أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - الشخصية المازوخية في رواية -أقاليم الخوف- لفضيلة الفاروق















المزيد.....

الشخصية المازوخية في رواية -أقاليم الخوف- لفضيلة الفاروق


عدنان حسين أحمد
الحوار المتمدن-العدد: 4683 - 2015 / 1 / 6 - 14:50
المحور: الادب والفن
    


تنطوي رواية "أقاليم الخوف" لفضيلة الفاروق على أكثر من عتبة "Seuil" نصيّة تمهِّد للولوج إلى النسق السردي لهذه الرواية الإشكالية من جهة البطلة مارغريت في الأقل وعلاقتها بالرجال الثلاثة الذين أحبتّهم تباعاً ووجدت في ثالثهم محمد، الفحل المُنتظَر الذي تفوح منه رائحة العود والنعناع.
فالجملة الاستهلالية "لا أحد يعرف الشرق كما أعرفه أنا" تصلح أن تكون عتبة مناسبة تتيح للمتلقي أن يطأ الفضاء المكاني للرواية لكنها ليست العتبة الوحيدة في النص الروائي برمته، فحادث الهجوم الانتحاري الذي تعرضت له أسرة مارغريت بشرم الشيخ في مصر ونجت منه مارغريت لوحدها يمكن أن يكون العتبة الأهمّ التي تضعنا في مواجهة الأحداث الدرامية والتفاصيل المتشابكة لهذه الرواية التي تخوض بجرأة نادرة في الصراعات السياسية الناجمة عن الأديان والمذاهب والطوائف وما يسفر عنها من حروب وتوترات في الشرق، مهبط الديانات السماوية والرسل، ومركز العالم الذي يستقطب الأنظار.
وبما أن المواطِنة الأميركية المسيحية مارغريت، المتحدرة من أصل عربي هي الوحيدة التي نجت من الحادث الإرهابي الذي فلا غرابة أن تنمو لديها رغبة قوية لفهم هذا الهجوم الغريب الذي فتك بأفراد أسرتها جميعاً بوصفهم أميركيين ومسيحيين الأمر الذي يدفعها لأن تحتك بالمسلمين في أميركا لكنها بدل أن تزيح المساحة المضببة التي تكاثفت في ذهنها وقعت في حُب أياد، وهو أستاذ جامعي لبناني مسلم حيث عاشرته ثلاث سنوات قبل الزواج، ثم ارتبطت به رسمياً وانتقلت معه إلى بيروت التي أظهرت شخصيته المزدوجة التي لا تختلف كثيراً عن غالبية الرجال المسلمين الذين يعيشون في الشرق على وجه التحديد.
وبغية تأثيث النص الروائي وبنائه بناءً رصيناً فقد توسعت الروائية فضيلة الفاروق في الحديث عن عائلة آل منصور التي تتألف من ستة أشخاص وهم "وهب، شهد، شمائل، أياد، جيلار ونورا" إضافة إلى أبي وهب وأم وهب اللذين انزاح عنهما الاهتمام لينصبَّ على أفراد هذه الأسرة اللبنانية السُنية على وجه التحديد، بل أن الأضواء تكاد تُسلّط على ثلاث شخصيات إشكالية وهي شهد الثرية المتزوجة من الحاج عبدالله، وشمائل المقترنة برجل بسيط لا يحظى باهتمام الأسرة، وأياد الذي ارتبط بمارغريت لعدد من السنوات وحينما انتهت صلاحيته تخلت عنه وذهبت إلى رجل آخر. أما الشخصيات الثلاث الأخرى فهي عادية وربما تكون الإشارة إلى نورا مهمة لأنها لم تتحجب بحكم عملها في شركة تجميل عالمية وزواجها من أستاذ جامعي يدرِّس في السوربون.
تنحو الرواية منحىً كلاسيكياً في بنائها، ونموّ شخصياتها، وتطوّر أحداثها، لكنها تضجّ بالمفاجآت التي تصدم القارئ وتنتشله من السياقات السردية المألوفة لتضعه في عالم فنتازي مغاير يقترب كثيراً من عالم الروايات البوليسية والجاسوسية والقتل بدم بارد، هذا العالم الذي أجلّته الروائية المحترفة فضيلة الفاروق إلى الصفحات الأخيرة من الرواية حيث يتكشّف كل شيئ ونتعرّف في خاتمة المطاف على حقيقة الشخصيات التي كنّا نتصورها طبيعية ومألوفة.
لم تكن عودة مارغريت وأياد إلى بيروت اعتباطية، بل هي مرسومة من قبل مارغريت الصحفية التي تنشر تقاريرها بانتظام في الصحيفة التي تعمل فيها لكنها بدأت توحي لنا بأنّ كتاباتها لا تستطيع أن تغيّر شيئاً. كما أن الهوّة بينها وبين زوجها أياد بدأت تتسع خصوصاً بعد أن ورثت نحو مليون دولار من أملاك والدها في الضيعة اللبنانية وبسبب مضايقة الأقرباء لها قررت أن تهرب من بيروت إلى لندن لكن زوجها اقترح عليها أن يسافرا إلى ماليزيا مدة أسبوعين فصادفت صديقها القديم "نُوا" الصحفي الأميركي الأسود الذي يعمل في المناطق الساخنة التي تشتعل فيها الحروب مثل أفغانستان والباكستان وكوسوفو وغزّة والعراق وخلال خمسة أيام وجدت مارغريت نفسها في سريره، لكنها أخفت هذه الخيانة الجسدية والفكرية عن زوجها أياد الذي عاد إلى شرقيته وشخصيته النمطية. وحينما اكتشفت أن أواصر الحب قد تقطّعت بينها وبين أياد طلبت منه الطلاق على أمل أن يتعاملا كصديقين. يا تُرى، هل ستستمر علاقتها العاطفية مع "نُوا"، الصحفي المغامر الذي يذهب إلى المخاطر بقدميه، أم أنّ هذا الحب سينطفئ مثل انطفاء حبها لأياد خصوصاً وأنها "امرأة متقلبة المزاج، متقلبة الرغبات، متقلبة القلب أيضاً!" كما كانت زوجة جائعة تبحث عن المتعة، وأكثر من ذلك فهي تقع في ثنائية الحُب والكراهية ولا تعرف الحدّ الفاصل بين الاثنين. وعلى الرغم من استمتاعها بالعلاقة الجديدة مع "نُوا" إلاّ أنها لم تدم طويلاً. فما إن تشعر بالإحباط من عدم قدرتها على تغيير العالم بواسطة مقالاتها فإنها تتجه للعمل في المتاجرة بالمجوهرات الثمينة والألماس، هذه المهنة التي لا يحبذها "نُوا" فيتضاءل حبه هو الآخر ويصلا إلى طريق مسدودة أيضاً حيث يذهب إلى بغداد لتغطية أحداث الحرب الكونية الدائرة في العراق لكنه يتعرض إلى الاختطاف من قبل جماعة مسلحة ولم يترك وراءه سوى مُصوِّره ميتش وسائقه العراقي لؤي الذي سيلاقي حتفه في أثناء عملية الاختطاف.
وبما أن مارغريت كانت بمثابة الجنة الوحيدة بالنسبة لنُوا الذي يعيش وسط حروب متعددة فقد قررت أن تذهب إلى بغداد كي تبحث عنه فتقع في الفخ وتصبح جزءاً من حقل البذور الذكية حيث يقوم الدكتور وليم حبيب شنيدر بتلقيحها بينما تتعرف في الوقت ذاته على محمد الذي يقيس حرارتها وضغطها لكنه لا يقبل بلقب الممرض. وعلى الرغم من قسوته وفظاظته في التعامل معها حيث يحقق معها، ويصفعها غير مرة، ثم نكتشف أنه يعرف عنها كل شيئ تقريباً. . . طلاقها من أياد، وعلاقتها المنتهية بنُوا، وسفرها معه إلى بيروت والباكستان ودارفور، وأنها تنتمي إلى "منظمة النسور السوداء" وهي منظمة مشبوهة تسمّى بـ"منظمة إنعاش مشاريع نساء العالم الثالث" التي تُجنِّد النساء لمحاربة الإسلام. وعلى الرغم من سوء معاملته فقد كانت تشتهي قسوته وظلمه ورائحته ربما بسبب مشاعرها الغامضة التي تجمع بين الحب والكراهية. وحين يبدأ بتعذيبها تتولد في داخلها مشاعر مازوخية عجيبة يختلط فيها الألم بالاستمتاع، ولم تجد حرجاً في القول: "اشتهيتكَ مذ رأيتك أول مرة" وحينما ضاجعها بقوة أحبته أكثر وأحبت رائحته النقية وحقول القمح التي تتموج في عينيه. فثمة رجال عبروا جسدها، لكنه الشخص الوحيد الذي ترك أثراً على جسدها وروحها في آنٍ معا. وعلى الرغم من مشاعرها المختلطة المشوشة إلاّ أنها تقرر في خاتمة المطاف بأن محمداً سيكون الرجل الأخير الذي تمشي خلفه بعد أن أغلق ملفها وكتب عليه "العملية رقم 55" كما قرأنا خبر صاعق بُثّ على قناة أجنبية يقول بأن الناشطة الأميركية في حقوق الإنسان مارغريت نصر قد عُثر عليها مقتولة في غرفتها في أحد فنادق بغداد. هكذا يتكشف غموض شخصية مارغريت التي جُندت بعد تفجير شرم الشيخ تحت غطاء منظمة نسائية تدعم مشاريع إنمائية لكن مهمتها الحقيقية هي قمع أية بوادر للنهضة في المنطقة وقد جنَّدت كلاً من أياد ونوا وميتش من دون أن يعرفوا. كما تتبعت شنيدر ببغداد لأنه حوّل مشروع البذور الذكية إلى مؤسسة تجارية تقبض أمولاً هائلة من الأثرياء هذا إضافة إلى متاجرته بالأعضاء البشرية وحينما عرف نوا بهذا الأمر أرداه قتيلاً لأنه كان يسعى لكشفهم.
ثمة مفاجآت كثيرة في هذا النص نذكر منها أن إسماعيل جاد الحق، تاجر السلاح اللبناني هو نفسه الشيح عبدالله زوج شهد الذي كان مقنّعاً بالورع والتقوى. وأن مارغريت هي "يتيمة حرب" وابنة بالتبني لنديم نصر الذي كفّر عن ماضيه لأنه باع أطفالاً كثيرين خلال سنوات الحرب الأهلية وحينما تزوج من "ناني" واكتشف أنه عقيم كانت ماغي و سعد آخر يتيمين في جعبته لكنه ألغى الصفقة وأخذهمها معه إلى أميركا.
تحتاج رواية "أقاليم الخوف" إلى طبيب نفسي وناقد معا كي يحلل لنا شخصية مارغريت من الناحيتين العاطفية والجنسية فهي تحب وتكره، تتحمّس وتفتر، وتشعر بالجوع الدائم للجنس على الرغم من أنها كانت متزوجة من أياد الذي اكتشفت ازدواجيته فتخلت عنه. كما أن ماضيها العاطفي ليس سوياً تماماً فحينما أحبّت شوقي خلال سنوات مراهقتها تعرّت له كي يرسمها، وسألته إن كان يريد ممارسة الحب معها لكننا نكتشف أن الرسّام شوقي ليس أكثر من لوطي وأن أجساد النساء لا تعني له شيئا! وإذا كان أياد رجل علم ومنقطع لأبحاث الطاقة النووية فإن نُوا صحفي مغامر ومثقف وكانت تحبه فعلاً بدليل أنها كانت تتمنى أن تشق ذاتها نصفين وتزرعه في هناك في داخلها كي يعيش إلى الأبد، وهو التوصيف ذاته الذي ستقوله عن محمد الرجل الأخير الذي كانت تنتظره عند شاطئ بيروت.
نخلص إلى القول بأن مارغريت هي شخصية مازوخية بامتياز تستمع بالألم واللذة وتستسيغ القسوة الجسمانية، ولا تجد ضيراً في الاضطهاد الذي يلحق بها جرّاء الرغبة المرَضية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,867,591,932
- اشتراطات اللعبة الفنية بين القاتل المأجور والضحية في رواية - ...
- معرض مشترك لخمسة فنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- لون شيرفيغ تُعرّي الطبقة المخملية البريطانية في نادي الشغب
- السحر والساحرات في المخيال الفني
- فيشال بهاردواج يقتبس مسرحية هاملت ويؤفلمها من جديد
- نزيف . . رواية شخصية أكثر منها رواية أحداث
- قلوب جائعة
- الشخصية الافتراضية ووهم الزمن في -تلة الحرية- لهونغ سان- سو
- تمبكتو تواجه التطرف الديني سينمائياً
- الفنان جلال علوان يُجسِّد الأحلام الشخصية على السطوح التصوير ...
- جائزة صحفي العام في حقوق الإنسان بلندن تُسند إلى جمال حسين ع ...
- موعظة عن سقوط روما . . تحفة فيراري الأدبية التي خطفت الغونكو ...
- الترِكة الثقيلة للمالكي
- مخملباف ينتقد العنف الذي يلي سقوط الطغاة
- الفنانة البريطانية مارلو موس ونأيها عن الشهرة
- التزامات الحكومة العراقية الجديدة
- مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته الحادية والسبعين
- رحيل المخرج البريطاني ريشارد أتنبره
- رؤية عبد المنعم الأعسم للإصلاح والفكر الإصلاحي في بلد مضطرب
- بليندا باور تفوز بجائزة هاروغيت لأدب الجريمة


المزيد.....




- يُصدر قريبًا «صوت الغزالي وقِرطاس ابن رشد» للباحث والناقد ...
- مفتي تترستان يتحدث إلى الصحفيين عن حجاج روسيا
- وفاة الفنان المصري ناجي شاكر مصمم عرائس -الليلة الكبيرة-
- الترجمة في الحج.. 80% لا يتحدثون العربية
- صدور العدد الجديد من مجلة -إبداع- عن الهيئة العامة للكتاب
- الممثل الكوميدي الأمريكي جيم كيري يعلق على هجوم الحافلة المد ...
- قصيدة( ستالين) الساخره للشاعر الروسي الكبير- أوسيب ماندلشتام ...
- نيك جوناس وبريانكا شوبرا يؤكدان خطوبتهما
- شاهد.. بوتين يرسم على سيارة الوزيرة العروس النمساوية تهنئة ب ...
- الصور الأولى من خطوبة الممثلة الهندية بريانكا شوبرا


المزيد.....

- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - الشخصية المازوخية في رواية -أقاليم الخوف- لفضيلة الفاروق