أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هادي اركون - التنوير والعلوم















المزيد.....

التنوير والعلوم


هادي اركون

الحوار المتمدن-العدد: 4799 - 2015 / 5 / 7 - 18:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



لماذا تخلى التنويريون العلمانيون على العلوم ،واكتفوا بالمباحث التراثية (حسين مروة وطيب تزيني ومحمد عابد الجابري ومحمد اركون )وبتقديم خلاصات الفكر الفلسفي والسوسيولوجي الغربي(فؤاد زكريا وسالم يفوت وسامي أدهم ) ؟ هل يمكن تغييب العلم في أي مبادرة تنويرية حقيقة ؟ أليس العلم ركنا ركينا في عمارة الحداثة منذ القرن السابع عشر على الأقل ؟
من الملاحظ أن لغالبية المفكرين التنويريين ،تكوينا في الإنسانيات ،ولذلك نادرا ما اهتموا بالعلوم التجريبية ،وحاولوا استعمالها في مطارحاتهم ومناظرتهم.
لقد تعدد المقاربات والمناهج والأطر التحليلية المستعملة في مقاربة المتن التراثي أو الفكر الغربي الحديث والمعاصر ؛إلا أن النقاش حول المناهج العلمية ظل ،في حكم المغيب ،خارج دوائر المهتمين بالفكر الإبستمولوجي .
مما لا شك فيه ،أن تعميم المنهاج العلمي ونتائج العلوم التجريبية ،من ثوابت التنوير.والملاحظ أن للمفكرين التنويريين في الغرب ،اهتمامات علمية كبيرة ومعارف دقيقة (ديكارط لا يبنتز وسبينوزا وكانط ).والحق أن التنوير الفرنسي ، مدين ، فكريا ومنهجيا ، للتجريبية الإنجليزية ،وللمنهاج النيوتوني( رسائل فلسفية لفولتير ).ومن اللافت للنظر،تأخر التنوير الأوروبي ،زمانيا ،عن الكشوف العلمية.فبما أن التنوير ،تعميم للقيم الابستمولوجية ،فمن الطبيعي أن يسبق تبلور النظريات العلمية تعميم نتائجها وتطبيق منهجها على العلوم الإنسانية والاجتماعية .
ويستدعي التداول حول المنهج العلمي ، ضمنا أو صراحة ، التداول حول المسالك الممكنة للاستقصاء والاستكشاف،وخصوصية العلوم بالقياس إلى اللاهوت والفلسفة. من البين أن كثير من الالتباس ،إنما ينتج عن عدم استيعاب المنهج العلمي وحدود المعرفة العلمية.فكثيرا ما تطالب العلوم باستيفاء مستلزمات ،بعيدة عن منهجها وعن حقيقتها وتاريخها.
ولذلك ليس للتنوير معنى ، إلا إذا تمكن التنويريون من تعميم القيم الابستمولوجية ، والتمييز بين القضايا العلمية والقضايا الميتافزيقية أو الفلسفية ،وتحرير العقول من الفهم المتقدم حول النصوص والعالم والتاريخ والإنسان .
لا تنوير ، في سياق تحكمه ، الأسئلة والإشكاليات اللاهوتية والميتافيزيقية ،وتغيب فيه المفاهيم والأطر والمناهج العلمية .
وقد أشار عالم المستحاثات البشرية الفرنسي باسكال بيك إلى ضرورة تاريخ العلوم والابستمولوجيا ،في زمان عودة الأصوليات المتعالية ، ولا سيما نظريات الخلق بما فيها نظرية التصميم الذكي .
ثمة فرق بين الحقيقة العلمية والحقائق التداولية ،ولا تفضي محاولة فرض الثانية على الأولى إلا إلى الجهل أو تجاهل حقيقة الأولى أو إلى خلق التباس ،عادة ما يقود إلى ازدواجية أو شيزوفرينيا ثقافية.والأغرب أن بعض القطاعات المحافظة ، ما تزال تواجه المنهج العلمي باعتراضات وحجاجات وسطوية ،بعيدة عن منجزات تاريخ العلوم وتطور المناهج .
يقول حسين الجسر ما يلي :
(...فقلتم :إن الحلقات قد وجدت في البعض ومنيتم أنفسكم بأنها سوف توجد بالاكتشافات الجيولوجية في الباقي وكل ذلك خبر يحتمل الصدق والكذب ،فمن منا رافق الجيولوجيين في اكتشافاتهم وشاهد تلك الحلقات ، فسبحان العليم بحقيقة الأمر ، على أنه لو ثبت فلا يزال الاحتمال حالا في أنها أنواع مستقلة كما قدمنا فبقيت أدلتكم مظنونة .) 1-
وحين تغيب ،كما في السياق العربي ، المعطيات الابستمولوجية ،لا يبقى إلا مرجع وحيد للتفسير والتأويل هوالمعتقد لدى المحافظين و اللغة لدى العلمانيين .وقد أضحت اللغة لدى البعض مرجع المراجع ومعيار المعايير ،وارتقت إلى مرتبة الفيتيش العصري .
فمن الصعب عقلنة النقاش حول المناهج في الإنسانيات ،دون العودة إلى المناهج المستعملة في العلوم التجريبية.وقد استفحل الأمر،بعد اعتبار بعض التيارات التفكيكية والاختلافية ،اللغة ، مرجعا شبه مطلق ،والتأويل سيرورة مفتوحة لا يمكن إخضاعها للسياقات التاريخية أو الاجتماعية أو الأنثروبولوجية .
والملاحظ أن كثيرا من القيم الإبستمولوجية ، مازال في حكم الغائب ، في الثقافة السارية ، في أوساط المثقفين والمتعلمين في العالم العربي والإسلامي .
ما الحقيقة العلمية ؟ ما حدود الاكتشاف العلمي ؟
يمكن عقلنة التناظر الحالي ،لو عممت نتائج الأبحاث الابستمولوجية وتاريخ العلوم ؛فبدون هذا التعميم ، يصعب تكريس تعامل موضوعي مع حقائق العلم ومستجداته ، ورسم الفروق بين البحث العلمي والتقرير الميتافيزيقي أو الإيديولوجي،والنظر الموضوعي إلى معارف النصوص المؤسسة والى المعارف الناتجة عن الأطر المرجعية للأمة.
وفيما تغيب القيم الابستمولوجية ، يتم التكالب على المنجزات العلمية ، لاستثمارها في الحياة العملية ، وفي الصراع الإيديولوجي . وقد برع المحافظون منذ أزيد من نصف قرن ، في استملاك تلك المنجزات وعزوها ، بطريقة أو بأخرى إلى النصوص المؤسسة أو إلى الشخصيات المعيارية ( علي ابن أبي طالب) .
فإذا كانت العلوم ، أداة للتحرر من النص في الغرب ، فإنها صارت ، أداة لتحجيم الفكر العلمي والقيم الابستمولوجيةّ ومحاصرة العقل النقدي في العالم العربي.
والحقيقة أن المفكرين العلمانيين ،تجاهلوا العلوم ، واكتفوا بردود دفاعية ، عن الإعجاز العلمي للقرآن والسنة فيما يقتضي التناظر،الانكباب على هذه الإشكالية بالذات ،لما يحفها من الالتباس عند عموم المتعلمين،ولما توفره ،إيديولوجيا ، للنقيض من عوائد فكرية وإيديولوجية .
ومن مفارقات الفكر العربي الحديث ،أنه حاول استثمار المعارف العلمية ، في استشكال المعارف التراثية ، ودخل في نقاشات حادة أحيانا مع المفكرين المنافحين عن المعرفة الشرعية ( شبلي شميل و إسماعيل مظهر وإسماعيل أدهم وسلامة موسى ... الخ ).لإبطال استدلال الطبيعيين على التطور بالأعضاء الأثرية ،يقدم حسين الجسر في الرسالة المحمدية ،الاعتراض التالي ،وهو اعتراض دال ،ولا سيما إذا قورن باعتراض الخلقيين المعاصرين على نظرية التطور وداروين .
(إذا تقرر ذلك فاعلموا أن استدلالكم بالأعضاء الأثرية على النشوء بأنها تدل على تغير الأنواع ، فتوافق مذهب النشوء ولا توافق مذهب الخلق ، هو استدلال لا نتيجة له إلا الظن وليس من اليقين في شيء لتطرؤ الاحتمال فيه،إذ لقائل أن يقول : ما المانع أن تلك الأعضاء الأثرية لها فائدة وفيها حكمة قد خفيت عليكم كما خفى عليكم فوائد أشياء كثيرة توجد في أجسام النباتات والحيوانات كما يظهر من مراجعة كتب الفاتولوجية ؟ .) 2-
فبدلا من أن تكون المنجزات العلمية ، دافعا للتحقق المعرفي ومساءلة البديهيات التراثية ، صارت أقرب مسلك إلى التمسك بالقيم الغيبية .
لا تهدف طرق استعمال المنجزات العلمية في الأدبيات الإعجازية ، إلى تحفيز العقول على التفكير والتمسك بالمنهج العلمي ،بل إلى شل العقل وتغييبه في سديم الغيبيات والتمهيد للثيوقراطية .
فإذا كان العلم في الغرب ،شرطا للعقلنة والتحرر من ضغط النصوص ،فإن نتائج العلوم ، كثيرا ما تقود، في العالم العربي والإسلامي ، إلى الارتهان إلى النصوص وإلى سياقاتها التاريخية .والحقيقة أن العقل الإسلامي ،لم يتحرر قط ، من فرضياته الكلامية،واستتباعا من مفارقاته المؤسسة .وهي مضادة ،جوهريا ،للعلم باعتباره سيروة للتجريب والتمحيص والتحقق والقطائع،ولمواصفات النظرية العلمية كما حدد كارل بوبر (القابلية للدحض ).
(وهي أن حضور المنطق الأرسطي ،عند أنصاره المسلمين وعند خصومه ،لا يدل على أن الثقافة الإسلامية ثقافة عقل ، لأن العقل الذي تحتفل به مفهوم ملتصق بها ومفارق لما يعرف بنفس الاسم في المجتمع المعاصر. سمته أنه عقل المطلق لأنه وعاء لعلم مطلق.والعلم المطلق ،إذا لم يحدد ،هو بالضرورة علم سابق على كل عقل .) 3-
لقد حمل المنهج العلمي الغربيين على الاهتمام بالطبيعة والكون ،أي على اكتشاف فضاء أوسع من فضاء الكتاب المقدس ؛أما نظريات الإعجاز العلمي ،فتحصر العقل العربي ، في فضاء النصوص الأولى والثواني لا غير.
من الواضح أن نظرية التطور ،تقدم نموذجا ناجزا للمنهج العلمي المتطور ،والمغتني ،على الدوام بالمستجدات والمستكشفات . وكان من الممكن استثمار تطوراتها واغتنائها ،لتعديل المسار ،والخروج من النقاش المغلق حول التراث الكلامي والفلسفي والتاريخي .
كما أن تعدد النظريات الكوسمولوجية (نظرية الانفجار العظيم والنموذج الجديد لهذه النظرية و نظرية الاوتار الفائقة ...)تقدم فسحا للتفكير في المنهاج العلمي ،وفي حدود الممكن والمستحيل في المعرفة العلمية .
لقد صار بمقدور العلوم ،تعديل وتغيير كثير من مظاهر الحياة ؛ ورفض هذه القدرة ،باسم مثال لاهوتي ، يخالف الحداثة من حيث هي إضاءة للوجود وتحسين لشروط الحياة وتوسيع لقدرات الإنسان .
ألا يقتضي التنوير المرتجى ،في زمان الإرهاب الإسلامي المعولم ،إعادة النظر في اختيارات المثقفين العلمانيين الغارقين في التأويل وفي التراثيات ،وإعادة اكتشاف العلم وتاريخه ،بوصفهما أدوات تنويرية فعالة وناجعة ؟
الإحالات :
-1[حرية الاعتقاد الديني-تصنيف وتقديم : محمد كامل الخطيب-دار بترا للنشر والتوزيع-الطبعة الأولى -2005-ص.76]
-2[حرية الاعتقاد الديني-تصنيف وتقديم : محمد كامل الخطيب-دار بترا للنشر والتوزيع-الطبعة الأولى -2005-ص.70]
-3[عبد الله العروي ،مفهوم العقل –مقالة في المفارقات ،المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ،الطبعة الأولى :1996،ص.163،164]


هادي اركون





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,754,980
- الوجه الآخر للأندلس
- الحوامل التقنية للتنوير المرتجى
- فرادة المنجز الثقافي الأوروبي
- منهج سبينوزا في قراءة الكتاب المقدس
- طه حسين وسبينوزا
- تنويريون بلا تنوير
- نقد استراتجية المثقفين الحداثيين
- نحو وعي نقدي للعلمانية
- التأويل العلمي للقرآن والمنظومة التراثية
- الصفاتية بين الوثوقية واللاادرية
- بعض مظاهر بيانية النص القرآني
- في بيانية النص القرآني
- طه عبد الرحمان التأنيس في زمان التحريق


المزيد.....




- هل هي صرخة استغاثة؟.. السعودية تدعو لقمتين عربية وإسلامية؟
- السعودية تدرس تجريم ازدراء الأديان والإساءة إلى المقدسات
- تونس: حج اليهود للغريبة يتزامن مع شهر رمضان لأول مرة منذ 32 ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى وسط حراسة قوات الاحتل ...
- رئيس "الكنيسة المورمونية" يتبرع بـ100 ألف دولار لإ ...
- رئيس "الكنيسة المورمونية" يتبرع بـ100 ألف دولار لإ ...
- لأول مرة.. مشرعون مسلمون يقيمون إفطارا بالكونغرس
- سفير مصر في برلين يستضيف حفل إفطار بحضور مسئولين ألمان وسفرا ...
- الأسد يهاجم الوهابية ويصف الإخوان بـ-الشياطين-.. ويعطي -دروس ...
- أيها المسلمون لا أتمنى لكم رمضانا كريما


المزيد.....

- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هادي اركون - التنوير والعلوم