أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - حسقيل قوجمان - من وحي كتاب سفر ومحطات. عبادة الحزب















المزيد.....



من وحي كتاب سفر ومحطات. عبادة الحزب


حسقيل قوجمان
الحوار المتمدن-العدد: 1320 - 2005 / 9 / 17 - 09:52
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


تكرم الاخ شوكت خزندار (ابو جلال) فأهداني نسخة من كتابه المعنون "سفر ومحطات (الحزب الشيوعي العراقي ... رؤية من الداخل) الذي صدر سنة ٢٠٠٥، وطلب مني الكتابة عنه. وقد اوحت لي قراءته عدة مواضيع ستأتي تباعا في الحوار المتمدن.
(اعلم ان الاخ شوكت يحب ذكر الاسماء مبتدئا بكلمة الرفيق وذكر الاسم كاملا ثم الكنية. ولكني احجمت عن استخدام كلمة الرفيق لسببين اولهما شخصي وهو ان كلمة الرفيق هي كلمة تستخدم للمخاطبة بين عضوين في حزب شيوعي واحد او من حزبين شيوعيين مختلفين وانا لم اكن عضوا في اي حزب منذ نبذني الحزب الشيوعي العراقي بعد ثورة ١٤ تموز الى يومنا هذا ولهذا لا يحق لي ان اخاطب احدا بكلمة رفيق. والسبب الثاني مبدئي وهو ان كلمة الرفيق دنست منذ اطلاقها على صدام حسين والبكر وميشيل عفلق وحافظ الاسد والقذافي وامثالهم ولذلك استنكف من استخدامها لمخاطبة شخص احترمه. لذا اعتذر الى الاخ شوكت واطلب منه ان يسمح لي بمخاطبته او التحدث عنه بذكر اسمه المفضل "ابو جلال" بدون اضافات.)
قبل ان ابدأ في كتابة المواضيع التي توحيها لي قراءة الكتاب أرى من الضروري اعطاء القارئ نبذة سريعة عن حياة ابو جلال السياسية التي تضفي على الكتاب اهميته السياسية الكبيرة. ولد ابو جلال في السليمانية سنة ١٩٣٦ وقد اجبرته والدته على تعلم الخياطة كمهنة منذ نعومة اظفاره. تعلم الخياطة لدى خياط يبدو انه موصلي لا يجيد اللغة الكردية فنال ابو جلال فائدتين من التعلم لديه. اولا اصبح خياطا ماهرا وثانيا تعلم اللغة العربية بلهجتها الموصلية منذ صباه.
تعرف ابو جلال على الحزب الشيوعي من اخيه وعمه واصبح عضوا في الحزب في السادسة عشرة من عمره. وحين اصبح شابا فتح محل خياطة ناجحا في السليمانية استخدمه من اجل كسب العيش وكذلك مقرا حزبيا وسياسيا يؤمه الشيوعيون وغير الشيوعيين. وحين انتقل الى بغداد لم تكن احواله المالية تسمح له بفتح محل خياطة مستقل فعمل لدى عاصم فليح ثم لدى احمد خماس.
كانت حياة ابو جلال الحزبية في البداية شبيهة بحياة اي عضو في الحزب، العمل في احدى منظماته ودفع الاشتراك الحزبي والاشتراك في النشاطات الحزبية وما يلازم ذلك من اضطهاد واعتقال وسجن وغير ذلك. اعتقل ابو جلال سنة ١٩٦٢ وارسل بدون محاكمة الى سجن نقرة السلمان كما حصل لكثير من اعضاء الحزب والفلاحين والعمال في عهد عبد الكريم قاسم وبقي في الحجز حتى سنة٥١٩٦ ثم اطلق سراحه. وقد صادرت حكومة عبد الكريم قاسم اموال ابو جلال واغلقت حانوته بحيث انه لم يستطيع استرجاع امواله بعد اطلاق سراحه فساءت حالته المالية واضطر الى العمل في الخياطة من اجل كسب العيش لعائلته. التقى ابو جلال في نقرة السلمان بحمزة سلمان ومهدي حميد قبل قتلهما بعد انقلاب ١٩٦٣. أقول قتلهما لان حكومة عبد الكريم قاسم كانت قد الغت حكم الاعدام عنهما لذا لم تكن تصفيتهما من قبل حكومة البعث تنفيذا لحكم الاعدام بل كانت قتلا مع سبق اصرار. لحد الان لم تكن لحياة ابو جلال السياسية اية اهمية خاصة تختلف عن حياة جميع اعضاء الحزب في تلك الفترة من حياة الحزب.
كان ابو جلال وزوجته نشيطين ومخلصين في خدمة الحزب وكان لهما عدة اطفال لذلك شكل ابو جلال ستارا مناسبا للحزب بحيث انه كان دائما يحتل مقرا مهما من مقرات الحزب يستأجره باسمه ويصبح مقرا للاعضاء القياديين وللمطبعة. فكان احيانا مقرا لكامل اعضاء المكتب السياسي وللمطبعة في الوقت ذاته. وبما ان ابو جلال كان نشيطا وجريئا وقادرا على اتخاذ القرارات في الظروف الصعبة اصبحت له سيطرة احيانا حتى على اعضاء المكتب السياسي للحزب بدون ان يكون هو عضوا في اللجنة المركزية او في المكتب السياسي. وقد استغلت قيادة الحزب هذه الصفات في ابو جلال فاستغلته اكبر استغلال. سمح وضع ابو جلال هذا له بالاطلاع على تفاصيل حياة كل عضو من اعضاء المكتب السياسي وعلى سلوكهم وحتى على تفاصيل اجتماعات المكتب السياسي بما في ذلك تفاصيل حياتهم الشخصية وحتى دور الدعارة والليالي الحمراء التي يترددون اليها. كانت اجتماعات المكتب السياسي تعقد في بيته ولا تفصله عن الاجتماع سوى بضعة امتار في الغرفة المجاورة لمكان الاجتماع فكانت اصواتهم العالية في اغلب الاحيان تسمع بوضوح في الغرفة المجاورة حيث يوجد ابو جلال وعائلته. اضف الى ذلك كان ابو جلال في اغلب الاحيان مسؤولا عن مطبعة الحزب وهو الذي يطبع منشوراته ومحاضر جلسات المكتب السياسي وحتى الرسائل الخاصة بين السكرتير وصدام حسين اثناء الجبهة. لذلك كان محتوى الكتاب منذ ٥١٩٦ وما بعد عبارة عن تفاصيل حياة اعضاء المكتب السياسي السياسية والخاصة. هنا تكمن اهمية هذا الكتاب الغريب العجيب.
ليس بالامكان التحدث بالتفصيل عن محتويات الكتاب لانه في الواقع فضح صريح لجميع فضائح ومؤامرات اعضاء المكتب السياسي واحدا واحدا خلال سنوات عديدة حتى الثمانينات حيث انفصل ابو جلال عن الحزب. لذلك فقد كانت كل صفحة وكل فقرة بل كان كل سطر من الكتاب فضحا لتلك الفضائح. ليس بامكاني ان اؤكد على صحة او عدم صحة كل ما جاء في الكتاب من وقائع. ولكن لو كان في تلك الوقائع جزء من الف من الوقائع الحقيقية لكان كافيا لتحديد الموقف من الحزب الشيوعي العراقي. الا ان ابو جلال كان حريصا على اثبات صحة ما جاء في كتابه. فقد عرض مسودة كتابه قبل نشره على عدد كبير من كوادر الحزب قاموا بابداء الملاحظات وتصحيح الاخطاء اللغوية مما ساعد ابو جلال على تحسين محتوى الكتاب ذكر منهم الدكتور عبد الحسين شعبان وكان اخرهم باقر ابراهيم الذي يقدمه على انه كان الشخصية الثانية في الحزب مدة ثلاثين عاما. وقد اورد ابو جلال ملاحظات وتعليقات باقر ابراهيم بنصها في الكتاب في المواضع التي تتعلق الملاحظات بها ولم يكن فيها اي شجب او تكذيب لمحتويات الكتاب مما قد يكون شاهدا على صحة ما جاء فيه او على الاقل صحة اغلب ما جاء فيه. أنا انصح كل من يحرص على حركة الطبقة العاملة العراقية وعلى الحركة الوطنية العراقية قراءة هذا الكتاب وتحديد موقفه منه.
جاءت في الكتاب احداث تدل على المستوى المتدهور لكافة اعضاء المكتب السياسي وعلى اخلاق معظمهم المنحطة. تحدث ابو جلال عن عدم التوافق والانسجام في اراء اعضاء المكتب السياسي الى درجة ان بعضهم يتحدث عن رفيقه في المكتب السياسي لدى غيابه بعبارة ابن (الكذا) او المخرب او غير ذلك. تحدث عن علاقات بعضهم الغريبة والمشبوهة في داخل العراق وخارجه. تحدث عن مؤامرات يحوكها بعضهم على البعض الاخر وعن سرقة اموال الحزب وعن دعارة بعضهم وعن انتهاك اعراض الرفيقات بحيث ان بعضهن اصبحن مومسات ويتحدث عن حوادث قتل واعتقال ووجود جهاز امن للحزب يتدرب رؤساؤه في معاهد المخابرات السوفييتية يراقب حركة كل عضو في الحزب من القمة الى القاعدة وعن تصرفات فظيعة لهذا الجهاز ورؤسائه تجاه الاعضاء الطيبين في الحزب.
ركز ابو جلال حديثه بالدرجة الرئيسية عن عزيز محمد سكرتير الحزب لأكثر من ثلاثين عاما وكريم احمد الداوود ومن يسميه صنيعتهما حميد مجيد موسى. وتحدث بالدرجة الثانية عن عامر عبدالله وبهاء الدين نوري وعزيز الحاج وبالدرجة الثالثة عن عبد الرزاق الصافي وثابت حبيب العاني اللذين كانا رئيسين لجهاز امن الحزب. ولم يذكر زكي خيري الا عدة مرات وبدون ان يبين رأيه فيه ولكنه اكثر من مدح ارا خاجادور وباقر ابراهيم. ويقتبس من احد اعضاء المكتب السياسي ذكره باسمه الحزبي فقط انه قال ان شروط قبول العضو في اللجنة المركزية هو ان يكون اعمى اخرس اطرش واضيف من عندي يجب ان لا يفكر ايضا. ذكرني ذلك بفيلم فريد شوقي حيث اشترط عليه مديروه ان يكون كذلك وزودوه بتمثال لثلاثة قرود احدهم يضع يديه على عينيه واخر يضع يده على فمه والثالث يسد اذنيه بيديه ليذكره بشروط استخدامه ولكن فريد شوقي كان يفكر فلم يستطع الثبات على هذه الشروط بل ثار عليها.
اذكر مثالا واحدا عن المؤامرات التي كان اعضاء المكتب السياسي يحوكونها ضد اقرانهم في المكتب السياسي. يقتبس ابو جلال من سلام عادل انه كان يعتبر عزيز الحاج جبانا ومخربا واوصى بعدم السماح له بالعودة الى العراق لا بصفته الحزبية ولا بصفته الشخصية ولذلك عاقبه بان عينه ممثل الحزب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية في براغ. وفي سنة ١٩٦٧ قرر المكتب السياسي استدعاء عزيز الحاج الى العراق ويشير الى ملاحظة خالد بكداش عنه اثناء وجوده في دمشق في طريق عودته انه قال عنه انه خائف حتى عند وجوده في دمشق فكيف اذا كان في العراق؟ وقد استدعى عزيز محمد عزيز الحاج لانه مخرب وادخله راسا في المكتب السياسي بعد ان ازاح ارا خادادور منه. تآمر عزيز محمد وعامر عبدالله وبهاء الدين نوري على عزيز الحاج لدفعه الى الانشقاق مع الكوادر المعارضة لخط آب لكي يتخلصوا من تأثيرهم على المؤتمر الثاني الذي كانوا يعدون له ولكي يخلو لهم الجو مع الاعضاء الذين يتصفون بالصفات الثلاث اللازمة لاعضاء اللجنة المركزية. وفعلا دفعوا عزيز الحاج الى الانشقاق في تلك السنة بأن كلفوه باكثر المهام الحزبية حيوية في المكتب السياسي بدون ان يكون اهلا بها. ويصف ابو جلال احداث الانشقاق حيث لم يخرج عزيز الحاج من داره الحزبية الا بحماية ابو جلال. يصف كيفية اعتقال زكي خيري وبهاء الدين نوري وكيفية هربهما من المعتقل الحزبي ثم كيف سافر بهاء الدين نوري الى السليمانية ليأتي بعصابة مسلحة يستخدمها لمطاردة عزيز الحاج والانتقام منه وحتى قتله. وعند اعتقال عزيز الحاج في معتقل حزبي او ما يسميه ابو جلال "السجن الرفاقي" جرى الاتفاق مع حسين الكمر اقرب اعضاء الانشقاق الى عزيز الحاج ان يأتي بسيارة الحزب ومواد الطباعة والوثائق الحزبية في وقت معين لاعادتها الى الحزب. وفي الوقت المعين جاء بهاء الدين نوري وعصابته في سيارتين لملاقات الكمر في الموعد المحدد وعندما حاصر بهاء سيارة الكمر بين السيارتين افلح الكمر في اجتياز الحاجز في الشارع الذي يفصل بين اتجاهي السير واخذ يسوق ضد اتجاه السير يطارده بهاء وعصابته وكان ابو جلال مع بهاء الدين نوري الذي كان يسوق سيارته بسرعة جنونية ويأمر ابو جلال باطلاق النار على سيارة الكمر ولكن ابو جلال يرفض اطلاق النار. تصورت وانا اقرا تفاصيل هذه المطاردة انني اشاهد فلما من افلام المافيا الاميركية حيث تقوم احدى العصابات بمطاردة العصابة المنافسة لها في شوارع تكساس.
لم يكن ابو جلال يحب عزيز الحاج بل يحتقره ويضربه احيانا ولكنه كان يحافظ على حياته لانه واثق ان عزيز الحاج سينهار فور اعتقاله مما يؤدي الى خسائر فادحة للحزب. وقد اقنع عزيز الحاج بضرورة عودته الى براغ لحمايته من الاعتقال ولكن بهاء الدين نوري وزكي خيري رفضا مساعدته على السفر وكان ما توقعه ابو جلال من انهيار عزيز الحاج وما رافق ذلك من اعتقالات وقتل وسجن العديد من اعضاء الحزب.
وكان اخر المطاف في حياة ابو جلال الحزبية ان فخري كريم ارسل سنة ١٩٨٣ عضوا حزبيا مع امر بوضع السم في ابريق الشاي لعائلة ابو جلال وقتلهم جميعا نظرا الى ان ابو جلال يعرف اسرارا كثيرة. وحين سأل العضو المكلف بذلك فخري كريم عن سبب قتل جميع افراد العائلة مع الزوجة واربعة اطفال وعدم الاكتفاء بقتل ابو جلال اجاب فخري كريم لكي تظهر وفاتهم كانها تسمم في الغذاء وليس جريمة قتل. ولكن هذا العضو الحزبي كان صديقا لابو جلال واخبره بالحقيقة واراه الحبة السامة التي اعطاها له فخري كريم وحتى اسم الطبيب الذي زود فخري كريم بالحبة السامة لغرض تسميم العائلة بها. وكان هذا اخر مطاف ابو جلال بالحزب. بقي ابو جلال عضوا في الحزب مدة ٣١عاما رغم انه لاحظ جميع هذه المؤامرات لانه اعتبر وجوده في الحزب ضروريا من اجل اعادة الحزب الى مسلكه الثوري الذي كان عليه تحت قيادة الرفيق فهد. ولهذا اجد فيه اروع مثال لموضوع هذا المقال الذي اسميه عبادة الحزب.
قبل اكثر من عشرين عاما صدر كتابي عن ثورة ١٤ تموز واعيد نشر الكتاب حاليا في بغداد. في هذا الكتاب توصلت عن طريق التحليل النظري والسياسي الماركسي لسياسة الحزب واستنادا الى وثائق الحزب التي اقتبستها من كتاب الدكتورة سعاد خيري عن ثورة تموز الى ان الحزب فقد كل صفة من صفات الحزب الشيوعي منذ الكونفرنس الثاني سنة ١٩٥٦ ولهذا لم يعد الحزب الشيوعي منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا ولو دقيقة واحدة حزبا شيوعيا او طليعة للطبقة العاملة او حزبا ماركسيا. وقد برهنت على ذلك في سياساته التي تلت الكونفرنس سواء قبل ثورة تموز او بعدها. وقد توقفت عن البحث فيما بعد انقلاب ١٩٦٣ لعدم توفر الوثائق لدي ولكني اضفت في النهاية خاتمة تشير الى ان تحول الحزب من خندق صدام الى خندق معارضة صدام لا يعني ولا يمكن ان يعني فتح صفحة جديدة في سلوك الحزب لان التاريخ لا يعرف الصفحات الجديدة ولذلك فان سياسة الحزب لابد بل من المحتم ان تجري بنفس الخط اللاشيوعي اللاماركسي مهما اصدر من شعارات رنانة كشعار الجبهة العريضة وشعار الديمقراطية للشعب والحكم الذاتي لكردستان وغيرها من الشعارات.
وتوصل ابو جلال الى نفس النتيجة ليس عن طريق التحليل السياسي والنظري بل عن طريق مراقبة سلوك قيادة الحزب بحيث انه كان يكرر بعد كل فضيحة وكل مؤامرة هل هذا هو حزب فهد ويكرر ان حزب فهد قد ضاع. وليس موضوع مقالي هذا مقارنة بين طريقتي او طريقة ابو جلال في التوصل الى هذه النتيجة وانما ما اريد مناقشته في المقال هو ما هو الموقف الصحيح الذي يجب ان يتخذه اي عضو مخلص للطبقة العاملة ولحركتها الثورية لدى علمه بهذا التحول الانتهازي التحريفي لقيادة الحزب.
ليس ابو جلال اول او اخر من شعر بهذا الانحراف. فقد كان الكثير من الاعضاء يعرفون انحراف هذه القيادة عن الطريق الثوري وعن طريق خدمة الطبقة العاملة. ولكن موقفهم كان على الاغلب مواصلة النضال في صفوف الحزب والعمل على اصلاح او تغيير القيادة لكي يعود الحزب الى الطريق الثوري الصحيح الذي خطه فهد للحزب. وانا اعتبر هذا الموقف سواء من قبل ابو جلال او من اي عضو اخر في الحزب خطأ فادحا. فالعضو وهو في الحزب الذي اصبحت قيادته قيادة انتهازية تحريفية يعمل وهو في الحزب شاء ام ابى على تنفيذ سياسة الحزب المنحرفة. فدفع الاشتراكات والتبرعات الى هذه القيادة يمولها في طريقها للسير بسياساتها التحريفية. وتنفيذ اوامر القيادة تنفيذا لقواعد النظام الداخلي انما هو تنفيذ للسياسات التحريفية لهذه القيادة. ونشر منشورات الحزب وترويجها والدعاية لها هو ترويج لسياسات القيادة التحريفية. بل ان بقاء الحزب ذاته لا يتحقق الا بتأييد هذه العناصر الطيبة في داخل الحزب. فلو تخلى جميع الاعضاء الطيبين عن الحزب لما استطاع الصمود طيلة هذه السنوات على السياسة التحريفية باسم الحزب الشيوعي والطبقة العاملة.
كثيرا ما نقرأ عن الصمود البطولي لهذا الحزب خلال اكثر من سبعين عاما. ولكن خمسين من هذه الاعوام كان الحزب فيها حزبا تحريفيا وانتهازيا. حين يكتب بعض اعضاء الحزب عن امجاد هذا الحزب يكتبون بالتفصيل عن نضالات الحزب في فترة قيادة فهد ثم يقفزون عن الفترات التي تلت ذلك والسياسات اللاماركسية التحريفية التي خاضها الحزب بعد ذلك. يتجاهلون سياسة الحزب تجاه حكومة قاسم ثم يتجاهلون سياسة الحزب تجاه الحكومات التي تلته مثل خط اب الذي كان يعني حل الحزب وتصفيته والجبهة القومية التقدمية مع حكومة صدام الفاشية والتحالف مع حزب رئيس الجمهورية الطالباني الذي دبر بالتحالف مع صدام مجزرة احلافه الشيوعيين في بشتآشان. ويتجاهلون تمليق الحزب للقذافي والاسد وخادم الحرمين لنيل المكافات الضخمة منهم ويتجاهلون المصير الاخير للحزب حين تحالف من الاحتلال الاميركي للعراق. يتحدثون كثيرا عن الضحايا الكثيرة التي قدمها الحزب في سني نضاله الطويل ولكنهم ينسون ان هذه الضحايا كانت في اغلب الاحيان ضحايا سياسة الحزب التحريفية.
سمعت من الكثير مفهوم ان الحزب مهما كان فهو ما زال افضل من في الساحة السياسية. وهذا مفهوم خاطئ فظيع. اذ ان من المعلوم ان الاحزاب المتوفرة في الساحة هي احزاب برجوازية معادية صراحة للطبقة العاملة ومقارنة الحزب الشيوعي الذي من المفروض ان يكون طليعة الطبقة العاملة وخادمها مع هذه الاحزاب خطأ فاحش, فكان من يقول هذا يعتبر ان الحزب الشيوعي اقل من الاحزاب الاخرى ضررا للطبقة العاملة ولحركتها. وهذا يعني ان الحزب هو مضر ومعاد للطبقة العاملة مثل باقي الاحزاب ولكنه اقل منها معاداة للطبقة العاملة. هل هذا سبب منطقي للبقاء في مثل هذا الحزب ومواصلة النضال في صفوفه لمجرد ان اسمه ما زال الحزب الشيوعي؟ وهل حقا كان الحزب اقل ضررا للطبقة العاملة من الاحزاب الاخرى؟ اعتقد ان الحزب الشيوعي بشكله الانتهازي التحريفي هو اكثر الاحزاب اضرارا للطبقة العاملة لانه يناضل باسمها ويضللها في النضال ويقودها ضد مصالحها الحقيقية. ان الاحزاب الاخرى عدو تعرفه الطبقة العاملة وتناضل ضده اما الحزب الشيوعي فهو عدو من داخل الطبقة العاملة ولذلك تسير الطبقة العاملة في اعقابه ظنا بانه يمثلها وهذا اخطر من العدو الصريح.
هل يمكن اصلاح القيادة واعادة الحزب الى الخط الثوري الصحيح بعد انحرافه؟ اثبت التاريخ ان ذلك لم يكن ممكنا خلال خمسين عاما بل واصل الحزب خطه التحريفي وما زال ولم يكن بامكان الاعضاء الطيبين فيه تغيير القيادة او المجيء بقيادة ثورية حقيقية. وكان المثال الذي اقتبسته حول الانشقاق مثالا رائعا على استحالة تغيير القيادة المنحرفة بقيادة ثورية تعيد الحزب الى خطه الثوري. فالقيادة الحزبية هي سلطة مثل سلطة الدولة لديها كل الوسائل لمواصلة حكمها عن طريق خدع وتضليل الناس اولا وعن طريق القسر والاضطهاد ثانيا. فكما تواصل الطبقات الحاكمة حكمها لعدم وجود القوة الكافية للاطاحة بها كذلك لا يمكن ازاحة القيادة التحريفية لعدم وجود القوة الكافية للاطاحة بها. وكما لا يمكن القضاء على السلطة الطبقية الا بالثورة عليها والاطاحة بها كذلك لا يمكن تغيير السلطة الحزبية الا بالثورة عليها والاطاحة بها وهذا يتم في الحزب الشيوعي عن طريق ترك الحزب وحرمانه من القاعدة الشعبية. ان مفهوم اصلاح القيادة مفهوم خاطئ اثبت تاريخ اكثر من خمسين عاما خطله وعدم جدواه.
ما هو الموقف الصحيح من مثل هذه القيادات الانحرافية؟ الموقف الصحيح هو حرمانها من قواعدها الطيبة البسيطة. الموقف الصحيح هو تخلي الاعضاء الطيبين الذي يشعرون بانحراف القيادة عن الحزب واذ ذاك يفلس الحزب من قواعده ولا يبقى حزبا ذا قاعدة جماهيرية.
قبل ذكر احداث تاريخية تؤيد هذا الموقف اود ان اشير الى امثلة تتعلق بالنضال الحالي في العراق المستعمر. قرأنا بيان الحزب عن اجتماع اللجنة المركزية الذي صدر في الحوار المتمدن مؤخرا. كان من قرارات اللجنة المركزية اعتبار الدستور ايجابيا والعمل على تلافي اخطاء الحملة الانتخابية السابقة. هناك اجماع في الاوساط الشعبية بان هذا الدستور هو دستور يهدف الى اعادة الشعب العراقي قرونا الى الوراء والى تشديد الانقسام الطائفي والى حرمان المرأة من حقوقها والى تقسيم العراق تقسيما طائفيا. فما هو موقف العضو الحزبي الطيب الذي يشعر بذلك؟ ان النظام الداخلي يطلب من العضو الحزبي ان يخضع لقرارات اللجنة المركزية والتصويت بنعم للدستور ولكن شعور هذا العضو هو ان التصويت بنعم على هذا الدستور الاميركي مضر للشعب العراقي. فاي من الموقفين يجب على العضو ان يتخذه؟ ايخضع لقرارات اللجنة المركية للحزب رغم معاداتها للشعب العراقي وللطبقة العاملة او يتحدى قرارات اللجنة المركزية ويتخذ الموقف الذي يعتبره الموقف الصحيح في التصويت لهذا الدستور؟ ثم ان في حملة الانتخابات السابقة هب الاعضاء من اجل انجاح تلك الحملة فصوتوا للحزب فماذا كانت النتيجة؟ انتخبوا حميد موسى المتعاون مع الاحتلال الاميركي بحجة النضال السلمي العقلاني من داخل الاحتلال. فما الذي يحدث عن تلافي اخطاء الحملة السابقة في الانتخابات القادمة؟ يحدث انتخاب عدد اخر من امثال حميد موسى في البرلمان القادم اي انتخاب عملاء اخرين للاحتلال الاميركي.
ثم ان اللجنة المركزية تواصل دورها المطلوب منها وهو ان يكون عضو اللجنة المركزية اعمى اطرش اخرس. فلم نجد في بيان اللجنة المركزية اي ذكر لما يحدث في العراق من مصائب تجريها جيوش الاحتلال يرافقها جيش المرتزقة الذي يسمونه الجيش العراقي. لم نسمع كلمة عن معسكرات اللاجئين العراقيين في العراق من سكان المدن التي يجتاحها المارينز ويدمرها تصاحبه القوات المسلحة التي انشأها بعد حل الجيش العراقي. لم نسمع شيئا عن سجن ابو غريب والسجون الاخرى الاميركية والعراقية. لم نسمع شيئا عما يجري من قسر واضطهاد العناصر الدينية المتطرفة في البصرة والعمارة والكوت والناصرية والسماوة والديوانية والنجف وكربلاء. لم نسمع كلمة واحدة عن تحويل تقويض مدن العراق وارسال سكانها ليكونوا لاجئين في بلادهم يتكرم وزير الدفاع عليهم بالخيم ويتصدق عليهم بوجبات من الطعام. لم نسمع كلمة واحدة عما وعد به وزير الدفاع عن تصفية المدن الاخرى الواحدة بعد الاخرى وتحويلها الى معسكرات لاجئين كما في الفلوجة وتلعفر والقائم وكيف سيستطيع هؤلاء اللاجئون ممارسة حقهم في التصويت على الدستور والاشتراك في الانتخابات. واضح ان جيوش الاحتلال وقوات الحكومة العميلة للاحتلال يمارسون هذا الهجوم لغرض منع هذه المدن من التصويت بالنفي لمسودة الدستور ظنا بانهم اذا منعوا هذه المدن من التصويت سيجري التصويت على الدستور بنعم في الالوية التي يسمونها شيعية.
وهذا مثل تاريخي اخر على موقف الاعضاء الطيبين من سياسة الحزب التحريفية. تخلى الحزب رسميا في ميثاق الجبهة القومية التقدمية مع البعث عن العمل في القوات المسلحة وفي النقابات العمالية والجمعيات الفلاحية وحل المنظمات الديمقراطية التي يقودها كاتحاد الشبيبة واتحاد الطلبة ومنظمة المراة او تجميدها من على منبر المؤتمر. فماذا يجب ان يكون موقف العضو الطيب من هذه السياسات؟ هل يجب ان يؤيد الحزب صيانة له ام يجب ان يعارض الحزب ويتركه صيانة لحركة الطبقة العاملة؟
ان الموقف الصحيح الوحيد هو تخلي الاعضاء الذين يشعرون بان القيادة منحرفة عن الحزب. قد يعتبر البعض ان هذا يعني تخلي عن النضال. ولكن التخلي عن النضال المعادي للطبقة العاملة خير من مواصلة النضال ضد الطبقة العاملة. ولكن انفصال الاعضاء الطيبين عن الحزب لا يعني بالضرورة التخلي عن النضال. ان انفصال هؤلاء الاعضاء هو المقدمة الضرورية لبناء حزب حقيقي يخدم الطبقة العاملة والجماهير الكادحة. فطالما بقي العضو في الحزب لا يكون بامكانه العمل على تأسيس حزب حقيقي ولذلك فان انفصاله يعني الخطوة الاساسية الضرورية في سبيل انشاء الحزب الثوري الحقيقي.
هل هناك امثلة تاريخية لمثل هذا الموقف؟ كان كارل ماركس اول من اعطانا مثلا رائعا لموقف كهذا. كان كارل ماركس القائد النظري والروحي للحزب الاشتراكي الديمقراطي الالماني. ولكن كارل ماركس لم يكن القائد الميداني للحزب لوجوده الدائم في بريطانيا البلد الوحيد الذي تحمل وجوده. قامت قيادة الحزب الاشتراكي الالماني باقرار برنامج للحزب في مدينة غوتا ولذلك اطلق عليه اسم منهاج غوتا. ولما اطلع كارل ماركس على هذا المنهاج ادرك انه منهاج لا ماركسي. فماذا كان موقفه؟ لم يكن موقفه انتقاد القيادة ونصحها من اجل تحسين المنهاج بل كان موقفه انتقاد المنهاج واعلان الانتقاد للطبقة العاملة الالمانية والعالمية بكتابة كتابه الشهير "نقد منهاج غوتا" الذي ما زال من اهم الوثائق الثورية للطبقة العاملة وهدد بانه اذا واصلت القيادة على اتخاذ هذا البرنامج فانه يتبرأ علنا من الحزب.
تخلت الاممية الثانية الاشتراكية عن السياسة الماركسية في بداية الحرب العالمية الاولى. وقام لينين والحزب البلشفي بفضح هذا التخلي عن السياسة الماركسية. هل كان موقف لينين ان ينصح الاممية الثانية بالعودة الى الاتجاه الماركسي الصحيح والانتظار في صفوفها الى ان يتحقق تغيير موقف قيادة الاممية الثانية؟ بالطبع لا. كان موقف لينين انه اعلن للعالم عن افلاس الاممية الثانية وعن ضرورة تخلي الاعضاء الثوريين عنها وتأليف الاممية الثالثة. ولو ان لينين وقف غير هذا الموقف لما كان بامكانه ان يقود الثورة البروليتارية في روسيا، ثورة اكتوبر العظمى ولما كان بالامكان بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي.
ان البقاء في الحزب ومواصلة النضال في صفوفه وتأييده ومساعدته ماليا رغم العلم بانحراف قيادته هو ما اسميه عبادة الحزب. وقد ناقشت ذلك بالتفصيل في مقالي المنشور في الحوار المتمدن تحت عنوان "الطبقة ام الحزب" اقترح على ابو جلال وكل انسان ثوري حقيقي ان يراجعه بينت فيه ان الثوري الحقيقي هو من يواصل خدمته للطبقة العاملة والكادحين وليس من يواصل خدمته للحزب رغم علمه بانحراف قيادته وتحريفيتها.
نصيحتي لكل ثوري ان يصوت بلا في الاستفتاء على الدستور الاميركي وربما ان يقاطع الانتخابات التي تجري استنادا على هذا الدستور او على قانون بريمر لادارة الدولة.
حسقيل قوجمان





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كتاب- خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- كتاب - خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- جعفر ابو العيس
- خواطر يهودي عراقي سابق
- من مرحلة اعداد مسودة الدستور الى مرحلة الاستفتاء عليها
- مفهوم الربح في الراسمالية وفي الاشتراكية
- مهزلة الدستور
- جواب الى قارئ اخر
- جواب الى قارئ كويتي
- الصناعة الاشتراكية
- ذكرى ثورة 14 تموز
- رسالة تهنئة الى الاخ نجم الدليمي
- ظروف اليهود العراقيين في اسرائيل
- ملكية العمال الاشتراكية وراسمالية الدولة
- الدعوة الى الحوار لحل الازمة العراقية
- الماركسية نظرية للطبقة العاملة
- هل الماركسية تمر في ازمة ام المنظمات التي تبنتها
- الهجوم على ستالين هجوم على الماركسية
- البحث عن الطبقة الوسطى
- هل تستطيع الطبقة العاملة قيادة الحركات الثورية؟


المزيد.....




- صحافية سورية تفوز بجائزة -روري بيك- لمصوري الفيديو
- مدرسة جديدة في البقاع اللبناني تفتح أبواب -الخلاص- للاجئات ا ...
- السلطات السعودية تمنع أبناء سلمان العودة من السفر
- مكتب التحقيقات الفيدرالي يعجز عن اختراق 7 آلاف هاتف محمول مش ...
- -إسرائيلي- يطعن مذيعة روسية داخل غرفة أخبار محطة إذاعة إيكو ...
- السيسي: لا يوجد أي معتقل سياسي في مصر
- مجلس الأمن يستعد لتمديد التحقيق في الهجمات الكيميائية بسورية ...
- أطباء يدعون لإنقاذ حياة توأم ملتصق في قطاع غزة
- رسالة الخارجية الأمريكية لحكومتي بغداد وكردستان
- مدير الـ (CIA) السابق ينصح ترامب


المزيد.....

- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان
- من تاريخ الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي (١ ... / فيصل الفوادي
- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي - الجزء الاول / عزيز سباهي
- الأمن والدين ونوع الجنس في محافظة نينوى، العراق / ئالا علي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - حسقيل قوجمان - من وحي كتاب سفر ومحطات. عبادة الحزب