أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - حتى نتجنب الكارثة ( 1 2 )















المزيد.....

حتى نتجنب الكارثة ( 1 2 )


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 4764 - 2015 / 3 / 31 - 20:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هناك من يرى أن أزمات بلادنا المستديمة والمتشابكة ستقود منطقياً إلى حصول كارثة، تتمثل بحرب أهلية ستنتهي إلى تقسيم البلاد.. وما يعزز هذه النظرة المتشائمة هو الزلازل التي ترج محيطنا الإقليمي في لعبة صراعات مصالح مقنّعة بالطائفية، ليس من السهل التكهن بمساراتها ومآلاتها.
وحتى لا تكون أحكامنا انفعالية متسرعة علينا الحذر من الوقوع في فخ التبسيطية وتفسير الظاهرة بالعامل الواحد، أو حتى بحزمة صغيرة متسقة من العوامل.. الظاهرة الإنسانية تتشكّل في مصهر تاريخي اجتماعي ضخم، ومن هنا صعوبة الوصول إلى استنتاجات قارّة ونهائية بصددها كما هو حاصل في حقل العلوم الطبيعية.

فبدءاً علينا الإقرار بأن تلك العوامل تتغير مع الزمن، وتتبدل أهميتها وتأثير كل منها بحسب تغيرات الظروف واتجاهات صراعات القوى وتناقضات المصالح. لذا لا يمكن بأية حال دراسة الخريطة السياسية الشائكة للعراق بتحولاتها وتناقضاتها وإخفاقاتها وعثراتها باستخدام صيغ الثنائيات التبسيطية، والأحكام الجاهزة. فالعوامل تتفاعل في مناخات متبدلة، والخنادق تتداخل، وأحياناً نعثر على قواسم مشتركة بين الفرق المتخاصمة، ففي عالم السياسة قد تتحد الأضداد، وقد يتفكك ما حسبناه متحداً كالبنيان المرصوص بحسب تبدلات الظروف وتغير اتجاهات المصالح.
وإذ يتحدث بعضهم عن واقع مأزوم قد يفضي إلى كارثة، يؤكد بعض آخر أن الكارثة واقع حاصل نلجأ إلى إنكاره لدوافع شتى.. ولكن ما هو توصيف الكارثة؟ ماذا نقصد بها؟ أهي حالة قائمة، أم هي نذر تلوح في الأفق؟. أترانا على مشارفها؟. أم هي وهمٌ نختلقه تحت ضغط مخاوفنا وظروفنا الآنية الصعبة؟ أهي مصير محتم، أم احتمال يمكن تجنبه؟ ما هي المعايير التي نعتمدها لنصف حالة ما بأنها كارثية؟. وتلك المعايير أتتعلق بجانب واحد من حياتنا أم هي تهدد الجوانب كلها لتضع من ثم وجودنا ذاته على كف عفريت؟ أهي حالة خاصة بنا نحن العراقيين أم هي جزء من كارثة عامة إقليمية، وربما عالمية؟ هذه الأسئلة أجدها العتبة الضرورية قبل إطلاق قوى تفكيرنا بحثاً عن الحلول.
لا يمكن النبش عن العلل المولدة للأزمات في الحقل السياسي وحده، بل هي تمتد إلى المجتمع وبعض قيمه وتقاليده ومعتقداته، وإلى الاقتصاد وما يتصل بأشكال الإنتاج الاجتماعي وتوزيع الثروة والتراتبية الطبقية، وبالثقافة، وهذه كلها كما يبدو لي أشبه ما يكون بالمناخ وطبيعة التربة نسبةً إلى الزراعة.. وأيضاً لا يمكن الاقتصار في البحث عن تلك العلل في الحاضر فقط.. فلها، لاشك، جذورها في الماضي، غير أن هذا الماضي يحضر ويغيب تبعاً لعمليات استثماره سياسياً، وفي ضوء متطلبات المصالح الخاصة والعامة، من قبل اللاعبين السياسيين ومن يستفيد من ذلك..
الأزمة تُصنّع وتُسوّق.. تتخذ أشكالاً ومسارات، في الدوائر الاستخبارية، وفي مطابخ السياسة، وإدارات الشركات الكبرى، وفي كهوف الإرهابيين المعتمة.. لكن الكارثة الحقيقية ستطل برأسها حين يكون الخطاب السياسي السائد ذاته محفِّزاً ومنتجاً للأزمات، ومعززاً لها.
أعتقد أن الكلمة المفتاح في موضوعتنا ( عراقياً ) هي الإرهاب.. والسؤال الأول المتعلق به هو كيف استطاع هذا الورم السرطاني الخبيث من الانبثاق والتمدد بين خلايا وطبقات نسيجنا الاجتماعي؟. ولماذا لم نستطع مقاومته والحد منه على الرغم من أننا انتبهنا إليه مبكراً؟ كيف سمحنا له أن يتضخم ويشل جزءاً من جسمنا الوطني، ويهدد هويتنا الوطنية ووحدة دولتنا العراقية ومستقبلنا؟
في مقابل ذلك الورم الخبيث ثمة ورم آخر لا يقل خبثاً وخطراً عن الأول، وهما معاً يتعايشان ويغذّي أحدهما الآخر؛ أقصد بالورم الثاني؛ الطائفية. وسنرجع للحديث عن الورمين الكارثيين لاحقاً.
لمّا سقط نظام صدام وتم احتلال العراق في ربيع العام 2003 لم يجر التفكير، من قبل النخب التي أصبحت في واجهة الحكم، بتجاوز أخطاء بناء الدولة السابقة. فيما ساعدت سلطة الاحتلال بتدمير كل شيء بحجة البناء على أسس جديدة، لكنها هذه المرة أرست مجموعة من القواعد والأعراف القاتلة في إدارة الدولة، وأشنعها تعزيز آلية المحاصصة العرقية والطائفية في الحكم التي تعد علة العلل في المشكلات اللاحقة التي رافقت أداء الحكومات المنتخبة، والتي عجزت عن حلها، أو الحد من عقابيلها وآثارها. لا بل إن المشكلات تفاقمت وتشعبت منذ ذلك الوقت حتى باتت تهدد مستقبل النظام السياسي، والدولة ووحدتها وسيادتها. وأعتقد أن السبب المباشر القريب والأعظم في استعصاء حل المشكلات والأزمات هو هذا؛ كان العراق بحاجة إلى المحافظة على ما تبقى من بناه التحتية ونظامه البيروقراطي وإصلاحهما وتكييفهما مع متطلبات المبادئ الديمقراطية والدولة المدنية الديمقراطية الجديدة، وهذا ما لم يحدث. كنا بحاجة إلى خطوات متأنية ومحسوبة في الانتقال إلى النظام الديمقراطي ولكن كان هناك تسرّع فج بدفع من قوى فكرت بالحصول على مكتسبات خاصة بجماعاتها، ولم تتنبه إلى ما يمكن أن تقود إليه عجالتها من أزمات شنيعة.. كانت هناك مشكلة الدستور المملوء بالثغرات والألغام، الذي كُتب على عجل، وكان المصدر، وما يزال، مشكلات عديدة. وهذا كله أدى إلى التخبط والفوضى والفساد؛ أي المناخ الملائم لنمو الإرهاب، وتوسع نشاط القوى الاستخبارية الخارجية المعادية.
فشلنا حتى هذه اللحظة في تأسيس أرضية سياسية اجتماعية مشتركة تجذِّر قيم الهوية الوطنية العراقية وتعززها.. وهو فشل تتحمل وزره النخب السياسية والثقافية التي لم ترتقِ إلى مستوى التحدي.. التحدي كبير وقاس ومعقد وأبطاله أطراف داخلية وخارجية وظروف صعبة وتاريخ شائك قرئ بعين حولاء. وفيما العالم يمضي قدماً باتجاه اقتصاد معولم وعلاقات ممأسسة عابرة للحدود نرتد نحن نحو عصبياتنا ما قبل الدولتية.. وأعتقد أن العولمة نفسها مسؤولة عن ازدهار بعض العصبيات التي تمثل في أحد تجلياتها آخر الوسائل والحيل الدفاعية التي يلجأ إليها المهزومون في معركة التقدم.
مظاهر الأزمة/ الكارثة متعددة؛ وثمة آليات عمل سياسي تساهم في إعادة إنتاجها، إلى جانب هشاشة اقتصادنا الذي هو ذو بعد واحد، وقصور نظامنا التعليمي، وعجز نخبنا الثقافية في غرس قيم التنوير والعلم في الأذهان.. فمع اقتصاد ريعي، وتخلف البنى التعليمية والقانونية والإدارية، تُنبذ قيم العمل والإنتاج والإبداع.. ويغدو التجهيل والتغبية صناعة بستراتيجيات وآليات عمل وبرامج. ليكون أقصر الطرق إلى السلطة هو العزف على الوتر الاثني ( العرقي، العشائري، الديني، الطائفي ) حيث تعمل الآليات الانتخابية، في أحايين كثيرة، كطاردة لأفضل الكفاءات والخبرات الوطنية المخلصة، وكرافعة لإيصال أشباه الأميين ( بمعايير الثقافة السياسية الرصينة )، والمفسدين والانتهازيين والمغامرين وشذاذ الآفاق، إلى مراكز المسؤولية.. هنا يُستغل الدين ( الطائفي ) في الصراع السياسي. وعندما ينتشر الجهل والفقر، ويتسيّد العقل الغيبي الخرافي، فإن أعظم الاستثمارات ربحية في ضمن معادلة ( الثروة، السلطة، النفوذ ) هي التي تتحقق في هذا الحقل.
إذا كانت بعض العوامل المديمة للأزمات عرضية واعتباطية ومؤقتة، فبعضها الآخر ( الأكبر حجماً وتأثيراً ) ممأسسة ومخطط لها بمديات زمنية محسوبة، وتقع كلها على ذلك المدار الذي يسم حقل السياسة وهو ( المصالح )؛ توافقاتها وتعارضاتها وتداخلاتها والمتغيرات المرتبطة بها. إذن علينا النظر إلى التغيرات في خارطة المصالح؛ أي لعبة المصالح المتآزرة والمتقاطعة والمتبارية المتصارعة.. ولأن العراق بات ساحة لعب مفتوحة ومثمرة فإن قوى وأطرافاً عديدة تورطت بالمعضلة العراقية بدءاً من دول الجوار ( بلا استثناء )، مروراً بدول إقليمية وانتهاءً بدول خارجية صغيرة وكبيرة، وكلها تبحث عن أدوار لها في هذه المنطقة الغنية بالموارد، وتسعى لضمان مصالحها السياسية والاقتصادية، وغالباً على حساب استقرار العراق وازدهاره.. إلى جانب صراعات المصالح الفئوية الداخلية التي تقتات على المصلحة الوطنية.
لم نعِ بعد أن أحد الأسباب الخطيرة لديمومة حالتنا المأزومة هي طبيعة ثقافتنا.. الثقافة هي الحقل الذي يجب أن تبدأ فيه صراعنا من أجل الخروج من عنق الزجاجة، فما زلنا نرى العالم بعيون قديمة مصابة بقصر النظر والاستكماتزم ـ بالمعنى المعرفي مجازاً ـ وما زلنا نفكر باستعارة حلول وضعت قبل مئات السنين لمشكلات عصر مغاير، لمواجهة مشكلاتنا الراهنة المعقدة.. نذهب إلى الكتب القديمة ولا نقرأ الواقع لنفهمه.. فلا يعقل الانخراط في تيار التقدم بأفكار وتصوّرات تنتمي لقرون غابرة. ويقيناً أن فكراً علمياً ونقدياً قابلاً للتطور والتكيف مع معطيات الحاضر ومراجعة يقينياته وافتراضاته ومقولاته وحده القادر على ضمان الفعالية المنتجة في المحيط الإنساني؛ الفكر المتحد بالممارسة، لا الفكر المفروض من خارج نطاق التجربة المعيشة وسياق التاريخ.
إننا نخوض صراع سرديات وثقافات، وإن لم نستوعب هذه الحقيقة جيداً ونمتلك أدوات الصراع ووسائله العلمية والمعرفية ستتوالى خسائرنا وتتعزز. ولأنها استندت، في رؤاها وبناء قناعاتها، إلى آيديولوجيات دوغمائية، وليس إلى الفكر العلمي النقدي لم تستطع النخب السياسية والثقافية العراقية طوال العقود الماضية أن تؤسس فضاءً فكرياً تنويرياً وحداثياً حقيقياً. ولذا أصبح يسيراً الارتداد ـ وحتى إنْ كانت عمليات رد فعل سلبي ـ من الآيديولوجيات ذات الصبغة العلمانية إلى الآيديولوجيات الدينية الطائفية، وأحياناً إلى تبني القناعات المترعة بالأساطير والأوهام.. إن نظامنا التعليمي والثقافة التي جرى الترويج لها رسمياً، أو من قبل المؤسسات التقليدية، أو قوى المعارضة السياسية، وفصيل واسع من المشتغلين في الإنتاج الثقافي والفني والمعرفي، لم يعلّم الناس كيف يفكرون بطريقة منطقية وعلمية صحيحة، ولم تغرس عندهم روحية الحوار والنقد والنظر الموضوعي، وإنما اعتمد آليات التلقين والحفظ الببغاوي والتي زرعت قناعات ضبابية جوفاء وهشة سرعان ما ذرتها ريح الخرافات والتعصب حين هبّت.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,721,987,042
- مثقف المدينة: بغداد السبعينات بين الشعر والمقاهي والحانات
- الانتصار على الإرهاب بالثقافة
- الكيان العراقي ليس افتراضاً تاريخياً قابلاً للدحض
- إنهم يقتلون الطبيعة: مقاربة في المحنة العراقية
- الصف الثالث، أكاذيب، طائر، ونصوص أخرى
- عن لغة السياسة في الخطاب السياسي العراقي
- أنْ نعيد الاعتبار للحياة
- الفشل في إدارة موارد المجتمع ( 2 2 )
- الفشل في إدارة موارد المجتمع ( 1 2 )
- المكان والهوية والاغتراب
- قصة قصيرة؛ مساء عاطل
- السردية التأسيسية للدولة وموقع المثقف
- أيمكن ممارسة الديمقراطية من غير مبدأ التسامح؟
- ثلاث قصص قصيرة جداً
- باتريك موديانو هل يستحق نوبل الآداب؟
- الاقتصاد السياسي للعنف
- موقع الهوية
- الهجرات الداخلية وهوية الأمكنة ( 2 2 )
- الهجرات الداخلية وهوية الأمكنة ( 1 2 )
- المكان العراقي: السلطة والثقافة والهوية ( 3 3 )


المزيد.....




- فيروس كورونا: التفشي بلغ -مرحلة حرجة وقد يتحول إلى وباء شامل ...
- سناتور حليف لترامب يدعو إلى إقامة منطقة حظر طيران فوق إدلب
- ارتفاع عدد الجنود الأتراك الذين قتلوا في إدلب إلى 33
- ليبيا... اندلاع اشتباكات عنيفة في العاصمة الليبية طرابلس
- الناتو لا يناقش تفعيل بند الدفاع الجماعي بخصوص الوضع حول سور ...
- مقتل 22 جنديًا تركيًا بغارات جوية في سوريا
- لأول مرة دوري كرة قدم للسيدات في السعودية
- مقتل 22 جنديًا تركيًا بغارات جوية في سوريا
- جدل في مواقع التواصل بشأن صحة البابا تزامنا مع انتشار كورونا ...
- معاناة الهنديات المهجورات مزدوجة.. أزواج هاربون ومجتمع يراهن ...


المزيد.....

- دور المثقّف العربي في التّغيير: المثقّف و الوعي المطابق لحاج ... / كمال بالهادي
- الاحتجاجات التشرينية في العراق: احتضار القديم واستعصاء الجدي ... / فارس كمال نظمي
- الليبرالية و الواقع العربي و إشكالية التحول الديمقراطي في ال ... / رياض طه شمسان
- غربة في احضان الوطن / عاصف حميد رجب
- هل تسقط حضارة غزو الفضاء بالارهاب ؟ / صلاح الدين محسن
- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - حتى نتجنب الكارثة ( 1 2 )