أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طلال الربيعي - وجهة نظر التحليل النفسي في -عندما تُفسدنا السلطة, يطهّرنا الشعر-















المزيد.....

وجهة نظر التحليل النفسي في -عندما تُفسدنا السلطة, يطهّرنا الشعر-


طلال الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 4904 - 2015 / 8 / 22 - 02:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


سمعت احدهم يوما يقول: "عندما تُفسدنا السلطة, يطهّرنا الشعر". وهذا القول يحثنا على ان لا ننسى ابدا ان الادب والفن هما ليسا شكلين من اشكال الدعاية, وانما هما شكلان من اشكال الحقيقة, برغم ان الحقيقة قد تكون منفية الآن. الشاعرة والكاتبة الاميريكية الكبيرة ادريين ريش (2012-1929), هي من اعظم الكتاب والشعراء الذين سعوا الى استكشاف العلاقة المعقدة بين الادب والفن, من جهة, والسلطة, من جهة اخرى (1). فقد قاومت ريش اغواء السلطة, باصرار لا مثيل له, عندما رفضت تسلم الوسام الوطني للفنون الذي تمنحه الولايات المتحدة لاشهر واعظم الفنانين والادباء, مسجلةََ بذلك معارضتها الشجاعة بالضد من تقزيم السلطة لكل وسائل التعبير, وبضمنها الفن والادب, وتسخيرها بالتالي لها لاغراضها الخاصة.

عالجت ريش التفاعل المحفوف بالمخاطر بين السوق والعقل في الثقافة الرأسمالية. فحسب ريش, اصبح المجتمع الرأسمالي مجرد تركيبة هرمية, يجلس على قمتها عدد قليل من الناس الذين يسعون الى اكتساب وابتلاع كل شئ, ومن طبقة وسطى متضائلة وقلقة, اضافة الى تواجد, في قاعدة الهرم, العدد الاكبر من الناس العاملين الذين يمكن في كل لحظة التخلص منهم وابدالهم بآخرين حسب قاعدة Hire and Fire. ادت هذه الهرمية الى نوع من الانهيار المجتمعاتي العام وظهور مجموعة اعراض على امتداد طيف الولع النرجسي بالنفس, وما يصاحبه من قلق نفسي شديد وعنف فردي وجماعي.

ان محاولة تخيل البعض لمجتمع راسمالي يوضع فيه الانسان قبل المنتجات, والابداع قبل (الافراط في) الاستهلاك, قد فشلت. ولذلك ترثي ريش المجتمع الراسمالي الذي يضع الطمع, اللامتناهي بطبعه, فوق الحاجة الممكن اشباعها:
Greed over Need

ولكن الطمع هو ايضا نتاج لافساد اللغة وما يتبعه من تهنأة للذات,على مستوى الفرد والجماعة, عند تجميعها للمُستهلَكات. وتملك الفرد للمُستهلكات يزداد عكسيا بتملكه لنفسه. ففي المجتمعات الاستهلاكية, تصبح اللغة ليست وسيلة لاكتشاف الحقيقة وانما لاشاعة الاستهلاك واغناء اكبر لمن هم في قمة الهرم. وفي مجتمع كهذا تصبح المسافات بين الكلمات والمعاني الحقيقية واسعة ومليئة بالضباب ويشوبها الارتباك. ولكن هذه المجتمعات لم تٌعرِّض اية مفردة اكثر من مفردة "الحرية" للابتذال والانحطاط.

تُقدّم الرأسمالية نفسها على انها انصياع لقوانين الطبيعة المنسجمة مع استعداد الانسان (اي انسان!؟) لممارسة نشاط مبني على المنافسة والعدوانية والتملك. عندما تستحضر الراسمالية مفردة "الحرية", فهذا يعني حرية رأس المال. ولكن في اي خطاب عام وسائد يُشكَكك في هذا المونولوج ومرجعيته الذاتية؟

لربما هو الشاعر في ريش الذي يغلو غضبا بسبب فساد اللغة الدعائي. فكيف يكون الشاعر شاعرا اذا لم يكن شعره علاج الشعور بالانفصام لكون اللغة المعاصرة لا تساوي الحقيقة المعاصرة؟ ولكن تركة هذا الانفصام, تُذكرّنا ريش, قد تضاعفت الآن في حياتنا المعاصرة وتجاوزت الشعري الى ما هو يومي في تعاملنا مع الناس ومنتجاتهم.

ففي المجتمع الراسمالي يكون تراكم الثروة هو القيمة الوحيدة التي يجب في مقابلها تبرير كل القيم الاخرى. والجميع يشعر بآثار الهرمية الهدامة لنظام التقييم المستنِد على الثروة والمُستَمد منها. والتهديم يتحقق ببيروقراطية وبدون اسم لفاعِل. انه يتحقق باسم الجميع وضد الجميع. والجميع يأتمر باوامر هذا النظام الذي يسلبهم ارواحهم ويحيلهم الى روبوتات لا هم لها غير جمع الثروات المالية وتكديس المزيد منها (ينبغي الاشارة هنا, وبدون ادنى اسهاب, ان جذور هذ السلوك النفسية, من وجهة نظر التحليل النفسي, قد تتواجد في الشخص في مرحلة ما قبل اكتسابه القدرة على تعلم اللغة)

الشعر فن قديم جرى اختباره بكل صرامة. وفي مجتمع يعاني افراده من عصاب وبائي بالتملك وما يسببه العصاب من الم لا حدود له للفرد والجماعة, تكون هموم الكاتب او الفنان منصبة على معالجة الضرر الذي يسببه النظام بقمعه للتحري, وتكريس ازدراء النفس والآخرين, والميل الى صناعة صور نمطية للانسان. ويمتد سوء التغذية من الجسم الى الخيال نفسه. يبتذل رأس المال العلاقات الانسانية ويحيلها الى ايقونة مٌقدسة.

ويغذي المجتمع الراسمالي الشيطان المُزدَوج لازدراء الآخرين واحتقار الذات. انه يختزل الانسان الى سلعة ويحيل الشخص البالغ الى طفل ليمارس وصايته عليه ويُحقّره.

اذا كانت الكتابة نابعة اولا من رغبة خاصة بالكاتب وبحاجته اليها, واذا كان هذا هو العمل الذي لا يمكنه مقاومته, واذا كانت الكتابة تعبيرا عن خبرة وانواع معينة من السلطة والحرية التي قد تكون غير متوفرة او متاحة للكاتب بطرق اخرى, فانه بالتأكيد يتبع من هذا ان الكاتب يسعى الى صياغة كتاباته واختيار مفرداته بشكل يجعلها في متناول كل الناس. لذا يبدو طبيعيا تحمس الكاتب الى تحقيق محو الامية, نشر التعليم واشاعة المكتبات العامة, واتاحة الفرصة للكل في الاستمتاع بالفنون. ولكن هنالك ما هو اهم: اذا كان اهتمام الكاتب يشمل ايضا حرية الكلمة واللغة بوصفها فعلا تحرريا, واذا كان اهتمامه منصبا ايضا على توسيع آفاق الخيال, فلا بد له ان يهتم ايضا بالعدالة الاقتصادية.

نعلم ان ماركس اقتبس العديد من الاعمال الشعرية في كتاباته, وان احد الكُتّاب (2) وصف البيان الشيوعي بكونه تجليا لمستقبل يتحقق فيه انصهار ما هو سياسي بما هو شعري في الحركات المستقبلية منها وتلك التي تستقري الواقع المعاش.

ولكن علاقة الماركسية بالشعر لم تكن دوما سهلة او نمطية. فان اغلب المنظرين الادبيين الماركسيين سابقا اهتموا بالرواية على حساب الشعر, لانهم اعتبروا الشعر نمطا ثقافيا خاصا بالطبقة الوسطى والحياة الارستقراطية. ولكن الامور تغيرت لاحقا. فقراءة Christopher Hill الماركسية (3), على سبيل المثال, للملحمة الشعرية Paradise Lost للشاعر الانكليزي الثوري, John Milton, كانت منصبة على استقراء وفهم الواقع السياسي والايديولوجي لانكلترا في القرن السابع عشر.

يتكلم البعض عن نوعين من الشعر: اولا, الشعر الرمزي- الرمزي بعرف المحلل النفسي لاكان, الذي يؤكد على التوتر, الغير لفظي, الموروث في علاقة الدالة بالمدلول في اي رمز او كلمة. ثانيا, الشعر السيمائي, الذي يركز غالبا على صوتية المفردة الكلامية وطريقة تلحينها باستخدام ما هو بيويولوجي: عضلات الفم ولغة الشاعر الجسدية المرافقة لالقاءه للشعر. والبيولوجي ينتمي الى السجل الحقيقي, وليس الى السجل الرمزي- وللتذكير, ان السجل الحقيقي, بعرف لاكان, هو السجل المتضمن كل ما لا يمكن للغة التعبير عنه كأمر متأصل في السجل نفسه ولاعلاقه له ببلاغة اللغة او براعة متحدثها اللغوية. ففي حين ان الشعر الرمزي مؤهل للمساهمة في تغيير ثوري عن طريق كشف الثغرات الرمزية التي تكتنف النظام الشمولي للغة, لاجل الغاء سطوة شموليتها والسماح بتدفق الابداع الفردي الحر, يهدف الشعر السيمائي, على العكس, في معظم الاحوال, الى تخليد الواقع الراهن, اي انه شعر رجعي او محافظ. فمفرداته الشعرية تموه, بسبب تلحينه صوتيا, على العلاقة المعقدة بين الدالة والمدلول وبذلك يمنح السجل الحقيقي السطوة لبسط سطوته على السجل الرمزي.

وان الشعر الشعبي في العراق, الذي تتماهى مفردته صوتيا مع الثورية, هو مثال بارز على الشعر السيمائي والرجعي. فمرجعية هذا الشعر هي ليست مرجعية اجتماعية-رمزية وانا يستمد مرجعيته من نسخة مبتذلة لعلم جهاز الصوت Phonetics. فليس هنالك وظيفيا اي فرق بين الشاعر الشعبي ومرتل القرآن, فكلاهما ينشدان لحن الموت. ولكن على خلاف مرتل القرآن الذي يهدف, كما يهدف النص نفسه, الى تذكيرنا بسطوة الموت, يهدف الشاعر السيمائي-الصوتي-الشعبي الى اشباع المتعة بعاطفة تلحينه للفظته على حساب طمسه للعلاقة المتوترة بين اللغة والواقع ومساواة احدهما بالثاني, وبالتالي فهو يخّلد سطوة اللغة, وتصبح حياتنا عندها صنوا للموت, او على الاقل, لشكل من اشكاله. يتحرر الشعر اللفظي- الشعبي عندما يتحرر من تلحينية ادائه, اي بتحرره من علم الصوت, واحدى سائل تحققه رمزيا هي من خلال قراءته (علنا) على غرار قراءة شعر الشاعر الشيوعي العظيم بابلو نيرودا, كما في
http://www.poemhunter.com/poem/if-you-forget-me/
---------
المصادر
1- Arts of the Possible: Essays and Conversations
http://www.amazon.com/Arts-Possible-Conversations-Adrienne-Rich/dp/0393323129/?tag=braipick-20
2- http://press.princeton.edu/titles/8066.html
3- https://herrnaphta.wordpress.com/tag/christopher-hill/





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,528,345
- دعوة للقبض على نتنياهو
- مرحلة ما بعد الصهيونية
- الحل: خرافة وجود شعب يهودي 6/6
- خرافة وجود شعب يهودي 5
- خرافة وجود شعب يهودي 4
- خرافة وجود شعب يهودي 3
- خرافة وجود شعب يهودي 2
- خرافة وجود شعب يهودي 1
- استخدام الولايات المتحدة لمختصين نفسيين في اعمال تعذيب واسعة ...
- علم وطب النفس الاستبدادي والطفولة المعذبة في منطقتنا
- طلال الربيعي - كاتب وباحث، ومحلل نفسي ماركسي - في حوار مفتوح ...
- داعش صناعة امريكية والولايات المتحدة خططت في 2012 لسقوط المو ...
- جدلية العقل (الفكر) والدماغ-الجسم (المادة)
- ولادة نظام جديد في الولايات المتحدة وتحولها الى بلوتوقراطية
- توريث الاضطرابات النفسية عبر الاجيال
- متلازمة الاثارة الجنسية (الدائمة)
- الادارة الامريكية تخترع علما مزيفا: -بوتينولوجي-!
- الراسمالية تشجع جرائم البيدوفيليا
- رسالة مفتوحة من سجينة سياسية سابقة من الولايات المتحدة الى و ...
- استخدام ال CIA اطباء وعلماء النفس في نظام واسع النطاق للتعذي ...


المزيد.....




- زاخاروفا تهاجم زوكربيرغ
- هل تستحضر العلاقات المصرية الروسية روح -المساعدة السوفيتية- ...
- لاتخاذ خطوة ضد إيران... السعودية تجتمع برؤساء أركان جيوش 16 ...
- 5 قتلى وجرحى من القوات العراقية في هجوم لـ-داعش- شمالي البلا ...
- الجبير: نطالب إيران بـ-أفعال بدلا من الكلام-
- أنصار الله-: التحالف يصعد عملياته على الحدود وينفذ 30 غارة ج ...
- بومبيو: ترامب مستعد لاستخدام القوة العسكرية ضد تركيا حال تطل ...
- بريطانية حبلى بالطفل رقم 22
- البحرين.. مؤتمر لحماية الملاحة بالخليج
- ملك تايلاند يجرد زوجته الجديدة من ألقابها الملكية ورتبها الع ...


المزيد.....

- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طلال الربيعي - وجهة نظر التحليل النفسي في -عندما تُفسدنا السلطة, يطهّرنا الشعر-