أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء هاشم مناف - تقنيات النسق الترسندالي دراسة تحليلية في شعر محمد عفيفي مطر















المزيد.....



تقنيات النسق الترسندالي دراسة تحليلية في شعر محمد عفيفي مطر


علاء هاشم مناف

الحوار المتمدن-العدد: 4675 - 2014 / 12 / 28 - 19:26
المحور: الادب والفن
    











الدكتور
علاء هاشم مناف آل حيدر
(1433هـ ـ 2012م)



m.maher_1983@yahoo.com

المحتويات
المحتويات 1
المقــــــــــدمة 1
التمهيد 3
المنطق السيميولوجي للقناع 5
الفصل الاول 7
سيميولوجيا ملامح من الوجه الامبيذوقليسي 7
آراء أمبيذوقليس 8
صور العنصر الاول في العقل 10
صوتان عن الحق 11
التأمل الروحي في الحس 13
الظفر بالنفس 23
1. المجنون المتجول 32
2. الإنتحار ثرثرة 33
إستشكال الديالوغ 34
الخطاب الشعري البنوي 39
عملية الإستشكال الشعري 42
المنهجية في الترشيد الإنساني 46
الفصل الثاني 54
فكرة التقوّم (Konstitution) والارتباط بالحس 54
بين مدينة الوهم وبوابة طليطلة 69
المعادل الموضوعي في قصائد محمد عفيفي مطر 75
الفصل الثالث 92
المنطق الترسندالي في شعر محمد عفيفي مطر 92
تمهيد 92
وشم النهر على خرائط الجسد الوشم الثالث (إلى غيلان الدمشقي) 94
الموسيقي الكونية 109
الموسيقى الكونية عند الشاعر محمد عفيفي مطر 109
نظرية الاصوات والاقنعة 117
نظرية الاقنعة 119
الخاتمة والمراجع 122
اولا: الخاتمة 122
ثانيا : المراجع 124




إن هذه الدراسة تعبر عن طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الواقع الشعري للشاعر محمد عفيفي مطر، ولأنها دراسة حديثة في أنساق الشعري الحديث وعلاقته وموقعه في اللّغة، وقد عملنا على الإكتناه لحالة العمق والعمق والإدراك المتعدد الأبعاد والغوص في مكونات الوعي الشعري لهذا الشاعر، والعلاقة الصوفية والشيئية التي تنشأ بين مكونات هذا الشاعر وعلاقته بالطبقة المسحوقة من أبناء الشعب العربي في مصر وفي باقي البلدان العربية هناك منظومة معاينة للغة هذا الشاعر، حيث تتحول القصيدة عنده إلى فكر مكنته من تقصٍ، لحالة الوعي الشمولي وفي رهافة على مستوى الإيقاع الشعري ومستوى من ذلك الإكتمال للتصور والإبداع الفكريين.
وقد التقيت الشاعر في بغداد في صيف العام 1982 في مطعم ومشرب المرايا الذي يقع في شارع السعدون وهو ملتقى للآدباء والفنانيين وكان الحديث عن القياس والإستقراء عند أرسطو، ومن تلك اللحظة أعجبت بهذا الشاعر المثقف الجامع للفلسفة والمنطق والشعر.
وقد قسمّنا هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول، فكان الفصل الاول وعنوانه سميولوجيا ملامح من الوجه الامبيذوقليسي، أما الفصل الثاني، فكان عنوانه منطق الفينومينولوجيا في شعر محمد عفيفي مطر. أما الفصل الثالث فكان عنوانه المنطق الترسندالي في شعر محمد عفيفي مطر.
وبهذا التصور يكون هذا الكتاب الذي يهدف بالاساس أكتناه منطق شعري حديث مع كل تحولاته إلى فهم جديد يتعلّق بدراسة حديثه عن هذا الشاعر العربي المبدع محمد عفيفي مطر وهو من الشعراء الذين صاغوا ملامح التجربة الحداثية في الشعر المصري الحديث، هو واحمد عبد المعطي حجازي، وأمل دنقل والذي سبقهم في هذه التجربة هو صلاح عبد الصبور وكان الرائد .
أخيراً وليس آخراً، يقول إن هذا الكتاب جهد بسيط نرفد به الثقافة العربية من منطلق جوهري ضروري يؤكد صيرورة النطاق الافهومي للشعر وهو إضافة لتصور موضوعي يجدد ملكة المعرفة التي فيها يولد هذا الأفهوم الشعري ويجدد مستقره، بحيث إذا إقترن هذا الأفهوم الشعري مع مجرد الشروط الصورية للتجربة الشعرية كان الموضوع ممكناً لأن محمد عفيفي مطر شاعر يدرك الترابط الأدراكي والحس "مع الاحساس كمادة للحواس" حيث يتعيّن بواسطة الفاهمة وهو موضوعاً متحققاً، وإذا تعين هذا النمط من الإدراك الحسي بترابط الإدراكات وبموجب أفاهيم كان موضوعه الشعري ضرورياً.
الدكتور علاء هاشم مناف
العراق
17/1/2012




في البداية يجب أن نضع حدود لسيكولوجيا الاضمار في الشعر من ناحية المحتوى ويكون الحديث عن الترسيخ لوحدات المحتوى الإضماري وهي الركيزة الأساسية والدالة، وهي دالة محددة تطفو على سطح الحدث الشعري، سواء كانت هذه بسيطة أو معقدة من الناحيتين (السيكولوجية والفلسفية) فهي في النهاية نمط من الترسيخ لمحتويات البنية الشعرية وأنماطها المضمرة داخل تلك المضمّنات البينية، وفي المقابل تنتمي هذه المضمنات البينية بغالبيتها إلى أنماط الترسيخ الشعري في الحدث المضمر حسب آلية تفكيكية تتمثل بالتمييز لمحتوى التضمين ومستويات المحتوى المفرِطة في التنظيم في قيمة الوجوه البلاغية، مثال على ذلك: عندما كان ارسطو يبحث في المجلة وفق صيغة الإبتكار في الإضمار الإسلوبي، فهو يرى أن الكاتب أو الشاعر إنما يلجأ كل منهما إلى الإضمار في المجاز ليدل على أفكار جديدة في المطارحات المجازية عندما يدعو الشاعر الشيخوخة (الغصن الذابل) فهو يثير من الناحية الاضمار في النص الشعري فكرة جديدة هو أن (المجاز يكسب الكلام وضوحاً وسمواً وجاذبية لا يكسبه إياها شيء آخر"().
من هنا كان للبلاغة وجوه مختلفة وهي وسيلة من وسائل الإيحاء وبالإضمار للحقيقة عن طريق المنطق الخيالي، ومن هنا تكون الوجوه البلاغية هي نوع من البارهين التي تلقى جاذبية مضمرة في النص الشعري. لقد كان للمشاعر صنوف من المجاز في الكلام دون الإعتماد العقلي حين يوجه الكلام إلى الجماهير، وهذا ما حدا بإرسطو إلى حقيقة هذه المعالجة الاسلوبية ووجوهها البلاغية، وأعتبرها كمالية إضافة إلى القواعد الفنية في الشعر الموضوعي.()
فإن للمبادى في الأوجه الصوفية، ذلك أنّه على الرغم من أن الدليل الكسْمولوجي الصوفي الذي يتخذ أساساً من التجربة الصوفية بعامة، فأنه ليس يستمد هذه التجربة من أيّ قوام تجريبي، بل من مبادئ عقلية محضّة، وبالصلة مع وجود معطى في الوعي التجريبي بشكل عام، من هنا يكون للشاعر نقطة إنطلاق، ليستند إلى مجرد أفاهيم صوفية من خلال دلالة ترسندالية وبسبب التراث الديالكتيكي، فهو الإضمار الطبيعي سيكولوجياً الذي يقرن أفهومي الضرورة والواقع الأسمي بالمقارنة بالفكرة().
الصوفية التي تحتم علينا التسليم بشيء من بين تلك الأشياء الموجودة، ضروري في ذاته، لكن يجعلنا هذا الإضمار الصوفي في الشعر أن يوصلنا إلى أشياء خفية في الإضمار وهي الرضى بالرؤية المضمرة موضوعياً من الناحية الشعرية. وهناك محور جدير بالملاحظة هو دور الأقنعة وفق الافتراض المضمر، هو أن شيئاً ما يوجد حتى لا يعود بالامكان التملّص من تقنية الاقنعة وهي وسيلة شعرية كانت توجد بالضرورة وعلى هذا الاستنتاج المضمر والطبيعي جداً، لكن ذلك زاد من زاد في العملية الاستنتاجية داخل الدليل السيْميولوجي، وزاد من مفهوم الفروض في الرؤية الذاتية للشاعر ووضع حد لمفهوم الإنفعال داخل ضرورة مطلقة البتة وأن لا شيء يمنع الشاعر من كبح جماح الإنفعالات والتوترات سيكولوجياً من الناحية الإضمارية.
من هنا يتحدد منطق القناع في هذه الموائمة المشتركة التي يؤديها الشاعر عبر الصياغات السيكولوجية والصياغات الدلالية إضافة إلى المنطق اللسّاني منطق الرؤية السيكولوجية وهي تتحدد بالدلالة السيكولوجية الذاتية التي تنطلق من صيرورة في تطبيق تلك المعايير سواء على مستوى السيميولوجيا الاستعارية ويعبر عنها بمصطلحين إثنين هما : (Semiology) و (Semiotics) أي الإشارة وهذا الموضوع السيميولوجي ينقلنا إلى النظام الكوني للقناع() بكل ما فيه من إشارات ورموز، وهو نظام ذو دلالة.
ومنظومة القناع هي عملية تغاير للخروج من شرنقة الإشارات التقليدية للأقنعة والإنطلاق إلى الكون الواسع لتوزيع وظائف المنطق السيميولوجي الداخلي والخارجي، ولا يمكن دراسة المنظومة الشعرية واي شيء في هذا الكون: من رياضيات، وأخلاق، والميتزافيزياء، والجاذبية الأرضية، والديناميكية الحرارية، والبصريات، والكيمياء، وعلم التشريح المقارن، وعلم الفلك، وعلم النفس، وعلم الصوتيات، وعلم الاقتصاد، وتاريخ العلم، والكلام، والسكوت، والرجال والنساء، والنبيذ، وعلم القياس ، والموازين إلا على أنه نظام سيميولوجي.()
المنطق السيميولوجي للقناع
لقد تناول (بيرس) مجموعة منوعة من الموضوعات، وهذا التنوع السيميولوجي جعل قدر من الإضمار من الموضوعية الذاتية والرؤية السيكولوجية في إزدواج المنطق الدلالي للقناع أي أن طرفي الصياغة الدلالية كما اشرنا سابقاً والمتعلقة بالدلالة الاستعارية للقناع أدى إلى ان يلخص المبادئ الأساسية للسيميولوجيا وفق نظام (بيرس) هو تشكيل الاشارة الاستعارية للقناع عبر طرفي الإستعارة دلالياً.





























سيميولوجيا ملامح من الوجه الامبيذوقليسي
إن الملّخص للمبادئ الأساسية لعلم السيميولوجيا من الناحية الاسطورية وفق نظام (بيرسي) يعطينا عبارة عن مثلث لتشكيل الإشارة من الناحية الاسطورية عند الشاعر محمد عفيفي مطر لتشكل الإشارة فيه الضلع الاول الذي له علاقة من الناحية الإسطورية مع الموضوع الذي شكل الضلع الثاني، والذي بدوره يستطيع أن يحدّد المعنى في الضلع الثالث ، وهذا الضلع الثالث، أي المعنى وهو بحد ذاته يتفّرد بالإشارة التي تعود إلى المنطق الاسطوري الذي تحددت ملامحه بـ (الوجه الامبيذوقليسي) وهو صاحب الفلسفة الانتقائية الذي كان مولده في صقلية في حوالي (435 ق. م ) ووفاته حوالي( 495 ق.م).()






خطاطة رقم (1) تشرح الملمح الاسطوري للشاعر محمد عفيفي مطر
المعادلة : معنى الاشارة وبالتحديد فهو يمثل العلاقة الافقية بين إشارة وأخرى وهذا هو الذي يجعل من المدلول = الإشارة حيث تحتاج إلى مدلول آخر.()
وجه الفيلسوف اليوناني:
⦁-;---;-- الذي علمه سر العناصر الاربعة التي ركبت هذا الكون.
⦁-;---;-- العمل على كيفية صد قوة الرياح التي تهب على هذه الارض وهي تقتلع الزروع.
⦁-;---;-- علمه سر الشعائر لتحويل سير الرياح.
⦁-;---;-- كيفية جعل الموسم جافاً بعد هطول المطر.
⦁-;---;-- وكيف يحيل الصيف الجاف والقار إلى أنهار تفيض من السماء.
⦁-;---;-- وبعث الاموات من العالم السفلي إلى الحياة الواعدة.
⦁-;---;-- كراهية الصور الفاسدة للكائنات.()()
آراء أمبيذوقليس
قال الشهرستاني: (كان دقيق النظر في العلوم، وكان في زمن "داود" النبي، مضى إليه وتلقى منه العلم، ثم اختلف إلى "لقمان" الحكيم، واقتبس منه الحكمة، ثم عاد إلى "اليونان" وأفاد. قال: إن الباري تعالى لم تزل "هويته" فقط، وهو العلم المحض، وهو الإرادة المحضة، وهو الوجود والمعزة، والقدرة والعدل والخير والحق، لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء، وهو مبدع الشيء واللاشيء: العقلي والفكري، والوهمي، اي مبدع المتضادات والمتقابلات: المعقولية والخيالية والحسية. وقال: إن الباري أبدع الصور لا بنوع إرادة مستأنفة، بل بنوع أنه علّة فقط وهو العلم والإرادة.
فإذا كان المبدع إنما أبدع الصور بنوع أنه علّة لها؛ فالعلّة ولا معلول، وإلا فالمعلول حيئذ ليس هو غير العلة، وأن يكون المعلول ليس أولى بكونه معلولاً من العلة، ولا العلّة بكونها علة أولى من المعلول؛ فالمعلول إذاً تحت العلّة وبعدها، و"العلّة علة العلل كلها".()
ومن آرائه ذكر: إن المنطق لا يعبر عما عند العقل، لأن العقل أكبر من المنطق لأنه بسيط والمنطق مركب، والمنطق يتجزأ والعقل يتحد فيجمع المتجزئات.
ثم قال"امبيذوقليس" العنصر الأول بسيط من نحو ذات العقل الذي هو دونه، وليس هو بسيطاً مطلقاً أي واحداً بحتاً من نحو ذات العلّة، فلا معلول إلا وهو مركب تركيباً عقلياً أو حسياً، فالعنصر في حد ذاته مركب من المحبة والغلبة، وعنهما أبدعت الجواهر البسيطة الروحانية، والجواهر المركبة الجسمانية، فصارت المحبة والغلبة صفتين أو صورتين للعنصر، مبدأين لجميع الموجودات، فانطبعت الروحانيات كلها على المحبة الخالصة والجسمانيات كلها على الغلبة، والمركبات منها على طبيعتي المحبة + الغلبة. والازدواج + التضاد، وبمقدارهما في المركبات تعرف مقادير الروحانيات في الجسمانيات. ثم يقول: ولهذا المعنى ائتلفت المزدوجات بعضها ببعض نوعاً بنوع وصنفاً بصنف، واختلفت المتضادات فتنافر بعضها عن بعض نوعاً عن نوع وصنفاً عن صنف.
ومن آرائه في مساق آخر، قال امبيذوقليس:
⦁-;---;-- إن النفس النامية قشر للنفس البهيمية الحيوانية.
⦁-;---;-- والنفس الحيوانية قشر للنفس المنطقية.
⦁-;---;-- والمنطقية قشر العقلية.
⦁-;---;-- وكل ما هو أسفل فهو قشر لما هو أعلى، والاعلى لبه ، وربما يعبر عن القشر واللب بالجسد والروح.
⦁-;---;-- فيجعل النفس النامية جسدا للنفس الحيوانية، وهذه روحاً لها، وعلى ذلك حتى ينتهي إلى العقل.
صور العنصر الاول في العقل
⦁-;---;-- وهي من الصور المعقولية الروحانية.
⦁-;---;-- وصور العقل في النفس ما استفاد من العنصر.
⦁-;---;-- كانت قد صورت النفس الكلية في الطبيعة الكلية، ما إستفادت من العقل؛ فحصلت قشور في الطبيعة لا تشبهها، ولا هي شبيهة بالعقل الروحاني اللطيف. فلما نظر العقل إليها وابصر الآرواح واللبوب في الاجسام والقشور: ساح عليها من الصور الحسنة وهي صور النفوس المشاكلة للصور العقلية اللطيفة الروحانية. ()
⦁-;---;-- ردت على الارض رؤس كثيرة بلا رقاب، وهامت أذرع منفصلة بلا اكتاف، وزاغت عيون وحيدة تشتاق إلى رؤس، وهامات أطراف بلا أنيس.
⦁-;---;-- وتولدت مخلوقات كثيرة لها وجوه وصدور تتلفّت إلى جميع الجهات، حيوانات لها وجه البشر، وبشر لهم رؤس الحيوانات، ومخلوقات إمتزجت فيها طبيعة الانثى بطبيعة الذكر.
⦁-;---;-- ينبغي أن فهم تهيم على وجهها ثلاث مرات خلال عشرة آلاف موسم بعيداً عن صحبة المنعمين، لأنها نشأت في الفترة التي تسود فيها صور الكائنات الفاسدة، تلك التي تنتقل من طريق شاقة في الحياة إلى طريق أخرى شاقة، فالهواء الجبار يطردها إلى البحر، ويلفظها البحر إلى الارض. الجافة ، وتطردها الآرض بعد ذلك إلى الشمس الملتهبة، ثم تطرح بها الشمس في أعاصير الهواء.ويتلقاها عنصر عن عنصر، ولكنها تطردها جميعاً إني أنا الآن روح من هذه الأرواح، مطرود وهائم وبعيداً عن الآلهة لأني وضعت ثقتي في الكراهية المضطربة.() (امبيذوقليس).

صوتان عن الحق
الحق قد يقال مرتين
فمرة يقوله العراف
ومرة يقوله السياف
يقول العراف
منفجراً بوهج الخرافة
ممتلئاً بطحلب السيمياء والعرافة
مطلسماً في عقد الأعشاب والحروف
يقول مضبيا في الرمز أو مغمغماً في كتب التعزيم
أو راقصاً مخترقا حواجز التحريم.()
إن عملية التحول بين الإشارة وهي ذات الشاعر ومدلولها لكي تتجلى بالعلاقة القائمة بين الذات والموضوع أي الوجه المضمر من ذات الشاعر وهو الوجه الآخر والسياف وهو التطور المتناقض مع إضمار الشاعر + التناقض الحاد بين الإضمار الشعري والسياف والحاكم، والشاعر يصبح الضرورة المطلقة ولا شيء يمنعه من الإنحياز إلى عملية التغيير للمجموع، لأن الإضمار في هذه الحالة شيء ضروري بذاته أي بذات الشاعر ليمكنه من إنجاز الشرط الوجودي وبافتراض كائن ضروري يمكنه ان يبدأ بعملية التغيير إضافة إلى أنه المنطق العملي الذي يتجسد داخل الحس والحدس الشعريين، وهو متركب بالضرورات للآشياء داخل الوجود وهو ينجم بالذات داخل ضرورة الحدث المضمر في النص الشعري عن خلق مبدأ شعري موضوعي يكون متركّز عن ذاتية تدفعه من جهة إلى البحث عن أشياء ضرورية لكل ماهو معطى بوصفه موجوداً أي انه غير متوقف، فهو يخترق الشرطيات المضمرة والاشتقاقات اللاحقة المتعلّقة بالكشوفات السيكولوجية وهي الكشوفات التي تؤشر شكل المعاناة التي يتم تأشيرها داخل دلالة رمزية في إطار نظام إشاري يعبر عن الأفكار المضمرة للشاعر عن طريق المجاز، والشاعر في رؤياه إذ الحياة في إنسحاب قليل ولو للحظة ليرى القدر الأكبر بدلاً من البقاء محصوراً ضمن البؤرة المحصورة بين الذات والموضوع، إن تجاوزنا لحدود الحياة الضيقة يجلب لنا على العموم إحساساً بالترفّع والسمو، إذ علينا أن ننظر إلى كل ما هو مُدْرك في منطق الأشياء بوصفه ضرورة مشروطة لتتوسع الرؤيا (من حيث يمكن أن تعطي عقلاً تجريبياً)()، وهي ضرورة مطلقة من الناحية الاضمارية بوصفها تتيح لنا الإتساع داخل منطق الاضمار في الرؤية وإعادة تشكيل الوعي القيمي كونها أساساً ظاهراتيا متكوناً من إرهاصات وتأملات تحيط بهذا العالم السحري ولاسيما منطق التعريف للإشارة في الدال والمدلول من الناحية السيميولوجية، ثم تأتي وظيفة اللغة الشعرية وهي الوسيلة الإيصالية، حيث تقطع الواقع الفيزيائي للشاعر ثم تأتي الحروف والتراكيب وهي وظيفة لخلق واستمرار العالم السحري والابداعي المطعم بالخرافة والرغبة والعشق لمواقع الفهم الصوفي، حيث يكون تحت سطح الإضطراب الوجودي، حيث يقوم محمد عفيفي مطر بتحطيم الدلالة المحايثة للغة الخطاب النصي وهو ينخر في الإضمار للعلامة السيميولوجية (ممسكاً بطحلب السيمياء والعرافة).
وهذا هو النخر في جوف العلامة ثم يتم ملئها بكثافة الحضور وبالرغبة التي يتم فيها ملأ تلك الشروخ التي يخلقها التكثيف بالإضمار الإستعاري أثناء عملية التمفّصل للبنى اللفظية، حيث يكون الإستيعاب الدقيق للمعنى والدلالات ومنه العالم الصوفي والكشف عن العالم الإمكاني للوجود إذ لا دليل إلا دليل الوعي المتغيّر الذي يفلسفه التماثل في الهرمينوطيقية الصوفية والذي يأخذ شكلاًَ تناظرياً بفعل المنطق الإنساني.()

التأمل الروحي في الحس
إن الذين يدرسون التأمل الروحي للحس عند الشاعر محمد عفيفي مطر سيجدون أن هذا التأمل هو كشف عن طاقة روحية وفكرية غامضة، لكنها خامدة عندما لا تحقق الامتداد في ذلك التراث الجسدي للأجداد، لكن محمد عفيفي في شعره يعطينا أسلوب الصدمة للتغير في الوجود، فهو يعرف الوجود لكنه في حاجة إلى الصدمة ليخلق هذا التغيير، وليطلق هذه المعرفة كتبصّر ذاتي تقديره الصيرورة بالفعل الإنساني. وهو يؤكد محمد عفيفي مطر موقفه بأن (الروح صالحة والعالم شرير).
يقوله السياف
ملوناً في ظلمة الإباحة
يقوله في نُذُر المطاوعة
وفي شرائع الدوائر المربعة
وفي طقوس الكرم الزريِّ أو مصيدة السماحة.()
من هنا نريد أن نقارن بين (ييتس وجورج غوجييف)، فقد آمن ييتس بأن على الشاعر يجب أن يرتدي القناع الشعري مؤلفاً من (نفسه المضادة) كوقاية لنفس الشاعر وقد كان غوجييف يتمثل أيضاً طيلة الوقت. ويحاول في كتابة (كل شيء) ان يضفي عليه شيء من الاهتمام والقدسية من خلال الغموض كذلك فعل ييتس في (الرؤيا).
وقد خلق غور جييف أيضا صياغات معقدة من الشخصية البشرية التي ارتبطت بالسماء وبالارض، لكن ييتس لا يستطيع أحد أن يفهمه مالم يفهم حقيقة أساسية واحدة، فقد كان هناك بعض التشاؤم في قعر رؤياه عن العالم، وهذا التشاؤم هو شعور القرن التاسع عشر الاعتيادي بأن عالم المادة وعالم الروح لا يتفقان في نهاية الامر، حيث يتضح هذا من الحوار بين (القلب والروح).
⦁-;---;-- الروح: أبحث عن الواقع وأترك الظواهر.
⦁-;---;-- القلب: ماذا؟ أأكون مغنياً أصلاً ولكن بدون أغنية.
⦁-;---;-- الروح: فحم عيسايا، ترى ماذا يريد الإنسان أكثر؟
⦁-;---;-- القلب: ملقى بلا حراك في بساطة النار؟
⦁-;---;-- الروح: أنظر إلى تلك النار، إن فيها الخلاص.()
وهذا هو شكل الفرضية التشاؤمية التي تقول بأن الحقيقة لا تفيد الإنسان، وفي الجهة المقابلة لهذا القناع هي محاولة " لتجنب الواقع":
لأن تلك التصورات الرائعة كاملة
نمت في العقل الخالص، ولكن من أين بدأت؟
من جبل الزبل أو مكنوس الشوارع...
..وآلان وقد فقدت السُلمَّ
علي أن اضطجع حيث بدأت السلالم جميعاً،
في دكان القلب الكريهة المليئة بالخرق والعظام.
ولكن ييتس يقول أن هو "الانهزامية" ويقول هو "حماقة العالم وتفاهته" وحتى إذا كان في الوسع تحوير العالم بواسطة التمثيل والمثل العليا، إلا إننا مانزال أساساً من الحيوانات، وكما كان سويفت معذباً بتفكيره في أن أجمل النساء يمارسن وظائف المرأة الطبيعية فإن ييتس يقترب هنا من غثيان سارتر.()
هناك منظومة اشارية تصاحب اللغة للوصول إلى الاداء الايصالي، هناك المنظومة الاسطورية + الدينية + الفن + العلم+ التاريخ، فهذه أنظمة إشارية تحاول تصوير العالم وخلقه بحالة مستمرة من خلال الحكم الاحتمالي ويصف بيرس الحكم الإحتمالي أو عملية الإفتراض بإسهاب في بواطن مختلفة من عمله، وبالمقارنة بالاستنتاجات الاستقرائية فإن هذا الحكم الاحتمالي يمكّننا من حالات الإستدلال المختلفة والمبينة في تمثل الخانات المرسومة بخط التواصل مع مراحل البرهنة التي تؤدي إلى قضايا تأكدت صحتها عبر البرهنة الناتجة عن الاستدلال.()
الحق قد يقال مرتين
فمرة يموته العراف
مطوَّحاً به على منابر الجرائد المتهرئة
ومرة يقوله السياف
ممزقاً في الوضم الليليِّ
أو مغتسلاً في دمه البرىِّ
أو مغترباً منزلقاًَ على حبال النفي
أو منتظراً في السرج المنطفئة
والحق قد يقال مرتين...
في هذه الأبيات أعلاه هو إقصاء للإشارة وما تبقى من العبارة إنها علامة مؤكدة بالتمثيل الدلالي، وهي عبارة عن علامة حاملة للدلالة
(Ausdruckeals bedeutsamezeichern)() ومحمد عفيفي مطر يريد أن يقول أن العبارة هي إخراج للمعنى في وجوده وداخل هذا الداخل فيما كان يؤكده إنما هما أصليان : ليس الخارج هو الطبيعة ولا العالم ولا هي خارجية واقعية بالنسبة لحالة الوعي وهذا ما يجب أن نبينه، ففعل الدلالة في (الحق قد يقال مرتين) (bedeuten) يقصد به خارجاً وهو الصنو لموضوع (ob-jet) مثالي وهذا المنطوق الخارجي يقع تحت عنوان العبارة، يخرج عن نفسه ويشير إلى خارج آخر هو ضمن (مطوَّحاً به على منابر الجرائد المتهرئة)، وهو منبر الوعي في إطار الجرائد المتهرئة. وهنا نرى أن القول التعبيري غير محتاج بما هو متعلّق وحسب ماهيته أن ينطق به في الإطار الموضوعي. والعبارة بما هي علامة مضمرة تعتزم القول في إطار المعنى (sinn) حيث الخروج عن الذات ضمن الوعي (مرة) ضمن المعيّة (etre-avee) مرة أخرى، وضمن قربى النفس (aupes-de-soi) كما هو عند الشاعر محمد عفيفي مطر وترجع أصولها إلى هوسرل حين وضعها في الحياة السيكولوجية المتوحدة، وكلمة الحق عند عفيفي مطر هي إستحكام دلالي يعود إلى حدود الرد المتعالي بالمفردة على السيّاف والعرّاف وهو توليد يستوفي نفسه في الفعل التعبيري سيميولوجياً، وهذا يرجعنا إلى للعبارة التي تعكس كما الحالة في المرآة (Widerzuspiegeing)().
عُقْمُ الإخضرار والتجسد
امي ولدتني ذات مساء
فانسربت روحي في ضوء المصباح
وهربتُ خلال الظل ولون الماء
ودخلتُ عبيراً في ذرات الريح
ولبست قميص الصمت
وأكلت الكعك الأسود في أعراس الموت
ما يعنينا في هذه الابيات من إستعمال للصور عن طريق المزج لها في مبنى عضوي يؤدي ان نرى ملمحاً ينقل به الشاعر محمد عفيفي مطر المعنى مع أن الصور بصرية في معظمها فإن التفاصيل لا تعتمد على المشاهد بالعين وحسب على المشاهدة بالعين، أقل من الحقيقة، ولكن المقاطع الشعرية تعطينا إحساساً بالايقاع الذي يتغلغل بعيداً عبر المستويات العاطفية والفكرية والذاتية، وعفيفي مطر يبحث دائماً عن النهاية بعد بداية حسية يتخللها المعنى المتناظر بالتأويل الصوفي حين يقع بالمتناهيات التي يخلقها المخيال الوجودي والحضور المتكاثف للذات وكذلك في الجهات التناظرية التي تعمل على إغلاق الافتراض بوجود الخطاب المباشر للولادة (أمي ولدتني ذات مساء) أي في زمان لحظة الخلق البشري الذي لا يتوافق مع هندسة الزمكان لأن التسامي هو لحظة خلق في التاريخ وتعود إلى الصفة الخلقية حيث تنتهي الحادثة إلى رمز الكعك الاسود في أعراس الموت وهي نهاية الحدود الخلقية بضربة واحدة للقصيدة في المعنى المفترض هو الكعك اٍلأسود الذي حوله الشاعر إلى دلالة، كان من المفروض على الشاعر ان يحدد هذا الخروج في ضربة تعكس المعنى عبر توليد يستوفي فعل التعبير بشكله المفهومي أي خروج الضربة بالفعل السيكولوجي وفي الصوت الفينومينولوجي، لقد كان الاخراج الحاصل في قرارة الوعي القصدي هو المعنى وروحية الإيحاء في حالة الإشارة إلى الكعك، فكان جسم العلامة هو الجسم المتعلّق بالدلالة السيكولوجية في صوت باطني مضمر بكلّيته الدلالية، يقول عفيفي مطر "ودخلتُ عبيراً في ذرات الريح" " ولبست قميص الصمت" وهو إقرار لعبارة مكونه دوماً بفعل الدال (bedeuten)() ليقول إعتزاماً في القول، لأن لفظة (Deutung) عند هوسرل هي عملية هرمينوطيقية، الفهم والتعقل يتعلقان بالمنطق الدلالي، ثم تأتي عبارة (الكعك الاسود واعراس الموت) فهي عبارة تترشح طردياً، وعندما يتضح وحسب عملية الاعتراض، إن العلامة تتأسى على مقولات التطابق أو التشابه وهذا طابع خداع يجعلها متماشية مع السياق للجملة الذاتية ولكن الذات هي وحدة إستعلائية تنفتح على كنه العالم الموضوعي ولكن الانفتاح في منظومة الشعر يختلف في عملية التمثيل اللغوي، والذات التي تحوّل تمثيلاتها إلى ذوات عديدة في سياق عملية التواصل، وهذا وهم فلسفي في الشعر الذي يتحدد بالسياقات الطردية المضمرة والظاهرة، ومن هذه الاشكالية أصبح المعنى متركّباً من معنيين في هذه الجملة الشعرية وهذا التركيب يضعف الجملة الشعرية.()
فالكائن عند محمد عفيفي مطر ليس الإسم الجامد إنما يعني المصدر المشتق من فعل الكينونة، وعبارة الكائن هو الدال على هذا الشيء المتعيّن أو ذاك وفي كل الأحوال أن العالم جمّاع هذه الكائنات وكائنية الشيء أنه الحاضر.
أكرهني العالمُ أن أتجسد في عينين
عذبني أني أملك هاتين العينين
فالحاضر عند محمد عفيفي مطر هو الانبثاق يتعلّق بمفهوم الظهور والتجلي ـ والانبثاق والحضور وتلقاء معاني الضمور ـ والاستتار، فالكائن عند الشاعر معناه "الظاهر" الذي يتجلّى بعدم استمراره في النظر بل الاستمرار بالضد لأن الكائن معناه أن ينظر إلى الآخر ويحمله معه في عملية الانفتاح ويتركه ينفتح ويتجلى وينجلي فلا عتمة عليه ولا عمى، لأنه الكائن المنصت إلى الكائن المتفهّم. لكن الشاعر يستدرك فيقول :
عينان سوداوان
في ليل القبو الدامي شباكان
بئران إنسكبت في اغوارهما النيران
وتعارك صدور الآرض ونصلُ الشمس
إن الأفهوم يصبح كائناً ضرورياً وفق مدياته المطلقة والشاعر يبذل من الجهد المناسب لوصف العينان السوداوان بأنهما عمليتا تدليل على وجود ذلك الكائن المضمر حيث يتم التعرف عليهما إسمياً، لكن الحلول في هذه الشروط الاسمية في الجمل الشعرية :
عينان
قبو
شباكان
بئران
النيران
الارض
الشمس
تمثل ذلك الدازاين وتاريخه الذي تقلّب في أطوار عديدة من الدازاين وهي المكاشفة للكائن ونفسه إلى حقيقة الدازاين المعتم في:
القبو، النيران التي إمتدت عمودياً بين الارض والشمس وعليه فإن الكائن نفسه له تاريخ كان قد تطور تطوراً زمكانياً ولكن الطبيعة ليس لها تاريخ، وإن تاريخية هذه الكائنات إنما تستمده من تاريخية الإنسان حسب هيدجر وهيجل، إنما معنى أن للكائن حقيقة تاريخية فهذا يأتي حسب إعتبار الدازاين له أي حسب الفهم لهذا الموضوع وإن (الأنس دازاين الكائن البشري ـ وبالكائن التاريخي المخصوص).()
فالفسحة التي تحملها الكينونة بما يفسح للكائن فسحة بروزه والظهور المتشدد بالعينان، وكان تأكيد الشاعر على تصور الكائن حسب منطق الدازاين: وهي مراحل محسوبة وفق مراحل تاريخ الدازاين الثلاث، حيث التصاعد معها، ففي مراحل صور الدازاين هو الكائن الحافظ المبيّن في العهد (اليوناني) حيث تصور فيه الكائن بأنه طبيعي، لأنه هو الكائن المنبثق والحاضر والذي تجلى في البهاء في العينين ليرى بهاءه بالانفتاح ـ والفسحة والفجوة في القبو والحضور في البئران والكينونة في النيران والشمس والارض والروح المشرئبة من الشباكان إلى الخلاص تواقة متعالية.
وقد عبر الشاعر محمد عفيفي مطر عن الرمز في هذه الابيات عن حيوية مركزة خاصة به من خلال نقل المعنى بشكل حيوي لأنه عبر عن لغز الحياة حيث جسد المطلق في المحدود، والمجّرد في ذلك المحسوس من كثافة وإيحاء.
يقول اليوت في موعظة النار:
خيمة النهر هَوَتَ : أواخر الورقات
تتشَّبث ثم تغور في الضفة الرطبة
الريح تجتاح الارض السمراء،
غير مسموعة، الحورّيات إنصرفن.()
هناك إنتقالات مفاجئة في حركة الدازاين الشعري بين نهر التيمس الحقيقي وبين المنطق المثالي الشعري عند اليوت خلال تلك الفترة، تنقلنا هذه الأبيات في حركتها تمثل صراعاً محتدماً مأخوذاً من شعر (سبنسر) مما جاء في قصيدته (بروثالاميون) وقد إنضاف إلى المفارقة زخم كبير في وحدة بالغة الحساسية وكذلك ذلك الحال الذي يتحقق بالسرعة المروعة خاصة في البيتين الاخيرين، والهزة المفزعة التي يحدثانها ، هو ليس من الضروري ان تغزو هذا الايقاع في قصيدة مارفل (الخليلة الخنفرة)، وقد كان في أذن الشاعر محمد عفيفي مطر أثر من تلك النقلة الفجائية:
داخل ايقاع تلك القصيدة.()
يقول محمد عفيفي مطر:
هجرتني موسيقى الأفلاك
فهربت إلى ليل الأسماك
ودخلت البحر الأبكم والأغوار
فتراكم فوقي الموج، هربت إلى الأشجار
عصفوراً مشتعلاً بالنار
فتهدم فوقي سقف الهاوية الزرقاء.()
هناك عرض لمسارات الوعي الفينومينولوجي في الشعر بوصفه عملية توطئة للدازاين من حيث نسق الإسنادات الحديثة للذات التي تأسست على بنائية شعرية قابلة للتجربة الحسية العالمية، ومحمد عفيفي ووفقاً لميرات اللّغة الفينومينولوجية ولاسيما لتاريخها فهو العالم بأصولها الفعلية من منطلق تسامي الذات، واستشكالاً صورياً على نحو تأملي وهو الجهد لاستنقاذ ما هو حي في اللغّة التجريدية التي إعتمدت المعنى، وقد لخص محمد عفيفي من وجهه نظر فينومينولوجية أعني بالنسبة إلى الذات المتحدثة التي تستخدم مفردات ذات دلالة ايقاعية مثل: الافلاك ـ الاسماء ـ الاغوار ـ الأشجار ـ النار ـ كل هذه الدلالات التي تركز على المعنى فهي جمع حي في لغة تستعيد وحدتها، فهي لن تكون محصلة ماض سديمي من الوقائع اللسانية بل هي أي اللغة نظام كل عناصره متركزة في المعنى وهي تسابق جهداً في التعبير عن الذات الهاربة وهي المحكومة بمنطق فعلي، والامر كله كامن في لحظة تعبيرية، وكانها إعجاز لمنطق وجودي متركز على صورة شعرية داخل محصلة توضح نبؤة اللغة الفينومينولوجية وفي ذلك رؤية للمستقبل ولذلك تأويل الحدث الذاتي المتركب من انزياحات متعددة، وفي منطقه الدلالي على إعطاء المعنى إخراجات إيقاعية بالصوت أو بالجهر الطبيعي (expressio) وهو الأمر الذي اعطاه مدلولات كامنة في النص الشعري. هناك منظومة الصوت الفينومينولوجي الذي يلتئم بالحالة السيكولوجية التي ترمز إلى العلاقة بالآخر والتي هي تنطق بعملية التواصل الإشاري. ومحمد عفيفي مطر يؤكد على الاقصاء للعبارة الفينومينولوجية بوصفها طبقة لاحقة بالمعنى وهي زائدة وخارجة عنها ويتم الالتحام بنظام الصوت الفينومينولوجي ويجد في هذه العلاقة ما يفرض به التشكيل السيميولوجي كما في هذه الابيات:
إنني أدخل ـ كاظن ـ إلى أرواحكم
وإلى أجسادكم
أبدأ الرحلة ما بين العروق المعتمة
علّنى انظر ما يشبه شمسي المظلمة
علني أنظر ما يشبه اعراس الردى في الزحمة المنهزمة..
ربما قابلني الليل الذي يُجهض في كل صباح
ربما يسمعني السيف حوار الدم في
اللحم الغريض المستباح()
فلننظر إلى هذه الأبيات وما تحمله من إستعراض للصوت وعلى الشاكلة التي ظهر عليها في تلك التميزات الجوهرية للنص الشعري، هناك معياراً للتمييز بين (العبارة والإشارة) إنما الامر موكولاً لوصف (إنني أدخل ـ كاظن ـ إلى أرواحكم واجسادكم) هذا الوصف شديد الإيجاز للإضمار في النص الشعري ففي هذه النصوص الشعرية المضمرة هناك ثمة إشارة لافتة هناك تواصلاً معيارياً لأنه لا وجود غير الحالة السيكولوجية للذات عند الشاعر ونحن نخرج بمحصلة من هذه الاشكاليات الشعرية التي تطرح إمكان ذاتي لهذه الايهامات في مناجات الذات والموضوع لتتحقق الصيرورة في إطار منطق عياني للصوت الفينومينولوجي بإلاضافة إلى الذات فإن ضمير المتكلم وهو الشاعر وبالأخص الذات أو الأنا تعد عبارات ظرفية متعلقة بالجوهر ومتركزة بالمعنى الموضوعي والذاتي، وهي تجري حسب منطق القرينة في القول الفعلي. والذات الشعرية هي وحدها التي تؤسس وتستكمل الإعتزام بالقول. (ربما بمعنى السيف حوار الدم في اللحم الغريض المستباح)، وهذا المقطع ينقلنا إلى الافهوم العقلي ليظهر لنا مسبقاً إن الشاعر عفيفي مطر يحصر الموضوع بالتجريب والرفض للقوة المتسلطة لأنه يعود إلى حدود المعرفة التجريبية في الرفض للقوة التسلطية وإن النظر إلى الذات هذه لا يعني الانكباب على الجانب السيكولوجي بل أن الذات هنا أي في النص الشعري تكون محوراً وبؤرة دقيقة للوصول إلى الصوت الفينومينولوجي.
الظفر بالنفس
إن الإشارة إلى التجربة الروحية هي شبيهة بالرحلة إلى المطلق وكل هذا يؤشر السعي وراء الحقيقة، وهو السفر المغني والملئي بالمفاجآت في الطريق الموحش، لكن السعادة كل السعادة هو الوصول بالعمل الشعري الذي تؤشره الغاية التجريبية يقول محمد عفيفي مطر في هذه الابيات.
لو كنتُ شاعراً يا سادتي القراء
لاغتسلتْ في أحرفي قوالب الأشياء
وانفلتتْ يدي المخبأة
بين السطور فجأة لتنقش المياه بالدماء
في هذه الابيات وقع اختيار الشاعر على صوت الذات حيث التوجه إلى القراء، والذات لا تعلم شيئاً عن ذاتها ولا شيء في كنهها ويحيل الشاعر الامر ليستخبر ذاته وهي قائمة على البيان والإحاطة بالأِشياء، وهذا إنتقاء عملي للشاعر في ذاته وتسليماً بالإضمار الباطني وفق ماهية عملية معيارية أو معيارية شعرية تضمر الفعل المثمّن أو الفعل المولد.
الشاعر محمد عفيفي مطر دخل منعرج اللغة الإشارية إنطلاقاً من مراعاة الوعي العملي للمعنى المتحد، واللفظ المتعدد مثل قول أبي نؤاس
إذا أمتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدّو في ثياب صديق

وقول البحتري:
ولم أر في رنْق الصَّدى لي مورداً
فحاولتُ وِرد النيل عند احتفاله(*)

كذلك قول المتنبي:
كأنما يولد الندى معهم
لا صِغَرُ عاِذر ولا هَرمَ

كذلك قول المتنبي:
قواصد كافور تتدارك غيره

ومن قصد البحر استقل السواقيا

كذلك قول المتنبي:
إذا الهندُ سوَّتْ بين سيفي كريهة

فسيفك في كفٍ تزيل التساويا

وقول البحتري:
ساموْك من حسدٍ فافضل منهمُ
غيرُ الجواد وجاء غيرُ المفضلُ()

يقول الجرجاني: إن للمعنى في كل واحد من البيتين من جميع ذلك هي صورة وصفة غير صورته وصفته في البيت الآخر.
وإن العلماء لم يريدوا حيث قالوا: إن المعنى في هذا هو المعنى في ذاك: إن الذي تعقل من هذا لا يخالف الذي تعقّل من ذاك، وأن المعنى عائد عليك في البيت الثاني على هيئة وصفته التي كان عليها في البيت الاول: وأن لا فرق ولا فصل ولا تباين بوجه من الوجوه، وإن حكم البيتين مثلا حكم الاسمين، وقد وضعا في اللغة لشيء واحد (كالليث والاسد) ولكن قالوا ذلك ما يقوله العقلاء في الشيئين يجمعهما جنس واحد ثم يفترقان بخواص ومزايا إضافة إلى الصفات "كالخاتم والخاتم" " والشنف والشنف" و"للسوار والسارو وسائر الأصناف من الحلي التي يجمعها جنس واحد ثم يكون بينها الإختلاف الشديد في الصنعة والعمل"().
لقد حقق الشاعر محمد عفيفي مطر ذاته عبر المحاكاة وفي هذا التجلي ظفراً كبيراً أما القرّاء حسب عفيفي مطر فأنهم يكتسبون اللّذة العقلية. في قصيدة صوت الخيبة للشاعر ، حيث يكون الوعي منطقاً حسياً فقد بلغ بالشاعر أن يجمع أفكار مشروطه بالفعل الكلي، وهذا المشروط تجريبياً يأخذه على انه ماهية متحركة في سكون سيكولوجي لن يكون في نهاية المطاف سوى الحرف الذي للكون في ذاته اللابث في جهة لأن اللاماهية هي التي حددت هذا التطور السيكولوجي لتنتصب حياله، من جهة أخرى يصل بنا الشاعر إلى مطاف الوعي الذاتي الذي يتحدد حسياً ليبين الشاعر بإن هذا الكون هو كون حسي لذاته المشروطة بالكلي اللامشروط الذي يكون مذاك التشكيل الحسي الذي مازال فيه الوعي متركزاً في مفهوم المباينة، وعفيفي مطر في هذه الابيات التي سوف تأتي بعد قليل يحدد مفاهيم للمباينة ما بين أمرين:
⦁-;---;-- الامر الاول: هو مباينة الجوهر الكوني، وهذا هو الذي حدد العلاقة بالأشياء.
⦁-;---;-- إما الأمر الثاني: فهو علاقته بالأشياء أي علاقة الشاعر بهذه الاختلالات المرتبطة بالكائن الإنساني وعلاقة كل ذلك بالكون، لنستمع إلى هذه الأبيات لعفيفي مطر:
دخلت غابة الكون وغابة الفساد
فعدت دونما عينين
دخلت غابة الحروف والفواصل المزغرفة
فعدت.. في يدي جمجمتي المجوفة
دخلت غابت الضمير
فعدت في دمي خناجر القصدير
دخلت في عباءة الاحجار للمدينة
فافنتحت أبوابها الحصينة()
مفهوم المباينة ما بين الامرين هي مباينة جوهرية لأنها مرتبطة بالوعي الكوني للذات ومن هذا الوعي الكوني تعدد الذات أي صوت الذات المختفي في النص ليعطينا العلّة في الذات الأفهومي، ولكن الوعي الذاتي ليس بعداَ لذات الأفهوم، فالعملية تتطور بشكل متعاكس بالنسبة للصوت الذي تلفه الصيرورة المتحولة بالمعنى المتعاكس وأن الفكرة في الامرين تتحول إلى قوة في الوعي الشعري، والوعي في هذه الحركة يؤكد على الماهية الموضوعية بوضوح الدلالة الكونية في إدامة الوعي الفيزيقي التكويني الذي تحققق بماهية هذا الوعي القيمي، وبذلك يكون الوعي الذهني كان قد نسخ فعلاً حقيقة الشاعر الخاصة من الناحية الفينومينولوجية. أما الذي حدث بعد كل ذلك في هذه الابيات، هو ممراسة الحق للكائن في ذاته وحق يرتفع عند الكون لذاته حتى يتركه الذهن وشأنه، وهذا الحق يطلق عنان ماهيته أي ماهية الشاعر في الإنجاز الشعري.







خطاطة رقم (3) تشرح قصيدة محمد عفيفي مطر
هناك لعبة القوى تُظهر إحدى لحظات الماهية التي إنتبذت الجهة الوسطى لأنها قائمة بالرأس وهو الكون إضافة إلى الغابة الفاسدة الأفقية أي هناك أكوان عديدة ولكن الشاعر ركز على كون وغابة داخل الكون الكبير وهي القوة الأفقية والغابة الفاسدة هي المجال الافقي الارضي الذي وصفه الشاعر بالغابة وهي تتكون من قوة افقية، وبين الاثنين أي بين العمودي والافقي، هناك الإنسان الذي يمثل الكائن الافقي بكل تنوعاته، وهو المحور الذاتي المحض الذي يمثل الانبساط إنما يقوم بفعل وبالمحصلة لذلك الفعل، وهي معادلة وحدتها رؤية الشاعر حسب مفهوم القوة الافقية.
وفي صيغة التنبيه إلى حقيقة وهم إمكانية التوقع المفرطة في استعمال الصيغة الاحتمالية في الجملة الشعرية، عند عفيفي مطر وهو يخضع لتوجّهات أكثر مما يخضع لتلك القواعد الشعرية، وهكذا فإن التصورات المتصلبة للخيبة وما تبرزه الأبيات الشعرية الوصفية والأكثر دقة، هو أهمية تواتر التناوب التعديلي: تناوبات ذات منطق دلالي (J’entendsquille r’ep’ete)() مثال على ذلك:
وحينما استدرت للرجوع
تشبثت أصابع الأحجار
أو
بما أرتديت من منابع الأسفلت
وما ارتديت من خلاخل الاشعار
وهي تناوبات: أقل أو أكثر حركة في المفردة الشعرية (llsemblequ’ila/ aitfait tell chose) .
إن ما أنجزه محمد عفيفي مطر من صياغات إشارية وصياغات إحتمالية كل هذا يأتي بفعل القوة الكلية غير المشروطة التي تكونها الذات وهي تنطوي في حد ذاتها على الإختلاف وفي الاختلاف تأتي الكينونة، وعليه ولكي تكون منظومة القوة على الحقيقة التي لها فلابد ان تُترك حرّة، أي أنها توضح مرة كهذه القوة الباقية في الجوهر في ذاتها ولذاتها، ثم بعد ذلك يتم توضيح الأبعاد الاختلافية بما هي جوهرية، أو مثل اللحظات القائمة بذاتها، مثال على ذلك في هذه الابيات لصلاح عبد الصبور :
مرّت ليلتنا ميتة كي تسقط في صبح ميت
ومغنينا الاعمى ماتت أغنيته
أتوهم أحياناً أني أتسمّع وقع صداها
هل تقدر أن تمسك باللحظة
وتكبلها في قيد الوقت
حتى تتأملها في خلوه
أو تسمعها في صمت؟()
فالقوة الذاتية هي كذلك أو هي مردودة لذاتها فتكون متلابسة في ذاتها وهي تمثل إنبساط الموادّ في ماهيّة أخرى، وعفيفي وعبد الصبور في هذه الابيات يتنوعان من حيث الاحالية في منظومة الوعي المعرفي للقوة التي سنجد لها استعمالاً افادياً، واستعمالاً إحالياً، فالمركب عند الشاعرين يزدادا انشغالاً في الاستقلالية من حيث الاستعمال الافادي في الشعر بالنسبة إلى المعرّف الشعري، فهو موجود أيضاً بالنسبة إلى العملية التبعيضية وفيها يجري المنهج التفكيري على شيء متمثل إفادّياً في الإطار المرجعي للحقيقة الشعرية، وبالمقارنة مع قصيدة محمد عفيفي مطر المغنية الشمطاء.
هناك درس في التحليل التركيبي لبنية النص الشعري السطحية بينما يسعى التحليل الاستبدالي إلى تحديد مختلف المعنى داخل جداول النصوص أو مجموعة الدالات المتعلقة بالنص والكامنة وراء المضامين الشعرية وخاصة القناع الذي يشكل حجر الزاوية والذي يستلزم هذا الجانب من التحليل البنيوي في الدلالات الضمنية الموجبة والسالبة يقول محمد عفيفي مطر:
في صوتها دياثة العجوز
ومدُّها للألف المهموز
غباوة تسفح من صدورنا غمغمة الطبيعة
تمسخ فينا صوتنا المنقوع في الرعب وفي خابية الفجيعة
تسوقنا في العُرُس الغبَّي
أو تطردنا بصوتها من شارع لشارع بلا إنقطاع()
هناك في هذه الأبيات أعلاه قناع للشاعر في المغنية الشمطاء والذي يحمل دلالات عديدة في القصيدة رغم ان عفيفي مطر يركز على دال معين من خلال القناع ويعطيه سياق محدد من دون آخر ان يقوم مقامه.
وهذا الموضوع يكاد ينطبق على الكثير في شعر محمد عفيفي مطر من خلال غمغمة الاحتمالات التي تستخدم الترابطية وبشكل واضح في أغلب أعماله، ويكون الاستخدام للقناع وهو قريب جداً من الحس التجريدي وهو الحس الشعري القابل للاستعارة تجريدياً وتنطوي على حقيقة مضادة للاستبداد ويستعمل محمد عفيفي مطر المنطق الاستبدالي وهو خلاف المنطق التركيبي كما في (غباوة تسفح من صدورنا غمغمة الطبيعة) وهي تقوم بالدور الغيابي أي في الإحتمالات التي لا تستخدم في النص وتنتمي إلى آصرة الدال المستخدم في الاشارة.
ومن الطبيعي أن يستلزم التحليل الاستبدالي في المقارنة وإظهار عملية التغاير بين كل الدلالات الحاضرة في النص وبين الدلالات الغائبة التي يمكن أن يختارها الشاعر في ظروف مماثلة لمنطق الصيرورة الشعرية والذي يستلزم ايضا النظر في دلالة الخيارات القائمة.
والقناع التجريدي يطبَّق على التحليل الاستبدالي وعلى كل المستويات من الناحية السيميولوجية، وتبدأ العملية باختيار الكلمات المعنية أو "الصورة" أو "الصوت" أو "الاسلوب" و"نوعية النص" و"وسيلة الاتصال":
حجم اللقطة في صوتها دياثة العجوز ومدّها للألف المهموز
لقطة طويلة غباوة تسفح من صدورنا غمغمة الطبيعة تمسخ فينا صوتنا المنقوع في الرعب وفي خابية الفجيعة تسوقنا في العُرسُ الغبيِّ
لقطة متوسطة أو تطردنا بصوتها من شارع لشارع بلا إنقطاع
لقطة اغنية تطردني من ساحة لساحة تشنقني في الليل
إذاً لابد من وجود مخطط للنص الشعري، والذي ينبغي أن نشير له هو هذه الحركة في التقوّم الذاتي للشعر، وبالجملة قد يتضح، هو أن حركة الشعر هي حركة للدرك الحسّي، من هنا أين حالات الإدراك الحسي عند الشاعر من الناحية المنعكسة في الذات أو تكون لذاتها، وهنا تكون الناحيتان جيميعاً في لحظتي القوة التي تكون وحدة الذات عند محمد عفيفي مطر وتظهر الوحدة عنده حيال الأطراف الأخرى من القوة الكائنة لذاتها التي تنحل إلى ايقاع تكوّنه أطراف بعينها ولا تكون إلا بذلك، وعليه فالحركة التي كانت قد تبينت من قبل هددت الصورة الموضوعية، وتكون الحركة التي للقوة والتي نتاجها إنّما هو الحصول الكلي والذي يؤشر على النحو غير المشروط من جهة ما هو موضوعي أو بما هو باطن في الأشياء من خلال النص الشعري عند مطر يقول محمد عفيفي مطر:
أتهم الصفاء والعكارة
والنَّهر الذي يفيض كل صيف
بالعقم والخسارة
أتهم الفاكهة التي تحملها الزروع
لأنها تملؤنا بالجوع
أتهم الظلمة والأضواء
والصحف الغبية الأجيرة
والكتب التي تولد في مخادع الدعارة
أتهم الافلاك إذ تدور
والشمس لم تطلع على سقوفنا
والارض ماتزال واقفة
اتهم القضاة والقاعة إذ تغصُّ بالشهود
أتهم البيارق المرفوعة()
هناك إنعطافة في طرف الجوهر من القصيدة وهي تحمّل ما جرى إلى الذات لأنها الطرف المجوهر والذي يتحقق حول الذات المتعينة عندما تطرح قضية القوة على الدوام للمواد الشعرية المبسوطة باتجاه الضروري من الاحداث المتشكلة في هذه الابيات وهي تأخذ عملية التغاير في الاتهام، لكنها مازالت على منهج الصيرورة المتغايرة تدريجياً في الأبيات لأنها فعلاً ذاتياً في تلافيف الماهية المتغايرة، فينبغي ان يسترجع التمثيل الفينومينولوجي من خلال الوسط الكلي للحدث داخل هذه الابيات لأنها لحظات سديمية، المهم أن يكون المتحدث هو المتغاير في صيرورة الحدث الشعري والشاعر محمد عفيفي مطر يوضح الصورة الجوهرية للامتداد الافقي من الغابة التي استخدمها كقناع في قصيدة (صوت الخيبة) وهكذا فإن الشاعر ينظم الأشياء من خلال عملية التغاير وإنعكاسها في الذات العمودية للكون من هنا يتحدد القناع في هذه الابيات وبشكل تجريدي من خلال الحس المنسوخ من الذات الغائبة في النص الشعري، فهو يحاكي الوجه الذي أظهره على أنه قناع متغاير في شخصية الذات الغائبة والحاضرة من خلال قوة الذات.
ولكن الشاعر يحتكم أحياناً إلى التأمل المتعالي لكي يحظى بتقديرات معيارية تحدد الصياغات الكلية للمصادقة، وهذه العملية تنطوي على صيغة (مونولوغية) بصوت واحد مثلما حددها "كانط" من دون عمليات حوارية متعلقة بالواقع السسيولوجي، وهو إتصال افتراضي يصنعه الشاعر وتستطيع اللحظة النقدية أن تتأمله ذاتياً في إطار صياغات (ترسندالية) في عملية إتصال العبارات وجيزة، وهكذا لابد من سبك حقيقة مصداقية المعايير الكلية وإشكالياتها ضمن إطار جدل تاريخي يحدد افق وحدود وفضاء التجربة الشعرية للشاعر محمد عفيفي مطر.
هناك خطاب شعري يتم تعيينه عبر الذات من حيث هي الصورة كذلك، هذا الخطاب يشكل قوة منعكسة في ذاتها، وهي أحد وجوه مفهومها، لكن هذا الوجه من حيث هو طرف ذاتي مُجوّهر داخل تعينيّة للنص الشعري حيث يكون الطرح عن هذه القوة وهي تؤكد المواقف في مختصرات الخطاب الشعري في المواقف الفكرية والسسيولوجية والسيكولوجية والصوفية وهي متشكلة على الدوام داخل خطاب ذاتي ينطلق من العمق السيكولوجي الذاتي وهو واضح عند عفيفي مطر وهو يؤشر حالة متعددة داخل المكان:
مناظر صغيرة من ساحات مدينة ميتة.
⦁-;---;-- المجنون المتجول
حذاؤه المطاطُ، والشوارع الأسفلت، والنهار
نقالة من النار
تحمله يحملها، تقبله ترفضه الأشياء
يغطس في معاجن الأسفلت، يطفو في
الشوارع الصارخة البكاء
يخطب في أروقة الظهيرة
يخرج من جيوبه صحيفةً بنثرها في الترجمة الأجيرة()
يعارك الهواء
ويبدأ الشاعر الرحلة في تلك المغايرة، حيث يسترجع الماهية المتمثلة بالحس السسيولوجي في وصف المجنون المتجول قد يكون الشاعر وقد يكون التحول في جوهر الصورة الشعرية لوصف المكان من خلال الحس الذاتي السيكولوجي، وقد يتساءل القرّاء عن سبب تكديس هذه الصور المتحولة دائماً في إطار النسيج المتمايز ولكن الشاعر يبدع في تكثّيف الحس السسيولوجي والبداية، يبدا بالإستغراق في الحلم داخل المكان. فيستحث القوة داخل المكان مثلما يستحثها داخل الخطاب الشعري ويتضح من الخطاب الشعري بأن القوة تكون وسيط بين الخطاب السسيولوجي الشعري والمكان ليتبيّن من خلال هذا التركيب هما شيء واحد، ومن هذين المحورين يهلُّ في الوقت عينه كلحظة متحولة داخل نسق أفهومي يبرز السياق التجريدي وهو الفيصل بين الكلام والصورة وتقنيات الخطاب الشعري.
⦁-;---;-- الإنتحار ثرثرة
يفضحنا النهار لو تسلًّقتْ أكتافنا من رغوة
الشمس فقاقعاً أو رفعت ثيابنا أصابع الهواء
يفضحنا لو غُبرّت اقدامنا في طرق الأمام والوراء
تأمرنا ضراعةُ النطقة في الأشياء
أن ننزوي في الليل أن ندخل أيَّ مشرب..فتلتقي
المسالك التي تقاطعت..يفضحنا السكوت..()
إن التقابل الجوهري في هذه الابيات هو تقابل سيكولوجي كالمستنفر للحس ويعد كوسيط كلي مادام الخطاب يتعلّق بالجوهر الحكائي عند الشاعر، والشاعر يتناوب في هذه اللحظات، ليأخذ الفكرة بكلّيتها من الاستنفار في إياب القوة لأنها تستنفر العملية الاختلافية التي ينقلنا إليها الشاعر "تأمرنا ضراعة النطق في الاشياء" والشاعر يقع بين الاثنين من حيث ينبغي ان تكون الحالة السيكولوجية الذاتية مستنفرة، وفي هذه اللحظة ليتحول في هذه التبادلية المتعينة هي إستقامة القوة الخفية داخل النص الشعري ، ومن ثم يكون يكون النص الشعري هو المستنفر ليوضح ما تطابق في الوصف من إستنفاد بالنسبة للحالة السسيوسيكولوجية.
إستشكال الديالوغ
في إطار الوحدة الكلية للقصيدة والميكانزم العضوي فيها هي متأتية من الوحدة العضوية الإحتمالية فيها وذلك بسبب الضرورة في النتائج الفنية الهامة التي ترتبت في اكتشاف ارسطو للوحدة العضوية في المسرحيات والملاحم، حيث تقوم تلك الوحدة العضوية على الترتيب للأجزاء الدقيقة للخرافة والحكاية. والوحدة العضوية في القصيدة متأتية للإدراكات وتطبيقها حسب أرسطو في وحدة الملحمة والمسرحية كما أشرنا قبل قليل، وهنا يأتي التكامل في الموضوع وما يستلزمه من صور تتعلّق بالابنية الحية لكل تلك الأجزاء فيها.()
والديالوغ إنبنى على الإشارة من الماهية النظرية حتى يتمكن من إقصاء تلك الإشارة من التعبيرية النظرية، وعند هذا العمق يختلط تحديد العبارة بما يبدو أنها أقصته، بعدها يأتي الصوت، والزمان وهما لإظهار وحدة الايماء والادراك داخل العلاقة، إذا كانت المنظومة الدلالية عهدة البنان والعين، إذا كانت هذه العهدة محققة بكل علامة إشارية أو تعبيرية قولية أو غير قولية.
هناك الايقاع المعاود الذي يمتّن مركّب النبر والوزن والنمط الصوتي، ثم يأتي الايقاع الدلالي للمعنى وهو ما نشعر به على أنه في العادة إيقاع النثر.
بتفخيم الايقاع الاول عن طريق القراءة للشعر وفق حوارية صوتية تنتج نغماً مفعماً بالحس أما تفخيم الثاني فينتج (نثراً طناناً خالياً من المنهجية العقلية) حسب برناردشو في أيامه عن شكسبير.() ويأتي الحوار المكلل بالتجريد والرمز في إطار دلالة تخييلية حوارية يدرجها الشاعر وهي عبارة عن الضمير المتكلم هو الشاعر.
صوت:
ياسفري الضرير
في منجم الكيمياء والتحول الاخير
تنحلُّ في دمي روابط الأشياء
وترقص العناصر المفككة
تنقلب الفروع في الجذور
والنار ترتمي ثمارها في الكرمة المحترقة
والماء في دمي يميت بذرتي المنفلقة
يشتعل الهواء ثم يحبل الرماد
لكنني أنتظر التحول الأخير
كي تأخذ المناجم المعتمة المشتعلة
كراهتي للعالم المرير
فاقتلعي يا كيمياء الأرض ـ من دمي ـ احتقاري
للبشر الفانين في جواري
وللحياة بعدما تعكرت بالاوجه الممسوخة الملونة.()
في تشكيلة هذا الصوت الناظر هذا الصوت إنما قام على ضرورات وحاجيات أبيستمولوجية للإنسان الابيستمولوجي وأصبحت القضية الابيستمولوجية (قضية وجودية) والاشكاليات كلها تتعلق (بالوجودية الابيستمولوجية) بما يحياها الانسان وهي غاية وجوده، وقد جعل (ديكارت) (أنا أفكر) (أنا موجود) حيث قرن الوجودية الابيستمولوجية أو بالمنهجية الفكرية وذلك عوض مقارنته بالحياة، وحين يتشكل الانسان الناظر وهو الانسان الشغوف بالمعرفة في (منجم الكيمياء) والناظر بشغف طوراً ويثوي خلفه باسم نازع للمعرفة حسب (نيتشه) والشغف بالمعرفة في غاية الوجود، وأن الوجود هذا حالة موقوفة على المعرفة، والنظر لأشبه حالة متوحدة كتوحد الصوفي، فالعاشق للعرفان يرغب دائماً في التوحد في الأشياء، وهو يرى أن إنفصاله عنها يعني سقوطه. وشغفه هذا الذي دونه هلاكه أو هو يرى أن ما من شيء إلاويلزم أن تتحول هذه الذات إلى ابستيمولوجيا تتعلق به أو تنشأ عن كراهية لعالم يحتظر بالابستيمولوجيا وهو يقف بالضد أن تنحل ذات العارف سيكولوجياً وتذوب في الأشياء بل تموت.
وكأن الابستيمولوجيا تناديه، أدبر عن نفسك وأقبل عليّ وإنه ليلتذ أما بالبقاء أو بالفناء. إما أن يبقى هو وتفنى الاشياء ، أو يفنى هو وتبقى الأشياء، ومهما تصرفت الاهوال، فإن شأنه أن يكون هو مع الأشياء في بوتقة واحدة. ويأتي الجواب على لسان مجموعة من الرجال والنساء:
لا تبتئس أيها المقتول
فالشمس في مناسك الافولْ
تموت كي تولد ـ في طقوسها ـ الفصولْ
لا تبتئس فالعود في الوصول.()
فهذا هو الانسان الناظر وهذا حالة، فإن لزم الإستشكال في أمره هذا يعني إستشكالاً نظرياً وإنسانياً وهو أمر تعلّق به وفق نظرة التعلّق هذه أي بالجملة أي أنه لزم طرح مسألة المعرفة ذاتها، وهذا يعد أمراً تنبه الانسان إلى أهميته، فالحل متشكّل بشكل مريب أي النظر إلى المعرفة بعين إستشكالية، وتحويل الإيمان إلى أمر مستشكل به ولذلك جاء الصوت على لسان مجموعة من الرجال والنساء هو أنك أيها الإنسان "لا تبتئس أيها المقتول) (فالشمس في مناسك الافولْ) أي أن حلقة الدوران الابيستمولوجية للشمس سوف تولد صيرورة ابيستمولوجية جديدة، وقد قام هذا الاستشكال على مطلبين:
⦁-;---;-- مطلب الصيرورة.
⦁-;---;-- الوسيلة وتحصيل المعرفة وما يدعوه نيتشه (البحث عن الحقية من قبل الإنسان)، فولادة الفصول الذي يأتي بالصوت المتهدّج يعني (الإرادة والصيرورة) التي هي محورها الإنسان لأنه أساس قيمتها، وهذه الصيرورة تنقلنا للقوة بذاتها، عنئذ لا تنقسم هذه اللحظات إلى أطراف مضادة بل أن ماهيّتها إنّما تكون على الإطلاق: فهي كل تلون بمعية الاخرى. ولنستمع إلى هذه القصيدة (لجرورج تراكل):
تأسّ
موتٌ سباتٌ ، نسورٌ عابِسات
ليالٍ يخفقن فوق هامي
صورة الرّجل المذهبّة
في موجها المجمدِ ستلجبُهُ
الابدية، وفًوْقَ صخور الأبْحرُ الرّاعبات، يهشّم،
مضرّجا الجسد
والصّوت الرّاكن ينتحب
فوق البحْر،
أخت وفؤادُها المثقل بالعواصف
ليتكِ ترين، القارب وغصيصه
الهالك تحت الكواكب
وَجْه الليل الكالح.()
إن حدود المفهوم الشعري يظهر لنا في هذه الابيات (لجرورج تراكل) مبينة أفاهيم مستخلصة من منطق أفهومي متفكّر قبلياً إلا أنه لا يتضمن سوى وحدة التفكير حول الظاهرات، من حيث يجب أن تنتمي هذه التشاكيل الشعرية إلى الضرورات المتعينية من ناحية الوصف للحدث السيكولوجي للشعر بحيث يستخلص من هذه الابيات أن هناك واقعاً موضوعياً متلابسا بالصيرورة الذاتية (لتراكل) وهذا يتعلق بالتجربة تجريديا لأنها تشكل صورة ذهنية، ولكن اللفظ الافهومي يظهر لنا مسبقاً أنه لا يمكن أن ينحصر في حدود التجربة الذاتية بل ينحصر بالصورة الذهنية عند الشاعر وهو يعود إلى التجريبية الممكنة فيزيقياً، وكما تصلح الافاهيم الفاهمة (للإدراكات) تصلح الافاهيم الشعرية، وهي تتضمن اللامشروط في كل تجربة شعرية بمعنى أن الشعر عند تراكل هو موضوع متعلّق بالاستعارات للصور الذهنية وعلاقتها بالإنعكاس الفيزيقي عبر إستدلال ظاهري في إطار الأفاهيم المماحكة المخصصة للإستدلالات الشعرية، هناك إيغال في الوصف التجريدي وهو يسمح باستخراج الإيقاعات الحسية الأدائية التي يشتمل عليها النص الشعري وسياقه الحالي، فالكفاءة التجريدية الحسية تمثل خزِّاناً رحباً يضم ايقاعات خارجية تعبيرية ادائية تتناول السياق الشعري ومعارفه وتفاصيله ومعتقداته، كذلك نظام التمثيلات الفيزيقية، وهذا ينقلنا إلى عمليات فك ترميز المحتويات للنص الشعري البينية، من هنا كان (تراكل) منشداً في هذه القصيدة ومبحراً في آفاق الذات والموضوع وبشكل تجريدي مثل (ليتك ترين، القارب وغصيصة الهالك تحت الكواكب) والاضمار هنا يأتي بالإفتراض داخل وحدات لغوية منسوجة وهي مبنية سلفاً في طور الوحدات السياقية من خلال الجملة الشعرية والمستخدمة بالمعنى أكثر من الدلالة والاشكال يتعقد إبتداءً بالخطة في (صورة الرجل المذهبّة) وهي تنطوي على عمق في المعنى وضعف في الدلالة وتغدو بدورها نوعاً من أنواع مكونات الوعي الشعري الذي يؤكد الحالة الاضمارية داخل محتوى أساس في سياق النص وبفرضية تتضمن إحالات تحليلية وبمنظومات تقوم اللغة بتغليف الخطاب الشعري لضبط مبادئ الإنتظام في الصورة الشعرية.
الخطاب الشعري البنوي
إن الخطاب الشعري البنوي بانسجامه المتحول والذي تحقق بفضل العلوم اللسانية، وبفضل ذلك توصل كلودليفي شتراوس إلى إدراك ذلك الكنه لأنساق القرابة، وبهذه الطريقة إرتسمت ملامح الانموذج البنوي في معالجة الأنساق الشعرية معالجة إستشعارية نسقية ولكن في النهاية لم تصبح قانوناً بسبب عدم إدراك النسق العام للنص الشعري وإستشعاراته وعلى ضوء ذلك فهم الفينومينولوجيا فهماً شمولياً، ودراسة الشعر دراسة نسقية دقيقة وإجرائية، حيث يقوم هذا الفهم على تحويل المفاهيم النسقية إلى منظومات، تكون كفيلة بتمتين هذه الظواهر اقصد علم الظواهر إلى إمكانية تجعل التجربة الشعرية الحية تتحقق بالموضوعات المختلفة الإتجاهات في خطاب نسقي يتسم بالمقاربات البنوية والابتعاد عن وهم النسق المغلق والتحليل المحايث.
من جهة أخرى فإن المقاربات السيميائية كانت قد تجاوزت الحدود الضيقة وقد عبرت عن رقي للخطاب الشعري، وقد تمثلّت وظيفته في البحث عن الأنساق الاستشعارية الدالة وبموستوياتها اللفظية والشعرية، وهذه الحدود النسقية لم تفصلها السيميائية عن ذلك الإطار السسيولوجي العام.()
والشاعر محمد عفيفي مطر اقترن شعره بالمرادفة لمفهوم البنية لأنها قيمة جوهرية ولأنها تمثل مظهراً من مظاهر التماسك في إطار منهجية فلسفية لمفهوم العلامة عند محمد عفيفي مطر، وفي شعر محمد عفيفي مطر هناك بنوية تتكامل في بنياتها التي تشترط وجود قواعد تعبّر عن هذه المرتكزات وهي:
⦁-;---;-- الكلية المركزية في الجملة الشعرية.
⦁-;---;-- التحولات في النصوص الشعرية.
⦁-;---;-- التنظيم الذاتي لهذه التحولات.
إن الملمح الجوهري في شعر محمد عفيفي، ينطلق من مفاهيم يتم معادلتها بمفاهيم المقولات النسقية. ففي قصيدته: "مرثية إنسان الشمس القديمة"، ينطلق الشاعر من أن:
كل شيء كان يُستنْضح مني
كانت الأرض حنيناً في دمي لم يبلغ التاسع،
والشمس واقماري الخبيئة
كان في قلبي إحتدام الشجرة
واختمار الطمى والشعر ـ الطلوع
كنت ـ مما يملأ القلب ـ اجوع
وأغني للمياه المسكرة
علها تطرحني زنبقة في عروة الأرض التي تطلع مني
كنت من حبي ألفُّ الشرنقة
وبها كنت أصلي لأموت
قبل أن يحملني مني غرابُ العاصفة
وإنسحاقي في مراسيم السكوت.()
هناك الكلية المركزية في السياق تنتمي اليها هذه الأبيات من ناحية التصنيف لهذه البنيات الشعرية اللفظية حسب إتجاه معناها النهائي، ضمن الناحية الخارجية باتجاهها النهائي تكون الوصفية والتقريرية يكون اتجاهها خارجياً، والمقصود بالبنية اللفظية، هي ان تمثل أمراً منعرجاً في الخارج وهي الاقامة في حدود الدقة ونحو ما تمثل في التطابق بين الظاهرة والإشارة اللفظية مثل (كانت الارض جنيناً في دمي لم يبلغ التاسع والشمس وأقماري الخبيئة) وإن منعرجات هذه المنظومة اللفظية وهي تكون عاجزة عن الخروج من الذات.
وفي كل البنيات اللفظية الأدبية يكون الاتجاه النهائي للمعنى يأخذ المنحى الداخلي، أما المعنى الخارجي فيكون بعد الداخلي، والعمل الشعري بشكل عام هو عمل افتراضي، والصلة الإفتراضية بالواقع الموضوعي هي جزء مما تعنيه الكلمة (التخييلية) وينبغي الاشارة هنا إلى التفريق بين هذه الكلمة المعنية في النص الشعري عن (التخييلي) والتي تشير عادة إلى البنية اللفظية التي تخفق في تحسين تلك التوليدات. مثال على ذلك (كان في قلبي احتدام الشجرة واختمار الطمى والشعر ـ الطلوع) كذلك هذا البيت (قبل أن يحملني مني غرابُ العاصفة وانسحاقي في مراسيم السكوت) إن قيمة كل هذه الإشارات الرمزية تابعة لأهميتها من حيث أنها بنية أفكار متواشجة، أي يجذبها الحس الترابطي الداخلي، فحيثما نجد بنية لفظية مستقلة، حينئذ نحصل على نص شعري صافي ونحن في الوقت نفسه نفتقد إلى هذه البنية المستقلة من الناحية الذاتية، وبالإستقلال الذاتي نحصل على لغة شعرية أكثر متانة، وإن سبب انتاج بنية شعرية، يأتي في مقدمها المعنى الداخلي، أي النسق اللفظي الملتقي بالعملية الذاتية، وهو مجال الإستجابة المرتبطة باللذة وبالجمال السيكولوجي، ومحمد عفيفي مطر هو شاعر يتأمل في نمط شعري لا يتعلق بغيره، سواء كان من الناحية الكلامية أو المصدر الرئيسي للإحساس باللذة التي رافقت مجساته الذاتية، وهذا واضح في أكثر شعره، وحقيقة الأمر أن مثل هذه الأنساق والأنماط الشعرية هي الأسهل في إشارة الإهتمام بالمنطق الشعري.
عملية الإستشكال الشعري
في نمط الصيرورات الشعرية عند عفيفي مطر، هناك نمط الاستشكال المحتوم في ميلاد القصيدة، وهو أمر إفتراضي، فهو عابر للنية والمعقولية، والقصيدة إمتداداً للفعل الممكن في الضروريات الجوهرية، وهي شرط من شروط الوجود الشعري وتحولاته في معرفة الأشياء وإشكالياتها التي تقوم على إرادة الوعي القيمي والتطرق إلى المفازات ذلك الوعي للبحث عن الخفايا والوهم والتغير.()
كنت ممتد العروق
نازفاً اسبح في ليل السديم
كنتُ فيه روحه الحرة والمحور والدائرة المشتعلة
والمدار الفوضويَّ المتحول
كنت أبني ـ بين ما أخفيه في القلب وبين العالم المقبل ـ
جسراً للتواصل()
في هذا الاستشكال الإنساني الباحث عن وجود لعالم بحسب ما يتمناه الشاعر، ولذلك تجده ينشط باحثاً عن الطريق للتواصل، هذه الذات التي تبحث عن مفهوم جديد للتواصل وتحقيق السعادة في هذا العالم الذي هو لفظة في روح حرة تعمل على التغيير والتنوع والاستحالة من خلال قوانين التحولات، والشاعر يولي قيمة جوهرية من شأنها أن تثبت حقيقة تلك التحولات الارادية لتدوم الصيرورة لأنها إرادة الحقيقة التي يبحث عنها الشاعر لإدامة هذا الحس الذاتي والنزوع للمواصلة مع الموضوع الذي يدعو إلى النزعة الاخلاقية والتي تعني الإرادة التي يبحث عنها الشاعر، وهي إرادة التغيير، وتكون البداية بالاخطاء التي هي شرط الوجود في عالم شأنه التغير الدائم. ويأتي التنظيم الذاتي في القصيدة عند عفيفي مطر:
فأنا أفطر في الصبح بغابة
أتغذى بسحابة
أتسلى بحوار البرق والرعد اللذين استترا تحت الربابة
ألبس الأفق على رأسي شالاً وأدير العاصفة
خاتماًً في أصبعي، والبحر خفّاً والكتابة
معجماً تصرخ فيه لغةُ الخلق وتنشقّ وجوه الكائنات
آه يا أرض النعاس الأبدي
أطفئتْ نارك، حطت في القلوب الحجرية
والأغاني الذهبية
بومةُ الملح التي تولد من بطن السكوت..()
في هذه الابيات يعرض الشاعر قصة الإنسان المقوم الذي يعمل على أكساء الوجود والاشياء قيمة والتي جردها من الذات تبعاً للحاجات الملّحة، وهو يفعل ويعمل بصيغة القضية الحقة في إطار الإنسان النظري، والشاعر يراهن على قيم جديدة بعد عملية التغيير، ولكن المقوم الذاتي النظري لا يفارق الشاعر طيلة رحلته الميتافيزيقية، فهو يعتبر أن الكون له معنى أي أنه قائم على المنطق النظري والاخلاقي، وعند جمعها في هذه النصوص تشكل معنى يفتقد للصيرورة ولكن الشاعر يوجد الصيرورة بامتياز من خلال المعنى الوحيد الذي يحققه الفعل الإنساني، والشاعر يبطل المعنى غير النظري وهو يقر بهذه الاضداد الوجودية، والشاعر يقوم بخلق عالم يشرح فيه علاقة الإنسان بالاشياء ،(علاقة الغابة بالبرق والرعد وعلاقة الافق بالإدارة للعاصفة) كل هذه الأشياء تؤشر لنا الوحدات الكلية والنسقية في إطار القيمة الوجودية وكان الامل معقوداً عند الشاعر على أن يتم تحقيق أوديسة كونية في أفق متصور للتاريخ في إطار الإنسان المقوّم للوجود وبامتياز، فكان لربط المعاني عند الشاعر يعد منهجاُ تجاه كل معنى من هذه المعاني وكل صورة من هذه الصور لأن هذه المجسات تؤكد لنا الخبرة الفردية سيكولوجياً من هذا المنهج في تحليل (عملية الإنتباه) كما هي عند (جيمس وارد)(*) وهو الاصرار على تدفق (عملية الوعي) (وليس الذي يتوقف على تعاون الافكار الآلي)() يقول أدونيس في مزمور:
أخلق للرِّيح صدراً وخاصرةً واسند قامتي عليها. أخلق وجهاً للرفض وأقارن بين وجهي. أتخذ من الغيوم دفاتري وجدي، وأغسل الضّوء.
للشقائق زينةٌ أتزيّا بها، للصنوبرة خصرٌ يضحك لي، ولا أحد من أحبه ـ هل كثيرٌ إذن، أيها الموت، أحبّ نفسي؟ أبتكر ماءً لا يرويني. كالهواء أنا ولا شرائع لي ـ أخلقُ مناخاً يتقاطع فيه الجحيم والجنة. أخترع شياطين أخرى وأدخل معها في سباقٍٍ وفي رهان.
أكنس العيونَ في غباري. أتسلَّل في ألياف الماضي فاتحاً ذاكرة الاولين. أنسج ألوانها وألوّن الإبر.أتعب وأرتاح في الزّرقة ـ يُشمس تعبي ويُقمر في لحظة واحدة.
أطلق سراح الارض وأسجن السماء، ثم اسقط كي أظلّ أمينا للضوء، كي أجعل العالم غامضاً، ساحراً، متغيراً، خطراً، كي أعلنَ التخطي.
دمُ الآلهة طريٌّ على ثيابي، صرخةُ نَوْرسٍ تصعد بين أوراقي ـ فلأحمل كلماتي ولأمضِ..()
في مزمور أدونيس هناك نوع من الحدة في منطق الوعي لإستمرار بناء الوعي القيمي الوجودي لأن أدونيس يرى أن العالم هو عالم إفتراضي قيمي يتوقف على حدة الوعي الإمكاني في النص الشعري والعالم مائل نحو السلبية ويجب تقييمه وفق معادلة تحقيق المعنى بالإرادة الحرة التي يقودها الإنسان أي فرض إرادة الإنسان السوبرمان لأن البحث عن العمق في هذه الحياة هو ما يتعلق (بالعقل اللاشعوري) والانسان في اشيائه متداخل في عالمه وفي مستويات عديدة، أن ضوء الوعي القيمي هو آله الإلتقاط في الكشف عن المستور داخل هذه الآشياء، هناك مساحة واسعة عند أدونيس للكشف عن هذا الوجود من خلال اللغة الافتراضية التي حققها شعاع الفكر الادراكي حين تتم عملية الإدراك ضمن خصوصية الانسان الإلهية، وقد يكون هذا الإنسان هو القوة الجبارة في الادراك وقد تكون خارقة، وهذه اللحظات هي نقيض الغثيان، لأن الإنسان في حالة الغثيان يشعر بالإنحسار والوحدة والاقصاء في عالم منسلخ أصلاً عن الآشياء، ويصبح في حالة البصيرة الفكرية عارفاً بعمليات الاتصال بينه وبين الطبيعة مثل (أبتكر ماءً لا يرويني/ كالهواء أنا ولا شرائع لي / أخلقُ مناخاً يتقاطع فيه الجحيم والجنة/ اخترع شياطين أخرى وأدخل معها في سباق وفي رهان).
من هنا كانت العلاقة بالوجود علاقة إستباقية تفكيرية، كما هو الحال مع النظرية الديكارتية الهيومية والغثيان هو إدراكاً هيومياً قيد في (أتسلل في الياف الماضي).
وهوسرل هو الذي أثار هيوم وفق تبيان : هو أننا إذا اعترضنا على منظومة العقل، من هنا علينا الإعتراض على كل نوع من منظومات الإدراك الصافية مع القصدية غير الفعّالة، وقد كانت إفتراضاًت (ويتهيد ـ وهوسرل) هي أن تحل محل الافتراضات التي جاء بها (ديكارت ـ غاليلو) . لكننا نعي هذا المعنى، وقد ميز (وايتهد) خبرة ثالثة، هي: (التحليل الفكري)().
من هنا كان للإيصال من الناحية النظرية متحققاً في المعنى الواحد، ومعنى واحداً للإسم الواحد في (أطلق سراح الارض واسجن السماء، ثم اسقط كي أظل أمينا للضوء، كي يبقى العالم غامضاً، ساحراً، متغيراً، خطراً، كي أعلن التخطي)، كذلك نجد في هذا المزمور المعنى واثره السياقي في أثر إسم من الأسماء له معاني عديدة، وهذه معاني مفترضة مثل (دم الآلهة طريَّ على ثيابي ، صرخةُ نوْرس تصعد بين اوراقي ـ فلأحمل كلماتي ولأمْض ) والاكتفاء التطوري وفي إشارة إلى معان أخرى في المغامرة (كما يطلق عليها سارتر) وهو التحفز للعمل الإبداعي، وهذا رأي ضد رأي (بكيت) الذي يقول (لا شيء يمكن عمله)().
المنهجية في الترشيد الإنساني
وهي مناهج إدراكية قابلة للتبسّط (كما يطلق عليها تيلهاردي شاردن) الذي يطلق عليه (قانون الطاقة المتاحة) وقد حدد أدونيس هذه الفلسفة في منطق المعنى بحدود القصدية التطورية، وهي نتيجة من نتائج المنطق الإفتراضي عند (وايتهيد ـ وهوسرل) وهي بدائل إدراكية لافتراضات (ديكارت ـ هيوم) والتي تمثلت بالغثيان.()
وقد تبين أنه ليس للعالم تأويلاً واحداً، ولا ثمة تأويل التأويلات كلها أو التأويل الذي يجمع هذه الأشياء وهو بمثابة (الحكاية الجامعة) أو ما يطلق عليه (حكاية الحكايات) بل أن للعالم من المعاني التي لا حد لها، والمعنى الكوني هنا ليس أمراً مطلقاً إن هو إلا منظور إلى جانب المنظورات الاخرى وكذلك ينتقل أدونيس في مزموره هذا من معنى إلى معنى حسب حاجات الشاعر إلى هذه المعاني كما في (أتخذ من الغيوم دفاتري وحبري، وأغسل الضوء) وهذا يعبر عن نوازع الشاعر التي هي تغطي العالم حسب شكل الوظيفة ودلالة الكلمات مدلالة المنطق البنوي.
يقول محمد عفيفي مطر:
ميتاً في الليل محمولاً على نعش النهار
داخلاً في الريح أعراف العناصر
فأنا ملحُ البحار
وحديدُ السرج والمحراث، والطينةُ في أرض المجاعة
ونحاسُ في سيوف الحرس المقبل من كل طريق
وأنا نار الحريق
ومدار القمر المعتم والشمس الكئيبة
وأنا الطبل الذي يُقرع في كل كتيبة
وأنا زهر الدم الطالعُ من كل قتيل()
يتناول محمد عفيفي مطر التحديث الحسي في النص الشعري ويركز على الحدث ويعتبر الحدث الشعري هو تعالق بين الحدث السببي من منطق إدراكي منظورا به إلى الحاضر عبر وقائع لغوية تنقل النقل الموضوعي للحدث الحسي، فيأتي الصوت وهو موضوع الإظهار المتكرر بلا نهاية وحضوره يتكون بالإشارة وهو يقبل أن يتكرر بحدود الحد، والصوت الفينومينولوجي وفق هذا المعنى وهو يبدو يظهر في هذا الأمر ولا ينقطع عن نظام الإشارة، حيث ينتمي إلى النسق الشعري، حيث يستكمل وظيفته في عملية لا متناهية في أمثلة للموضوع الشعري ومعناها المتداخل بفضل التجربة فينومينولوجياً، والشاعر يبدأ من تاريخ الروح (ميتاً في الليل محمولاً على نعش النهار) فتاريخ الروح غير منفصل عن تاريخ الصوت (داخلاً في الريح اعراف العناصر) فإن ذلك يرد إلى هذا المعنى كل ما فيه من تقويم قيمي في (فأنا ملح البحار) وفي هذا يجعل للصوت قمة فلسفية تعيد صناعة الوجود بهذا الملح البحري وهو أكثر الموضوعات موضوعية ومتحرراً من (الهُنا ـ والآن) وبإفعال ذاتية تجريدية.
والشاعر يؤكد على الذاتية البارزة في الإنحياز للطبقة الفلاحية لأن الشاعر هو دينامية الوعي الطبقي (وحديد السرح والمحراث والطينة في أرض المجاعة) وهو ابن قرية رملة الانجب مركز أشمون، محافظة المنوفية الواقعة بين دلتا النيل، وقد ظل مطر يغني للأرض وللقرية لأن وعيه مكون بالمحراث والطين ورائحة الأرض . لقد مازج مطر بين الرومانسية والذاتية وبقي يعيش في عالم المعنى وبافتراضه أنه عالم الحقائق الصوفية التي خرج منها الشاعر محمد عفيفي مطر.
وعفيفي مطر لا يمكنه مغادرة هذا العالم الحسي للقرية وطقوسها ومعتقداتها المتعلقة بالدين والخرافة، وقد طور الشاعر معنى المقدرة والتحليل للطبيعة القصدية للوعي من ناحية المفهوم، وقد إعتمد الشاعر مطر على التحليل الظاهري وتطوير العملية اللغوية من الناحية الوجودية والصوفية التي طوعته بهذا الاتجاه.
فهو (السيف والحريق) و(هو مدار القمر المعتم والشمس الكئيبة) ليس للحياة من معنى وأن كل ما يقف بين الإنسان وهذا الرعب المتوقد، فهو يتوقف على الإنسان وإراداته في عملية التغيير رغم ضعف الإرادة للإنسان، ولكن عفيفي مطر بقي (الطبل الذي يُقرع في كل كتيبة) وبقي (زهر الدم الطالعُ من كل قتيل) وقد اعتقد الشاعر أن البديل هو بالصيرورة الفعّألة التي تأتي عن شعور عميق لهذا الوجود العاري ولكن باستغراق إنساني حي:
طفلتي ..يا طفلتي المشتعلة
جمعيني بعد أبددني الليلُ الطويل
جمعيني من فم الأشياء والظلمة
صبي نارك الاول بروحي العاشقة
وهبيني ولدا
ترقص الطينة فيه بالمياه الخالقة..
والشاعر يطلق نداءات لتحقيق فكرة ظاهرة هو الخروج من الذات والدخول بالمعنى الذاتي والشاعر يعلن عن الانطلاق في قواعد النهائية للتشاؤمية في وجود منظومة فينومينولوجية تستحيل إلى معنى ومحمد عفيفي مطر مدين باسبقيته المتطورة شعرياً إلى مقدرة عقلية للإدراك المباشر وهو يركز على الشعاع القريب من الانتباه للذات والمعنى الذاتي كما قلنا في إطار الحاضر المر فالطفلة المشتعلة هي التي تبدد الليل الدامس الطويل (جمعيني من فم الأشياء والظلمة صبي نارك الاول بروحي العاشقة) في هذه الحالة فإن الإنسان لا يملك إدراكاً مباشراً فقط بل ويملك القوة في التحليل الفكري والتصور المدرك والمباشر، وبقدرة هذا التطور عند الإنسان في الاختيار والأبعاد، بالمقابل فهو يتراجع من الإدراك ذي المعنى أي كلما تطور منهجه العقلي ومقدرته على إظهار الإنتباه كلما بدا العالم له دون معنى، وهو كيفية الخروج من هذا الطريق المسدود إلى صيرورة الوعي القيمي.
والشاعر يتجه بلا ريب، إلى مرحلة تطورية لاحقة حين (ترقص الطينة فيه بالمياه الخالقة..) ويصعب من جهة أخرى أن تستمر الحياة على حالة واحدة لأنها تنتمي إلى أشكال متعددة ولا نهائية، أي هناك تفكير تطوري في الموائمة بين عملية التغيير والخروج من شرنقة المنطق التقليدي. والشاعر ليس كائناً إنعزالياً منفرداً ومتوحداً، إنما الأصل في هذا الدازاين هو إلا يلزم محله وذاته وآنيته، حتى يخرج بالضد من ذلك إلى الخارج أي خارج ذاته. وهذا طابع الدازاين هو ما يفتأ أن ينوجد خارج ذاته، ويمكن أن يؤوب إلى ذاته.
في خطواتُ مقتلعة (إغنيات مجهول) ينقلنا محمدد عفيفي مطر إلى صورة الذات وهي تتنسّم بنسيم الدازاين وإدراكه لصفات الكائن. لقد أصبح الإنسان ذاتاً(Subjectam ) وكسبت الثقه السيكولوجية وقد تضمنت اليقين داخل مجمل الكائن().
إن مخزونات محمد عفيفي مطر من الصور الشعرية أصبحت رصداً ورصيداً ومخزناًُ للإستغلال وصارت عنده الغابة والبِّريَّة هي حزاماً أخضر أي صار عند الشاعر كل شيء مباح في الوصف من مرصودات ومخزونات أي كلها إمكانات تحت تصرف الشاعر وطاقة كبيرة للإستغلال في المجالات السيكولوجية والحسية والمجازية من الناحية اللغوية، حيث نراه يمتطي الذات ويركض بها في البرِّية كما يقول متسائلاً:
من الذي يركض في البَّريَّة
في جيْبه فطيرة الرمَل وفي لسانه أغنية منسية
يكتب في الهواء يومياته الأليفة
يكتب عن مغامراته في الطرق السفلية
ويستعيد ما حفرَّه الزمان في سجّادة الخليفة!!
والشاعر في هذه التركيبة الشعرية المختلطة صار هو المرصد والراصد، وصار الشاعر يلبي نداء قوة خفية، وهي قوة كنه الإنسان البري الطليق الحر الذي يسع كل هذه الأرض وهو الذي يشبّه الحياة، عبارة (فطيرة الرمل وفي لسانه أغنيةُ منسيّة) والشاعر منطلق من مفهوم حسي للشعر بالكلمة والانطباع الذي يتركب بالشبح الذاتي الذي (يكتب في الهواء يومياته الأليفة) هناك مادة هيولية يحركها القصد فيحولها إلى إدراك شبحي أسطوري سفلي أي إدراك متعلق بالعالم السفلي.
(يكتب عن مغامراته في الطرق السفلية) هناك طريقة تسهل عملية الإنطلاق من فرضية الإستحضار الهرمينوطيقي للتاريخ كمادة يحركها الحس التجريدي وهي ترتبط بأفعال مموضعة، وليس هي بقايا الإنطباع الشعري. (ويستعيد ما حفر الزمانُ في سجّاده الخليفة!!) من هنا يتجلى التاريخ بالحس الباطن وبشكل مباشر متخذاً شكل السجادة التابعة للخيلفة، أي أن حضور السجادة هو حضور حسي خفي إستحضره الشاعر كوعي بالخفاء لسجادة الخليفة.
الشمسُ تشرب البحر لكي تموت
والارض ـ في فجيعة العالم ـ تأكل البيوت
والشاعرُ الكاهنُ والقصيدة العلامة
شرنقةُ تحبل بالقيامة
الليل والدَّواة والسيوف
خرافة تطوف
باليأس والقتامة
والرعبِ في دفاتر السكوت
يشكل الوعي في القصيدة كمركب في منظومة ( الكينونة المحورية) حيث تطرح هذه الكينونة تطابقاً ذاتياً داخل توافق مكتمل وهو التوافق الذي يميز ما هو فوق الذات ويجد الشاعر تعبيره في هذه الصيغة، هناك ثنائية كونية متشابكة مع الذات مثل: (الشمس تشرب البحر لكي تموت) كذلك كثافة الوجود وما هو في ذاته عندما تتمرد الآرض وهي إشارة إلى الدازاين وعلاقته بهذا الخراب من خلال التطورات العلمية وتأثيرها على الحياة أي أن العالم يجمع في ثناياه توحيد تركيبي للكينونة، والوحدة في حدها الأقصى تضمحل (والارض في فجيعة العالم ـ تأكل البيوت)، وأن من مهام الوعي هو إزالة هذه الضغوط من جهة أخرى لابد لهذا العالم من نهاية وسوف تندثر الحياة بالكامل وتبدأ ساعة جديدة كحياة جديدة.
ويبقى الكاهن وهو الشاعر وهو من الشروط الانعكاسية في الدازاين، هو (كوجيتو قبْتفكيري) والمؤكد أن هذا الكوجيتو المنعكس في ذاته وعلى ذاته، فهو على ما يبدو هو الشرط الاول في هذه العلامة حتى يستطيع الوعي العفوي أن يرى ذاته في هذه الكينونة التي تمنعه من أن يكون شاهداُ على تلك الشرنقة، هكذا لمجرد الاعتقاد إنه نبي أو كاهن (والشاعر الكاهن والقصيدة العلامة شرنقة تحبل بالقيامة) والشاعر يدرك المعاني التي تختفي وراء هذا التفاعل بين الذات والموضوع ، والشاعر كانت ولادته ليس شهوة عمياء.
الشاعر كالدافع الأصيل في خلّقه للعلامة كما يتأكد بالتحليل الظاهري لعملية التصور، والشاعر لا يستطيع أن يخلق، (الوقائع المتوازنة) من الناحية القصدية، بل وشكل القصدية التي تتضمن إستعمال المنهجية في الخبرة. هناك صورة شعرية لابي الطيب المتنبي في هذا البيت لعفيفي مطر (الليل والدّواةُ والسيوف تعود بنا إلى بيت المتنبي:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ

هناك تشاؤمية شعرية في الذاتية (البارزة والمعارضة) دون إيقاظ عادي لمداخلات الذات، وهذا نلاحظة عند حدوث وإلماح المعنى في البيت الشعري، والثمن في هذه التشاؤمية الذاتية مع ملمح من الصوفية الخفية التي تلف أكثر قصائد محمد عفيفي مطر هو العجز عن إيصالها النسق الشعري وروحه إلى تفاصيل اللّغة، وقد إستطاع عفيفي مطر في التعبير عنها عن هذا النسق الشعري من خلال المعنى، ما إستطاع الشاعر إيصال الإيقاع السيكولوجي في القصيدة بطريقة ثنائية في الحدث الشعري بين الذات والموضوع.






























فكرة التقوّم (Konstitution) والارتباط بالحس
تقوم فكرة الفينوميولوجيا الحسية على الاشياء التي تقع في الزمكان، ومفهوم التقّوم الشعري عند الشاعر محمد عفيفي مطر يقوم على إشكالية معرفية، وتحصيل وجود الابيستمولوجيا من حيث أصولها في الشعر، والحاجة إلى تأسيس ميدان شعري فينومينولوجي الهدف منه تأسيس قاعدة فلسفية للشعر أي قراءة الشعر الحديث قراءة (فينومينولوجية) ودراسته دراسة فينومينولوجية وضبط مفاهيمه العامة التي تستند إلى الابيستمولوجيا مثل الظاهرة، والظهور، ورد الموضوع الشعري للحدس والبداهة، والمقام الطبيعي للشعر، والمقام الفلسفي، والمعرفة الشعرية، والوعي بالتجربة، والواقع الفعلي، ومن ثم الوجود والادراك()، وهذا يتعلّق بمحورين:
⦁-;---;-- المحور الطبيعي.
⦁-;---;-- المحور الفلسفي.
لأنه حالة متميزة حسب تصور (هوسرل) وكيفية البدء بالبناء الفلسفي للشعر خاصة عند الشاعر محمد عفيفي مطر، أي هناك تأسيس فلسفي ومنطقي قبل البدء بدراسة الحالة الشعرية، أي الانتقال إلى التأسيس المنطقي حيث المقام الطبيعي للشعر والذي ينتشر في جملة إفتراضات غير فينومينولوجية والمتعلقة بمسألة التأسيس الفلسفي للشعر من ناحية المنطق والمعرفة المحضة، وهي افتراضات ميتافيزيقية أحياناً، وعلمية في أحيان أخرى، أي عملية الاحالة لكل الحالات للفهم الطبيعي للمعرفة، وحسب التفاصيل السيكولوجية وللعالم الشعري الذي تستند إليه أفعال تلك الفكرة، أي أن هناك تسليم مسّبق بوجود كنه العالم والكنه الوجودي داخل هذه التفاصيل الشعرية من شعر محمد عفيفي مطر .
هناك إقتضاء فلسفي في شعر مطر، ونحن نعمل على استعادة فكرة الفينومينولوجيا في شعر محمد عفيفي مطر من خلال الاستناد إلى الوجود الطبيعي في شعر مطر والذي يتحدد بالمنظومة (الترسندالية) وفق رصيد وخبرة توصلنا إلى الموجود الشعري من حيث هو موجود في أسس موضوعية، وأنطولوجية في مملكة العقل. وهذا يتحدد بالنقاط التالية:
⦁-;---;-- التجربة المباشرة وهي أساس الاحكام في الشعر.
⦁-;---;-- الاحكام الجزئية والكلية حول منطق الاشياء والعلاقات.
⦁-;---;-- الفكرة التحليلية في ترتيب ونظام.
⦁-;---;-- المعرفة لا تحدث بوصف والرصف العشوائي إنما ترد إلى حالات منطقية حيث يفضي بعضها إلى البعض الآخر.
⦁-;---;-- وإن حدثت خروقات في هذا الامر فإن سببه يعود إلى (الصورة الجملية المحضة) وبإلامكان رده إلى (التناسق الصوري) الابيستمولوجي بخصوص القدرة على التحديد هذه المعايير وتقسيمها.
⦁-;---;-- الموقف الفينومينولوجي مبني على التدرج المنظّم للمعرفة والتي تفترض التسليم بوجود الموقف الفعلي للشعر وحضور ذات الشاعر واستقصاء مضمون هذه الابيستمولوجيا.
⦁-;---;-- والفكر الطبيعي في نهاية الأمر ينمو على فض التناقضات والاضطرابات .
⦁-;---;-- المقام الفلسفي يقوم على التأمل (Reflexion)() في العلاقة التي تربط (المعرفة والموضوع الشعري).
⦁-;---;-- الوجهة النقدية تقوم على تحليل الاشكاليات في منظومة الشعرية وتفسير الغموض المتعلّق بالنص الشعري.
⦁-;---;-- الوقائع السيكولوجية تحيل الموضوع الشعري إلى التحليل والمناقشة.
⦁-;---;-- العمومية الصورية تقوم على منظومة تحليلية في المنطق الشعري وتهتم المنظومة الفلسفية بالنص الشعري المعرفي إضافة إلى الدلالة والموضوع والمعنى.
⦁-;---;-- ترد هذه الموضوعات الشعرية إلى القوانين الفينومينولوجية العارفة.
⦁-;---;-- الإدراك الضروري للأبيستمولوجيا وعلاقتها بالشعر.
يقول محمد عفيفي مطر
فلْتغسلي كفْيك في البراءة
ولتحُملي خنجركِ المرهفَ بين النهد والنطاق
ولترقصي في الحسرة المرتحلة
بين الوجوده السُّمْر والعيون..()
في هذه الابيات يتبيّن المقام بالمعنى الذي يؤكده المكان في المقطع الثاني من القصيدة (أحلم يا مدينتي الفارغة العينين بالفارس الذي تنشق عنه الزَّحمة المغلّلة) هذه المكونات المكانية للقصيدة وهي مشتقة من تفاصيل معرفية لمكانة المدينة من تفاصيل دقيقة لحركية الشاعر في الحل الفلسفي للنص الشعري وهو شرط عاطفي فيزيقي لامتلاك حل هرمينوطيقي متعلّق بالمرجعية التأويلية لسيكولوجيا الشاعر المتعلقة بالمكان وهو القرية والموقف المطلوب تحديده بالرقص الذي يصاحبه الخنجر الذي يقع بين النهد والنطاق، وكل هذا يقع في إطار التأويلات المتباينة في إستقطاء معنى المكان الذي تجلى (في الحسْرة المرتحلة) وهو إسترجاع لمعنى الوعي النظري لأن المكان في هذه الابيات أصبح مكاناً وجودياً وفهماً تفصيلياً للتأمل النظري وهو الذي يميز (بين الوجوه السُّمر والعيون) فالفراغ في قرية الشاعر هو فراغ لعيون الفارس المنتظر الذي سوف تنشق عنه تلك (الزًّحمةُ المغلّلة) أي هناك عيون غائبة في ذلك المكان، والقرية بلا عينين، من هنا تتقرر الوجهة الفعلية الفلسفية للشاعر داخل المقام الأنطولوجي، وهذا الضرب من المعرفة هو ضرب فينومينولوجي لمعنى التطابق بين الحس الفلسفي والميتافيزيقا، والنقد من مهمامه التسامي بالنصوص الشعرية وجعلها في مرتبة المنظومة الترسندالية لأنها تبقى في مستوى العلم، لأن النقد هو علم قائم بذاته ومرتبط بكل العلوم الاخرى.
إن فينومينولوجيا الوعي الروحي عند محمد عفيفي مطر، إنما هي تجمع وجهين داخل العملية الشعرية في الوجه الاول تعلقها بالمقام السسيولوجي، واقتدار النص الشعري على أن يجمع الوعي النسقي للجملة الشعرية أما الوجه الثاني فهو الذي يجمع المنهج الفلسفي في النص الشعري. يقول محمد عفيفي مطر:
في أرض القلب المرتعش العريان
أمشي مرتعداُ عبر حقول الدم
فيحط عليًّ ويخنقني العطرُ المعتم
هذا الشجر الأسود
أطعمني ثمر الآلام
فامتلأتْ سلةُ بالفاكهة المرة.()
إن الإشكالية التي نحن بصددها في نصوص محمد عفيفي مطر هي إشكالية شعرية فلسفية تمتد إلى وعي الإنسان الفينومينولوجي الذي من تفاصيله هي المأساة المعتمة، والإنسان بحد ذاته هو مأساة وهو يعيش في سلسلة من المآسي منذ ولادته، هذا على مستوى الفهم الاغريقي فلسفياً، بينما كانت نظرة الرومان القدماء من الناحية الفلسفية، هو إن الإنسان ولد حراً وكانت ولادته لأجل الحرية وهو (إله في منفى)()، والشاعر يقلب هذه المواجع بعد التعميم الفلسفي الذي يكرره دائماً وهو المكان ، ( الأرض والدم، والشجر الاسود، والفاكهة المرة) كل هذا التطبيق اللامحدود شعرياً، فهو ينطلق من مطابقة فلسفية للعلوم داخل فلسفة للموضوع الشعري وهو الآقرب إلى الفلسفة الوجودية ويشتق بهذا الوجود وبالعلم نتائج يطغي عليها المنطق السيكولوجي، لأن الذي يؤسسه محمد عفيفي مطر مبني على منطلقات فكرية وآفاق غير طبيعية، إن فلسفة مطر الشعرية هي بعداً متجدداً دائماً ولكن بطريقة بعدية في الألوان:
⦁-;---;-- لونية أخضر وأحمر أسود أصفر، ويتم تأسيس الجملة الشعرية على مبدأ غير طبيعي ومستقلة عن المنطق الطبيعي، وهو لا يحتاج إلى إجراءات ضامنة لوحدة هذه الجمل، ولذلك جاء التكرار لهذه الألوان في أغلب قصائده حتى لكأن الفينومينولوجيا عند محمد عفيفي مطر تكاد تلامس قصائده ملامسة شفافة، ولكن الاستشارة كانت في قدرة النص الشعري على بلوغ الوعي الموضوعي (للزمكان):
حين رقصتًُ وانتظم الإيقاع
أنفجرتْ خشخاشاتُ الشجر الأسود
عن مطر الشهوة والأجساد
وأمتدتْ أقواسٌ قزحية
الأصفر شمس برية
والاخضرُ قمرٌ يصعد إلى السحب الحمراء().
هناك وجع فينومينولوجي موضوعي، تحدده مناهج برهانية حين تفكّ ذلك الطلّسم الابيستمولوجي، وهو انموذج برهاني، لذلك فالشاعر لا يرفع البرهان إلى المقام الفلسفي في الأحكام، ويبيّن من كل ذلك إن المعرفة الشعرية هي جديرة ببناء المنظومة الفلسفية عند الشاعر، لقد استعاض (هوسرل) عن الثنائية الديكارتية بثلاثية رغم إن التعريف الديكارتي (للكوجيتو) بالذاتية البارزة والقصدية بالذاتية العارضة (الادراك) فهو يقّوم فكرة التركيب الثلاثي المتقدم، في علاقة الموضوع بالآشياء لقد عمل الشاعر مطر على الموائمة بين = الادراك المباشر/والادراك المعنوي رغم إنهما كانا منسلخان بعضهما عن البعض الآخر، كذلك التحليل الفكري مبتعد عن الادراك لكن محمد عفيفي مطر كان على صلة استنباطية بالشعور فالبداية الفلسفية تأتي بانتظام الايقاع وهو تحديد موطن البدء الفلسفي في هذه الابيات، بعدها يبدأ الفعل بالانفجار في خشخاشات الشجر الاسود وهو الشرط التشكيلي في اللون الاسود ومطر الشهوة والاجساد هو تعبير فينومينولوجي عن مسألة المعنى والموضوعية، وهو أمر بالامكان تناوله ابيستملوجياً لأنه يكون الفهم للذات طاغياً في النص، هناك قدرة على الموضعة وإدراك الماهية المعرفية التي تخضع النص وطبيعة العلاقة بالموضوع والصدق الذاتي + الصدق الموضوعي.
وفي هذه الصور الفينومينولوجية تأتي الاقواس القزحية وتمتد إلى المعنى الاصيل كما يسميه هوسرل وهو نقد المعرفة وفق المسائلة للمعرفة التي تعبر عن الذات، بعد أن يأتي اللون الاصفر بانه (مطر) لأن المعرفة تضعه وهو مترافق لهذا الضرب من التمرين الفينومينولوجي في الشعر، ثم يبرز اللّون الاخضر لمسايرة التشكيلة اللّونية في معطيات الوعي الابيستمولوجي كافتراض (معطى) ومتقّدم في نظام الوعي اللّوني، والشاعر محمد عفيفي مطر، يتشكل نصه الشعري بألوان متعددة وهي تتهيأ لمنظومة الشروط الفلسفية اللّونية لتطغي على المعاني التي تقع بين الحذف والعزل مثل (الاخضر قمر يصعد إلى السحب الحمراء) وهذا البيت عبارة عن استبعاد لكل ما يحيط بالمعرفة من أطرافها الشعرية وما يعتريها من الناحية الموضوعية وبالفحص للمعرفة لذاتها عن معنى ذلك التوحد في الاعتزال ومباطنة النص الشعري، ما يعنينا في هذه المناقشة، هو ان النص الشعري عند محمد عفيفي مطر هو نصاً مدركاً للمعنى والدلالة من الحالة المعقولية التي تقع في الموضوعات والأشياء المدركة للنص الشعري وإلى البساطة في التشكيل الابيستمولوجي، ولذلك يتأكد الحرص عند الشاعر على الاستبعاد للعملية التي تؤدي إلى اللبس في المنظومة الشعرية، وهذا ما أسماه (هايدجر) (الإستغراق في الكائن) إلى حد نسيان الكينونة الشعرية.()
يقول (هولدرلن):
تَوَسَّنُ المدينة من حوْلنا وفي الهدوّ لازالت طريقُ بعد تضيء وبينا تزدانان بالنّيرات يمضي ضجيج سياراتٍ يموت.
وفي المنازل وقد عَمَرهم بالنّها السَّرور، يرتاح الرّجَال وبهدوّ البيت، رأسُ يحسبُ بحكمة الخسارة والربّح على مهَلٍ؛ وألاسواق المزدحمات وقد خلعت عنها الثّمار والأزهار والصنّعات ينمْن غيرْ أنّ من الرّياض يصعد البعيد جََرْس ناي؛ ربمّا خلُّ يلعب هناك، أو رجلٌ في انفراده مضت به التذكرة إلى أخذان قصيّن، أو إلى شبابه؛ والأنبع الرّقراقات يُنشدن بلا انقطاع على رَوْحِ الازاهر اليانعات، وبعذوبةٍ للساعات، يصرح الحارس عددهنّ، الجمّأت، ومن ثمّ نفحُ يمضي يؤثّر في درك الأشجار أنظر! حِنو الطيفِ في أرضنا، والقمر ايضا يجيء في الخفاء، وبهذيان كلّي يجيء اللّيل زاخراً بالأنْجمُ، ليسْ يحفل بهمومنا، هو الغريب بين الرّجال، النّافذ والناشر على الأكم الحزن والروّعات، يصعدُ.()
من (الخبز والنبيذ)
(المراثي)
في هذه القصيدة يحلّق (هولدرلن) في تأثيرات فعلية للخطاب فالإستلزامات الخطابية عند (هولدرلن) تتولد عن طريق الاستدلال وبعد هذا المنوال منوالاً استدلالياً مقيدا بقواعد الخطاب والاصوات الخفية في النص، هناك المكان وهو (المدينة) فالعملية الاستدلالية في هذه التداولية القولية عند (هولدرلن) تعطينا أصواتاً خفية هي إشارة إلى منطق متعيّن من معلومات، هناك ترتفع الاضواء وهي حالة واصفة، من ضجيج للسيارات، هناك المنازل، وهناك الرجال، وهناك الاسواق وحركة البشر، وهناك الازهار والثمار، وهناك (جَرْس ناي) (ربما خِلُّ يلعب هناك) هناك مقدمة منطقية في تلافيف المكان وفي هذه المقدمة المنطقية تتولد نتائج عديدة منها المقدمات الصادقة في المكان، حيث استعمال العمليات المنطقية في انساق استدلالية، تكون الخاصية فيها هو وجه الدقة في:

⦁-;---;-- المدينة
⦁-;---;-- الضوء
⦁-;---;-- السيارات C
كل A=C
⦁-;---;-- الشوارع A
⦁-;---;-- الرجال C
A= C
⦁-;---;-- الاسواق B
⦁-;---;-- الناي رحيل الزمان
⦁-;---;-- رحل في انفراده ينتج A هو C , B هو C, A هو B
⦁-;---;-- الليل الزاخر بالانجم وهو التأسيس الاستدلالي
⦁-;---;-- هناك موعد مع القادم المحصلة في القصيدة.
إن تعميم الصدق في هذه التداولية الشعرية إنطلاقاً من المقدمات وصولاً إلى النتيجة، ونسق الاستدلال التداولي في هذه القصيدة هو نسق استدلالي يحدد الترابطات التداولي في هذه القصيدة هو نسق استدلالي يحدد الترابطات التداولية وفق الاستدلالات الصحيحة كما في الاشارات أعلاه وعلى ضوء الاشارات نستطيع ان نحدد: المدينة + الضوء + السيارات + الشوارع + الرجال + الاسواق + الناي المتكسّر + الرجل المعزول + الليل الزاخر بالانجم = هناك موعد مع القادم.
في (زائر الليل) هناك تركيبة شعرية تحسسنا بالمعنى أو المغامرة الوجودية والصوفية معاً، أنه تركيب، كتركيب (مجنون تولستوي) و (روكنتان سارتر) هناك تركيب محمد عفيفي مطر الخفي في فينومينولوجيا الشعر، مثلاً أيكون الاحساس بالمعنى كالإحساس بالوهم؟ ولكن محمد عفيفي مطر يكشف عن المعنى الفينومينولوجي في النص الشعري عبر رؤية في التعقيد والتحليل الظاهري هذا يعني دراسة القصدية والصيرورة عند محمد عفيفي مطر في (زائر الليل).
كانت عيناه الخضراوان
حلماً يتخبَّط في أسفلْت الشارع والجدران
كانت آيات براءته عطشاً مدفوناً في الإنسان
ألقى حبْل حصان المطر الأخضر في أوتادِ البرق
وتسلّل عبر الغيم
ليزور النوم الراقد في سُرُر الأطفال
يُطعمهم أو يسقيهم من ساقية
العسل الأخضر والأشعار..()
في قصدية محمد عفيفي مطر هناك إنعطافة في شخصية البطل الاسطوري في مواجهة التخاذل الذاتي للإنسان بالطيف المكون باللون الاخضر واسفلت الشارع والجدران التي تحيط بالذات الإنسانية هناك مواجهة للموت كما عند هيدجر وهذا واضح وجلي في أعمال (همنغواي) ومحمد عفيفي مطر يضع بطله الاسطوري في مستوى الخليقة أو في مصاف (الآلهة) فهو يتسلل عبر الغيم ولينفذ إلى (النوم الراقد في سُرُر الأطفال) إنها العودة إلى البدايات الاولى من خلال هذه الطفولة ومن خلال الوصول المعرفي، وهو الكشف عن اللامعنى منذ البداية كما عبر عنه (سارتر أو بيكيت) وهو الاحساس بالطبيعة والإنسان وهما قد إنفصلا منذ فترة طويلة:
كانت قدماه الطيبتان
والجسد المرتعشُ العريان
يتسلَّخ فوق صواري الليل
وانغرستْ في جنبيْه عواميدُ الصوّان
فانطرح على أطراف الأسطح والأبراج
مصلوباً ينزف، تنهشه قطط الظلماء..
السمك الاسودُ يقفز في تيار الدم
ويفُّر: قطارات ملأى بالبشر الصُّم
أبواقاً تنبح، جنّا تصرخ في قمقم
أصواتاً تصرخُ في حنجرة الأسفلت:
منْ في جوف الظلمة مات
ومتى سيجف الدم؟!
في ماهية المعرفة الصوفية للبطل الاسطوري في تصاريف هذا الوجود لكونه ميداناً أنطولوجياً متعدد الهيئات، فالبطل الاسطوري الرمزي عند عنفيفي مطر، وهو المتأمل (والمتسلّح فوق صواري الليل) هناك اشارات للاقبال على الماهية الاسطورية، وحصر ذلك التركيب المتناسب بين التأمل والعطاء في مرتبة الذات (الظاهرة) والمعرّفة بالادراك الموضوعي لهذا البطل والادراك المتصور للتجربة الذاتية للبطل الاسطوري، فهو المثخن بالجراح، هناك التجربة في جملة الافعال التي يطلق عليها (هوسرل) (الظاهرة) وعفيفي مطر يعتبرها ذاتية الاسطرة الموضوعية، والشاعر هو المدرِك والمتصور والمتخيل في عمومية الحالة القصدية وعمومية الرؤية الشعرية، وعفيفي مطر يقوم بتعيين الفعل إدراكياً وعبر ملحمة ذاتية أسطورية، هناك عالم سفلي وعالم علوي والخطاب الشعري يوازن بين (قطارات ملأى بالبشر الصُّم) (والابواق تنبح) (واصوات تصرخُ في صخرة الأسفلت) وهناك تكافؤ في العملية الادراكية للبطل القتيل عند محمد عفيفي مطر ولكن (سفك الدم لي يتوقف لأنه والسؤال المطروح : من في جوف الظلمة مات ومتى يجف الدم؟!)، ويقع هذا ضمن المأثور في الإدراك الباطني للوعي القيمي، حيث يؤدي ذلك في نهاية القضية وحسب المنهج الديكارتي هو ان البطل موجود حتى أسطورياً، وأن المنطق العقلي حين تأتي عملية الانجاز يصبح رؤية تفصيلية ومعطى مطلق. سواء على مستوى الشيفرات السسيولوجية:
⦁-;---;-- اللغة المنطوقة سواء الصوتية الوظيفية النحوية مفرداتية شيفرات فرعيّة + لسانية.
⦁-;---;-- الشيفرات التفسيرية : الادراكية + شيفرة التواصل في البنية الاسطورية للشعر.() وفي بوابة طليطلة هناك آلية نسقية من الاقنعة محكمة بالوعي التجريدي للذات ولا تنطلق بالرسم التاريخي للقناع، هناك استحالة لموضوع القناع باعتباره معطى مطلق وهو مسار المعرفة الفينومينولوجية وصيرورتها المطلقة :
لبستُ قناع التنكر علِّي اسوح بليل المدينة
وادخل ـ عبر شوارعها وظلام أزقتها ـ
فأخوِّض في جوِّ أحلامها ورؤاها الدفينة
وعلّّ رجال الدرك
يقولون في الصبح: كان هنا
وتفقَّدنا واحداً واحداً، وتفقِّد صمت الرعية،
أحزانها ومخاوفها ، وتفقَّد قُفْلَ السكينة
وأبوابَها الخشبية).
إن بنية الخطاب الشعري كما قلنا سابقاً تعد تحولاً جذرياً وبنائها يكون على أساس ما هو يختلف عن الشكل الديكارتي التقليدي كما في القصائد السابقة عند عفيفي مطر، ولتوضيح هذه الاشكالية ومنطلقاتها، حيث أتخذ الشاعر من الأنا الترسندالية أساساً لقيام هذا التأسيس على منطلق جديد في المضامين الديكارتية المعروفة.
والشاعر يبحث عن بلورة تأملية للمكان، وهو يعرض مجمل التحولات التي صادفته في شوارع المدينة وازقتها، فهي العودة الفينومينولوجية للمكان، هذا يعني عودة (هوسرل إلى ديكارت)() فالدخول قبولاً قطعياً والدخول والتجول في المدينة هو رفضه لحالة المدينة لأنها غير موجودة حالياً بسبب سيطرة الدرك على كل مداخل المدينة وساحاتها وازقتها، فهو أي الشاعر يتفق مع هوسرل في الكثير من المواقع ويتفق مع ديكارت حول الاصلاح وعلى كل المستويات بما في ذلك الاصلاح الفكري والفلسفي لأن المدن لا تقوم من كبوتها إلا على أساس منطق علمي وفلسفي، فالفينومينولوجيا تشبه المذهب الديكارتي ، وعند التفقدّ للمدينة.
كان أول ما لاحظه، هو (صمتَ الرعية وأحزانها ومخاوفها،) وقد تفقد وتأمل المدينة وأهلها دون إسقاط التقليد الذاتي لأن كل من أراد ان يصبح منقذاً أو فيلسوفاً من حقه أن يصبح قوة ذاتية ولو مرة في حياته، وأن يحاول داخل حالة التقويض الذاتي هذا ان يصبح موضوعاً للعلوم حتى بعد بناء المدينة من جديد، وكان تفقد (قُفل السكينة وابوابها الخشبية) تعد نموذجاً للتأمل المكاني من ناحية الوعي المكاني للتأمل الذاتي وهي رهانات تشهدها الاستعادة الفكرية للمكان لما سيطرح من وعي فلسفي لمنطوق المكان، وعليه، كان تأسيس الخطاب الفلسفي الشعري عند محمد عفيفي مطر ينطلق من حتمية إمكانية لمعرفة مداخلات النص الشعري وعلاقته بمنظومة الشك الديكارتية لأن بطله التزم المكان وتمثله تاريخياً عبر البناء الفينومينولوجي وشبكته الترسندالية، ومنطلقها الخالص في التشديد على ضرورة الانتباه المتعدد التشكيلات والتحولات في مقاصد الفلسفة الديكارتية والبطل الاسطوري عند محمد عفيفي مطر هو ذات ترسندالية تعي الاعتناء والاعتماد على منهجية ذاتية موضوعية، كذلك بطله الاسطوري الشعري، يتأسس على الواقعية الفلسفية والمستندة إلى المنهج الفينومينولوجي في الفلسفة.
إن ثنائية البطل الذاتية والموضوعية هي محور هذا الصراع في تلافيف المكان والمحدد بالمدينة ودخولها.
في (بوابة طليطلة) هناك فاعلية متأصلة في منطوق الذات واكتناه الخطة من التوتر بين الشاعر والتراث والاجداد، وهو الهاجس نحو النزوع أي النزوع المشروط باكتناه جميع التفاصيل المتعلّقة بالدرك وتحديد البنية العميقة للمدينة ومن يعبر هذه الابواب ويسير إلى الداخل وفي لحظة توتر يتجسّد هاجس النزوع إلى عمق المدينة المتهدمة والجائعة حتى ينغلق ذلك المدى بوصفه وجوداً متساوقاً متواتراً حيث تنظم المدينة آلية من الجوع منسقة ومحكمة، حيث استحالة العيش إلى الموضوع ثم استحالة الموضوع إلى معطى إطلاقي وهذا هو مسار صيرورة الفينومينولوجيا وحين تتصاعد الذروة في (بوابة طيلطة):
قابلني دركي ورأى كل من جلسوا فوق عرش البلاد
وعلّق في طوْقه المتهدِّل مفتاح ميراثهم
وأقنعة الأوجه الملكية –
أشار.. فاسقط عني قناعي
: هنا الباب ..هل جئت بالقفل حتى يتَّم العماد!
فكلُّ مليكٍ عُرْوة في الرتاج
إذا وضع القفل فيها تنفّس أسلافهُ واستراحوا
وقدّسه وارثوه..()
فالمدينة هي ضرب من المكان الذي يشبه السجن ولم يتوازن بضروب أخرى من الوعي الوجودي، فالداخلون لا يخرجون إلا بتغيير أشياء أخرى مثل تحطيم ذلك الصولجان، حيث يستبدل النظر في منطق المعنى، والصولجان عبارة عن انعطافة موضوعية على قاعدة مطلقة من (الرتاج والقفل القديم) إن فتح الشروط النظرية في المعرفة الفينومينولوجيا شعرياً يوصلنا إلى سياقات متعددة في القصيدة من ناحية الحلم بإرجاع ذلك التراث الذي تركه الاجداد وإعادته بشكل حضاري، وهذا هو الشكل المحايث من الوعي الفكري عند الشاعر محمد عفيفي مطر.هناك حوار في القصيدة بين الدركي والبطل الاسطوري عند الشاعر محمد عفيفي مطر، هناك منطق المكان في المدينة وهناك الدرك وهناك محايث عقلي يطلقه الدكيّ، هو أنه كلّ من جلسوا فوق عرش البلاد وعلق في طوقه المتهدَّل مفتاح ميراثهم. وهذه إنعطافة مباشرة وبلوغ العبارة فيها حد التمام والمطابقة.
وهنا يتحدد البدء الذي يجب أن يكون (هل جئت بالقفل حتى يتّم العماد!) ثم يستدرك (فكلّ مليك عُرْوَة في الرتاج) وهذا التساوق الذي يراه الشاعر + هوسرل أنه من حقيقة الامور التي تنظم الوعي الفكري وهذا الوعي لا يستقيم بالافتراض لكنه الإبتداء بالمعرفة المنطوقة شعرياً ثم نعود إلى الجنس المنطقي الإستنتاجي في القصيدة (إذا وضع القفل فيها تنفس اسلافه واستراحوا وقدسه وارثوه) وهي أشارة إلى التخصيص الفلسفي في هذا الشعر لأن الشاعر لا يمتلك الحل، فهو يذهب حيث يوجد التراث ويكفيه في هذه المحصلة الاقرار من حيث البدء، والتخصيص لصورة هذا البدء هي معطيات تنتظر من يخلصها من هذا الإشكال وأتخاذ تلك المفارقة والذي يمنع إتخاذ تلك المفارقة هو المرجع التأسيسي للشاعر، لأنه بقي متعلّق بالمفارقة، وهي من جنس الأثر المكين لعمل الوعي الشعري على مستوى العقل أي أن المفارقة أصبحت وضيفة (مُموْضعة ) objektivierende) )() والافتراض قائم وتفاصيله بالمحايثة لهذا (الرتاج والقفل القديم) فالمفارقة إذاً تستند إلى الكيف والإمكان الشعريين وإتصال الكيف بالمصدر السلكي للوعي الشعري الذي يحتاج إلى إمكان كيفي لعملية التغيير داخل جوهرية فينومينولوجية في الشعر.
إضافة إلى منطق القناع في (بوابة طليطلة) ورمز الاجداد هناك رمز المفتاح في هذه القصيدة الذي لا يمتلكه البطل الاسطوري عند الشاعر الذي يفتح به ذلك الرتاج ليعيد إلى المكان أو المدينة الحياة بعد أن استبيحت من قبل الافرنج، هذا الموضوع يذكرنا بمقاطع من (الارض اليباب لأليوت) في هذه المقاطع هناك رمز للمفتاح الذي يدور في الباب كأن يكون في (بوابة طليطلة) وهي بوابة للسجن الكبير وهو سجن الأجداد المتهدم أو سجن (اليوت) في بوابته في الأرض اليباب:
لقد سمعت المفتاح
يدور في الباب مرة ويدور مرة واحدة
نحن نفكر بالمفتاح ، كلّ في سجنه
يفكرّ بالمفتاح كلّ يؤكد سجناًَ
عند هبوط الظلام فقط....()
إن هذه الابيات لها وقع في المعنى من خلال رمز المفتاح، ولكن الشاعر يرد هذا الرمز وأثره في الدرس الابيستمولوجي إلى فلسفة (برادلي) عن الابيستمولوجية والخبرة، من هنا يكون الوعي الفلسفي فينومينولوجيا أدق وأعمق من ذلك الايصال الغنائي أو الرد الفعلي الذاتي، إن الرد الفينومينولوجي الذي إستحق العنوان المنهجي لفلسفة اليوت الشعرية، والتي تبدأ بالتعبيرات المألوفة في قصائده التي سبقت الارض اليباب، فهي كانت بمعنى من تلك المعاني مؤدية إليها، فأية قراءة لقصيدة (بروفروك) تؤدي إلى (جيروتشن) ثم إلى (الارض اليباب).()






خطاطة رقم (4) توضح مراحل التطور الشعري عند اليوت
بين مدينة الوهم وبوابة طليطلة
هناك تشابه فينومينولوجي بين مدينة الوهم عند اليوت وبوابة طليطلة عند محمد عفيفي مطر، وأن الافتراض بمطر سابق ذلك إنما يدل على أن الشاعر يأخذ بالمعرفة أنى شاء بغير فحص وينعكس ذلك في منطقة الشعري بعكس الذي يأخذ المعرفة التي يعطيها إلى نفسه كمعرفة أولى، والذي نريد أن نصل إليه في هذه المفارقة هو ان الشاعر محمد عفيفي مطر قد تأثر بهذه القصيدة لإليوت والتي يطلق عليها اليوت (مدينة الوهم) وبوابة طليطلة هي مدينة الوهم كذلك، وإن وجدت مثل هذه المقارنة فهي تعود إلى ديكارت من الناحية الفلسفية، باعتبار أن الشك وتأويله الفينومينولوجي يحدد المفارقة في منظومة المعنى.
وإن افضل نتائج الشعر عبر خمسة وعشرين قرناً مضت بالنظرة إليها من خلال نظرية الادب نجدها عند اليوت وبواكيره الاولى كما نجد ذلك في نسقها الانضح والأطور في (الارض اليباب) هناك اشارات واضحة في ختام المقطع الاول من تلك القصيدة، نجد اشارات مركزة لشعراء يمثلون التراث في دعائمه الشعرية حتى اليوم وهم:
⦁-;---;-- دانته القروسطي الايطالي.
⦁-;---;-- وويبستر القرن السابع عشر الانكليزي.
⦁-;---;-- بودلير القرن التاسع عشر الفرنسي.()
وقد اجتمع التراث في هذه المصادر الثلاثة حتى يجعل الحاضر متمثلاً في حقيقة الجمهور المنساب على جسر لندن، وحاضراً وشديد البروز ومدبب الحواف حيث تغدو الحياة في المدن الكبرى عقابيل الحرب العالمية الاولى عبئاً يتحمّله الإنسان الشاعر.
أما الشاعر محمد عفيفي مطر فيعود إلى (بوابة طليطلة) ليطلق عنان قناعه التراثي ويؤكد الدرس الفلسفي لديكارت بإن (بوابة طليطلة) هي الموجود بالضمانات الميتافيزيقية التي استنفرها ديكارت عبر منظومة الشك كما أشرنا سابقاً وعفيفي مطر بلغ في بوابته إلى رتبة الانعطاء سيكولوجياً وهذا قد تأكد بالمعنى الفينومينولوجي من حيث هو علم منهجي يضطلع بالممكناتت في مجال الماهية الشعرية.
مدينة الوهم لـ (اليوت)
تحت الضباب الاسمر من فجر شتائي،
إنساب جمهور على جسر لندن، غفير،
ماكنت أحسب أن الموت قد طوى مثل هذا الجمع
حسراتٍ، قصيرة متقطعة ، كانوا ينفثون،
وكل أمرئ قد ثبت ناظريه أمام قدميه
إنطلقوا صعدا ثم أنحدروا في شارع (الملك وليم)
إلى حيث كنيسة القديسة (ماري وولنوث) تعدّ الساعات
بصوت قتيل على آخر الدقة التساعة.
هناك رأيت واحداً عرفته ، فأستوقفته صائحاً (ستتيسن)!
يا من كنت معي على السفائن في (مايلي)!
(تلك الجثة التي زرعتها السنة الماضية في حديقتك،
(هل بدأت تورق؟ هل ستزهر هذه السنة؟
( أم أن الصقيع المباغت قد أقضى مضجعها؟
(أبعد الكلب عنها، فهو صديق للبشر،
(وإلا فيسحفر باظافره ويستخرجها ثانيةََ!
(أنت ايها القارئ المرائي ! - يا شبيهي ، - يا أخي!)()
مدينة الوهم في هذه القصيدة هي (لندن) وهي مدينة يودلير (باريس) وهي بداية (طليطلة) عند محمد عفيفي مطر، إذاً في القصيدتين هناك موضوع اسمه (المكان) فالمدن الكبرى في التاريخ أو المكان التاريخي ورث حضارات العصور، وهذه المدن الوهمية، ورثت ويلات الحروب منذ (مايلي)! وحروب قرطاجة إلى حروب القرن العشرين، فكان الموت هو العلامة البارزة في هذه المدن ـ والبوابات، والموت الذي يذكره (دانته) وهو في المظهر يستعرض الموتى، وعفيفي مطر كان يائساً حيث إتخذ من يأسه صور المدينة كتاباً يقرأ فيه تلك التواريخ والرؤية والتي عاشتها، حيث يبكي على ذلك التراث والتاريخ الذي تعفن واصبح في مزبلة التاريخ.
وهنا يأتي دور المفتاح المفقود الذي يفتح به الرتاج ليعيد لها الحياة بعد أن دمرتها حروب الافرنج إذاً الحروب هي التي أحرقت ودمرت المدن ـ والبوابات التاريخية. فالمدينة هي الرمز عند الشاعر المعرفي لأنها منطق الكينونة الشعرية في المكان، في مدينة الوهم عند اليوت ،( و كل أمرئ قد ثبت ناظريه أمام قدميه، تماما، تماماً كما يفعل العابرون على جسر لندن)().
هناك إشارات دقيقة: الناس الذين يعبرون المطّهر أو الاعراف إلى الفردوس أو الجحيم (والذين يعبرون جسر لندن إلى وظائفهم منذ الصباح الباكر) وعند عفيفي مطر (الذين جلسوا فوق عرش البلاد) وعلّق في طوْقه المتهدِّل مفتاح ميراثهم (وأقنعة الأوجه الملكية) (والذي أتخذ ـ من اليأس ـ سور المدينة كتابي ومجيء)() (حيث ـ قرأت تواريخها ورؤها واورادها ونوافل اعيادها البربرية).
وعند اليوت تدق أجراسها أي اجراس الكنيسة تدق تسع دقات يموت على آخرها الصوت كمامات الصوت والصدى عند الساعة التاسعة يوم صلب المسيح وستتسن المعاصر هو زميل الشاعر في الحروب المعاصرة وكان معه في معركة (مايلي) منذ أيام قرطاج نفس الحروب ونفس القتلى وعند عفيفي نفس حروب الافرنج حين إستباحوا البوابة ودخلوا المدينة وقتلوا ودمروا واحرقوا حتى أصبحت المدينة عند عفيفي مطر عبارة عن مزابل لذلك التراث المتعفن بعد أن تركوها رماداً. اليوت زرع جثة ذاك في القفر أو البحر وبقيت في ذهنه وعفيفي مطر دفن ميراثها المتعفن داخل المدينة وفي حديقة داره كما فعل اليوت والجثتان قريبتان من الشاعرين ولكن يبقى السؤال: هل أورقت الحروب ؟ وهل أزهرت الجثث؟ ويبستر في مسرحية الشيطانة البيضاء هو أن (تبعد الذئب عن الجثة فهو عدو للبشر).()
وفي القصيدة انقلبت إلى كلب، وهو الصديق للبشر، فيجب أبعاده (وإلا فسيحفر باظافره ويستخرجها ثانية) ويقول اليوت والقارئ يتسم بالرياء لأنه يعرف كل الحقائق ولكن سجيته أن يخفيها تماماً مثل الشاعر لأنهما يتشابهان فهو أخوه في الرياء كما يقول(بودلير) في أزهار الشر.()
وهكذا ينهي محمد عفيفي مطر بهذه القصيدة (بوابة طليطلة) أو (مدينة طليطلة) :
وقَلَّبْتُ في كنزها المتجدِّد من عربات النفاية
وميراثها المتعفن بين المزابل ..كانت عصارةُ
أحزانها وخطاها بقايا طعام رخيص
وتحقْي مواليدها ومداميك من غائظٍ
ورأيتُ القشور وقد مضغتْ مرتين وحطتْ
حروف التهجِّي ذباباً يطنُّ بأسماء أبنائها أجمعين..()
في هذا المجرى الحدسي للشعر هو أضيق حدود الرد الفينومينولوجي بخاصية المنهج الفلسفي وبخاصية على قدر كونه متعلّقاً بالمعنى، والنقد المعرفي على العموم هو غير منفصل عن منظومة العقل التي يعمل عليها الشاعر وعفيفي مطر يؤطر فينومينولوجيا الروح بهذا الميراث الرخيص وهو عصارة المزابل التي حطّت وفي وسط المدينة، حيث الغائط والذباب المتعفّن بحروف التهجي، وهذه فلسفة مدّركة تماماً للمكان وهو المحايثة الفعّلية التي تتقيد بدوائر المعطيات المطلقة بالنسبة إلى المكان، فالمكان هو إنعطاء مطلق من حيث هو حد أقصى في معادلة الوعي المكاني، فهو موجود في ذلك المكان وهو قادر على دفن هذه المزابل والنزول إلى المفردات والمعطيات وهو يجرؤ على مجاوزتها دون أن يخلصها من محنة القدر الكبير والمميت لهذه المدن التي دمرتها الحروب والاحتلالات وهذا إقتضاء في نطاق نقد ذلك العقل النظري وهذا يقع فيما وراء الانعطاء الكلي للمكان.
كانت وجوه الملوكِ
بكائية تتابع (هذا أنا يا ملوك الفجيعة
أردّ لكم نسبي وأرى عند خط التقاطع
تصاوير وجهي المطارَد
وسيْل الجيوش الغريبة
ويستبَّح مملكتي المسّتحمة بالدمع والدم.()
لترحل ـ قبل اندفاع الجيوش الغريبة ـ
لمنفاك بين الزمان وبين المكان..)
إن هذه الإنعطافة في إطار التناظر الذي يتبين خطاه حكمة في هذا المسار الشعري، كما في الوعي المتساوق وجوده داخل القصيدة، حيث "كانت وجوه الملوك" تعني القدرة على قراءة الحدس حيث كانت بكائية حسب المعطيات التي تتشكل بأزمة الوعي حتى تبلغ الإستمار في المقومات الشعرية، وصورة التطلع والانبهار والانحسار في تبيان القدرة على مواصلة المطاردة، حين تعبر الجيوش الغريبة، لتحقق أقصى درجات الادراك العسكري في الاحتلال والقتل، وحين يرتفع الوعي إلى اقصى حالات الادراك تبلغ العملية باعتماد على إثبات الحضور الفعلي واستدراك الغياب في ذكر الوعي القيمي حين "يستِّبح مملكتي المستحمة بالدمع والدم" أقول أن من الممكنات الخاصة في هذا المنحى الشعري هو وضع الوجود الشعري بلا افتراض وهذا يأتي تقليباً لأنماء الادراك على أوجهها المختلفة والممكنة والمتاحة كفلسفة الوعي الشعري عبر الحس اللّوني والاصوات التي تنبض في النص الشعري، وكان الشاعر يحيط بكل تلك التفاصيل من خلال وصف فينومينولوجي لحالات الوعي الشعري وبالنهاية يبقى الشاعر الذي داخل المدينة ودفن كل ما فيها، أصبح مسافراً أبداً بين هذه التشكيلة الحياتية والتشكيلة المماتية داخل كل هذه العطاءات والمعطيات سواء على المستوى الذاتي أو المستوى الموضوعي وفي الصفحات القادمة سوف نناقش المعادل الموضوعي في شعر محمد عفيفي مطر.
المعادل الموضوعي في قصائد محمد عفيفي مطر
قديماً قال اليوت (الطريق الوحيد للتعبير عن الشعور في شكل فني هو إيجاد "معادل موضوعي له")، أو بعبارة أخرى ايجاد مجموعة أشياء، أو وضع، أو سلسلة أحداث تؤلف مكونات ذلك الشعور المحدد، بحيث عندما تقدم تلك الحقائق الخارجية التي يجب أن تنتهي بتجربة حسية، فإن الشعور يستثار في الحال.()
إن المعادل الموضوعي في شعر محمد عفيفي مطر هو في التعبير عن الذات إلى جانب وسيلة ثانية تميز بها أكثر من سواه من الشعراء هو وصفه (لبوابة طليطلة) بأنها عبارة عن مزابل (وقَلَّبتُ في كنزها المتجدَّد من عربات النفاية) (وميراثها المتعفن بين المزابل ..كانت عصارة أحزانها وخطاها بقايا طعام رخيصٍ)()..الخ.
إلاّ أنه في حقيقة الأمر كان الفكر العربي والتراث العربي حاسماً في توجيهه نحو إنعطاف إيجابي أفضى به إلى موقف انطولوجي، فهو الذي بالتأويل المثالي للوعي وكان أساسه المحايثة/ والمفارقة = بفعل النظرة الديكارتية عند الشاعر مطر. والتراث العربي، ولكن الوصف الذي وصف به الشاعر مطر (بوابة طليطلة هو وصف يركز فيه على أزمة في العقل العربي من الناحية التاريخية، فجاءت القصيدة وصفية عينية لا نهاية لها من الناحية الموضوعية، فكانت مفارقة ساخرة من هذا الارث للأجداد، ولكن تراث الاجداد كان زاخراً بالعطاء وكان مشاركاً فاعلاً في بناء الحضارة الإنسانية، ولكن الشاعر عندما يصف "بوابة طيطلة أو مدينة طليطلة" هو أن المدينة لم تعد نظيفة "وعَقْي مواليدها ومداميك من غائطٍ " " ورأيت القشور وقد مضَغَتْ مرتين وحطت حروف التهجي ذباباً يطن بأسماء أبنائها أجمعين".()
من هنا جاءت المفارقة التي تؤكد السخرية وهي تعبير عن المرارة التي يعيشها الشاعر، وهي التي لا تدعه إلى أن يخلق عواطف تناسب ذلك الحدث الشعري، والشاعر يستعمل ويستشف العواطف التي عودته أن يرسم بها الحروف الشعرية، فيعبّر عن احاسيس مستلة من حركة الواقع وهي ليست حالة تعبيرية عن عاطفة وشعر محمد عفيفي مطر مسرف بالاستعارات التجريدية، والفكرة الفينومينولوجية التي اجهد نفسه فيها، هي المواقف من التراث، والقناع، والتسلط ، والصيرورة، والتغير نحو إيجاد معادل موضوعي في شعره إضافة إلى المعادل العاطفي وحبه للفقراء وللقرية التي إحتوته، وأن المهمة الاساسية للشعر بشكل عام عاطفية لا عقلية، وإن كل من (دانتي وشكسبير) هما قد عبرا أحدهما أو كلاهما عن أشد الحدة العاطفية في عصره، وهو تأسيس ما أتفق عليه ذلك العصر من وجهه النظر الفكرية، والذي يؤكده محمد عفيفي مطر هو أنه كلما كان الشاعر يحمل بعداً صوتياً خفياً أكثر دقة كان ذلك أفضل للشاعر إذ يجعل مجال فعله في الرغبة والاهتمام أوسع، ويكون التعبير في هذه الحالة أنضج ونحن في مناقشة هذا الموضوع نحاول قدر المستطاع أن نطلب من القارئ، قدرة أساسية من العمل الذهني خاصة حين نتذكر أن (الحضارة العربية) ..تشمل تنوعاً إختلافياً، وهذا التنوع الاختلافي أثر في الحساسية المرهفة تكون المحصلة الانتاج إذاً لابد من نتائج إختلافية ومعقدة، إلا أننا إذا وقفنا عند قضية الموروث من التراث الذي حاول مطر أن يثيره وأن يعبر عنه تعبيراً جديداً في شعرة، فقد إتضح لنا أن رغبته الكبرى لم تكن تتجه نحو الحدة العقلية إنما نحو الخصب والدقة في الاندفاعات العاطفية.
وقد إعتمد محمد عفيفي مطر على التداعيات التجريدية الغامضة والمتعسفة أحياناً والتي تعد مسرفة في ذاتيتها، بحيث تكلّ خطوات القارئ عن المتابعة، وإن حاول جاهداً أن ينقل كلَّ ما في تلك اللحظات من تعقيد والتواء، هناك تضحية بالوضوح ليحصل على نطاق من الايحاءات الضمنية هما في (امرأة تلبس الاخضر دائماً ورجل يلبس الأخضر أحيانا):
لعشّاقها ملكوتٌ من اللون:
لون هو الخضرة الغامضة
لأول حلف مع الله إذ هم يقيمون في
هاجس الطين – في حمأ يمتلكّ عمق الفضاء
وماء الينابيع والآرض يومئذ من رعيةِ
أحلامه وإنتظار الملليء باسمائه ـ،
وهو لون من الخضرة الغامضة.()
ومحمد عفيفي مطر لم يكن في نهاية الموضوع متناقضاً مع نفسه حين أكد على أهمية خلق صورة شعرية حسية واضحة تؤكد بصرية اللّون الأخضر، لقد تعاملوا النقاد العرب مع فكرة صورة حسية بصرية في حدود العمليات الضيقة، كانت محصورة في الإشارة إلى قدرة الشعر على وصف تلك الأشياء وببراعة في نقلها إلى المتلقي كما لو كان يبصر لها، أو القدرة على التجسيم المعنوي، أو بث الحياة في الجامد من الأشياء عن طريق التشبيه والإستعارة أو التمثيل، لكنهم لم يروا أن ذلك كله يمكن أن يتميز به الشاعر عن غيره، وكان مطر يشير إلى الخصائص النوعية في عملية التصوير في نهاية الأمر، ويمكن أن يوجد في العملية الشعرية، ولكن ما هي تلك الفوارق بين التصوير الشعري وغيره من أنواع التصوي؟ والتصوير في الشعر له خاصية نوعية ، أو النظر إليه باعتباره نتاجاً خاصاً للطبيعة التخيلية.()
وقد كان من مهام الشاعر ومحمد عفيفي مطر بشكل خاص هي أن الإثارة ليست هدفاً للشاعر وإنها ليست محكماً لذلك النجاح الذي يسعى إليه الشاعر، وأن هدفه الأساسي هو أن يحقق شيئاً ما، وهو يعني بهذه الحالة من الاهمية الكبرى هي تكمن في أن يقدم الشاعر شيئاً حسياً تفصيلياً، إضافة إلى الجزيئات التي حصل عليها وفق العناية الدقيقة بالملاحظة.()
نعود الآن إلى التصور عن التراث بشكل عام، هناك تصور يتعامل مع التراث باعتباره عنصر حدثي ومفاهيم قيمية، والقيم تأخذ إستقلالية كاملة عن وعينا وعن وجودنا، وهذا ما يسعى إليه الشاعر محمد عفيفي مطر، وعلى هذا الأساس لم يعالج محمد عفيفي مطر هذا التراث معالجة محايدة تحاول الوصول إلى الكينونة الترسندالية الحديثة، وقد بقيت على حافة تجريدية وهي تصور موجود يائس أسير بالقوة ولا يستطيع فعل شيء، ومن الاستحالة عملياً أن نتعامل مع هذا المنطق من التراث على هذا النحو الذي يتعامل به محمد عفيفي مطر، لسبب بسيط ، هو أن تراثنا العربي موجود فينا فضلاً عن وجوده الموضوعي والمتركز في الوعي النظري والتجريدي، ولا يعني إنفصاله عنا بشكل مطلق، وهذا يعني أنه رغم تفاصيله التاريخية مازال التراث مؤثر ويؤثر بفنوننا وفي حياتنا وهويتنا من ناحية التشكيل الوجودي.
هناك التصور الثاني الذي يتعامل مع التراث من نافذة الوعي الحاضر الادراك للكينونة الوجودية الآنية، وهذا هو التصور السائد إضافة إلى تفاصيله العملية()، والتراث والادب العربي ينتميان إلى مجموعة تلك الآداب القديمة: اليونانية، واللاتينية بل والمصرية القديمة، والصينية، والهندية، بل إن الحضارة العربية هي جزء من بنية تفكيرية إبيستمولوجية وهي موضوعاً لمفهوم الحدس الذي يتحدد شعرياً لاعطائه مفهوماً حدسياً يتناسب ومفهوم الفكرة من حيث تدليلها الابيستمولوجي وصورتها الحسية، ومعرفة الإمكان على ضوء الحدود النقدية للشعر. وهو موضوع لفكرة ابيستمولوجية ينطلق منها الكيان الحدسي الإمكاني والممكن حسياً.()
والشاعر محمد عفيفي مطر هو شاعراً متألماً وأن الكون عنده إشكالية يجب إصلالها، كما يقول (ثللي) في (شهوة الاصلاح) ومحمد عفيفي مطر وهو الشبيه بصلاح عبد الصبور الذي أراد في شعره أن يغير العالم ويصلحه من خلال المنطوق الشعري وأن (شهوة لإصلاح العالم) هي القوة الدافعة في حياة الفلاسفة والانبياء، والشعراء، لأن كل من هؤلاء يرى النقص، فلا يحاول أن يخدع عنه نفسه. بل هو يجتهد أن يبحث عن وسيلة للإصلاح، ويجعل دأبه أن يبشر بتلك الوسيلة، وقد يحمل الفلاسفة، والانبياء، والشعراء رؤية جديدة للكون، وقد يقومون بإصطناع منهجاً مرتباً في النظر إلى تلك الإشكاليات وقد يبشرون بنظريات لتجاوز هذه الاشكاليات القديمة رغم أن الشعراء يحلمون ولكن تبقي رؤيا الشاعر رؤيا نبي ولكن تحت سبيل الانفعال الوجداني، والخطاب يتجه إلى قلوب الناس، وقد يكون الأثر العميق لديهم يتجاوز عمق الأشياء الاخرى، إن الحس التجريدي مقيت تحت الحالة السيكولوجية وإن التعبير بالصورة في رأي بعض النقاد هو الاعمق أثراً من التعبير بلغة التجريد، ولكن هناك هاجساً يربط الانبياء والفلاسفة بمنهج الشعراء، ففي آثار الانبياء والفلاسفة رؤية شعرية، والفلاسفة والانبياء والشعراء ينظرون إلى الحياة في وجهها المباشر والعلني لا في قفاها، وهنا تكون النظرة نظرة فينومينولوجية، لأن الهموم التي يعانوها هي هموم مختلطة من الميتافيزيقا ـ والواقع ـ والموت والحياة ـ والفكر والحكم.()
وكثيراً ما كانت هذه الوطأة في النظرة الكاشفة والثاقبة على تلك النفوس ينتابها الشك في عملية الاصلاح وهنا يكون الامكان مهزوز وضعيف، وعليه فإن في مسيرة حياة كل شاعر أو نبي أو فيلسوف لحظات من اليأس والحرارة.() وهكذا جاءت قصائد عفيفي مطر:
هنا أعين الراحلين
مُفتّحة والأكفُّ على مقبض السيف
معروقة يابسة
ووردُ الجراح يجف ويلتف تحت نسيج العناكب
فيا أوَّل الداخلين
تأمّل ملامح وجهِكَ فوق الحوائط
وجهِّزْ خيولك
لترحل ـ قبل اندفاع الجيوش الغريبة
لمنفاك بين الزمان وبين المكان..)()
في هذه الابيات يهدينا الشاعر إلى الترحال والألم بين الموت والحياة كما قلنا سابقاً، وبهذا يستطيع مطر أن يكسب عواطف مأساوية لأنه لا حل لبوابة التراث سوى صرفها عن الاستقطاب وأرجاعها إلى الذات، حيث القوام الكلي الإنساني. كذلك العجز في العثور على سلسلة من الحلول، فتبقى الموائمة في الخلط بين (الموت والحياة) ثم بين المشاعر الذاتية ـ والموضوعية لدى الشاعر عفيفي مطر والاحراجات التي وقع فيها في حالة التأمل حول إمكان معرفة الأشياء والحلول المتعلقة بها، إذ كيف للمعرفة الشعرية أن تتجلى ضمن إطار المطابقة للأشياء الكائنة في الذات لدى الشاعر مطر وإن تبلغها قوة الحدس الشعري، هو كيف للأشياء ذاتها أن تشغل بحركات وقوانين فكرنا وبالقوانين المنطقية التي يتحكم بها الشاعر مطر.
إنها قوانين فكرنا المرتبطة بالقوانين المنطقية والسيكولوجية والسسيولوجية إضافة إلى النزعة الحيوية في قوانين المنطوق الشعري، لقد تأمل محمد عفيفي مطر فينومينولوجياً في نظام العلوم الطبيعية وإنساق وراء النظريات الرومانسية وقد أفضت كل هذه التجربة إلى التناقض ـ والتهافت والانقياد إلى الاعلان عن الانحياز إلى الفقراء وبشكل كامل، وهذا ما نلاحظه في قصيدته: (فردَوس ...بائعة المانجو):
يا زمناً قد مَرَّ علينا.. ولو كنتْ تعودْ
وتذيبُ ثلوجاً، وتعيدُ حكاية أهدابٍ سُود
كنا نهواها، تنظر فيها سحر الإنسان،
وحلاوة عشق سكرانْ،
ونداوة غيطان القرية
لكنك ـ يا زمناً قد مر ـ زجاجٌ مكسورْ،
ثلجٌ، وشراع أعْمتْهُ الريحُ الصفراء.()
في الأصل يمكن أن نسمي هذه المحاولة لاتخاذ موقف واضح من الطبقة الكادحة والفقيرة، وهي من المشكلات السسيولوجية في (المعرفة النظرية) وفي كل الاحوال كانت الفكرة النظرية عند مطر في هذه المعرفة بوصفها علماً سسيولوجياً كان يُذلل منه الشاعر فيه الشاعر علم التعقّل النظري وليذللّ المعوقات إلى الاقصى الواضح، كذلك هو الموقف المتسق مع نفسه لماهية المعرفة، والاسكان الذي يحصّل هذه الماهية في نقد المعرفة الشعرية، وهنا يكمن المعادل الموضوعي في فينومينولوجيا الشعر عند محمد عفيفي مطر ، لقد كان منهجه منهجاً فينومينولوجياً نقدياً لنظرية الماهية الشعرية الذي يدخل فيها علّم ماهية المعرفة الذي حدده مطر بالانحياز إلى الفقراء وبشكل مباشر، وهذه المعرفة حددت منطلقاته الفكرية والشعرية منذ وقت مبكر.
ونحن نقرأ قصيدة مطر (فِردَوس..بائعة المانجو) ونقارنها بقصيدة (عبد الصبور) (شنق زهران) وهو يحاول رسم صورة صادقة لشخصية ريفية طيبة كطيبة (فِردَوس..يابعة المانجو) في طابعها الإنساني يقول عبد الصبور في قصيدة (شنق زهران):
وبعينيه وسامة
وعلى الصدغ حمامة
وعلى الزند أبي زيد سلامة
ممسكاً سيفاً، وتحت الوشم نبش كالكتابة
مر زهران بظهر السوق يومياً
واشترى شالاً منمنم
ومشى يختال عجباً، مثل تركي معهم().
هذه الصور الريفية الصادقة بصدق القرية حين يصف عبد الصبور (زهران) وفي إعماق عبد الصبور وجدت وريقات في هذا الكون الريفي والتي تبعثرت وتحشدّت، وقد جعل عبد الصبور الحبّ منها سلة واحدة من الجواهر ـ والاعراض وما يربطهما من صلات الماهية الشعرية حين قام بصهرها معاً حتى أصبح هذا الحب للقرية بشخصية زهران شعلة، واعتقد أننا رأينا الصورة الكلية لهذا المركب، الشعري وقد فاحت منه البهجة دفعة واحدة، هناك من القدرة على الربط والوصف لهذه الشخصية. ولكن في قصيدة عبد الصبور (الملك لك) حاول عبد الصبور أن يخطط البيئة الريفية:
حنيني غريب
إلى صحبتي
إلى أخوتي
إلى أخواني
إلى حفنة الاشقاء الظهور ينامون ظهراً على المصطبة
وقد يحلمون بقصر مشيد
وباب حديد
وحورية في جوار السرير
ومائدة فوقها الف صحن
دجاج وبط وخبز كثير
في هذه القصيدة لعبد الصبور هو استرجاع (فلاش باك) لحنين الصحبة في القرية، للأخوة والأخوات، والأشقاء، هناك الحلم الريفي عند شباب الريف والتفاعل بين هذا النسيج السسيولوجي وهو نتاج شعري بالغ الاثر لجيل (عبد الصور) وما يتعلق بعبد الصبور وتصوره للدراما السسيولوجية في الشعر أي إيمان عبد الصبور بالحاجة إلى دراما شعرية سسيولوجية، مايزال أقرب إلى ذلك العالم النظري حتى في مجال التجربة، وماتزال تجربة عبد الصبور ذات أثر فعّال في مسيرة الشخصية الرائدة في مصر في مجال الشعر الحديث، الذي سبقتهم في ذلك (نازك الملائكة) (1922 ـ 2007) مع (بدر شاكر السياب) (1926-1964) والتجربة المصرية في الشعر الحر التي ضمت: بدر توفيق الذي ولد في العام 1934 ، وفاروق شوشة الذي ولد في العام 1936، ومحمد إبراهيم ابو سنة الذي ولد في العام 1937، وهم الرواد البارزون لحركة الشعر الحر في مصر.
ولكن في مرحلة التأسيس كان عبد الصبور كذلك كمال نشأت الذي ولد في العام 1923 ، كذلك محمد مهران السيد (1927-1981) ، وفوزي العنتيل (1929ـ 1981) وكان غيرهم الذين وُلدوا في النصف الثاني من عشرينيات القرن الماضي، ولكن يبقى عبد الصبور ومعه أحمد عبد المعطي حجازي، ومحمد عفيفي مطر هم الشعراء الأكثر تأثيراً وتأسيساً على السواء بعد ، عبد الرحمن الشرقاوي (1920ـ 1987).
لقد كان صلاح عبد الصبور رومانسياً وهو أقرب إلى ناجي (1898ـ 1953) وعلي محمود طه (1902ـ 1949) . ولكن سرعان ما تحول إلى النزوع العقلي بعد تأثره بـ (ت. س. إليوت) (1888ـ 1962).()
يقول عبد الصبور (حين توقفت عند الشاعر ت.س. إليوت في مطلع الشباب لم تستوقفني أفكاره أول الامر بقدر ما أستوقفتني جسارته اللغوية، فقد كنا نحن ـ ناشئة الشعراء ـ نحرص على أن تكون لغتنا منتقاة منضدة، تخلو من أي كلمة فيها شبهة العامية أو الاستعمال الدارج كنا قد خرجنا من عباءة "المدرسة الرومانتيكية" بموسيقاها الرقيقة، وقاموسها اللغوي المنتقي، الذي تتناثر فيه الألفاظ ذوات الدلالات المجنّحة، والإيقاع الناعم، وكنا قبل ذلك كله أسرى للتقليد الشعري العربي الذي يؤثر أن تكون للشعر لغته الخاصة، المجاوزة للغة الحياة، والبعيدة عنها في بعض الأحيان".()
لقد كانت الرومانسية في مصر وهي الأنضج من نوعها في المشرق العربي وهي نتيجة من نتائج الخيبة (لثورة 1919) التي كثر الحديث عنها في الكتابات النقدية المصرية إلى النظرة الدقيقة إلى التيارات التي أثمرت في الحياة السسيولوجية العربية، والحال يكشف أن ظهور الرومانسية في الشعر كان استجابة للتغيير العام في التشكيلات السيكولوجية والسسيولوجية في الوطن العربي، وكان الإخفاق السياسي الذي لم يكن هو العامل الرئيسي الذي دفع إلى حقيقة هذا التغيير، بل بالعكس كان للمد السياسي في فشل ثورة (عرابي في العام 1882) أدى هذا إلى ترسيخ الاتجاه الكلاسكي في الشعر، ولم يؤدي إلى أي حالة من التطور، إضافة إلى الخيبة الكبرى التي عمت الوطن العربي بالنسبة إلى الدستور العثماني في العام 1908 لم يؤدي إلى ظهور تيار رومانسي واضح في الشعر العربي، كذلك ما حدث لإكتشاف إتفاقية (سايكس بيكو) التي بددت الآمال العربية، وقد نجم عنها زوال حكم الملك فيصل الاول الذي لم يدم طويلاً في دمشق، إضافة إلى حالة التقسيم السياسي في سوريا وفرض الانتداب البريطاني والفرنسي على سوريا، ولبنان، وفلسطين، ثم جاء وعبر بلفور على فلسطين والصراع العربي الصهيوني، وتدخل بريطانيا في الحكم الذاتي في العراق، وثورة سوريا في العام 1925، إضافة إلى الثورات المتعددة في العراق وفلسطين، ولم تؤثر هذه الاحداث الجسام بظهور الرومانسية في الشعر سواء في سوريا، أو العراق، أو فلسطين، لا في العقد الثالث ولا في العقد الرابع من القرن الماضي.()
وإذا نظرنا إلى العلاقة بين حقيقة الشعر وحقيقة الوعي السياسي في الوطن العربي حيث تبيّن من خلال الفحص والتدقيق الدائمين، بأنه حيث يكون الوعي السياسي دائم لمفارقة والحضور، يتخذ الشعر إتجاهاً واقعياً، لأنه معنى بالحقائق، كذلك الحال في مصر، وجد تعبيره عند شعراء الكلاسيكية المحدثة مثل (علي محمود طه) فهو ينحو بمنحى الاتجاه الكلاسيكي عند كتابة للشعر القومي.
إضافة إلى قصائد السيّاب وهي عبارة عن حس تصويري تتنامى فيه العاطف داخل خطوط الصورة إضافة إلى الهواجس السيكولوجية، حيث تتكامل بعد حين داخل ايقاع منغم، قد يخالطها إضافة إلى الحشو، الغنائية كما هو حال قصيدة (في السوق القديم) للسياب.()
يقول محمد عفيفي مطر:
أعوام يا فردَوسَ!!
عشناها في التيهْ
عشنا سوَّاحاً تبحث روحانا فيهْ
عن ثوبٍ، وبقايا ظلٍّ ، ورغيفْ
وهنيهة نومٍ في حضْنِ أليفْ.()
إن أي أسلوب شعري أو أيّ ايقاع شعري يبغي التفرد والبقاء، يجب أن يتمخض عن عقل سوي ورومانسية صادقة، وهكذا هو شأن الشاعر محمد عفيفي مطر الذي حقق في بدايته المعرفية في الشعر الرومانسي الذي التزم بالموضوع والنسق الشعريين حيث الانطلاقة الاولى أو لمعارف ممكنة أحالته إلى منعطف فعلي كان قد عبر عنه بمعرفة مطلوبة ومعرفة منحازة إلى الفلاحين وطقوسهم ومحافلهم الصوفية واعتقاداتهم الدينية، فهي إذاً القرية بكل ما تحمل من صدق وجمال في (شخصية فرِدَوس بائعة المانجو) وفي هذه الابيات والابيات الاخرى يعطينا الشاعر مطر وجوده الرومانسي والفكري ونحن نتأمل هذه الرحلة الاولى للشاعر من رومانسيته القروية وقد كتبت هذه القصيدة في العام 1957م.
في قصائد احتفالات الموميا، المتوحشة، هناك إستشكالات عالقة وموصدة وأخرى مدّعية للمعرفة وأخرى منقادة لبعض الحالات، والشاعر يستعين بالمعنى أو بالخروج اللفظي أو المحايثة أو المفارقة التي تقع أصلاً في العلوم الموضوعية والحضورية للفكر كذلك علوم الروح، هناك عائق في المفارقة لشعر مطر والسؤال، هو كيف الوصول إلى المنعطف الفينومينولوجي الذي يحدد (عائق المفارقة) وكيف الخروج بنتائج تبّغي وجود ذلك الوعي في حالة المعرفة الحضورية للمنهج الشعري عند الشاعر مطر ولنبدأ بقصدة: (سهرة الاشباح):
تخرج من دفاتر الاعمال والاقوال
أشباحُها المرْصُودةْ
ترفع لي رؤيتها المجوَّفةْ
أمارسُ الدفاع والموتَ، تمارسُ الاشياءْ
طقوسها الليلية المكثََّفةْ:
كلُّ جدار معبر، كلُّ زوايا الأرصفةْ
أقدام شرطيٍّ يسيرُ سيرهُ المنْتظما.()
هناك إنطلاقة من الخيال الخالص، وهناك تجميع للعديد من الصور وهناك عوامل سيكولوجية معقدة تربط هذه الثقافة، وهي مكونات فينومينولوجية تحدد (عائق المفارقة) الذي قلناه ولكن الأبيات من السعة الذهنية والتصوير السيكولوجي يوصلنا إلى نقاء الملاحظات الفينومينولوجية التي أراد أن يطرحها الشاعر الظاهراتي، وهي منحنيات تكشف الحالة السسيوسيكولوجية تجعل القارئ متعلقاً بالصورة الشعرية وهي تكشف أن هناك لمسة وجودية عند الشاعر يتخللها وضع صوفي في (أمارسُ الدفاع والموت، تمارسُ الاشياءْ)، هناك قوة للخلق الكامل والمنظم الذي تضمن الخزين لتفاصيل الاشياء، هناك تعويم لحالهم بالأشياء في طقوس ليلية. ثم تأتي الانعطافة وهو الوضوح في هذه الكوابيس ، يجملها الشاعر في الجدران وهي معابر لكل تلك الزوايا والارصفة، ويوحي لنا عفيفي مطر أن هناك مطاردة شبحية يختمها بـ (أقدام شرطيّ يسيرُ سيرهُ المنتْظما) وهذه المشاهد تزخر بها الشوارع في الوطن العربي من المخبرين والجلادين والسياف الذي يطارد الضحية من مكان إلى مكان وينقلنا محمد عفيفي مطر في قصيدته إلى مشاهد متعددة ومرعبة:
وقفتُ بين النِّطْع والسيافْ
مسْتجْمعماً مملكتي الخفيَّةْ
وارتعشتْ في جسدي مواسمُ القطافْ
وانفجرتْ خليّة خليَّه
تحجرَّتْ وارتعدتْ مفاصلي من خوف أن أخافْ..()
يمنح الشاعر مطر إهتماماً واضحاً بالحبكة التصويرية لمهمة السياف حتى أصْبحت مرجعية دقيقة في إسترجاعية مهمة (في الفلاش باك) (مستجْمعاً مملكتي الخفيَّة) وهو إسترجاع سيكولوجي ، ومطر هو الوريث الشرعي للميتافيزيقية وهو يندفع بنحو من التسليم في المحايثة في (وارتعشتْ في جسدي مواسم القطافْ" باعتبارها محايثة فعلية بل بوصفها المعنى السيكولوجي هي (محايثة واقعية) وهي تقع في المعيش المعرفي، من حيث فعلة واقعية أو هي وعي الآنا الذي ينتمي إليه الشاعر كذلك نجد موضوع المعرفة ليبلغه الشاعر في الوعي السيكولوجي، وهذا أمر مسلّم به، فالمحايث عند مطر ها هنا فيَّ، والمفارقة فهي خارجة عن الذات. إن الإمعان في هذا التميز الشعري المحايث يعطينا معنى الانعطافة في:
أرى عيونَ الشرطة السِّريَّةْ
تلمعُ من وجهٍ إلى وجه،
وتسكب الوجوه في الشوارع الخلفيَّةْ
من هنا تتحدد البداهة لما هو محايث بالمنطق السياسي للمخبر فعلاً وهو رائق الوجود لأنه يتشكل مع غيره بالاخبار لأن حالة الشرطة السرية تحمل وجوه عديدة وعيون خلفية يتميز بها المخبر، من هنا يكون المقصود هو معطى سيكولوجي وبنحو مطابق سرياً، وما هو محايث من ناحية النظر فعلاً أن يدخل أفق ذلك النظر من الوجهة الخلفية كما يصفها مطر:
كلّ قفاً وراءَه عينان تخرقان ظلمة النخاعِ،
تسألان عن هواجسِ الهُويَّهْ
وإرْثنا المكتوم بين الشفة الخرساء والشغافْ
وعن حوارنا الضائع بين البحرِ والضفَافْ.()
من هنا نستطيع أن نحفل بالتمييز من أن الطور الاول من ذلك الوضوح هو ذلك المحايث الفعلي أو ما يعني الشيء عينه ما هو معطي بنحو. متطابق في إشكالية النظر بالنسبة للمخبر السري، ولا مشكلة فيه وقد استخدمه الشاعر في مفارقة فينومينولوجية واضحة حيث رفع هذه الصورة الشعرية إلى مصاف الوعي الدقيق للمنطق الظاهراتي الشديد الحساسية، وقد تساءل الشاعر عن (هواجسِ الهُويَّة) وكيف تبلغ الحالة بالنظام السياسي في هذه المفارقة وهو ما ليس معطى بنفسه، إنما الحالة مقصودة بالفهم الامكاني للوعي من تحميل الضحية، والشاعر أراد الوصول إلى حالة الوضوح والارتفاع بالنص الشعري إلى الماهية النسقية في الحدث واعطاها فعلاً لسانياً في (وإرثنا المكتوم بين الشفة الخرساء والشغافْ) كذلك (وعن حوارنا الضائع بين البحر والصفَافْ) وهكذا يرتفع المحايث الشعري وصوره إلى الإنعطاء الحضوري، والنظرة التي يتمتع بها البرهان والتأكيد على هذا المحايث ببراهين علمية وسسيولوجية مشبعة بالوعي الحضوري حول معنى النظر ومعنى الوجوه والعيون الخلفية التي يتمتع بها المخبر السري.
إن هذا التأمل هو بلا شك تأملاً محايثاً من الناحية الشعرية والنص الشعري يتقدم كل ضروب المعرفة واشكاليتها لأنه ينم عن وعي يستند إلى أيحاءات ونتائج لهذه الايحاءات وأن المسألة الفينومينولوجية تتعدى النقلة التقليدية للشعر ولذلك جاءت النتائج متواشجة من حيث التفسير السيكولوجي والتفسير السسيولوجي. ولبدر شاكر السيّاب قصيدة عنوانها المخبر يبدأ مطلَعها.
على لسان المخبر:
أنا ما تشاء : أنا الحقيرْ
صَّاغ أحذية الغزاة، وبائع الدم والضمير
للظالمين. أنا الغراب
يقتات من جثث الفراخ. أنا الدمار، أنا الخرابَ!
شفة البغيَّ أعطفّ من قلبي، واجنحة الذباب
أنقى وأدفأ من يديّ ، كما تشاء.. أنا الحقير!
لكنّ لي من مقلتي ـ إذا تتبَّعتا خطاه
وتقرّنا قسمات وجهك وأرتعاشك ـ إبرتينِ
ستنسجان لك الشراكْ.()
هذه الشهادة على لسان المخبر الذي يصف هذه المفارقة بشكل تفصيلي حيث يوصم بإمارة العدم الفعلي، أعني أن وجود هذا المخبر وصراحته ينبغي أن يوضعا بماهما كذلك، بل بما هي إعترافات فاضحة ونحن في هذه المناقشة نريد أن نوضّح عملية إستباقية حيث نقوم بتحقيقها على مستوى المنطلقات والافتراضات والتي تتكون من مقدمات صادقة لأنها تتعلّق بمقتضى هذا السلوك الدائم في منطق الاشياء التي هي مطلوبة في النقد السسيولوجي وإجتناب الخلط في الاشكاليات من المشكلات الاخرى، فالمخبر هو حقيقة سسيولوجية تتخذها السلطة السياسية سواء كان البلد محتل أو غير محتل، فهذا السلوك يبيّن ممكنات المعرفة السياسية والفكرية، وأن العزم للأخذ بها كانعطافة سيكولوجية وذلك لرؤية ماهية هذا السلوك والإجراء الذي تتخذه المنظومة السياسية، هذا السلوك هو عملية استنتاجية لحقارة بعض البشر وهم يهيمون على قفاهم من أجل حفنة دراهم لتحقيق رهبة الإيذاء للأخرين.

























المنطق الترسندالي في شعر محمد عفيفي مطر
تمهيد
هناك التميز في ما يعرف منطق اللغة الترسندالية عند الشاعر محمد عفيفي مطر وهو يغور بالاستدلالات لكل خطوط وزوايا ومنحنيات تتفاعل ما بينها لتعود إلى حالة من التميز في لغة الشعر وقد اعتدنا تماماً على الأمر في شعر محمد عفيفي مطر، وسننتهي إلى حالة من الوعي التفكيري في الاستخلاص الذي بموجبه ترتبط حقيقة الثنائية الشعرية عند مطر، في (التجريد والتصوف) هناك الفاعل المنطقي الذي يتمخض عن نظرية الفاعل في الشعر وهي العلاقة بين المفهوم المنطقي للشعر أو للمعمول، بوصفه أدق في التماثل الذي يطلق عليه (المستوى المنطقي) والذي يقع بين المعمول والفاعل ولنذكّر أنّ اللغة الترسندالية عند محمد عفيفي مطر تقع في منطقة المسلّمة، فهي لا توجد من غير ان تحقق بمجسائها وأنّ تحتفظ بداخلها بالعناصر التي تسمح لها بالتمفصّل مع ماهو ذاتي وموضوعي، وفعلاً فإن اللّغة عند محمد عفيفي مطر لها خاصية تتمثل في أنّها تسمح بفضل إنعكاساتها الترسندالية بإن تتحدث عن نفسها بقوام اللّغة التجريدية والصوفية، لكن موضوع اللّغة الشيفرية، يبقى حتى في هذه الحالة القصوى هو وثيق الصلة بالتصورات الدقيقة عند الشاعر.
إن إشكال منطق المسانيد على مستوى: الحفريات اللّغوية والمنطق الترسندالي في الصورة ..والقناع، والاستعارة التي تصل حد التجريد كذلك التشبيه.. والاصوات الدقيقة داخل النص الشعري والمواضيع المتعلقة بالتصوف والاعتقادات الدينية ـ من سحر وخرافة داخل القرية، هذه معمولات مرجعية في تفاصيل الشعر عند محمد عفيفي مطر إضافة إلى الكون المجرد الذي يقع في الامكان اللغوي الترسندالي وهو دليل على تطابق هذا العالم الحسي عند الشاعر وإمكانية ترسيخ ما هو مقوّل فيما يخص العالم.
إن المنظومة الشعرية التي يعمل عليها محمد عفيفي مطر ، هي منظومة المعمول المجرد وهو منطق افتراض ينتقل فيه الشاعر من الخاص إلى العام ومن العام إلى الخاص ناهيك عن مفهوم (الفاعل المنطقي الشعري) الذي يتحدد بطريقة الكون الشعري والمعنى وهو الاكثر عمومية في شعر محمد عفيفي مطر عموماً أن عالم الشاعر مطر عالم موزع بطريقة جدلية حيث يلعب التنظيم السسيولوجي فيه إسناداً دقيقاً، فهو الذي ينتقل بالمعنى في ذاته ليتمثّل حسب وجوده في المرجعية الكونية وحسب وجود الفاعل المنطقي، لذلك الفاعل الإسنادي، وهكذا فإن الفاعل الشعري المترشح بهذا المفهوم ليس شيئاً آخر سوى مجال للتعيين.
حيث يمثل المعمول بقدر التجرّد الممكن في هذه القضية، هو واقع الكون الشعري عند محمد عفيفي مطر، والكون يقع تجاه دلالة الصوت الشعري، وأنّ التعيين الشعري يمفصّل المدلولات مع أشياء العالم الخفي والعالم الواقعي لا ينبغي أخذ هذا الموضوع هنا بالمفهوم الكائني للوجود، إذ يمكن أن يكون الأمر متعلقاً بالمنطق التجريدي للشعر ومتصوراً بإفتراضية أشياء أخرى، لأن اللغة الترسندالية تفترض دائماً أشياء أخرى غير حالاتها كلغة. وبإمكاننا أن نصوغ هذه المعادلة في المنطق التجريدي للشعر، كما يلي:
= Aالفاعل الترسندالي للشعر.
= Bالفاعل المنطقي للشعر.
= Cالمعمول المنطقي للشعر.
= D مجال التعّيين الشعري.
المعادلة تكون:
C=A و D=B
و إذا كانت:
B=A و D=C
إذاً:





خطاطة رقم (5) توضح المنطق التجريدي للشعر
وشم النهر على خرائط الجسد الوشم الثالث (إلى غيلان الدمشقي)
هي الشمسُ...
هل كانت الأرضُ رُمَّانة تتخلّق فيها أجنتُها الخضرُ،
هل كان ما في عروقي غمامة
تفتقها الريحُ، تَجْدلُها موسماً يتفتح في سُرّة الآرض،
تنسجها حمرةً تتكشف
تنسجها رَحماً ومشيمة؟!
هل الآرض رمانة جسدي جذرُها الشبكيُّ،
هل الشمس كانت رصاصاً يثقبُ أفرعَها (جسدي).()
لقد مثلت الأرض وقع الحدث الشعري، وهذا الثقل من التمفصل الشعري له القابلية على الاستبدال السريع والتنقّل مع وقع الحدث ومع مركّب أسمى، يقع في الضمير الوجودي، ويكون هذا النسج متعلّق بالفاعل بالمعنى وهو الأكثر تجريداً في مجال الترسيخ لمنطق الشعر والاسناد بالمعنى وهو بالمفهوم الحقيقي يقع في إطار الدلالة الشعرية، بل هو فقط أثر لعمليات التعيين، وإننا في هذا الموضوع نجد دوراً شبيهاً في أداة التعريف التجريدية للشعر، وأن المنطق الشعري هذا يحيل العالم الموضوعي إلى إفتراض مفروض من خلال التحديدات في التعميم للأرض وعلاقتها بالإنسان القروي وفي هذا الايصال وهو الاكثر استعمالاً عند الشاعر وأكثر قابلية على التعميم للأشياء، وقد تمثل في الإنعكاس لمحتوى المحمول بالدلائل على الأرض باعتبارها موضوع اسنادي، ففي المنطق المسكوت عنه تفيد الخصوصيات كذات تصويرية للحدث الذاتي المرتبط بالحالة الموضوعية للأرض وهذه الذات ليست شيئاً آخر سوى أنها موسعة المدلول اللساني الذي نطق به الشاعر، والذي أصبح بحكم موضعه قابلاً للإنشطار في (تنسجها حمرةً تتكثف تنسجها رَحماً ومشيمة؟!) وإعادة البناء وفق الحالة الترسندالية التي يديرها الشاعر من موقع الذات الفاعلة بالموضوع هناك قاعدة للإستعمال الإفادي والوظيفة التعينية التي يديرها ويؤديها الفاعل الشعري، في هذا النسج الشعري هناك تحرك دقيق على مستوى الاشياء يفّتله الشاعر فكلاً يربط به ثنائية لسان العالم المتحول بالفعل المنطقي للآشياء.
مانحاً جسدي شكله بالفراغات والكتل
المستحمةِ في قزح الدمع
والدمع قوسُ الأفق؟!
هي الارضُ..
هل كنتُ أنشوطة الصيد بينهما
أم أنا السمك المتحجّر في مائها المشتعل؟!
هي الشمسُ والارضُ ..رأسي الفضا، قدمايَ الممالكُ
بين الاصابع كانت قرى النوم والمدنُ المستحمةُ
بالليل، بين الاصابع كانت رمال الظهيرة.()
من هنا يأتي الفاعل المنطقي على المستوى العميق وعلاقته بمفهوم فعل الجسد وهو المسند من الدرجة الاولى لأنه يعبر عن الذاتِ، ويعبر عن معمولاته، ثم تأتي الأرض لتقوم بالوظيفة التعيينية وبصفة مباشرة، وهي تحتوي على مسند فعلي يكون قابلاً للإشباع المنطقي والمسند هنا بافتراض معموله القائم في مجال التعيين وهو (أم أنا السمك المتحجرّ في مائها المشتعل) والمسند يملأ بواسطة المعمول بذاته وهو الضمير القابل للإشعاع ، والذي يحتوي المسند الفعلي الذي تكون من:
⦁-;---;-- الجسد.
⦁-;---;-- الارض.
⦁-;---;-- السمك المتحجرّ.
وبالمستوى المعمول هذا يستطيع الشاعر أن يملأ المكان في (المدن المستحمة بالليل) ثم يستمر الفاعل الترسندالي للذات والموضوع عند مطر وهو يقوم بتعيين المعمول في المسند الفعلي الذي يتحد باتجاهات محدوده من خلال عمليات تختار في ثناياها الصوت الخفي في النص الشعري:
سقوفاً تُدرَدبُ أوطان موتٍ وأكفان جوع وغربة
تبعثر أجناس أرصفةٍ ولغاتٍ، تبعثر حبَّ المواريث،
تنبت نخلَ الحجارة.()
من هنا يتم إستثمار المعمولات الفعلية المتناهية للحالات العميقة. عندها يختلط مفهوم الفاعل الدلالي (تبعثر أجناس أرصفة ولغاتٍ) مع مفهوم الحالة العميقة (تبعثر حبَّ المواريث) بإطار فاعل دلالي لكي يبرز الوسيلة الفاعلة في المنطق الترسندالي، من هنا كانت الجوهرية والجذرية عند محمد عفيفي مطر تأخذ تاريخاً حافزاً في دوامة الإنهماك في تجديد الخطاب الشعري الفلسفي والرهان المستمر على تحديد (طوبولوجي) متحرر من الكتابة الشعرية العادية. وبإمكان اللّغة أن تنال هذا الاستحقاق (الانطولوجي) وان يحمل الشاعر الوجود والموجود على الإنكشاف. ولكن أيّ لغة يبحث عنها محمد عفيفي مطر الآن بعد الإصطدام بالبنية الترسندالية والبناء الميتافيزيقي، طالما أنّ لغة مطر الفلسفية مازالت ميتافيزيقية تحت موضوع الوجود السسيولوجي وموقعة في إشراقة الوجود الموضوعي، وقد يقوم محمد عفيفي مطر بتأويل الوجود والموجود إلى مدلول أولى يتسامى به في الدلالات المحدودة ويحول هذه المفردات إلى بنية سسيولوجية لغوية، أي في كل دال لغوي دون أن يمتزج ببساطة بأي من هذه الأشياء، ولغة عفيفي مطر عصية على الاختزال إلى جميع التحديدات الحقبوية والتي تكون مع ذلك ممكنة .
بإنفتاح الوجود على اللّغة، وإن لم يتحقق ذلك منذ إنقطاع الفكر عن أصله. ولكن كان قد حدث التأمل في اللّغة للاتصال بما يمكن الانصات إليه والشاعر لا ينفي وجود الصوت والإنصات إلى نداء اللغّة، لأنه فهم ما يقال والكشف عن ما يحتجب. إنّ مسألة التفكير في اللّغة تعود إلى مسألة الإنصات، هو الإنصات لنداء الوجود، والاستجابة لصوته المتركز في النص الشعري، حيث يصبح المعنى الممنوح للغة ظاهرة إظهار عند الشاعر محمد عفيفي مطر لما يتماثل مع الذات وبما هو واحد في نسيج الصوت الخفي ولا ينفصل عن (اللوغوس):
نافذة من الزجاج المعشق:
هي الشمسُ..سَمَّرها عنكبوتُ الشظايا،
سفينةُ نوح على الأرض
وجهُك يا طفلة الحلم والرعب منقسمٌ
مستريبُ المساحات، أثوابكِ إمتلأتْ
بعطايا التناقضِ:()
عن تحتها سرةُ تتشقق،
وما يفهم من خلال اللوغوس هو الذات ما ينتشر ويظهر في منظومة اللّغة عند الشاعر، من هنا كان لمطر منعطف في وظيفة اللّغة لمنح المعنى موجودات حقيقية في ما يقال أن انتشار الوجود كحديث ودعوة لفهم الكلام الأول (لسفينة نوح) الذي يحكي عن تأصيل المعجزات الكونية، ومطر يضع اللوغوس بعيداً عن المنحى الميتافيزيقي والذي تمثل مع الوجود في اللّغة وكان الانتشار العظيم مختلفاً وموحداً في الوجود المعجز (وجُهكِ يا طفلة الحلم والرعب منقسمُ) ولن يوجد القول والإنصات قائم أساساً وبشكلٍ مسبّق في حدود هذا اللوغوس والشاعر متجهاً صوب الوجود وصوب اللوغوس.
ولا يقبل الشاعر هذا الامتهان في اللّغة وفق المقاييس الافلاطونية ولا بتلك النزعة الارسطية، ولكن يرتكن للطريقة الهوسرلية والتي ساهمت التسمية في تحقيق الاحتجاز للوجود، حيث حول الشاعر اللوغوس إلى قرين للتفكير المنطقي، واصبح النص الشعري من نسق المقولات التجريدية ولكن مطر يضع التفكير في الوجود وهو متداخل مع التفكير في اللغة (والفكر الاغريقي) ابتداء بالتفكير بالوجود عند الاغريق الذي يقول الشاعر مطر من خلال هذا الوجود:
هذي جيوشُ السلاطين هامدةٌ في السكون الملون
"ولا تعبري النهَر يا طفلتي يا غزالة رعبي
وحلمي المكثف..
يأتي زمانُكِ.. يأتي زماني ..فنعبر في
جسد الرقص، نخترق الصرخة الحجرية"
وهذه عودة إلى اللّغة الاغريقية في التشبيه باعتبارها اللّغة الفكرية، فالعبور هو العبور الفكري المتسامي من خلال العبور في الجسد الراقص لاختراق صخرة (سيزيف) والشاعر دخل في حوار مع اللّغة الترسندالية بوصفها كلمة اللوغوس.
إن الشاعر لا يستطيع بدون التأمل الشامل والكافي للغة، كذلك المعرفة الفلسفية بوصفها نمطاً مميزاً من العلامة.
هي الأرضُ..
هذا الدمُ المتخثِّر، وجه الحسين،
وعيناهُ كاسادمٍ،
والشهادة بين ذراعيه: طفلُ تكلمَّ في جانبيه
الفتوق السخية
ودائرة الرمل كعكتهُ وفطام الشفاه الطرية.()
الشاعر في قناعه للحسين بن علي اراد أن يبين عيوب وثقوب الإنسان في التفكير المعاصر لأن الحسين مثل السمو والشهادة، هذا السمو في الشهادة ، كشف رائحة التقهقر الإنساني بالعقلية المعاصرة وإنهزامية الإنسان المعاصر أمام التحديات وعدم وقوفه وقفة الحسين بن علي بوجه الطغيان والجبروت والقوة المتسلّطة كان الشاعر يقول: يجب أن تكون الرؤية للمواقف الإنسانية مختلفة، منهم من ينحني ومنهم من لا ينحني للموت، والرؤية في هذا القناع هي رؤيا على قمة رابية، وكم هي سعيدة المواقف الحرة التي ترجمتها واقعة كربلاء بإستشهاد الحسين بن علي وكم بنيت عجز العقول الاستسلامية للتسلط والطغيان ويستمر الشاعر محمد عفيفي مطر يحرك القناع الشعري التجريدي في عالم من اللّغة وتلاشي معنى لا يتجلى في أيّ معنى لهذا الوجود بحيث ان الوجود بدأ يفلت من تلك الحركة المشاكسة للعلامة لم يتحقق معنى الوجود في العلامة عند عفيفي مطر ولم تتحرر اللغة من نسق القناع التجريدي، فشلت كل اللغات في منح معنى للقناع الذي حددته اختزالية محمد عفيفي مطر الترسندالية.
إن الاحتجاب الضروري الذي لا يقبل الاختزال هو احتجاب القناع من خلال معنى النص الشعري، حيث يفتح الشاعر الحضور ذاته. إن هذا التراجع الذي لن يكون بدونه ثمة تاريخ للقناع عند الشاعر، منح التاويل الفيزيقي للقناع تسميات مختلفة، ولكن سرعان ما إنهارت بفعل الفهم للوجود الشعري فهماً مزدوجاً يحمل الوجه والقفا معاً لمسمى واحد يمضي التأويل فيه إلى معنى الوجود الشعري.
تطلع الشمس نصالاً
يسرع الغيمُ /البلادُ المبهمة
تفتح الريح كتاب المطر/ الأرض التي تفتح من
شهوتها أخدودها البكرَ فتهوي مدنْ
شاختْ وعرّاها سقوط الاقنعة
تفتح الريح كتاب المطر ـ الشوك ـ الهواجسْ
فأرى النار تبرق من بين حروف الماء.()
والهاوية للمكان الذي يفتعله مطر إنما هي لغة بلاغة لأنها لا تحمل الإقامة لهذا القناع التجريدي المتعين بالإقامة والمنكشف والمختفي بالاصوات الشعرية. كل هذا أدى إلى منعرج في حقيقة اللامعنى، وإلى حمل الشاعر على شطب القناع، حيث أخذ القناع الصوت ـ واخذ الصوت القناع، وقد أدى هذا بالعلامة في تأكيد عجز اللغة الشعرية التفريق بين القناع والصوت. (تفتح الريح كتاب المطر/ الارض التي تفتح من شهوتها أخدودها لها البكر)، من هنا ينتقل الشاعر إلى جملة (فتهوي مدنُ شاخت وعرّاها سقوط الاقنعة) تعطينا هذه الجملة الشعرية علامة محددة، تحت علامة تمحي حضور المدلول الترسندالي مع بقاءه وحركة الصورة والقناع والصوت جامدة وهي تحيلنا إلى شطبة في تلافيف القناع وتبقى ماهية القناع هي عدم، وهذا ما لا تسمح به اللّغة لكي يبقى عدماً بمعنى يفيد الشطب في النص الشعري والابتعاد عن التعيين في لغة القناع وعلاماته التي عطّلت الانسياب الحسي في النص الشعري.
أصوات ولغاتٍ، مدناً ترتجف في لحم المساحات التي تكنسها
الريح من الإرثِ،
أرى وجه المطرْ
البسته الأرض من لحم المساحات
"التي تسقط أو تولد"
أثواب الفصول الآربعة
يتمشىَّ في التواريخ دماً ـ نفطاً ـ حصىً من
أدْعيات الفقراء.()
هنا حقيقة التعيين اللغوي وعلامتها المتعلقة باللغّة الميتافيزيقية بانكشفاف حقيقة الوجود السسيولوجي وعلامته وعلاقته بحماية الضرب الفعلي في الحياة السياسية المختالة في الحجب والمطابقة في التواريخ والأمكنة، هناك تفكيك ميتافيزيقي للأصوات ـ والمدن التي أخذت تجف، والريح العابثة بهذا اللحم البشري وهو تعبير عن البنية السسيولوجية بإيقاع ترسندالي، والشاعر عفيفي مطر يحرك صوت المطر حتى يلبسه الانطولوجيات التقليدية في الوجود بلغة مترشحة داخل فيزيقية قادرة على إستيعاب حقيقة التسمية لذلك المطر لأنه التعبير الحقيقي عن عبور الإنسان إلى الضفة الاخرى تلك هي حاجة الأشياء إلى هذا الإستيعاب للوجود وعلاقة هذا الوجود في الموقف السسيولوجي والسياسي بالنسبة إلى الإنسان وموجبات التفكير بالقناع الايديولوجي الذي يعبر عن موقف فكري من الحدث السياسي حيث انحياز الشاعر إلى طبقة الفقراء وهذا ما أعلن عنه في قصائد كثيرة وهو موقفه الطبقي الواضح.
ووجهي ـ الشواطئُ..
"فلتضربي يا مياه الكتابة3
برجرجة المحو، هذا هو الجسد المرتخي:
وطنٌ عمَّرتهُ الكآبة
وضوّأتِ اللغةُ المستباحةُ والنعُمّة المستجابة
مساحاته..فاضربي يا مياه الكتابة.."()
يعود بنا عفيفي مطر إلى لغة التجريد المتصلة بالوجود وهي تخضع لسلطة الذات من خلال الصوت وإلى سلطة المنطق وذلك لإتصالها باللوغوس وبنداء الوجود الخفي، فالذات تتحول إلى صوت آخر (كوموفلاج) واللّغة إلى صورة شعرية، لأن الذات باستطاعتها أن تتكلم من خلال الصوت الخفي في النص، ومحمد عفيفي مطر يقيم حواراً من خلال (الكوموفلاج) مع مفهوم الوعي عبر الجسد الذي يشبهه بالطن للانتقال إلى معنى آخر في التعيين بفعل الذات المتركبة بالصوت الخفي.
ووجهي ـ الشواطئٌ .. تلك (دمشق) التي كنت أغسل
أقوامها وأراها على شجر القلب رمانةً
تَتَخمَّر فيها أجنَّتهُا الخضُر.
هذي دمشق التي أسلمتْني وكنتُ بساحاتها
أتكلّم .. كان الكلام يحمحم في
جسدي باشتباك الغرائز،()
وينتقل بنا عفيفي مطر إلى سسيولوجيا التاريخ ويردنا إلى دمشق في العهد الاموي أي في عهد هشام بن عبد الملك بن مروان، حيثُ قاما الامويون وفقهائهما باصطناع محورين مغلقين، بينهما برزخ من ذلك العسس الاموي ـ وسجون ـ وأقلام من الفقهاء توجه الاتهام بالمروق والكفر، للرجل الذي إختلف معهم وهو غيلان الدمشقي، الذي أحب دمشق الاموية والتي خانته.
وَشَّحْتُ وجهي بلون الردى
وانفعا الشهادة
أنا جسدٌ يسكنُ الصوتُ اعصاءَه.. وأنا الصوتُ
أسكن في جسد الشعبِ
والشعبُ يبني القرى (أرأيتَ الملوك إذا
دخلو قريةً؟) كنتُ أغسلُ وجه دمشقَ
وأقدامهَا وأراها على هودج العُرسِ...().
فالتسمية التاريخية هي شأن الموجود والنسبة إلى (غيلان العالم في اللسانيات أو ما يسمونه في تلك الفترة بعلم الكلام)، وفي إطار ما يؤكده الفعل الإنساني في الحرية والقدرة والاختبار مقابل تأييد السياسي أو الفقهي للأمويين، وفق دعوى (الإرجاء) وهنا يأتي الموجودة وحججه في النص القرآني وهذا واضح في الآية:
(قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)(سورة النمل: الآية 34).
فكان مبدأ (الجبر ـ والارجاء) شكل التسمية المركزية في شأن الوجود الاموي وشيعوا منابر للتحكم والسيطرة ودعم المنهج التسلطي الاموي بلغة خذلت الوعي القيمي الذي جاء به الإسلام وقيمه تجاه حرية المعتقد ، فقد خذلوا اللغة وحولها أحجية وغشاء زوروا به حقيقة الواقع السياسي والفلسفي والنتيجة هي خدمة عروش الامويين وكان هذا الوضع السياسي لابد أن يتم الاصطدام بالعالم اللساني غيلان الدمشقي الذي يدعو إلى (القدر) وهو النقيض الرئيسي (للجبر) فكان مصيره القتل لأنه وقف ضد عسس الامويين وجبروتهم وسجونهم ، فكان العالم اللساني (القدري) الذي وقف في وجه الامويين وفي تيارهم السائد في تلك الفترة.
لقد مات غيلان العالم اللساني بسبب مواقفه الفكرية التي ركز فيها منطقة العلمي وهو في الغربة عن بلاده منكشفاً للوجود ومدافعاً عن حياة شعبه لأن مصير الأفكار يرتكز دائماً في حياة الشعب، ولكن الشعب كان شعباً مسالماً في مواجهة أكبر طاغية هو هشام بن عبد الملك بن مروان .
فكانت أفكار غيلان الدمشقي تخرج عن لغة الوجود والزمان لأنها تخالف التفكير الأموي السائد، فكانت أفكاره القدرية هي القول المختلف في أرجائه، حسب سياقها الفكري لأنها تشعر برفعة أنطولوجية، وهي تمارس التفكير بحرية في هذا الوجود، لقد حاز (غيلال الدمشقي) على لغة أقرب إلى الفكر وهذه هي نهاية هذا الوجود التأملي في شخصية غيلان الدمشقي.
(فلتنسجي كفني يا بلادي
فوجهك محْوٌ لوجهي، ونهرك مرثية في العمادِ
وأنتِ .. أزرعي خشباً للتوابيتِ
ولْتكتبي في الرماد
وخطي مصائركِ الهمجية .. لا أنتِ مسكونة،
ليس هذا الدمُ المتخثِّر من نطفةِ الخلق،
ليست بلادي بلادي.)()
إن البحث عن الصوت وكيفية أدراك الاصوات في النصوص الشعرية والتعرف عليها، من خلال منطق علمي: هو أن الصوت أساس التفكير وأن المكون الموسيقي هو أساس العملية اللّغوية، وأن كل المطابقات في هذا المعنى يعطينا أن كل المكونات الموسيقية من، أصوات ومسافات وأنساق، وأحساس، ومقامات، وانتقالات، وتوليفات، لها علاقة وثيقة بكل ما في الوجود من مخلوقات، روحانية، ومادية، وبشرية، وطبيعية.
هذه العلاقة قد تكون مطابقة، أو مماثلة ، أو مشابهة؛ لأن الموسيقى مستمدة من الحقائق الوجودية العليا، كانت هذه عقيدة الكثير من الفلاسفة الاغريق، وخصوصاً (الفيثاغوريين)؛ وقد بنوها على مسلمات عديدة، أولها الإيمان بماهية مطلقة فوق الجميع، هذه الماهية لها عناية بكل مخلوقاتها، وثانيتها، الاعتقاد في ثنائية مؤسسة، وثالثتها الأخذ بالاتصال لا بالانفصال وإتبعتها مبدأ الحياة السادية في كل شيء، وخامتها كل شيء يشبه كل شيء، أو يماثله أو يطابقه.()
وعليه كان التمييز بين صوتي الشاعر الذي اختفى وراء القناع. فكان صوت عالم الكلام غيلان هو صوت الشاعر محمد عفيفي مطر الذي اختفى وراء القناع، فأصبح الصوت مركب يقوم بإنشاء العّلة والنبوءة الثنائية عند الاثنين من ناحية العلة الفعّالة هذا من جهة والماديّة من جهة ثانية:
وكانت تحلُّ ضفائرها تحت ألوية السَّبيْ
تنثر أبناءها في نسيج الشوارع
في كل وجه تواريخُ نوم يُفزِّعُه الحرسُ الملكيُّ،
وتحت القنوط المداهن نافورةُ الغضب المتآكل
تبْرُق تصْدأ..هذا أنا غضبُ النارِ نارُ الغضبْ
وهذي النعوشُ المليئة مسبحتي ودمي طالعُ
في عروق الخشبْ.()
إن الشاعر محمد عفيفي مطر يمتلك ماهية اللّغة القصدية في التفكير في ما يفرضه الواقع السسيولوجي القلق، حيث يتطلب التفكير مسحة من الصوت المنتظر بين الشاعر وقناعه " تنثر أبناءها في نسيج الشوارع" يقيم محمد عفيفي مطر حواراً بين اللغة والفكر، وكان تفكيره إنصاتاً لنداء ذلك القناع المتخفي بالصوت الخفي في النص عبر ما ينقال دون أن تتحول الجملة الشعرية إلى حجر اسم يحمل في ثنايا الموجود، ومحمد عفيفي مطر يؤكد العلاقة الحميمة بين الفكر وبين اللّغة المخصصة للشعر، وإذا تمت المقارنة بين الفكر (القدري) عند غيلان الدمشقي وبين الشعر، نرى أن صوت الشعر يخدم اللغة، وبطريقة مختلفة بالقناع، ولكنها لا تقل تميزاً، يقودنا هذا الحوار الذي يعتمد التفكير في فلسفة الحضور الضروري في الشعر وفي البحث عن صوت القناع في علاقته بالصوت الشعري فإننا نجد بين هذين الامرين أي بين ( صوت الشعر وقناعه وبين صوت القناع ومنظومته الفكرية التي تمثلها "قدرية" "غيلان الدمشقي" نجد قرابة خفية لأن كليهما مهتم باللغة).









خطاطة رقم (6)
توضح العلاقة بين صوت الشعر ـ وصوت القناع ـ وقدرية غيلان
يحتمي الشاعر محمد عفيفي مطر بالقناع والصوت والاختفاء وراء هذه الثنائية، وهو يسعى إلى مجاوزتها بلغة شعرية ولكن يبقى عفيفي مطر أسير الثنائية ـ صوت الشعر وصوت القناع والقرابة الخفية بين الاثنين من خلال منظومة اللغة.
أنا في الرغيف الخميرةُ، في السوق سرُّ الربا،
في كنوز الصبايا قُشَعْريرةُ
وأنا فيضانُ الكلام المؤجَّل..أحمل وجه
دمشقَ على شجر القلب رمانةً،
أتحول في النهر دوّامةً من حجارة.()
عند محمد عفيفي مطر تعمل اللغة الشعرية في خدمة الموقف الفكري وبلورة موضوعاته الاساسية، ويبحث مطر على هذا الأساس المشترك بين منظومة الفكر والشعْر، لأنهما يشكلان محورين مهمين من محاور فلسفة الوجود، هناك قرابة بين الشعر والفكر فالمفكر مهمة وجودية والشاعر ينشد المقدس وفي هذه الحالة من يبحث عن المنقذ لمصيرِ أحاطت به الاخطار التقنية. ووحده الشاعر من يكتسب المنظومة اللغوية ويتقنها لبناء المنصت الشعري والقصيدة عند محمد عفيفي مطر هي جامع للموقفين الفكري والشعري:
"وأنا فيضان الكلام المؤحلَّ..احمل وجه دمشق/ دمشق
على شجر القلب رمانةً،"
باسم مَنْ أكتبُ . والليل أمامي كتبُ مصفوفةٌ
والشعب لا يقرأ؟!.
فلأكتُبُ: ضرْبنا مثلاً ما ملكاً كان هو الساحر والكاهنُ،
والغابة طقسُ جسديٌ، كانت الغابة فيه
شجراً منتظراً والنومُ تاجاً من فراء المطر الأخضر
والصيدُ انفساحَ الدهشة البكرِ، وكان الصولجانْ
قمر العشب ونهرَ الدم ما بين أقاليم الحواسْ
أرايت القمر الاخضر يطفو في الينابيع؟ رأيتَ السمك
الوحشيَّ يلتفُّ به، يأكل من أحشائه، يرتدّ في
سُلّمه الهابط للموت بطيئاً؟.()
هنا يحول محمد عفيفي مطر اللّغة الشعرية إلى عمل هرمينوطقي. من هذا المنطلق يعود العمل الفني الشعري إلى أصل لغوي وإلى شعرية لغوية، والشعر هو منظومة أكثر قرباً من الفكر كما قلنا سابقاً وهو فضاء هرمينوطيقي للغة، واللّغة ليس لها مهمة تواصلية فحسب أو تفسيرية، واللغة تحمل استعدادات فنية داخل منظومة القصد الشعرية، واللّغة هي شعر الوجود وهي الأكثر أصالة للفكر داخل العمل الفني (باسم من أكتبُ. والليل أمامي كتبٌ مصفوفةٌ والشعبُ لا يقرأ؟!) ، وهذا استدلال قيمي ولساني فيما يخص الواقع السسيولوجي للوجود الجمعي، لأن اللّغة هي الأكثر قرباً لعملية التفكير في حقيقة الوجود السسيولوجي واللغوي، لا يميز محمد عفيفي مطر الوجود في اللغة وبين الوجود في العمل الشعري. من ناحية الشعر وهو أرقى العمل الفني فهو الذي يرفع بالإنكشاف عن الوجود، وهو تحقيق فعلي، حيث يتحدث محمد عفيفي (والغابة طقس جسديّ) لأنها الاقامة الحقيقية في التشبيه (كانت الغابة فيه شجرا منتظراً والنوم تاجاً من فراء المطر الأخضر)، وفي هذا التشبيه الفعلي للوجود كان الشاعر قد وحد بين الإنصات إلى نداء الوجود المفكر بعمق في احتجابه وإنكشافه بالغابة التي ساوت الشجر الذي ينتظر والنوم الذي شبهه بالتاج لأنه من فراء المطر الأخضر التي يعبر عن لون الشجر الاخضر + المطر الاخضر.
من هنا كان مطر يستدعي الغياب الاسطوري للحضور لحضور هذا الحفل الوجودي الشعري، فكان الشاعر يكشف حقيقة الوجود فهو يحتاج إلى لغة شعرية لأجل تأكيد الحقيقة باللغة تقديراً لذلك الوجود المتقدم في الغابة وهي المكان الذي كان فيه التشبيه لمطارحات الحدث السسيولوجي شعرياً عند الشاعر محمد عفيفي مطر.
الموسيقي الكونية
يتحدد وجه المطابقة بين الموسيقى والكون كما يلي:
الاصوات المتواجدة في الكون هي:
⦁-;---;-- المفروضة التي تشبهها الأرض.
⦁-;---;-- نهاية المتصلات التي تضاهيها المعادن.
⦁-;---;-- نهاية الحادات التي يشاكلها النبات.
⦁-;---;-- كل مقام يحتوي على خمسة أنواع من الذي بالأربع، وكل بعد يناظر حاسة من الحواس، أو عنصراً من العناصر الرئيسات ـ الوسيطات ـ المتصلات ـ المنفصلات ـ الحادات "اللمس" ـ "الذوق ـ "الشم" ـ "السمع"ـ "البصر" ـ "الارض" ـ "الماء"ـ "الهواء" ـ"النار" ـ"الأثير".()
الموسيقى الكونية عند الشاعر محمد عفيفي مطر





هذه المطابقات موجودة في أكثر شعر محمد عفيفي مطر، ويظهر الوجود الموسيقي وهو حدوثاً للحقيقة في مفردات الشعر أو في مجسات العمل الفني، كل العمل الشعري والفني بوصفه ترك حدوث حقيقة الموجود على هذا النحو وهو جوهر الموسيقى الكونية، والوسيقى هي كلاً خاصاً بالوجود، ونداء يتطلب الإنصات بعمق، لأن الوجود الموسيقي يسكن اللغة ويحدد لغة الشعر.
هناك مطابقة للقناع الشعري مع نسق سيكولوجيا الشاعر هناك الجانب المجسد لطبيعة القناع التاريخ خاصة في قصيدة (طموحات عمر) وهو الجانب المتردد من التجسيد والتجريد هناك صيغة متناغمة بين القناع التاريخي والصوت المجسد في طبيعة الابعاد المتكونة أصلاً من:
⦁-;---;-- الطول.
⦁-;---;-- والعرض
⦁-;---;-- والعمق
أرى التخومَ زحزحتْ ..فأمتلأت بالدَّغل النوايا
وامتلأت خزائن الرشوة والجباية
وبيعت الحرة بالسبايا..
الخير سكتي والشرُّ في خطايا
أيتها الوصايا
تعطنتْ فيك البذور أم تكلست طينتُكِ
السوداءُ والجذور!!()
إن الاشكالية التاريخية التي توضحت، هو أن الكتائب التي ارسلها الخليفة عمر بن الخطاب للفتح، أستطاب لها الثراء في تلك الاقاليم التي فتحها الإسلام، فكان الهدف هو الثراء على حساب مبادئ الإسلام وقد نسيت هذه الجيوش الهدف من الفتح، فالذي حصل "فامتلأت الدغل النوايا/ وإمتلأت خزائن الرشوة والجباية" "وبيعت الحرة بالسبايا" وكانت طبيعة الحوار الذي أدى إلى إختلاف حتى ضلع عثمان وتولي خلفاً لعمر بن الخطاب، لقد اباح عثمان لإعلام قريش أن يمتلكوا الضياع، ويشيدوا القصور في الامصار الاسلامية المفتوحة، مثل العراق ، والشام، ومصر، أي أن عثمان أباح الملكية لبعض الاتباع، إضافة إلى استبدالهم أملاك بإملاك في الحجاز وفي تلك الامصار.
كانت هذه السياسة مخالفة لسياسة الخليفة عمر بن الخطاب الذي وضع حظر على الصحابة مغادرة المدينة أو الإقامة في الامصار خوفاً عليهم أن يتلوثوا بماديات الدنيا، ولكن هذا لم ينفع. لقد كان لهيمنة رأس المال الإسلامي أبعاداً متعددة، وقد تهدد الاسلام ولازال متهدداً من الناحية الإنتاجية للفكر الاقتصادي في قطاع الوعي، حيث بقي الفكر الإسلامي فكر يشجع "الملكية الخاصة" للولاة، والخلفاء، وابتعد الإسلام عن المنطق الثوري وعن إنتاج منظومة فكرية نقدية يعبد له الارث الفكري الذي ابقى الغزو التدميري المادي والفكري والذي بقى يرزح تحت هيمنة الخطاب السلفي.()
هناك طبيعة للابعاد التي اشرنا إليها في القناع التاريخي للخليفة عمر بن الخطاب والذي يشكل الطول والعرض يشكل بنية الصوت، والعمق وهي اللّغة المموسقة في النسيج النص أو ما يسمى جسد القصيدة.


خطاطة رقم (6) توضيح طبيعة الابعاد في القناع والصوت واللغة
المعادلة تكون كما يلي:
الطول + العرض+ العمق = القناع التاريخي للخليفة + العرض الذي يشكل البنية الصوتية + العمق اللغوي المموسق.
هذا النسق الرباعي، يطابقه الاعتدال في التمتع بكل ما يتصل بالشهوات السيكولوجية، إضافة إلى المبالغة في التمتع باللذات الفكرية والمتصلات يطابقها العدل الاتصالي الذي وجهته الاعتدال.
أرسلتُهم كتائبا أرسلتهم سرايا
فأنكسرت رماحهم بتخمة العطايا
والتمعت في الفرش الممهدة
الأعين المذعورة الغريبة
وإنسكبت خزائن الثغور
وإقتتل الأبناء ليلة الموت على توارث السبائك
التي تُقطع بالفئوس
وإنكفأت علامة الشهادة
فأصبحت علامة التجار...()
إن ما أفرزه هذا السلوك الرأسمالي في الإسلام وإنتاجه الدولي لهو تعبير عن حقيقة ما تختص به الفاهمة العمودية، وعلاقتها بالمنظومة الارضية للمعنى الابيستمولوجي، وإن المفاهيم الدينية مدعوة إلى الخروج من منظومة الفكر الديني وأيديولوجيته حسب (مارسيل غوشيه).
ما يهمنا الآن هو تقنية هذا القناع، في أقتتال الابناء على الورث المنهوب من الامصار بعد موت الأباء على السبائك التي نهبت والاراضي التي سجلت باسم قادة الجيش والولاة. لقد ترك هذا الحدث شرخاً كبيراً في نفوس المسلمين بعد أن توضحت هذه القضية وبشكل تفصلي من الناحية التاريخية وبقي يعاني منها الاسلام لحد هذه اللحظة، وفي بلاد الشام مازال معاوية بن ابي سفيان يحكم وأهل الشام مازالوا تحت إمرة معاوية، وهي من القوى المساندة لعثمان بن عفان بسبب الامتداد المالي والإداري والاستفادة من عقلية عثمان البرجوازية الذي حدد مقولاته ومفاهيمه وشدّ الرحال نحو الربح والسيطرة على مليكة الآخرين حتى من المسلمين ليصبح هو القائد (للمعسكر الرأسمالي) ومفاهيميه بعد أن بنى صرحاً رأسمالياً ومنهاجية رأسمالية داخل سستام العقل المريض، ويمكن أن نطلق اصطلاح السستام العقلي الرأسمالي داخل التطور الرأسمالي في الإسلام، ولكن أهل الشام بقوا تحت طائلة الحصار من قبل معاوية " "وانكسرت رماحهم بتخمة العطايا"()
أرى ظلالك التي تمتدُّ يا أبا سفيان
إقنعة تلبسها الوجوه
أرى الطقوس فوق وجهك المشبوه
تؤتي ثمارها المرة في أربعة الفصول
فأنت في ولائم العرس مقدَّمٌ ممتلئ الشدقين
وأنت في أزمنة الوباء
تكتنز الفضة من تجارة الأكفان..()
بعد مقتل عثمان أخذ معاوية يطالب بدم "عثمان" مرتدياً قميصه الملطخ بالدم، وهذه المناسبة هي إساءة إلى الهدف السياسي الحيادي الذي وضعه معاوية، ولكن بالمقابل كان هدف معاوية هو الإثراء على حساب المسلمين، قد بلغ به الأمر في هذا الموضوع وهذه المفاهيم ومع كل الإيضاحات التي لازمته في سلوكه، هو أنه لم يتدخل في الحرب بين علي بن ابي طالب، وطلحة والزبير، وكان مكتفياً بالمناصرة الكلامية "لطلحة والزبير" والهدف هو إضعاف تلك القوتين أو إقصاء الواحدة منها على الاخرى، ومن ثم يقوم بالتحرك وبالقضاء على القوة المنتصرة في هذه الحرب، ولم يبق لمعاوية سوى إغتنام الفرص عبر كل مرحلة تاريخية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية بعيدة عن أي أثر ديني، "فأنت في ولائم العرس مقدَّم ممتلّئ الشدقين" لقد كان على معاوية أن يعمل جاهداً من أجل تحقيق مصالحه الذاتية والاقتصادية وزيادة ثروته وتجارته وسيطرته على أكبر مساحة إقتصادية وعلى أكبر لوحة من القولات التي ترتكن إلى الملاحظات اللائقة بمعاوية أو بحاشيته.
لقد كان "معاوية" يشكل إستنتاجاً مهماً بالنسبة إلى صورة الخليفة الداهية "البرجماتي" الذي يتحيّن الفرص للايقاع بالآخرين، فقد كان المخطط للسيطرة والاستغلال ولذلك كان ينمي الوعي البرجوازي، وفي الوقت نفسه كان يبني وينمي هذا الوعي البرجوازي على مفاهيم والاعيب سياسية قذرة ساهمت في تهديم أركان الاسلام من الناحية الخلقية في تلك الفترة.()
واستمرت هذه السلوكيات التي أشار إليها محمد عفيفي مطر بوصفها صورة دائمة الحدس الباطن، ويمكن أن نتصور المعية التي تناصر الخليفة فالزمان هو ذلك الزمان نفسه الذي لا يبتدّل ولا تتبدّل فيه السلوكيات لأنه لا يرى الحاكم أو المتجبر التتالي فيه إلاّ كعيينات لها، والحال أن الزمكان لا يمكن أن يدركا بحد ذاتهما، ويجب من ثم أن نعثر في موضوعات الادراك الشعري ومن خلال القناع أي في الفينومينولوجيا على الاساس الذي يتمثل زمنية منطقية عامة، والذي من خلال علاقة الظاهرات به يمكن أن نحدد ذلك التأوه لكل منطق واقعي: أعني كل ما ينتمي إلى المنطق السسيولوجي والسياسي وحتى الوجودي داخل الاشياء، من هنا يتم البحث عن الجوهر.
"فليس يأمن الأرض سوى السجان
تهدمت أو قويت مقاليد الخلافة".
مرة أرقد في الزنزانة
أطرح فوق أرضها الجاسية العريانة
أغنيتي وطينتي الممتحنة.()
والشاعر محمد عفيفي مطر لا يريد ان يغادر القصيدة المشبعة بالحقد والضغينة وهم المتسلطين على رقاب الرعية والناس ولحد الآن "فليس يأمن الأرض سوى السجان" والسياف وهم الذين تفرغوا للبيع والشراء. هناك الامتحان العصيب الذي يعيشه المحكوم ولا نجاة من ذلك إلى بتحقيق العدالة وإقامة العدل وتحقيق الجوهر الكوني الذي لا يتبدّل في هذا الوجود:
أرى عيونكم مطفأة الإبصار
أرى وجوهكم يرشح فيها القيء والرعب والاصفرار
أراكمو أقفية مدبوغة بالصفع.
أراكموا مسامعاً تضخمت بالهُجْر والنميمة()
والجواب هو:
"متى أراك تدمعين بالصدق كأنك السحاب الرحيمة"
هناك تنوع في مركب الصوت والقناع لمنطوق الظاهرات وقد كان هذا المتنوع كموضوع لتجربة تاريخية تستند إلى ما تحقق في هذه المنهجية من صوت ذلك القناع لعمر بن الخطاب حيث لم يتم الانفراد بالقصيدة مع الاشارة إلى المنطق التاريخي، هناك صيغة يلتقي فيها صوت القناع مع صوت الشاعر، هناك تلابس بين المنطق التاريخي والحالة الحاضرة من التاريخ والتي تتفق مع الدرس التاريخي في مرحلة عمر بن الخطاب.
أيتها العيون
متى أراك غاضبة
متى أراك تدمعين بالصدق كأنك السحابة الرحيمة
أو تلمعين كالخنجر حينما تشحذه الشرارة
متى أرك في توثب الثورة والقيامة
كي أترك الأمر وأعبر البرزخ للسلامة.()
والقناع الثنائي لايدرك لأنه مطابقة صوتية تأتي بالجانب المتسجد في طبيعة الاشياء لأنه يفرز باللاوعي وهو جانب عميق من التجسيد والتجريد، والجناس للخير للصوت والقناع، يأتي متناغم مثل تقنية الخط في مادة الهندسة، ولذلك له لون صوتي ونغمي خفي والذي لا يجزأ، والصوت والقناع كما قلنا له طول وعرض ـ وعمق، فيه التناغم وله مظهر واحد. وفيه اللون وله ثلاثة مظاهر. والطبيعي فيه له مظهران صوتي ولحني صوتي القناع ولحني هو وعي القناع وهذا مطلق في مطابقة سيكولوجية وإعتدال في التمتع بكل ما يتصل بالشهوات السيكولوجية، فلا مبالغة في التمتع باللّذات ولا زهد فيها سواء على مستوى صوت القناع أو صوت الشاعر.()"متى أراك في توثب الثورة والقيامة" ومثل "كي أترك الأمر وأعبر البرزخ للسلامة".
إن ما يتعلق بالقناع والصوت، هو الذي نسميه عملية تفكيرية تستوضح عن معنى التفكير في ظل سلطة فيزيقية للشعر وعلاقة هذا التفكير في الوجود، والشاعر محمد عفيفي مطر أظهر منطق التوازي وتحمس لممارسة إنهمامه التفكيري، ويعتبر مطر هذا المبحث هو مبحثاً فلسفياً في مسألة وجود الشاعر وقناعة والصوت المرسل في ثنايا النص الشعري يندرج ضمن افق التفكير في اللامفكر فيه لجهة استقدام الوجود والتحرر من ربقة الميتافيزيقا، ولا يتحقق ذلك الاّ بالعودة إلى ينابيع الفكر الاولى، والمطابقة تأتي بين الصوت والقناع كالنسبة والتناسب في المنظومة الفكرية، والفعل الشعري وترتيبيه هو الاشكال في هذه القضية وهذا يأتي تاريخياً في الكواكب التي تصدر أصواتاً تتبَّع قوانين الاصوات الطبيعة الموسيقية هناك اصوات خفية تأتي من موسيقى الشعر وتتركب من جواهر عديدة:
⦁-;---;-- الجوهر الاوسط موجود في الاجسام الخيالية والادراج والعقول.
⦁-;---;-- الجوهر الروحي الاعداد المتناسبة.
⦁-;---;-- الجوهر المادي جسد القصيدة.
نظرية الاصوات والاقنعة
تتشكل نظرية الاصوات والاقنعة التي اعتمدت على النسبة والتناسب كما قلنا سابقاً، وكانت المدرسة الفيثاغورية قد عكسها الكندي (ت870م) واخوان الصفا في منتصف القرن العاشر وإبن باجه في الاندلس (1189م) كذلك الفيثاغوريين يعتمدون النسبة والتناسب الرياضية لاثبات الملاءمة أو المنافرة بين الاصوات وبين الكائنات، وهذه العملية مرتبطة بنظرية (المشاكلة) لايجاد علائق وروابط بين كل ما في الكون.()
وصار من التعابير التداولية بين العلوم الابيتسمولوجية أن الاصوات في الدماغ وإذا هذا الامر صحيح، فإن الشعر والحب في الدماغ ايضا، والقناع هو تركيب دماغي عقلي.
فالقول الخفيف على اللّسان هو ثقيل في ميزان العلوم التي تهتم بالدماغ مثل:
⦁-;---;-- علم الاعصاب.
⦁-;---;-- وعلم النفس العصبي.
⦁-;---;-- وعلم التشريح.
⦁-;---;-- وعلم وظائف الاعضاء.
⦁-;---;-- فلسفة الذهن.
⦁-;---;-- والأناسة المعرفية.
⦁-;---;-- واللسانيات المعرفية؛ ذلك أن أطباء الدماغ وفلاسفته يقررَّون أن هناك باحات في الدماغ، بعضها في اليسار، وبعضها في اليمين، ومن بين الباحات اليسرى هناك ما هو خاص منها باللغة، ومن الباحات اليمنى هناك ما هو موقع للموسيقى، وقد تولدتْ عن هذه التقديرات أطروحات، وسجالات بين مختصين عديدين، هناك "المقترح المجزُوئي" الذي يجعل كل باحة في الدماغ لها وظيفة معينة تقوم بها، استجابة لما يحصل لها بحافز ما نتيجة إدراك الأنساق الحسية إلى من بصر، وسمع، وذوق، وشم، ولمس، وبناء على ما هو مُخّزَّن في نسق الذاكرة بأنواعه، ومكوناته، وعناصره، وهناك "أطروحة الإتصال" التي تفرض علائق بين الباحات، مما يجعل الفعل، أو رد الفعل، حاصلاً على سلسلة من المراحل، بدليل أن بعض الفعاليات ليس لها موقع خاص، وإنما توجد في أماكن متفرقة بالدماغ، مثل ذكرة الدلالة التي هي موزعة توزيعاً واسعاً في القشرة، مثل:
⦁-;---;-- الخيال.
⦁-;---;-- الوعي.
جمعاً بين هذه الآراء العلمية المتقابلة، وضع بعض الباحثين فرص المصدر المندرج التركيبي المشترك، يعترف هذا الفرض بأن التمثيلات التركيبية الموسيقية، واللسانية مُخزّنة في باحات دماغية منفصلة من جهة، ولكنها متداخلة الشبكات التي تقدم مصادر عصيبة لتنشيط التمثيلات التركيبية المخزنة من جهة.()
إلا أن هذا الفرض لا يحل هذه الاشكالية، وإنما يُحفز على طرح أسئلة عديدة؛ منها: هل البنية العصبية الدماغية توجد دفعة واحدة في كل باحات الدماغ؟ وإذا وجدت متآنية، فهل هي مؤهلة للاستجابة بنفس المستوى؟ فهل رد فعل الأعصاب التي في باحة هو رد فعل الأعصاب الحسية الحركية التي توجد في باحة اللّغة؟ إن الجواب لا يكون إلا من علماء الإعصاب، في المقام الاول، بيد أن الباحث في الانسانيات يمكن أن يقول في هذا الشأن وفق العملية الاستدلالية، والمقايسة.
نظرية الاقنعة
وقد استنبطت من باب الاستدلال والمقاسية على ما توصل إليه أهل العلم الخالص، ومن باب الاستدلال والمقايسة نقول: إذا كانت كل باحة فيها أعصاب كثيرة يمكن أن يدمّر بعضها، ويُبقى على آخر منها فإنه يمكن أن يوازي في عملية القناع دماغياً. وفق منظومة شعرية ويترك آخر هامداً بحسب ما تقتضيه العملية الشعرية دماغياً وما يقتضيه المثير؛ وندعي أن أوًّل ما يحفَّز منها هو ما يتعلّق بالحركة والانفعال... بعد ذلك ما يتحكم باللغة الإنفعالية فالمفهومية، ومعنى هذا أن باحة الموسيقى أنشأ واسبق من باحة اللغة. ويمكن تعزيز ذلك الاستدلال القياسي بما يلاحظ في أفعال البشر، ومنها الفعل الشعري لأنه فعل فكري متركب بلغة الشعر.()
والشاعر وحده هو الذي يقوم بالانصات إلى نداء الوجود لمحاولة كشف هذا الوجود ولا تمايز بين الفكر والشعر في حقيقة هذا الكشف، والشاعر يمثل قوة العمق الفكري لكن المفكر يحتاج إلى منطق شعري يحاول فيه استدعاء الغياب إلى منطق الحضور، هكذا يتشكل القناع والصوت من أنساق فكرية وشعرية صوتية. وقد وحد هيدجر بين مهمة الاثنين.
































اولا: الخاتمة
وفي النهاية أن الشعر لا ينفصل عن الفكر ولم يظهر خلاف أو عداوة بين الشاعر والمفكر، لقد كان البدء في المنظومة الشعرية في مستوى يعيد الشاعر إلى منابعه الاولية، بإن أزمة اللّغة هي في عدم قدرتها على عملية التفكير، فكانت العودة إلى الشعر تجديداً في اللّغة المتداولة واستحداثاً للغة الشعرية، وهكذا عاد الشاعر محمد عفيفي مطر إلى التجديد في منطق التداولية الشعرية، واستحداثاً للغة الشعرية الفلسفية، لأن في الشعر هو تحديد المسكن الوجودي وإذا كان الفن في جوهره هو عبارة عن منظومة شعرية.
من هنا يجب أن تنسب باقي الفنون مثل فن العمارة فن التصوير وفن الموسيقى إلى منظومة الشعر، لأن الشاعر يفكر مالم تطرحه المنظومة الفلسفية، والشاعر وبعد غياب طويل يحل محل الفيلسوف ونحن نختم صفحة هذا الكتاب الاخيرة، نقول:
إن الخطاب الشعري ينشق من تفكير أصيل عن تجربة شعرية عميقة تنفرد بلغة مبدعة وبرؤية متحررة من سلطة ذلك الخطاب السياقي من الناحية الشعرية والدخول بعملية مزدوجة بين آليات الشعر الفكري والفلسفي والصورة الرومانسية وبعمق صوفي وفلسفي وقناع مزدوج بين "الصوت والقناع" إلا أن الشاعر محمد عفيفي مطر يستمد طاقته الشعرية من المقولات الشعرية والفلسفية اللامتناهية والمتعلقة بالفكرة المطلقة وفق مسحة فيزيقية، حيث بدأ الشاعر بنداء الوجود وهو إنصات يخص فكرة المساهمة والحقيقة، وكان صوت الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر هو صوت من مقام لغة الشعر (الفلسفية والصوفية) هذا يعني يؤشر عمق علاقته بالمنظومة الفكرية وقربها الحميمي من كنه الوجود وفي لغته تتوطن الصوفية والفلسفية ويتوطن الوجود وبالشعر يمارس محمد عفيفي مطر حياته كإنسان وشاعر وقد مكث في هذا الكنه وتمكن من اقامة علاقة بينه وبين الأشياء وتدوين ذلك التاريخ الفعلي للغة المتميزة عند هذا الشاعر لاستيعابه عصره واحداثه الكبرى، وقد كان شاهداً على تلك اللّغة التي ساهمت في عملية الكشف للوجود وللتاريخ وللحياة وكان شاعراً منحازاً إلى الطبقات الفقيرة وكان شاعراً عربياً تجاوز التقليد الشعري وتجاوز الواقع الذاتي وانتقل إلى الموضوع ولذلك نلاحظة أنه شاعراً عربياً كبيراً وملتزماً بقضايا الشعب وكان قريباً منهم وقريباً من هموم الآمة العربية.















ثانيا : المراجع
⦁-;---;-- الدكتور محمد غنيمي هلال، النقد الادبي الحديث، دار العودة، ط1، السنة1973.
⦁-;---;-- عمانوئيل كانت، نقد العقل المحض، ترجمة: موسى وهبة، مركز الإنماء القومي، ط1، بدون تاريخ.
⦁-;---;-- بييرجيرو، علم الإشارة "السيميولوجيا"، ترجمة: الدكتور منذر عياشي، ط1، 1992.
⦁-;---;-- وولتر ستيس، تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة الجامعية، ط1، 1987.
⦁-;---;-- محمد عفيفي مطر، الاعمال الشعرية الكاملة، دار الشروق، ط1، 1998م.
⦁-;---;-- د. جابر عصفور، شعرية محمد عفيفي مطر، مجلة العربي الكويتية، العدد623، اكتوبر، 2010م.
⦁-;---;-- الشهرستاني، الملل والنحل، تخريج محمد بن فتح الله بدران، ج2، مكتبة الانجلو ـ مصرية، القاهرة، ط2، بدون تاريخ.
⦁-;---;-- عمارة ناصر، اللغة والتأويل، الدار العربية للعلوم، ط1، 2007م.
⦁-;---;-- كولن ولسن، المعقول واللامعقول في الادب الحديث ، ترجمة: أنيس زكي حسن، منشورات دار الآداب، بيروت، ط5، 1981م.
⦁-;---;-- أمبرتوإيكو، السيميائية وفلسفة اللغة، ترجمة: د. احمد الصمعي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005.
⦁-;---;-- جاك دريدا، الصوت والظاهرة ، ترجمة: د.فتحي انقزو، المركز الثقافي العربي، ط1، 2005م.
⦁-;---;-- د. محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر هيدجر، الشبكة العربية للابحاث والنشر، ط1، 2008م.
⦁-;---;-- ت.س. اليوت، الارض اليباب، ترجمة : عبد الواحد لؤلؤة، منشورات مكتبة التحرير، بغداد، ط2، 1986م.
⦁-;---;-- ماثيسن. ت.س اليوت، الشاعر الناقد، ترجمة: د. إحسان عباس، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ط1، 1965م.
⦁-;---;-- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الاعجاز، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1978م.
⦁-;---;-- نوثروب فراي، تشريح النقد، ترجمة: محيِّ الدِّين صبحي، وزارة الثقافة السورية، ط2، 2005م.
⦁-;---;-- مارتن هيدجر، المنادى إنشاد، تلخيص وترجمة : بسّام حجّار، المركز الثقافي العربي، ط1، 1994م.
⦁-;---;-- أحمد يوسف، القراءة النسقية، الدار العربية للعلوم، ط1، 2007م.
⦁-;---;-- إدموند هوسرل، فكرة الفينومينولوجيا، ترجمة: د. فتحي أنقزو، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2007م.
⦁-;---;-- دانيال تشاندلر، أسس السيميائية، ترجمة: د. طلال وهبة، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2008م.
⦁-;---;-- د. علي الحبيب الفريوي، مارتن هيدجر "الفن والحقيقة"، دار الفارابي، ط1، 2008م.
⦁-;---;-- محمد عفيفي مطر، الاعمال الشعرية الكاملة، كتاب احتفالات المومياء المتوحشة، دار الشروق، ط1، 1998م.
⦁-;---;-- د. جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، المركز الثقافي العربي، ط3، 1992م.
⦁-;---;-- د. جابر عصفور، مفهوم الشعر، دراسة في التراث النقدي، دار التنوير، ط2، 1982م.
⦁-;---;-- د. علاء هاشم مناف، نظرية العقل العربي "الرؤية والمنهج"، دار التنوير، ط1، 2011.
⦁-;---;-- ديوان صلاح عبد الصبور، المجلد الثالث، دار العودة، بيروت، ط1، 1977م.
⦁-;---;-- محمد عفيفي مطر، الاعمال الشعرية الكاملة، كتاب من جمرة البدايات، دار الشروق، ط1، 1998م.
⦁-;---;-- د. علاء هاشم مناف، اللامنتمي في أغاني مهيار الدمشقي، دار التنوير، ط1، 2010م,
⦁-;---;-- ديوان بدر شاكر السيّاب، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، 2005م.
⦁-;---;-- د. محمد مفتاح، مفاهيم موسعة لنظرية شعرية، جـ1، مبادئ ومسارات، المركز الثقافي العربي، ط1، 2010م.
⦁-;---;-- د. علاء هاشم مناف، ابيستمولوجيا النص بين "التأويل والتأصيل"، دار التنوير، ط1، 2011م.
⦁-;---;-- د. محمد مفتاح، مفاهيم موسعة لنظرية شعرية، ج3، المركز الثقافي العربي، ط1، 2010م.






كتب صدرت للمؤلف
⦁-;---;-- ابيستمولوجيا النص بين التأويل والتأصيل: دار التنوير، 2011.
⦁-;---;-- الانساق الابيستمولوجية في شعر المتنبي: دار صفاء، 2012.
⦁-;---;-- التجربة الحسية في التأمل ودراسة في شعر سعدي يوسف ومحمود درويش: دار صفاء، 2012.
⦁-;---;-- التحديث في النص الشعري عند السياب: دار الرضوان، عمان، 2012.
⦁-;---;-- خفايا التفكير الهرمينوطيقي: دار صفاء، عمان، 2012.
⦁-;---;-- فلسفة الاعلام والاتصال: دار صفاء، عمان، 2011.
⦁-;---;-- اللامنتمي في أغاني مهيار الدمشقي: دار التنوير، 2010.
⦁-;---;-- نسبية الزمكان في هندسة الفيزياء النووية: دار صفاء، عمان، 2012.
⦁-;---;-- نظرية العقل العربي الرؤية والمنهج: دار التنوير، 2011.
⦁-;---;-- نظرية القوة (النظرية الابستمولوجية للقوة): دار التنوير، 2011.
كتب تحت الطبع
⦁-;---;-- الحدث بين جنيالوجيا 23 يوليو وأركيولوجيا25 يناير.
⦁-;---;-- النظريات الكيميافيزيائية في هندسة القنابل الهيدروفراغية.
⦁-;---;-- نظرية البعد الواحد في السياسة الدولية.
⦁-;---;-- نظرية الاحتمال والمنهج الاستبطاني للاستقراء.
⦁-;---;-- الرؤية والحدث الابداعي في الادب الحديث.
⦁-;---;-- مدخل إلى التحليل المنطقي والفلسفي في النظريات العلمية.
⦁-;---;-- المنهج الابداعي في الشعر والرواية.
⦁-;---;-- الرأسمالية العاليمة والنهاية المختومة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,549,303
- النظريات الكيميافيزيائية في هندسة القنابل الهيدروفراغية
- دراسات نقدية حول شعر سيد حيدر الحلي الحسيني
- إشكالية البنية في قصة يوسف
- جينيالوجيا البنية التركيبية للتوراة دراسة تحليلية
- كتاب فلسفة الإعلام والاتصال
- عزازيل وفكرة التأمل الثنائي في تشظي الدال
- التعددية في عولمة السوق الرأسمالية
- المكون الحركي لجسد القصيدة
- العشوائية الإيقاعية والتدوير في القصيدة الحديثة
- الثنائية الشعرية في قصيدتي العشاء الأخير ليوسف الخال وأمل دن ...
- المكان... من التناهي إلى الصمت..دراسة نقدية في قصائد الحديقة ...
- حفريات الأنساق الأبستمولوجية في شعر أبي الطيب المتنبي
- فائض المضاربة والاستثمار أنتج تراجعاً في أسعار النفط
- نمط الإنتاج الرأسمالية بين التراكم الدائم وتوزيع الدخل
- الرأسمالية العالمية تجاوز الأزمة ...أم المواجهة مع الشعوب ال ...
- آلية الاعتماد المتبادل للرأسمال الاقتصادي
- فينومينولوجيا الوعي النقدي للأدب
- خفايا المكمن الثنائي الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا
- الأدلة الإستقرائية في إثبات المنطق العقلي للكون
- الاستقراء الاحتمالي


المزيد.....




- هذه أبرز مضامين القانون الإطار للتربية والتكوين
- الممثل الدولي الخاص إلى ليبيا يبحث مع وزير الخارجية الإمارات ...
- بالفيديو.. بيت السناري بالقاهرة تاريخ ينبض بالحياة
- -مجلس العدل-.. مسرحية ببرلين تحاكي فساد القضاء في بلدان عربي ...
- جمعية أجذير إيزوران للثقافة الأمازيغية تستعد لتنظيم النسخة ...
- عودة التصعيد بين الجزيرتين الصغيرتين في الخليج البحرين وقطر: ...
- شاهد: النيران تلتهم غابة في كرواتيا بالقرب من موقع مهرجان لل ...
- روسيا تنتقد قانون اللغة الجديد في أوكرانيا وتقدم اقتراحا بهذ ...
- شاهد: النيران تلتهم غابة في كرواتيا بالقرب من موقع مهرجان لل ...
- العثماني يؤكد استعداد المغرب لتقاسم التجارب والخبرات مع جمهو ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء هاشم مناف - تقنيات النسق الترسندالي دراسة تحليلية في شعر محمد عفيفي مطر