادي آخر حيث لا لا شيء سوى العذاب وانعدام الرعاية والرقابة.

من الظواهر المعروفة في علم السياسة أن الحُكَّام بوجه عام لا يريدون أن يتدخل الشعب في أعمالهم، ويقبلون على مضض هذا التدخل إن فرض عليهم بواسطة أساليب ديموقراطية وأليات مراقبة ومحاسبه ومعاقبه مستقلة وقوية. بدأت هذه الأساليب وآلياتها في مصر مع أول إرهاصة لقيام حياة نيابية في عام 1829م عندما وضع محمد علي لائحة أساسية للمجلس العالي، كمحاولة أولية منه لتنظيم العلاقة بين الحاكم والشعب، فظهرت فيها أولى التجارب النيابية، إلى أن جاء الخديوي إسماعيل في 22 أكتوبر 1866 وتنفيذًا للفكر التحديثي، قام بإنشاء أول برلمان نيابي تمثيلي بالمعنى الحقيقي وهو "مجلس شورى النواب" وفق النمط الغربي الحديث في إقامة المؤسسات التشريعية المنتخبة والتي تقوم بتمثيل جمهور الناخبين والتعبير بصورة حقيقيًّة عن مصالح وتطلعات الشعب المصري بمختلف فئاته وطوائفه في مواجهة السلطة التنفيذية.

ثم تحوّل مجلس شورى النواب في عهد الخديوي توفيق إلى مجلس النواب المصري عام 1881، والذي صدرت في ظلِّه لائحة 7 فبراير عام 1882 والتي كانت تعد تعبيرًا حقيقيًّا عمَّا تمناه أعضاء مجلس النواب للنظام السياسي المصري في ذلك الوقت.

بطبيعة الحال لم تسلم الحياة السياسية والنيابية في مصر منذ ذلك الوقت من مواجهة أخطاء وصعوبات كبيرة، شأنها في ذلك شأن جميع الدول. ولكن أهم تلك الصعوبات على الإطلاق التي اعترضتها وعوَّقت عملها وحدَّت من فعاليتها، ومازالت كذلك حتى كتابة هذه الأسطر، كانت الثقافة السياسية البدوية المنشأ، والتي تأصلت في مصر كغيرها من دول المنطقة، وأخذت مكانها بثبات جراء احتلالها من قبل أسراب الجراد، الصحراوي القادمة من شبه جزيرة العربان قبل ما يقرب من 1400عام، فجردوا مصر من ثقافتها الإنسانية، ودمروا هويتها الوطنية، وجعلوها جرداء إلا من ثقافتهم وهويتهم الإسلاموية الصحراوية الهزيلة.

قامت هذه الثقافة وتشكلت على بند واحد هو: {أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرسول وألي الأمر منكم}. وكثيرا ما دارت حول هذا البند خلافات فقهية وسياسية، لعدم انسجامه التام مع الطبيعة البشرية والمبادئ الإنسانية وأساليب الحكم الحديثة التي كافحت الدول المتقدمة من أجل تحقيقها، ولكن لم يحسم الجدل بشأنه حتى الآن، ولن يحسم بسهولة في القريب المنظور، لأنه يؤسس لثقافة جمعية صلبة، تحتمي وراء ترسانة قوية من النهج الديكتاتوري الشوفيني الفاشي النرجسي. (حاولتُ توضيح الكثير منه في مقالات سابقة).

وبالرغم من ذلك لم يكن الوضع السياسي في مصر من السوء بالقدر الذي يقتضي قيام عصابة من الضباط الفاشلين في عملهم المهني بانقلاب في 23 يوليو 1952، ويطردون الملك من وطنه، ويحُلِّون البرلمان ليضعوا مكانه مؤسسة صورية استرزاقية، أطلقوا عليها (مجلس الشعب)، لا يدخلها العضو إلا بهدف الاستحواذ على النفوذ وزيادة ثروته وبناء قلعته، وامتصاص دم الشعب، طالما يوافق على توجهاتهم السياسية الحمقاء في الخارج والداخل. لقد أسسوا لحكم الأقلية العسكرية.

في مقال سابق عرضت بالتفصيل ثلاث كوارث حقيقية حلت بالدول الشرق أوسطية وشمال أفريقيا خلال نصف قرن، وبيَّنت كيف تعامل معها البدو العربان والمستعربون بغباء سياسي منقطع النظير،
الأولى: إنشاء دولة إسرائيل على أنقاض ودماء الشعب الفلسطيني الأعزل، والتعامل مع وجودها بعنجهية تخفي وراءها عجزًا كاملًا.

الثانية: ظهور النفط في دول متخلفة ثقافيا واجتماعيا(دولة آل سعود تحديدًا)، وهذا لا يمكن أن يكون عيبا في ذاته، ولكن العيب كله في الإسراع بتبديد عائداته الوفيرة على المظاهر الفارغة من شراء سيارات الصفيح الفاخر إلى شراء الذمم وبيع الجهل المقدس والدجل الوهابي ونشر الكراهية والإجرام في العالم.

الثالثة والأهم: استيلاء العسكر على مقاليد الحكم في العديد من دول المنطقة وعلى رأسها مصر، وتحويلها إلى "مزرعة دواجن" تعمل لحسابهم، وترك الدجاج يمرح في الوحل.

وخلصتُ إلى نتيجة مفادها باختصار أن الكارثة الأولى سياسية وسوف تُحَل في يوم من الأيام بصورة ما، والثانية اقتصادية، ثراء غير مستدام وبدون جهد مثل كسب اليانصيب، سوف ينقضي أثرها بنضوب النفط إن عاجلا أو آجلا، أما الثالثة والأهم هي استيلاء العسكر على مقاليد السلطة في مصر، وتأسيس دولة الأقلية العسكرية على أنقاض الملكية البرلمانية، فيبدو أنها كارثة طويلة الأمد وكثيرة التضحيات، لأنها لا تخضع لفعل الغباء السياسي فحسب، بل تخضع أيضا لقدر كبير من الحماقة التي تقتل من يداويها... كيف؟؟

إن حكم الأقلية (الأوليغاركية Oligarchy أحيانا: الأوليغارشية) وهو شكل من أشكال الحكم، تكون السلطة السياسية فيه محصورة بكاملها بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالثراء أو النسب أو تنتمي للعسكر أو لرجال الدين. وجاء في معجم المعاني الجامع عربي - عربي أنها: نظام سياسي تكون السلطة فيه بيد فئة قليلة يحكمون لقضاء مصالحهم. وقد أشار القرآن إليها بإسم الفئة الحاكمة أو الملأ أو الجماعة.

وغالبا ما تكون الأنظمة الأوليغاركية مسيطَر عليها من قبل عائلات نافذة تورِّث النفوذ والقوة من جيل لآخر، أوجماعة من العسكر أو رجال الدين وتحاول بالطبع أن تبقي عليها أطول وقت ممكن.

وقد كان أفلاطون هو أول من أشار إلى حكم الأوليغاركية في كتابه "الجمهورية" حيث قسم أنظمة الحكم إلى: الدولة المثالية "جمهوريته" ثم الدولة الديمقراطية ثم الأوليغاركية ثم عاد في كتابه "السياسة" وقدم تقسيما أنضج وأوضح هو من ستة أنواع: منها ثلاثة تتقيد وتحترم القانون وثلاثة لا تلتزم بالقانون ومنها حكم الأوليغاركية.

من الواضح أن الأقلية الحاكمة من العسكر منذ عهد عبد الناصر وحتى الآن لا يريدون للشعب أن يتدخل في أعمالهم ومحاسبتهم سواء كانت مهنية أو سياسية، لذلك أمعنوا في هدم الطبقة الوسطى النامية في المجتمع والتي تقوم عليها الحياة النيابية بكاملها. هذا مع صرف النظر عن التبريرات الخادعة والكاذبة التي تنشرها وسائل الإعلام الخاضعة مباشرة لإمرتهم وتوجيهاتهم. كان هدفهم ولا زال هو حكم الشعب والتحكم في مقدراته وليس الحكم بمشاركة الشعب.

فمن ناحية العمل السياسي الخارجي يكون الأمر بالنسبة لأي حاكم أسهل بكثير من العمل في السياسة الداخلية. حيث يمكنه إحداث توازن من نوع ولوقت ما بينه وبين الدول الأخرى من خلال عقد التحالفات والاتفاقيات والمعاهدات، ويمكنه في حالة العجز وقلة الحيلة إحداث نوع من التوازن الهش بأن يرمي بِبَلدِهِ مرة في أحضان دولة ما (عبد الناصر والاتحاد السوفيت السابق مثلًا)، ومرة أخرى في أحضان دولة أخرى (السادات وأمريكا)، بهدف أو يمكنه عقد صفقات سرية مع دولة ما، لا يطّلع عليها شعبه، وتخدم في المقام الأول اتجاهاته وميوله الشخصية، كما فعل عبد الناصر مع دولة إسرائيل بشأن السماح لسفنها بالمرور في قناة السويس عقب هزيمته الكبري في عام 1967، وأيضا حسني مبارك بشأن بيع الغاز المصري لنفس الدولة.

التعامل مع الدول الأخرى يعطي لحاكم الأليغاركية قدرًا كبيرًا من الحرية في اتخاذ القرارات الرئاسية أو المراسيم الملكية، دون الرجوع إلى أحد خاصة تلك التي تهدف إلى تحقيق فوائد شخصية له ولجماعته.

بينما في السياسة الداخلية وهي ما يشعر بها المواطن في حياته اليومية، يجد الحاكم نفسه منذ اللحظات الأولى لحكمه مقيدا في تحقيقها بعوامل شخصية واجتماعية وثقافية، وأهمها على الإطلاق مراعات مصالح الفئة التي ينتمي لها. وأهم مصالحهم هي الاستحواذ على السلطة والنفوذ والثروة، وبالطبع بقائهم في الحكم أطول مدة ممكنة أو مدي الحياة في دولة تمكنهم من كسر قوانينها وعدم الاعتداد بدستورها، والتعامل معهما وكإنهما مجرد حبر على ورق. فتصبح البلد تدار مثلما تدار مزرعة دواجن بدائية تعمل فقط لحسابهم، حتى أخر دجاجة فيها!!!

صحيح أن العمل السياسي الناجع يجب ألَّا يكون لمصلحة شخص بعينه أو فئة بعينها من المجتمع، ولكن لمصلحة المجتمع بأسره، ومن الطبيعي ألا يرضي مجتمع بكامله، عن أية إجراءات مهما كانت نافعة ومفيدة، فأي مجتمع فيه العديد من الأحزاب والطبقات والمجموعات والفئات الضاغطة لتحقيق رغباتها واحتياجاتها الخاصة، والتي تختلف بالضرورة عن بعضها البعض، ومن ثم من الطبيعي ألَّا ترضى جميعها بشكل كامل .

وهنا تكمن الصعوبة، ومن ثم يمكن للحماقة أن تفعل فعلها وتقوم بدورها إلى جانب الجهل بأساليب الحكم والسياسة، حيث يفرغ الحاكم يده من العمل في السياسة الداخلية ويتركه لأفراد من الفئة التي ينتمي لها، وتجمعه معهم مصلحة واحدة، بصفتهم "أهل الثقة"، ويتفرغ هو للعمل الخارجي. فيصبح عمله الخارجي مجرد غطاء للعمل الداخلي، أو من شأنه ذَر الملح في العيون، وتحويل أنظار المواطنين عن مشاكلهم الحقيقية.

ربما يتفق مع أولئك الأفراد على الخطوط العريضة لما يريدونه، ولكنه في النهاية يتركهم يقومون بتنفيذها تبعا لتصوراتهم وميولهم وإمكانياتهم الشخصية، بعدما يزيحون من طريقهم أهل العلم والخبرة. وهذا بالضبط ما فعله البكباشي جمال عبد الناصر أثناء حكمه العسكري لمصر.

تحت ضغط المصلحة الفئوية للعسكر أطلق عبد الناصر لنظرائه حرية العمل الداخلي، وتركهم يعسكرون مفاصل الدولة ويدسون أنوفهم في كل نواحيها ويضعون أيديهم على كل أركانها. وراح الآلاف من لواءات الجيش يتسكعون بلا علم أو دراية داخل مؤسساتها السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية. وبدأ الجيش في بناء دولته المستقلة اقتصاديا وسياسيا داخل الدولة، وتفرغ هو لمغامراته العسكرية .

بدأت البلاد لأول مرة في تاريخها العريق تدخل في دوامة تشهد تسيُّبًا واستهتارًا وانفلات في كافة نواحي الحياة. وبدأت مواجهة ذلك بإصدار غابة من القوانين والقرارات الرئاسية بصورة ارتجالية غير مدروسة، وبدون الحاجة إليها ومن ثم عدم الإلتزام بها.

من الثابت في العمل السياسي الداخلي أن الحاكم تحت ضغوط شخصية وغير شخصية يدفع بلاده بوعي أو بدون وعي إلى أقصى ما تتحمله من عناء، فيما يختص بالضرائب، والعجز المالي والقروض الداخلية والخارجية مما يعمل على خفض قيمة العملة المتداولة في بلدة ومن ثم ارتفاع الأسعار، بشكل يزيد من أعداد الفقراء والمحتاجين.

وهذا ما حدث في مصر نتيجة لمغامرات عبد الناصر العسكرية وحروبه العبثية، وتبديد ثروة البلاد وتفشي الفساد والمحسوبية، تحت شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة". ومات عبد الناصر قبل أن تصل البلاد إلى نقطة الصفر، فلم تسقط في الفشل والفوضى العارمة. وجاء السادات ليغير البوصلة السياسية 180 درجة ويلقي بالبلاد في أحضان الرأسمالية المتوحشة والمنفلتة تحت مسمى "ثورة التصحيح" ويحمِّل سلفه مغبة ما حدث للبلد، وهي ظاهرة مرضية متفشية في المنطقة برمتها كل رئيس يحاول أن يبني مجده المزيف على أنقاض سلفة.

بدأ السادات بدوره يدفع البلاد من جديد وبسرعة فائقة إلى أقصى تحملها من العناء. فتقلصت الطبقة الوسطى إلى أقل حد لها، ومن ثم كبرت الهوة بين الفقراء والأغنياء. واستشرت الجماعات الإسلاموية وتوحدت في خداع المواطنين والكذب عليهم، وسمعنا عن شركات وهمية لـ"توظيف الأموال"، ومص دماء المصريين الكادحين كالعبيد في دول نفط العربان.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن مصر على مدى تاريخها المديد كانت دائما دولة جاذبة للغرباء بشتى صنوفهم، ولكن باستيلاء العسكر على مقاليد الحكم فيها عام 1952، بدأت لأول مرة في تاريخها لا تلفظ الغرباء وحدهم خارجها بل المصريين أنفسهم، وترغمهم على حياة الغربة، وقد بلغ عددهم الآن قرابة الثمانية ملايين.

مع الإهمال السياسي للجبهة الداخلية ومعانات المواطنين اليومية، بدأت أعداد المواليد تتضاعف بشكل مضطرد، وتتداعى مرافق الدولة بكاملها إلى فساد ليس له مثيل في أي دولة. وبدأنا نسمع شعارات كاذبة مثل "تحديد النسل" و"محو الأمية"، و"الشرطة في خدمة الشعب" ... وغير ذلك من الشعارات التي لا معنى لها في وجود تسيب قانوني وأمني وغباء سياسي على كافة المستويات.

جاء مبارك بعد اغتيال سلفه فعرف كيف يحمي نفسه ويحمي من معه لمدة 30 عاما، ونظرًا لطول مدة حكمة فكر بلا شك في توريث السلطة لأحد أبنائه، حتى وإن ظهر بغير هذا.

لم يفعل مبارك على الإطلاق أي شيء ذي قيمة للجبهة الداخلية. وأمعن في استغلال مزرعة الدواجن وتجريفها حتى النخاع. وترك للجماعات الإسلاموية الحبل على الغارب كما يقولون، فتمكنت من توطيد مكانتها في القاعدة الشعبية على أسس دينية كاذبة. أما العسكر فأصبحوا يتحكم في رقاب العباد وأرزاقهم ومستقبل أولادهم، جتى أن مصير أستاذ جامعة مثلا موضوع بكامله في ضابط شرطة يجلس على بوابة الجامعة أو في السجل المدني أو مركز للشرطة.......

وبإيحاء من ثورة تونسية سابقة، اندلعت ضده ثورة للشباب المُحْبَط والضائع بين دروب الحاضر وسراب المستقبل أدت إلى عزله عن السلطة، وبسبب وجود حكم الأقلية العسكرية في البلاد لم يحاسب على أي شيء اقترفه في حق هذا الشعب التعيس، وكأن ما قام به الشباب كان عبثا صبيانيا....

ولكن ماذا فعل عبد الناصر وخلفاؤه من بعده مع شيوع البند السياسي الشوفيني النرجسي الذي يحث على طاعتهم حتى وإن ظلموا، استفادوا منه إلى أقصى حد، عندما تَرَكُوا الجماعات الإسلاموية المتنامية تملأ الفراغ الناجم عن انسحاب سلطة الدولة من قاع المجتمع، وراحت تعمل فيه بكل ما أوتيت من أموال النفط الخليجي لمساعدة الحكام العجزة والجهلة في تخدير المواطنين وتحويل أنظارهم عن مشاكلهم الحقيقية، وذلك بالرغم من تصنيفها كجماعات إرهابية وإعدام بعض من قيادتها، وظل الوضع هكذا يزداد كل يوم حتى بعد اغتيالهم للسادات، وفي أواخر حكم مبارك ومع تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ظهر شعار "الإسلام هو الحل" دون وجود أي حل لديهم على الإطلاق، الهدف هو الاستحواذ على مزرعة الدواجن وتشغيلها لحسابهم الخاص. فالإسلام كما يعرفه أقل الناس ذكاءً هو المشكلة منذ حلَّ على أجنحة جراد الصحراء في هذه البلد وغيرها.

قامت ثورة الشباب المُحْبَط ضد حكم العسكر المتمثل في شخص مبارك، فشعرت الطغمة العسكرية الحاكمة بالخطر على ما حققته من مصالح بعيدة كل البعد عن عملها الحقيقي، فقام المجلس العسكري، الذي حل محل مبارك في السلطة، بوضع البلاد والعباد أمام خيارين أحلاهما مر، إما العسكر أو الجماعات الإسلاموية، ووقع الاختيار بصورة أو بأخرى على تلك الجماعات لالتصاقها المباشر بمشاكل الناس. إزدادت مخاوف العسكر على دولتهم المستقلة داخل دولة ترزح تحت سيطرتهم، فأعدوا سيناريو لإزاحة الإخوان المتأسلمين من السلطة بعد عام من التخبط وعدم الاستقرار، وبدوا وكأنهم قد حموا البلاد من الفاشية الإسلاموية فقط، وليس لتبقي فاشيتهم العسكرية مسيطرة. لقد فعل العسكر منذ عهد عبد الناصر بمصر مالم يفعله الاستعمار البريطاني أو الفرنسي، والذي مازلنا نلقي عليه بغباء تبعات ما نحن فيه الآن.

إن التاريخ عبارة عن أحداث تراكمية، بمعنى أن كل حدث في أي مجال من مجالات الحياة يترك وراءه آثرًا أو آثارًا جيدة أو سيئة تنضم إلى آثار ما بعده من أحداث وتتراكم عليها وهكذا. وهذا يعني أن ما تعانيه مصر الآن فيه الكثير جدًا مما حدث في عهد عبد الناصر وخلفائه من العسكر، ونتيجة لسياساتهم الحمقاء أحيانا والغبية في أغلب الأحيان.

إن التمسك أو حتى التمسح بأذيال الماضي والتعلق بشخصيات نحاول تجميلها، ما هو إلا دليل على سوء الحاضر، وكلما ازداد الحاضر سوءًا كلما تمسك أو تمسَّح الكثيرون بأذيال الماضي.

من المظاهر الواضحة لتعاسة مصر، وانفصال المصريين عمَّا يمس حياتهم وعدم فهمهم للسياسة على حقيقتها، تركهم شخصية عظيمة على المستوى العالمي مثل الدكتور "محمد البرادعي" تفلت من يده، وانقيادهم وراء الحملات المغرضة التي حاولت تسويء سمعة هذا الرجل. لم يعرفوا حقيقة مواقفه المشرفه، وصدقه مع نفسه ومع حبه لوطنه. لم يعرفوا أنه رجل تمتلئ حياته بكلمة "لا" فى وجه الأقوى والمغرض المتاجر بمصير شعبه ووطنه.
قال "لا" لإتفاقية "كامب ديفيد" المجحفة، حين كان دبلوماسيا فى الخارجية المصرية وقدم إستقالته..
قال "لا" لأمريكا…القوة العظمى وقطب العالم الأوحد، حين كان رئيسا للوكالة الدولة للطاقة الذرية، ورفض أن يعطى "بوش" الإبن تصريحا لغزو العراق.
عاد لمصر قبل الثورة وحمل لواء التغيير رافعا شعار "لا للتوريث" وأسس الجمعية الوطنية للتغيير لتوحيد قوى المعارضة ورفض الترشح للرئاسة أمام "مبارك" فى ظل دستور معيب ونظام فاسد.
تصدر مشهد ثورة الشباب في يناير 2011، وتقدم صفوفها حتى تنحى مبارك..
قاد حملة لرفض تعديل دستور مبارك وطالب بوضع دستور جديد ودعى للتصويت بـ "لا" فى إستفتاء 19 مارس الشهير.
إنسحب من سباق الترشح للإنتخابات الرئاسية 2012 بسبب الظروف التى لا تسمح بانتخابات ديمقراطية سليمة فى ظل حكم المجلس العسكرى محققا لشعار "لا انتخابات تحت حكم العسكر"..
أسس حزب الدستور ليجمع تحت رايته شباب الثورة الحالم بالتغيير ولتوحيد الصف الثورى.
أسس مع آخرين "جبهة الإنقاذ" للوقوف فى وجه حكم الإخوان إبان فترة حكم الرئيس المعزول "محمد مرسى" والتى قادت الإحتجاجات الشعبية الواسعة ضد حكم المرشد.
بعد ثورة 30 يونيو وعزل مرسى عين نائبا لرئيس الجمهورية المؤقت المستشار "عدلى منصور" وكان له دور كبير فى تصحيح صورة مصر فى الخارج وإعادة العلاقة مع الدول التى قاطعت مصر بسبب عزل مرسى..
وكعادته ….قال "لا" وقدم إستقالته من منصبه إعتراضا على فض إعتصامى رابعة والنهضة فى أغسطس 2013 وإراقة دماء المئات وإستخدام العنف مسببا إستقالته بأن "العنف لن يولد إلا مزيدا من العنف…"، ومن ذلك تستمر آلية النفاق في تشويه صورته أمام شعب مستكين للجهل السياسي والغباء الممنهج!!.

وبذلك أثبت المصريون صحة مقولة السيد المسيح : "لا كرامة لنبي في وطنه".

الآن يحكم مصر الرئيس السيسي وهو أيضا من خلفية عسكرية، ولكن كان الأمل يراودني وربما راود الكثيرين من المصريين عند بداية عهده أن يكفِّر عما فعله أقرانه بمصر، ويبادر دورن تردد إلى حث المؤرخين الشرفاء والمفكرين العظماء على تقييم تلك الفترة تقييما تاريخيا موضوعيا حتى تستفيد منها الأجيال القادمة، وأن يضرب بالهراء القائل : "أذكروا محاسن موتاكم" عرض الحائط، و يقدم الميت منهم إلى عدالة تاريخية منصفة، والحي منهم إلى عدالة ناجزة ونزيهة، ثم يعمل بقدرته على إرجاع الجيش إلى مكانه الصحيح المتعارف عليه في كل الدول المتحضرة، ويجرده من العمل في السياسة بشتى صنوفها. ويسلم دولته المستقلة لدولة المصريين.

ولكن من الواضح أن الرئيس السيسي فهم الثورة على أنها ضد البطالة التي يعاني منها الشباب، وأن احتياجات الشعب لا تعدو كونها ملء البطون من دون العقول، وأنها ليست ضد المحسوبية والرشوة والفساد المالي والإداري وضد التسيب وضد البيروقراطية المدمرة، وضد الفقر والجهل والمرض، وضد سيطرة العسكر على مفاصل الدولة، وضد الحجْر علي الشباب الذين يمثلون قرابة 60 ٪-;- من إجمالي تعداد الشعب، ومنعهم من ممارسة الحياة السياسية وتحقيق ذواتهم بحرية وكرامة إنسانية. أي أنها باختصار ووضوح ضد ما أسفرت عنه السياسات الحمقاء التي مارسها أسلافه العسكر خلال ما يزيد عن عن نصف قرن من الزمان.

من المفترض أن يكون حول الرئيس السيسي مجموعة من الخبراء المتمرسين على العمل السياسي ومن التكنوقراط المتخصصين، ومن المفترض أيضا أن يقولوا له ما يجب عمله إذا كانوا وطنيين بالفعل. ولكن جميع الظواهر لا تدل على ذلك. إذ مازالت الدولة تدار بنفس الأشخاص وبنفس الأسلوب النرجسي - الفاشي - العسكري، ولا جديد. ومازال العسكر يجرون البلاد إلى أقصى طاقتها من المعناة.

إذا كان الرئيس يحترم شعبة بالفعل وليس بالكلام، وأن يعيد له حقه في الحياة الكريمة. عليه أن يفسح مجالا رحبًا للعقول الشابة المتنورة وهي كثيرة جدًّا في مصر، ويعيد هيكلة المنظومة الإدارية الفاسدة والمترهلة، قبل أن يضع حجرًا واحدًا. حتى لا يؤول كل ما يعمله إلى هباء أو عبث.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,472,403,793
- محمد مازال يحكم من قبره!!! لماذا؟ -2/2-
- محمد مازال يحكم من قبره!!! لماذا؟ -2/1-
- شوفينية الديانة الإسلاموية
- هل يمكن قيام ثورة دينية إسلاموية
- الإسلام والأصنام
- العبث الديني والتاريخي
- العبث الديني والتاريخي
- المتأسلمون يَرَوْن مجدهم في خذيهم ... مثال: عائشة
- وجهة نظر - العسكر والأفنديات في مصر
- الآن عادت إيران
- الكذب الإسلاموي المقدَّس
- الدواعش والذئاب في زي حملان
- قراءة للأحداث الجارية في الشرق الأوسط
- المتأسلمون ومرض الزينوفوبيا
- تفكير المتأسلمين والديانة الربانية
- الديانة الهشة تترنح
- الذكاء والغباء الجمعيان
- الغابة السوداء والديانة الإسلاموية
- المرأة والهوس الجنسي عند المتأسلمين
- العميان الذين لا يَرَوْن من الغربال!


المزيد.....




- مقهى في أوكرانيا يتيح لزواره الاستمتاع بالقهوة برفقة الراكون ...
- دونالد ترامب: ما من رئيس أمريكي ساعد إسرائيل بقدر ما فعلت
- النظام السوري يعلن فتح -معبر إنساني آمن- في ريفي حماة وإدلب ...
- فيديو إسقاط الحوثيين لـ-درون- أمريكية في اليمن
- حمدوك: سأكون رئيس وزراء لكل السودانيين
- روسيا والصين تطلبان انعقاد مجلس الأمن على ضوء تجربة "كر ...
- ترامب: أنا -الشخص المختار- لمواجهة الصين وهذا قدري
- بيونغ يانغ: نشر واشنطن أسلحة هجومية حول شبه الجزيرة الكورية ...
- روسيا والصين تطلبان انعقاد مجلس الأمن على ضوء تجربة "كر ...
- بعد الغارات عليه.. الحشد الشعبي يتبرأ من بيان نائب رئيسه


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ياسين المصري - مصر المتعوسة بحكامها