أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فيحاء السامرائي - الى من يهمه العمر














المزيد.....

الى من يهمه العمر


فيحاء السامرائي

الحوار المتمدن-العدد: 4796 - 2015 / 5 / 4 - 07:42
المحور: الادب والفن
    



(الى أرواح شهداء قضوا وآخرين آتين)

نرفس أحشاء الصمت والحتوف ونتسلل الى الشوارع..نمشي بصف واحد، أعضاء من كتل وأجزاء من كل..نمضي غير عابئين بنظرات ناس وردود أفعالهم..لا تعيقنا اختلافات في لون وحجم وعدد أصابع وخشونة أو نعومة ملمس، لكوننا ندرك ما نروم اليه جيداً، نريد أن نقول ما عندنا فحسب، ثم نرجع الى جوف صمتنا وأماكننا الأخيرة..تلك هي مهمتنا ونحن عبد المأمور المغدور.
تفغر ناس أفواهاً لها حينما نمرّ قبالتها وتخرس مذهولة، يدير البعض وجه عنّا ويجهش في بكاء كاوٍ، في حين ينطّ أخرون من فوقنا غير مكترثين بنا ولا متعاطفين معنا، هؤلاء هم من نرغب في توجيه أصابعنا نحوهم.
كل شيء هادئ فينا حتى أنيننا، نتوسط الساحة الكبيرة ولا يعكر صفو الهدوء الّا ضجيج ولغط ناس متجمعين حولنا كعلامات استفهام متضخمة بالفضول، يرقبون حركاتنا ويوجّهون نحونا كاميرات موبايلاتهم.
هل نستهل المهرجان بالتحدث عن مصادرنا وأحجامنا وعن الألوان، ألواننا؟ أم نقتصر الكلام على مهماتنا النبيلة وما ننقله عن لسان كلنا نحن الأجزاء؟..بالمناسبة نحن لا نمتلك ألسنة، فحال كل منا يحكي عنا.
يتقدم للحديث حالٌ بحجم كبير ولون أسود مزرّق، فتسلط عليه الكاميرات وبعض من انتباه بشري:

- أنا كنت ذاهباً الى السوق لأشتري الخبز حينما سمعت الدويّ..مزق أحشائي انفجار هائل ولم يبقِ مني سوى هذه الكف..ربما تكون زوجتي قلقة عليّ لأني لم أجلب لها الخبز للآن..ترى، هل ما زال العشاء معداً في انتظاري؟ أعتذر لها ولأني لم أشهد ولادة طفلي الموعود، وأعتذر لأولادي لأني لم أكمل مشواراً يشهد تفاصيل حياتهم، ولأبني الكبير في الخصوص لأنني لم أتمكن من حضور حفل تخرجه.
تزداد حركة فلاشات الموبايلات وطقطقة الصور..ورغم أنه الحال الأول لا يمتلك عينين، تنزل دمعة كبير منه قبل أن يخلي مكانه للحال الثاني الذي يبدو بلون أخضر، وتعتليه أشنات بحر وطحالب:

- سامحيني أمي، اضطررت الى الرحيل نحو البحر، لم أودعك لأنني لم أقوى على رؤية دموعك..لا أريد أن أعرف كيف ستتلقين نبأ غرقي وكيف أني صرت طعاماً لأسماك قرش ضروس..لم يجدوا على الشاطئ سوى كفي هذه، أريدها أن تكون فماً لتقبّل رأسك..تورطنا في الحياة وفي الموت أيضاً..أعتذر لأني لم أنجو ولم يتحقق حلمي في الرحيل الى شواطئ الغرباء لتلحقين بي..أقبل رأس والدي بشيبه المبكر وأخي الصغير، آسف لنكث وعد بإرسال لعبة له من هناك.
تنشط حركة التصوير ويسجل البعض فيديوهات لينشرها على الفيس بوك..تتقدم حال ثالثة ناعمة لونها أحمر، يشوبها مزيج من دماء مخلوطة بطلاء أظافر.
- معذرة حبيبي، أخلفت وعدي بمواصلة حياتنا مع بعض ورحلت رغماً عني، كنت آتية اليك حسب موعدنا، لكنهم نصبوا لي كميناً..اختطفوني واغتصبوني وقطّعوا أوصالي ورموها عند المزبلة..أكلت الكلاب حبيبتك ليلاً ونجت كفي تلك لتقول، أني ما زلت أحبك، ولتوصيك ألاّ تحزن وتلوم نفسك، لأنك شجعتني على عدم ارتداء الحجاب.
تركّز كاميرات الموبايلات على طلاء الأظافر ولا يبالي المصورون بالدم..تشرح حال صغيرة سبب وجودها بيننا:

- كنت أبيع أكياس ومناديل ورقية عندما فتّتت جسمي النحيل عبوة ناسفة..أعتذر للمعلم لأني لم أكمل واجبي المدرسي.. كنت أشتغل بعد المدرسة لأعيل أختي الصغيرى حتى لا تضربها زوجة أبي..سأسمح لها أن تلعب بطائرتي الورقية المفضلة لكوني لم أعد قادراً على اللعب بعد اليوم، ولا أن أكبر وأصير طبيباً لأجلب لها ما تريد.
تعلو الساحة الكبيرة أسراب من طيور الفواجع، ويهبط هواء أسود الى مهرجان قصص الدم هذا..تنوس مخاوف باردة في نفوس الواقفين كلما تحكي كف عن حالها، وكأن أصواتنا وما نرويه، أسلاك شائكة نلقمها لهم..يخشى الناس أن يأتي دورهم يوما ما فيصبحون أكفّاً حاكية، فيضجون بأصوات احتجاج خفيفة تتصاعد لاحقاً.
كان في نيتنا تهدأة الوضع وإكمال المهرجان، غير أن جلدنا لم يعد طريّاً لنرفع القبعات وننحني للتصفيق ودقائق الحداد.
تتسرب من بين أصابعنا أقمار مساءات آفلة، وما أن يسقط علينا برق سمواتها حتى نلمع غيظاً..لا نريد أن نكون أرقاماً لموتى في نشرات الصباح الإخبارية، ولا منشوراً على صفحات التواصل الاجتماعي، ولا نريد أن تتعودوا على حكاياتنا ثم تنسونا لاحقاً.
نقرر بعزم أن نتراصف ونغلظ لأجل ألا نبقى على قيد الذاكرة فحسب..لأجلنا ولأجلكم، حتى لا تصيروا مثلنا..نتحول بغتة الى قبضات غاضبة غليظة تلوّح بالوعيد.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,429,422
- على معبر بْزيبيز
- العراق الى أين؟ الحلقات الدراسية للجنة تنسيق التيار الديمقرا ...
- رواية -أنا ونامق سبنسر- أرشفة ذاكرة ومشتقات حياة
- -تكفير ذبيح الله- رواشم سردية على قرابين بشرية
- نضوب
- يوم عادي
- حصار الرصد الواقعي فيما سرده لنا الجبل
- رثاثة
- على الأرض السلام
- هنا خازر (من أوراق نازحة)
- عائلة الياسمين والمسرح
- - خبال - علمي
- إمرأة للدهشة
- كراسي في استراحة
- أحزان الدم
- شيء من ذلك
- هل تنحصر -الانسانية- في مهرجان؟
- (حمار وثلاث جمهوريات) من يروي ومن يرى؟*
- تفاحة الذاكرة
- فصل


المزيد.....




- بنشعبون أمام البرلمان لتقديم حصيلة تنفيذ قانون المالية
- بعد أزمة الملاحة البحرية في الخليج.. بوريطة يكشف موقف المملك ...
- كودار يقاضي بنشماس ويطعن في قرار طرده من البام
- كواليس: جليل القيسي وتواضع الفنان!
- كاريكاتير العدد 4476
- ميكائيل عكار -بيكاسو الصغير- الذي أذهل الوسط الفني في ألماني ...
- شاهد.. بعد هوس فيس آب.. تطبيق جديد يرسم صورتك بريشة كبار الف ...
- الوداد يتعاقد مع مدافع الكوكب المراكشي
- الكتابة عن الحب والجنس.. هل كان الفقهاء أكثر حرية من الأدباء ...
- 5 أفلام حطمت مبيعات شبابيك التذاكر


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فيحاء السامرائي - الى من يهمه العمر