أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد حياوي المبارك - الورث الذي سأتركه















المزيد.....

الورث الذي سأتركه


عماد حياوي المبارك
(Emad Hayawi)


الحوار المتمدن-العدد: 4679 - 2015 / 1 / 1 - 16:51
المحور: الادب والفن
    


الورث الذي سأخلفه
شيئين قلق عليهما في بغداد، وتحديداً ببيتي بحي القادسية، نخلة وكتاب ...
النخلة البرحية الفتية
كان إعجابي بها نابع من حبي (لأمها الشابة) من أول نظرة وهي تتربع في ركن من الحديقة الواسعة الجميلة في بيت عمي ابو خالد (المرحوم عجيل زهرون) بالمنصور، كان ذلك نهاية الثمانينات.
منذ ذلك التاريخ كنا إنا والمرحوم ننتظر الأم بفارغ الصبر أن تثمر قبل نقل (فسيلتها) لحديقة بيتي بحي القادسية، ولمّا كنت أضع احتمالات أنها (مو) برحية كان المرحوم يرفض ذلك بشدة، ويقول أن مصدرها موثوق !
كانت كل المؤشرات تقول أنها برحية بنت برحية، صحتها ... قوامها الرشيق ... وفسيلتها الواحدة.
أخيراً أثمرت في عام 99 وكان الحجي قد توفي للأسف من عام واحد فقط ولم يذق طعم (الخلال) اللذيذ، اذاً هي برحية وقد صدَق من جلبها وزرعها، كان المرحوم أحقنا بثمارها لولا إرادة الله، قمت بمدارات الأم وكنت اجلس تحتها وامسك (عثوكها) وأتعارك مع الطيور والحشرات بشأنها، رغم يقيني بأن النبات ينتج الثمار اللذيذة ليس لأجل أن نستهلكها نحن البشر، وأنما هي وسيلة يستقطب بها الحيوانات والحشرات والطيور كي ينتشر ما دام هو عاجز عن الانتقال والهجرة ...
لم أجازف بنقل (البنتاية) لغاية ما انتهيت من بناء داري من جديد بالقادسية لخوفي عليها من أثار البناء، وحينما جاءت ساعة الصفر، آن لنا فطام (الحلوة) من أمها وننقلها، استأذنت نقلها لمكان خصصته لها بالحديقة بعيد عن أسلاك الكهرباء وبعيد عن مخزن الوقود وحولها مساحة كافية ...
الجميل أن هذه الفسيلة (حُبلى) بفسيلة أخرى واحدة، وهذه ميزة النخلة البرحية، وهي تجتذب من يشاهدها فيسيل لعابه للظفر بالحفيدة الصغيرة، لكنني ولحد اليوم لم ارضَ أعطاء كلمة بشأنها لأحد أو أن نقرأ (فاتحتها) برغم كثرة خطيبيها.
كان شهر شباط من عام 2004 هو الوقت الملائم لنقلها، فبحثتُ عن (خبير) يؤدي المهمة بأمان ورفق، ولم اقتنع بأحد حتى جاء فلاحاً بسيطاً مصادفةً يطلب شراء الفسيلة، فصحت عليه كيف يتجرأ ويسمح لنفسه أن يسترق النظر بداخل حرمة البيوت ...
تأسف الرجل وأعتذر بكل بأدب وهم بالذهاب، إلا أني استوقفته لأسأله كيف أستطاع معرفة أن الأم برحية ولا تزال لم تحمل عثوقها بعد، قال ان بإمكانه تمييز النخلة البرحية من مسافة ميت متر وحتى لو سدوا عيونه يمكنه تمييزها من ريحتها ومن لمسها !
قلت سأجري معك أتفاق طالما أقنعتني بأنك تفهم بالمهنة وسأعطيك ما تنوي ربحه لو اشتريتها وأكثر، شرط تنقلها معافاة لمكان آخر، وافق على الفور وقمنا بقلعها ونقلها لبيتها الجديد خلال ساعتين فقط.
الآن كبرت وبدأت تُثمر حتى بدون تلقيح فقد صار عمرها عشر سنين، هذه الحلوة غالية عندي ولا يمكنني أن أنساها، وهي بغلاوة تراب بلدي وهواءه ومائه ...
أتذكر في منتصف التسعينات قد تشارك أخي صلاح مع صديقين واشتروا من معارف لنا هم لاعبَي الكرة (كريم وخليل محمد علاوي) مزرعة في هبهب قرب مدينة الخالص، على أن يوزعونها بنسبة مؤية متساوية، لكل منهم 33% وهكذا كان الأتفاق ...
في المزرعة بيت ضخم مؤثث بحديقة جميلة وبستان نخيل وفواكه كبير ومخزن مُبرد وحظيرة أبقار، وبدءوا يوزعون مهام الأهتمام بها وتشذيبها، صلاح أراد الأبقار والمخزن والآخر أراد البستان والثالث تكفل بالبيت .. ولما كنت أشهد على ألتزاماتهم، قلت لما كان لكل منكم 33%، أذاً سيبقى 1% وهو ما أريده بمقابل متابعتي لعملكم ... (وما تريد ؟) قالوا.
قلت أريد فقط هذي النخلة البرحية ... فقد كانت نخلة وسط البستان، بحق عروسة البستان بكل ما يحتويه وتاج رأسه.
من غريب الصدف أن الأمريكان قاموا بقصف مسكن مجاور للمزرعة كان قد أختبأ فيه (الزرقاوي) بحماية مجموعة (نسوان) للتمويه بالضبط مثلما فعل (بن لادن)، ولما أذيع خبر تدمير مخبأه في هبهب، صاح الكل ... (خلصنا منه).
لكنني (قد) أكون الوحيد الذي غرّد خارج السرب، فقد وضعتُ يدي على صدري وخشيت على نخلتي من العصف ...
... الله يعينك يا نخلتي الحبيبة من عصف القصف الأميركي ومن بطش التكفيريين مثلما يُعين بلدي، والله ما أبدلكِ لا بمدينة الزرقاء ولا حتى بنيويورك كلها !

أما ورثي الآخر فهو:
المجموعة الكاملة لموسوعة المعرفة
ففي بداية السبعينات صدرت في الوطن العربي النسخة المعربة لمجلة المعرفة التي أصدرتها مؤسسة سويسرية، وترجمت للعربية بأشراف أساتذة عرب أكفاء.
الأعداد كانت تصدر أسبوعياً، وكل واحد مكون من عشرين صفحة بالقطع الكبير، وتشتمل على شروحات مبسطة وجولات في التاريخ وشخصيات وعظماء العالم وتكنولوجيا وجغرافية وأحياء وعالم الحيوان و النبات ... وتقارير عن الكون والرياضة والطب والفنون والجيولوجيا ... وهكذا.
أهم ما يميزها وهو ما كان يجذبني بشدة، أن معلوماتها مستقلة في سرد الوقائع والتاريخ وبشكل مبسط ومشوّق برسوم توضيحية مبسطة موزعة على مختلف أماكن الورقة بألوان ومساحات منوعة لا تدعُ للملل مطلقاً.
وهكذا صدر منها على مدى أكثر من أربع سنوات مائتان وأربعون عدد كونت عشرون مجلد (بواقع 120 صفحة لكل مجلد)، ثم جمعوا الأغلفة بأربع مجلدات أضافية، وحرصتُ ونجحتُ باقتناء المجموعة الكاملة والمحافظة عليها إلى يومنا هذا.
لهذه الموسوعة الفضل بـ 90% من معلوماتي العامة، وساعدتني بأن أتفوق في حينها على أغلب زملائي حينما نتنافس بمعلوماتنا، أين تقع بحار وسلاسل جبال وأين ولد عاماً وكيف قامت حرب ولأي صنف يتبع الغراب وشجرة التفاح وأية تكنولوجيا تدفع الطائرة ومن أين نأتي بالذهب من باطن الأرض وكيف يصلنا الطعام وكيف نهضمه ...
(أدمنتُ) قرائتها وأكرر العدد الواحد عدة مرات حتى يصيبني الإرهاق، فأحلم به في يقظتي وفي منامي !
الأعاد الأربعة والعشرون لا تزال بمكانها بمكتبة في صالة بيتي ببغداد، أخطط أن أنقلها لبيتي بهولندا، وسأكون عند ذاك على أحر من الجمر حين ألتقيها وأستعيد معلوماتي، فعملية (استنهاضها ـ ريفرشنك) لها ليست بالمهمة الصعبة يقول العلم، وليته يصدق فلا يخذلني !

أذاً هذين أهم شيئين أرغب أن تعود إليّ اليوم وأنا بغربتي، وأن أقضي بقية عمري معها، فحلمي أن أجلس بظل البرحية واطالع بعيوني بكل سعادة أحد أعداد المعرفة، وبفمي (خلالة) لا يهم إن كانت خضراء أم صفراء أم قهوائية، فثمرة البرحي دون كل أثمار الأرض، يمكن تناولها وهي لذيذة وحلوة حتى قبل نضجها ... يا سبحان الله !
حلم وصول مجموعة المعرفة ممكن تحقيقه، لكن ما هو بعيد المنال وأمنية صعبة التحقيق أن البرحية ترضى أن تنبت أو تعيش هنا بأوربا، فهي عرقية أصيلة ... تحب أرض العراق وملوحة مائه وقسوة جوّه ...

عماد حياوي المبارك ـ هولندا





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,122,244
- أغضب ... كما تشاء
- المايسترو
- الرجل الذي يعرف قدر نفسه
- الغزو مستمر
- أبو السَّحِب
- بانكوبان
- خرابة بارتي
- رون وآسو ... والآخرين
- أسماء في الممنوع
- دوامة عمرها مائة عام
- انقلابات لا تنتهِ
- منازلة أم المعارك
- هيتشكوك
- المعادلة المعجزة
- حيتان
- آباء وأمهات
- مجرد كلام يستودَي
- هذا أنا ... عماد
- نوم ... شياطين
- يوم أكتشفتُ أني ... غير مؤمن !


المزيد.....




- أرسكين كالدويل في نصف قرن من الإبداع..علامة فارقة في الأدب ا ...
- قناديل: النقد الأدبي في القرن الحادي والعشرين
- موسيقى الأحد: قصة أوركسترا جيفاندهاوس
- كاريكاتير العدد 4473
- بالفيديو.. نجم سينما صيني كاد يموت طعنا أمام جمهوره
- حقيقة ماوقع في العيون بعد تتويج الجزائر
- فيلم كارتون روسي ينال جائزة في مهرجان Animator البولندي الد ...
- قصور متنقلة ومدن قابلة للطي.. الخيام العثمانية بين زمن البدو ...
- مكناس: الأمن يوقف مغربيا/فرنسيا لتورطه في أنشطة إجرامية متطر ...
- فيديو: مجهول يطعن بسكين الممثل الصيني الشهير سايمون يام عدة ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد حياوي المبارك - الورث الذي سأتركه