أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل محمود - هجوم إبليس بباريس















المزيد.....

هجوم إبليس بباريس


نبيل محمود

الحوار المتمدن-العدد: 4688 - 2015 / 1 / 11 - 14:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يلجأ العقل البشري إلى اللابشري في محاولته لمقاربة الأحداث غير المفهومة لعقله العملي، وعندما يخفق في التفسير العلمي والسببي للظواهر التي تتجاوز الفهم ومفاهيمه المألوفة في مواجهة الأزمات والكوارث. فيحضر الخارق والمتعالي على شكل تصورات مهوّمة، وهذا ما يشكل الشكل الميثولوجي للعقل الذي يسعى للفهم، في ظل غياب المفاهيم والاشكال المنطقية لتفسير الظواهر وتحديد الاسباب والقوى الواقعية التي تكوّن الظاهرة التي تباغته كظاهرة غير معقولة. وتماهياً مع هذا الشكل الميثولوجي اخترت عنواناً ذا ملمح غيبي بكائناته الهائمة في العقل الغائم كمثال لغوي لبيان الكيفية التي يتعامل بها هذا العقل. عندما أطلق الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك على الغزو الأميركي للعراق (فتحنا صندوق باندورا "Boîte de Pandore")، هل كان يخطر بباله إن إحدى تلك الشرور ستداهم باريس ذات يوم؟ إن الغزو الأميركي للعراق، بعيداً عن كل الأسباب السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، كان في مستوى معين وبمعنى من المعاني حجراً هائلاً أُلقي في مستنقع آسن كبير.. فكان لابد من انطلاق كل الروائح الكريهة واستحضار كل الأشباح الراقدة في أعماق التاريخ. لقد كانت لحظة صدمة تاريخية حينما اكتشف الجميع دولاً وأفراداً، كم أن بلداننا وأنظمتنا ومجتمعاتنا هي من الضعف والهشاشة بحيث تتهاوى وتتساقط كأوراق ذابلة بهذه السهولة؟ وهي التي كان قادتها السياسيون يتوعدّون ويهدّدون كل معتدٍ بالويل والثبور؟ دول وأنظمة ومجتمعات كانت تُحسب بشكل من الأشكال وإلى هذا الحد أو ذاك على العصر الحديث. لقد كان وقع الصدمة عنيفاً فبعد أكثر من قرن من تجارب التحديث تبيّن أن حداثتنا كانت (حداثة هشة)، وهنا كان الملام والمذنب هو كل الأفكار والأيديولوجيات الحديثة من اليسار إلى اليمين أي (الآخر)، في حين أن التفكير السليم يستدعي البدء بالنقد الجذري للذات. وبغياب هذا النقد وبعد انهيار هذا الواقع (الحديث!) كان لابد من النكوص الفكري والعودة إلى نماذج من تاريخنا السالف والانزلاق إلى الماضوية. لم تكن كل مناهج التربية والتعليم والثقافة العامة حول معارفنا الإنسانية وخاصة تاريخنا قد عرفت النقد الجذري والقطيعة المعرفية بشكل مؤسّسي. أي أن الحداثة لم تخترق (كمؤسسات) كل البنى الاجتماعية والفكرية. فالدولة الحديثة (الدولة- الأمة) قامت بقطيعة جذرية مع المؤسسات والوعي السابق عليها. حين ذهبت إلى احلال الرابطة السياسية والحقوقية بين الأفراد (المواطنة) وترسيخها بدل الروابط السابقة التي تقوم على رابطة الدم والقرابة والرابطة الدينية- الاعتقادية والأثنية..إلخ. هذا التحول والتحويل الكامل للمنظومة الفكرية والقيمية والاخلاقية للمجتمع، هو الذي يحدّد مدى نجاح أو فشل الدولة الحديثة. إن هذا ما فشلت فيه دولنا فـ (الماضي الذهبي) كان يعشّش في كل أركان الدولة (الحديثة!) والمجتمع ويهيمن على الوعي الفردي والجماعي، إلاّ من عصمه حسه النقدي! فكان رد الفعل والارتداد عن كل حديث ممكناً ويسيراً وربما مرغوباً أحياناً!.. كان (الماضي الذهبي) حاضراً بقوة وكان (الحاضر الحديث) غائباً! فاستيقظ أبطال التاريخ، وهم يلوّحون مستقطبين المزيد من العقول، بعد الاحباط واليأس من (الحاضر المهزوم!). لقد كان الخطاب السائد قد حرث النفوس وهيّأ العقول، فكم من ملايين كانت تستمع، وما زالت، كل أسبوع إنْ لم يكن كل يوم لعبارات مثل (اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم.. اللهم أرنا فيهم يوما.....) وغيرها الكثير والكثير... هل من الصعب، بعد هذا، تصور سهولة استقطاب الحركات والتنظيمات المتطرفة لهذه العقول؟ لن تكون مدهشة حركة هذه الأفواج من الشباب بحماسةٍ للانخراط في تنظيمات العنف خارج سياق الدولة بعد تشبّعهم بهذا الخطاب وهذا النمط من التفكير والوعي وبعد تهاوي (دولهم).

لم نشهد فعلاً لحظة التأسيس التاريخية، لقد كنا أشبه بـ (ملحق) للحداثة. إنها عملية صيرورة تاريخية واحدة تتواشج فيها مفاهيم الحداثة والعلمانية والديقراطية، ولا مجال لفصل أو انتقاء أو نبذ أحدها، دون أن تنتكس أية تجربة للدخول في العصر الحديث. وأعمدة هذه العملية تقوم على أساس واقعي متين من الانتاج الصناعي الحديث. ولا يمكن تصور نجاح هذه العملية دون هذا الأساس واستجابة كل النشاطات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى لمقولاته وضروراته. لقد عانت المجتمعات في انتقالها من العصور الوسطى إلى العصر الصناعي الحديث من أهم معضلتين وهما معضلة الثقافة القروسطية السائدة ومعضلة ما يسمى بـ (التراكم الرأسمالي الأولي). ولم تُحسم هاتان المعضلتان دون دفع أثمان بشرية باهظة عبر صراعات اجتماعية دامية. وإنْ كانت معضلة التراكم الرأسمالي في معظم بلدان المنطقة تبدو وكأنها ليست بمشكلة في ظل توفر العائدات النفطية الضخمة، لكنها مشكلة فعلاً بحكم كونها أسيرة عقلية الاقتصاد الريعي، وهذه المشكلة لا يمكن حلها إلاّ بقرار استراتيجي جريء للانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد يقوم على الانتاج الحقيقي. وهذه مشكلة سياسية بالدرجة الأولى لن يتم تجاوزها إلاّ بصعود قوى سياسية قادرة على اتخاذ قرارت مصيرية جذرية واجراءات حاسمة. أما المعضلة الثقافية فهي مرتبطة أيضاً بالمعضلة الأولى، ولكنها أشد تعقيداً لأنها ستواجه مشاكل الولوج في أعماق البنية الاجتماعية والفكرية والقيمية وتغييرها. من المؤسف أن تجارب التاريخ لانتقال المجتمعات من القديم إلى الحديث لم تتم بغير الصراعات العنيفة والقاسية والتي تكبّدت فيها المجتمعات خسائر فادحة. فالشعوب لا تتعلم وتتغيّر بعقلها بل بدمائها!.

كلما طرأ حادث مأساوي يثار الكثير من القيل والقال عن الاعتدال والتطرف والاعتفاد والتسامح والذات والآخر.. معظمه يبرر ويلقي باللوم بعيداً عنه، دون الذهاب إلى أصول وجذور المشاكل الحقيقية المنتجة لهذه الأحداث والظواهر. يتغافل أو يتجاهل الكثيرون، إننا بحاجة إلى لحظة تأسيس تاريخية تعيد النظر في كل أسس وجودنا المادية والفكرية، والحاجة إلى نقد جذري بعيداً عن المعالجات الأصلاحية التي ثبت فشلها حتى الآن... لحظة تأسيس تاريخية تغادر عصراً وتؤسس لعصرٍ جديد كلياً... إن شيطنة الآخر هو بمثابة فشلنا في رؤية الشياطين الحقيقية، والسؤال ليس هو: أين الشيطان؟ فالسؤال الحقيقي هو كيف نحيا إنسانياً بشكل حديث وعصري بعيداً عن كل الشياطين!..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,276,568,005
- وجه مكسيم
- شتاء آخر
- من يحلّق ليلاً؟
- تحت ظلّ الزيتون
- اضاءت وفاح الفالس
- صرخة
- أسئلة الدم
- ليلة سقوط الدمعة
- الأبدية لحظة حضور
- هجرة
- النص الطباعي والملتيميديا.. الوسيط المهيمن
- غربة المقيم
- (ريثما...) ينقذنا الجمال !
- طاحونة الزمان
- عيد المرأة والرياء الذكوري!
- قطوف
- !!!( 2014 )
- ((نجم)) و ((مانديلا))
- كلّ شتاء
- مثول الهوى


المزيد.....




- ببحيرات الحب بدبي..عرائس -يتمايلن- على وقع مناسبة رومانسية
- الجزائر: ماذا لو انسحب بوتفليقة؟
- العراق: وفاة 54 شخصا على الأقل بعد غرق عبارة في نهر دجلة بال ...
- العراق: عشرات القتلى إثر غرق عبارة في نهر دجلة
- السودان.. البشير يعين أحمد محمد هارون والصادق الهادي المهدي ...
- مباحثات روسية مصرية بشأن التقنية الرقمية
- اكتشاف شبكة تصوير فيديوهات جنسية لنزلاء الفنادق في كوريا الج ...
- شاهد: مشاهد ساحرة لنيران "نوروز" أكراد العراق
- أردوغان يحاول تدارك -تصريحاته المتهورة-
- اكتشاف شبكة تصوير فيديوهات جنسية لنزلاء الفنادق في كوريا الج ...


المزيد.....

- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ... / محمود الصباغ
- الاقتصاد السياسي لثورة يناير في مصر / مجدى عبد الهادى
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2018 - الجزء السابع / غازي الصوراني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ثورة 11 فبراير اليمنية.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- كتاب خط الرمال – بريطانيا وفرنسا والصراع الذي شكل الشرق الأو ... / ترجمة : سلافة الماغوط


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبيل محمود - هجوم إبليس بباريس