أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - القدس وتبدلات شارع صلاح الدين















المزيد.....

القدس وتبدلات شارع صلاح الدين


محمود شقير
الحوار المتمدن-العدد: 4850 - 2015 / 6 / 27 - 11:24
المحور: الادب والفن
    


يعتبر شارع صلاح الدين واحدًا من أهم المواقع الحيوية في القدس. ينشط فيه عدد من المؤسسات والمراكز الثقافية والمكتبات. وهو عرضة مثل غيره من المواقع لتطاولات سلطات الاحتلال الإسرائيلي، إذ يسيطرالمحتلّون منذ هزيمة حزيران 1967 على مبنى المحكمة فيه، وعلى مبنى المحافظة الذي تشغله الآن وزارة العدل الإسرائيلية، وفي أوّل الشارع مخفر لشرطة الاحتلال.
والشارع الذي يحمل اسم محرّر القدس من الفرنجة الغزاة يبدأ من ساحة باب الساهرة وينتهي قريبًا من قبور السلاطين في تقاطعه مع شارع نابلس، ويشكّل فضاء مواتيًا لأهل المدينة الراغبين في التسوّق أو في التمشّي في أوقات الأصيل، حيث تكثر المحالّ التجارية ومطاعم الوجبات السريعة والمقاهي ومحالّ الصرافة. وتوجد في الشارع ثلات مكتبات لبيع الكتب والقرطاسيّة، أضيف إليها مقهى ثقافي يبيع الكتب ويستقبل زبائنه من الرجال والنساء.
وللشارع تاريخ حافل، وهو معلم رئيس من معالم الحياة اليومية في المدينة، وبخاصة في حقول السياسة والثقافة والاقتصاد. لم تخرج تظاهرة ضد الاحتلال الإسرائيلي إلا مرّت من هذا الشارع أو تشكّلت فيه، ولم يفكّر تاجر بتطوير مشروعه التجاري إلا فكّر بترسيخ نشاطه في هذا الشارع الذي يعتبر مع شارع السلطان سليمان وشارع نابلس صلة الوصل الرئيسة بين البلدة القديمة وأحياء القدس المنتشرة خارج السور.
وشارع صلاح الدين هو شارع الثقافة (يشترك معه في هذه الصفة شارع الزهراء). منذ خمسينيّات القرن العشرين وحتى العام 1966 نشطت فيه اثنتان من الصحف اليومية الأربع التي كانت تصدر في القدس، وهما: الدفاع وفلسطين. وكانت في الشارع دار للتوزيع ومجموعة من المكتبات التي تبيع الكتب القادمة من بيروت والقاهرة ودمشق وعمّان، من أبرزها مكتبة "المحتسب" التي أغلقت أبوابها قبل سنوات، مثلما توقّفت دار التوزيع عن ممارسة نشاطها منذ سنوات.
وكانت في الشارع داران للسينما هما: الحمراء والنزهة، علاوة على دار ثالثة في شارع الزهراء هي دار سينما القدس. كانت الأسر المقدسية ترتاد دور السينما بانتظام، حيث يقبل الرجال والنساء على حضور الأفلام العربية والأجنبية دون تحفّظ. وكان شارع صلاح الدين يستقبل أفواج الذاهبين والذاهبات إلى السينما كلّ يوم تقريباً، ويزداد احتشاد هذه الأفواج في أيّام الجمع والآحاد، وفي الأعياد الإسلامية والمسيحية التي كانت تشهدها المدينة وتحتفي بها بكرم وسخاء.
ولم يتوقّف المقدسيّون والمقدسيّات عن ارتياد دور السينما بعد هزيمة حزيران، وإنْ بدا الإقبال عليها أقلّ كثافة بسبب انقطاع التواصل مع السينما المصرية، جرّاء سياسات الاحتلال التي فرضت حصارًا على استيراد الأفلام والكتب من البلدان العربية، وبسبب الظروف غير الطبيعية التي نتجت عن الاحتلال. وظلّت الحال كذلك حتى نشبت الانتفاضة الأولى في العام 1987 التي شهدت دخول الحركة الإسلامية لأوّل مرّة ساحة النضال ضد الاحتلال، وهي الحركة التي أسهمت في نشر روح المحافظة في المجتمع الفلسطيني، وأخذت تبشّر برفضها لبعض مظاهر الثقافة الحديثة وبالذات في مجالات السينما والفن والغناء، ولم تكتف بنشر أفكارها هذه وبالترويج لها في أوساط الناس، بل راحت تحرّض على مقاطعة دور السينما ليس في القدس وحدها وإنما في عموم مدن البلاد. وبالفعل تمّ حرق بعض دور السينما، وتوقّفت العروض السينمائية في الدور التي لم تتعرّض للخراب.
وكان من نتيجة ذلك، أن أغلقت دار سينما الحمراء ودار سينما القدس أبوابهما، وتحوّلت دار سينما النزهة إلى مقرّ للمسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي). كان المسرح في الأرض المحتلة وبالذات في القدس، قد بدأ مسيرته الناجحة منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، وتطوّرت عروضه وتنوّعت وتعدّدت في الثمانينيات، وظلّت مستمرّة، وإنْ بوتيرة أقلّ منذ التسعينيات وحتى الآن.
وأمّا في مجال تداول الكتب الأدبية وتعميمها، فقد ظهرت إلى حيّز الوجود "دار صلاح الدين للنشر"، واتّخذت لنفسها مقرًّا في الشارع الذي اتّخذت من اسمه اسمًا لها. كان ذلك أواسط سبعينيات القرن العشرين، وبدت الدار كما لو أنها تحاول تعويض النقص الناتج عن منع إدخال الكتب الصادرة في البلدان العربية إلى الأرض المحتلة، فأسهمت في نشر مجموعة غير قليلة من الدواوين الشعرية والمجموعات القصصية والروايات وغيرها لكتّاب فلسطينيين مقيمين في الأرض المحتلة، علاوة على إعادة إصدارها كتبًا لكتّاب فلسطينيين مقيمين في الخارج ولكتّاب عرب وأجانب. وكان الإقبال على القراءة آنذاك مثيرًا للانتباه.
بعد ذلك وقع التراجع الذي ما زلنا نحصد ثماره المرّة حتى الآن، فقد تضافرت عوامل عدّة على إقصاء الثقافة الصحيحة من حياة الناس. وصارت القدس تعاني من فقر ثقافي تفاقم مع الزمن، وبالذات في ظلّ الحصار الذي ألحق أضرارًا بالغة بالقدس على جميع الأصعدة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
وحيث انشغل جيل الانتفاضة الأولى1987 في ممارسة أشكال عملية من النضال اليومي ضدّ الاحتلال، وتراجع اهتمامه بالتحصيل العلمي وبالثقافة عمومًا، فقد أولت الانتفاضة الثانية 2000جلّ اهتمامها للميليشيات المسلّحة على حساب النشاط السياسي اليومي الكفيل بإشراك الناس في الكفاح الشعبي ضدّ المحتلين، وكان من نتيجة ذلك أن انكفأت الجماهير عن ممارسة النشاط السياسي وعن الاهتمام بالثقافة، واكتفت بما تقدّمه لها الفضائيات من زاد ثقافي أكثره مسطّح وغير ذي جدوى على الإطلاق.
ضمن هذا الإطار، يمكن النظر إلى الوضع الثقافي الراهن في القدس وإلى دور شارع صلاح الدين فيه، حيث العزلة عن الناس وحيث النخبوية التي لا تترك أثرًا ولو في الحدّ الأدنى في جماهير المدينة، وفي فرص تحصينها ضدّ مخطّطات التهويد التي تجري صباح مساء. فالمؤسّسات والمراكز الثقافية التي تنشط في شارع صلاح الدين لم تعد قادرة على اجتذاب الجماهير بشكل منتظم وفعّال.
في ظلّ هذه الحالة، يمكن التنويه بظاهرتين شهدهما شارع صلاح الدين مؤخّرًا، وهما في الوقت نفسه على طرفي نقيض. فقد تمّ ترميم مينى سينما الحمراء، وعاد له رونقه بعد أن كانت واجهته مثيرة للأسى بسبب ما لحق به من خراب. إلا أنّ المبنى لم يعد دارًا للسينما بل قاعة للأفراح. وتمّ افتتاح مقهى ثقافي في الشارع، حضر حفل افتتاحه ما يزيد عن مئة رجل وامرأة من محبي الثقافة، وهم خليط من الفلسطينيين ومن الأجانب المقيمين في القدس.
مقهى ثقافي في زمن العزوف عن الثقافة وعن الكتب! على أمل أن يسهم هذا المقهى في إنعاش الحالة الثقافية في القدس. وعلى أمل أن يقوم بالدور نفسه المركزُ الثقافي الذي أنشأته مؤسسة "يبوس" المقدسية في المبنى الذي كانت تشغله سينما القدس. وكانت بدأتْ التحضير لذلك بعقد لقاءات مع نخبة من المثقّفين المقدسيين، للاستفادة من اقتراحاتهم حول هذا المركز الذي يتطلّع القائمون على فكرته إلى دعم الحالة الثقافية في القدس، حيث لا ينكر أحدٌ أهمية الدور الذي يمكن أن تمارسه الثقافة في تعزيز صمود المقدسيين في مدينتهم.
غير أنّ السؤال الذي يظلّ مطروحًا على الجميع هو: كيف يمكن إيصال الثقافة إلى الناس لكي تسهم في تعزيز صمودهم؟ وكيف يعود شارع صلاح الدين إلى تألّقه المعهود باعتباره شارع الثقافة من غير جدال؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,043,704,689
- ثقافة معزولة في مدينة محاصرة
- تبدلات شارع الزهراء
- العمران وضواحي القدس الآن
- القدس الشرقية تذوي والغربية تزدهر
- مقاهي القدس التي تتناقص باستمرار
- ترييف القدس المعزولة عن ريفها
- شبابيك القدس3 / قالت لنا القدس
- شبابيك القدس2 / قالت لنا القدس
- شبابيك القدس1 / قالت لنا القدس5
- في مديح نساء القدس/ قالت لنا القدس4
- قالت لنا القدس3
- تمهيد ثانٍ/ قالت لنا القدس
- تمهيد أول/ قالت لنا القدس
- رقص/ قصة قصيرة جداً
- فراغ/ قصة قصيرة جداً
- لو/ قصة قصيرة جداً
- مفاجأة/ قصة قصيرة جداً
- غبش/ قصة قصيرة جداً
- الخالة/ قصة قصيرة جداً
- نبيذ/ قصة قصيرة جداً


المزيد.....




- وزير الثقافة الجزائري: تحويل مغارة الكاتب الإسباني سيرفانتس ...
- رسالة ماجدة الرومي إلى مصر والمصريين في ختام مهرجان الموسيقى ...
- قائمة الـ BBC.. سبعة أفلام سوفيتية بين أفضل 100 فيلم أجنبي ف ...
- رمضان 2019.. ديمة بياعة وكاريس بشار تلتحقان بالنجم بسام كوسا ...
- الصندوق المغربي للتأمين الصحي على طاولة مجلس الحكومة
- النسيج الجمعوي يتحرك لإلغاء المادة 7 من مشروع قانون المالية ...
- ما رائحة الخوف؟.. الجواب في أفلام الرعب
- صادقون : متمسكون بحقيبة الثقافة ولدينا اكثر من مرشح
- مجلس الحكومة ينعقد الخميس المقبل
- -فلامينغو أرابيا- بكندا.. عزف على وتر مأساة العرب


المزيد.....

- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - القدس وتبدلات شارع صلاح الدين