أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - بدر الدين شنن - التعذيب جريمة حرب وجريمة استبدلد















المزيد.....

التعذيب جريمة حرب وجريمة استبدلد


بدر الدين شنن

الحوار المتمدن-العدد: 4662 - 2014 / 12 / 14 - 17:23
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


كل الدلائل تشير ، إلى أن إقدام " أوباما " على كشف أشكال التعذيب ، التي مارستها المخابرات الأمريكية ( CIA ) في عهد الرئيس السابق " جورج بوش " إزاء المعتقلين ، وحصراً في مرحلة ما سماها بوش " الحرب على الإرهاب ، ليس بدافع مشاعره الإنسانية فجأة ، أو نتيجة الحس العارم بالمسؤولية القانونية والتاريخية . فهو يعلم ، منذ سنوات ، كأي مسؤول أميركي من النسق الأول على الأقل ، بما تفعله المخابرات الأمريكية أثناء التحقيقات مع المعتقلين ، وبخاصة مع من تعتبرهم على مستوى عال من الخطورة .

لكنه بعد خسارة حزبه الديمقراطي ، في انتخابات الكونغرس النصفية الأخيرة ، التي هددت نتائجها جدياً بخسارة الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية المقبلة ، لم يجد بداً من استخدام الجانب الأمني المشين ، الذي مارسه الرئيس بوش الجمهوري ، كقذيفة ناسفة ، لعلها تخفض إلى حد كبير من شعبية الجمهوريين ، كما حدث بفضيحة ووترغيت ، في عهد الرئيس الجمهوري " ريتشارد نيكسون " في القرن الماضي . ومن طرف آخر هي محاولة لاحتواء غضب الشارع الأميركي ، لقتل الشرطة شابين أسودين في غير مدينة أمريكية ، وتغطية حربه المريبة الجديدة " على الإرهاب " في الشرق الأوسط .

وفي الظاهر ، أن الرئيس أوباما ، المحاصر بأزماته الداخلية المرهقة ، وضبابية الرئاسة للديمقراطيين في دورة قادمة ، لم يكن وارداً في حساباته ارتدادات كشف فضائح المخابرات الأمريكية في العهد " البوشي " ، وأثرها السيء على الرصيد السياسي والحقوقي للولايات المتحدة ، في الأوساط الشعبية والسياسية أميركياً وعالمياً . لقد أسقط قناع الديمقراطية وحقوق الإنسان المخادع عن وجه أميركا ، دون أن أي بديل يتمتع بالمصداقية . وفتح المجال ، لنرى الجمهوريين غداً ينشرون فضائح مماثلة في آثارها للديمقراطيين ، وتغوص الولايات المتحدة كلها في وحول التعذيب والفضائح السياسية والأخلاقية وانتهاكات حقوق الإنسان .

وفتحت خطوة أوباما حول التعذيب المخابراتي للمعتقلين ، فتحت بالتالي ملفات ضحايا التعذيب الجماعي الأكثر وحشية الذي نفذته الفتن الطائفية والقبلية ، والحروب ، والانقلابات ، التي قامت بها الولايات المتحدة وحليفاتها من الدول الاستعمارية ، وذهب ضحيتها عشرات الملايين من القتلى والمهاجرين والمهجرين في بلدان مختلفة . وذلك للاستحواذ على الجغرافيا ـ السياسية المتميزة ، والثروات الطبيعية . وهذه الفتن والانقلابات والحروب لا تقل قذارة عن التعذيب " الفردي ، وانتهاك حقوق الإنسان كمنهج أمني سياسي غبي .
كما أنه ليس من ضمانات ، بأن لا تدفع هذه الارتدادات الجمهوريين ، لتسويغ أفعال ( CIA ) من أجل حماية البلاد من الإرهاب في عهدهم ، ويتهمونه .. أي أوباما .. بالضعف ، والتفريط بالمصالح الأمريكية . وقد فعلها " ديك تشيني " نائب الرئيس في عهد بوش ، وصرح مدافعاً عن المخابرات الأمريكية ، وأعلن استعداده لتكرار التعذيب عندما يداهم خطر ما أميركا . وبهذا تضاف إلى رصيد أوباما الداخلي أزمة جديدة إلى أزماته الأخرى .

ويبقى المؤلم من إثارة موضوع التعذيب ، بوجهيه الفردي والجماعي ، الحربي و السياسي ، أنه يستدعي التعامل معه ، كما هي الجرائم والوقائع والنتائج . مع الأخذ بالاعتبار ، أن التعذيب إن كان يستخدم كمنهج أمني رسمي ، أو حدث نتيجة انفلات أو عبث أمني يعبر عن حركة مراكز القوى ، من أجل النفوذ والمكاسب ، هو بالمطلق سياسي . بيد الجانب الأخطر في ذلك عندما يصبح التعذيب تحديداً درعاً للسلطة المستبدة ، لإخضاع الشعب ، ومصادرة حرياته وحقوقه الإنسانية ، ولتأمين غطاء لنهب المال العام ، والفساد ، والإفقار ، ما يؤدي إلى تحويل علاقة المجتمع بالدولة ، من علاقة عقد اجتماعي دستوري ، إلى علاقة عبودية . كما يؤدي إلى نشر مناخ الرعب ، وفقدان الرجاء ، وتغييب العقل والإبداع . ، وإلى إضعاف البلاد ، وجعلها في البلدان المفوتة ، موضوعاً للمطامع الأجنبية ، واللعب بمصيرها ، في مواسم التحولات والاضطرابات والصفقات الدولية الكبرى .

ومن استخدامات التعذيب البشعة ، هو أن السلطة المستبدة ، تتعمد استثمار التعذيب ، ونشر أخباره وأشكاله ، لتبدو قوية ، قاهرة ، لمن يتجرأ على تحديها ومعارضتها . وتعمل وفق معادلة أمنية وسخة ، تقوم على ، أنها كلما أضعفت الشعب ازدادت هي قوة . لكن سرعان ما تتكشف قوتها المزيفة ، أمام تحد خارجي يدرك ضعفها . ما يتطلب منها أن تتوقف عن إجراءات إضعاف الشعب ، بأن تتجاوز ’عقد وخطايا الماضي . وقد بينت التجربة أنه في حال عدم القيام بهذا التجاوز ، في الوقت المناسب وبسرعة ، فإن التحدي الخارجي يتقدم وقد يسيطر على البلاد .. ويصبح من تقاعس ، وتمسك بفساده وعفنه ، من الماضي السيء الذكر .
وكبرهان على ذلك ، نجد أن الخط البياني الآن ، للولايات المتحدة ، والدول الغربية الأخرى التي كانت عظمى ، هو في حال انحدار أمني وسياسي واقتصادي وعسكري . وأن المسوغ الهمجي لارتكاب فظائع التعذيب ، للقضاء على الإرهاب قد سقط ، بل إن الإرهاب قد استمر وتوسع أكثر .

وأكثر الدول التي تنطبق عليها هذه البراهين ، هي الدول الشمولية المستبدة ، وفي مقدمتها البلدان العربية ، التي تساقطت أنظمتها أمام كسر حاجز الخوف الداخلي والتحدي الخارجي . وكانت فيها الجريمة مزدوجة .. خداع الشعب وإرهابه وإضعافه بالتعذيب من جهة ، وتضييع الوطن ، بتخريب الأسس العلمية الديمقراطية والدستورية والأخلاقية في بناء الدولة من جهة ثانية .

على أن هناك في مسألة التعذيب انعكاسات وارتدادات متعلقة بالإنسان كإنسان . وهي رغم توزعها على أربعة أقسام ، تشمل كافة الذين يتنا ولهم فضاء التعذيب . فإن لها قاسم مشترك ، هو تشويه .. أو إيذاء .. أو قتل الإنسان في الإنسان . والأقسام الأربعة هي : ضحية التعذيب كفرد ، والجهة التي يكون هذا الفرد جزء منها ، والجلاد الذي يقوم بالتعذيب ، والسلطة الآمرة بالتعذيب .

لاشك ان إيذاء التعذيب المباشر يقع على الضحية موضوع التعذيب .. ولاشك أن كل أشكال التعذيب مؤذية . لا أحد مهما امتلك من قدرة التسامي على الجراح ، أو قدرة المكابرة مع الواقع المر ، أن يؤكد بصدق ، أن كل شخص تعرض للتعذيب ، إن لم يمت ، سيكون بعد التعذيب كما كان قبله جسدياً ونفسياً ، وخاصة لما يرتبط التعذيب بزمن متوسط أو مديد من السجن ، الذي يتواصل فيه التعذيب بشكل مباشر وغير مباشر . ومع ذلك إن أتيح للضحية الخروج من السجن ، سوف يبقى يكابد في واقعه اليومي ، وفي أحلامه ن ارتدادات آلام التعذيب والسجن ، وصداهما السياسي والاجتماعي والأسري . بمعنى أنه صار إنسان آخر .. شيء آخر . قد يتغنى البعض بصموده .. أو بآلامه .. نصرة لفكرة أو قضية . لكن الزمن يشغل الجميع .. ويغدو هو يعيش مع نزيفه النفسي ، وأنات جراحه . أحيناً يتمرد على واقعه غير المفهوم . ويستقوي ببقايا حلم ليتوازن ، لكن الوهن العضوي ، وأشباح الجلادين ، والعجز المتزايد ، يقعده .. تاركاً له فسحة ضيقة .. لتكرار .. ما كان ينبغي أن يكون .. أو لا يكون .

أما الجلاد ، فإنه لا ينظر بعيني ضحيته وقت التعذيب .. يخاف .. ولا يعرف لماذا إلاّ فيما بعد . إنه يستمتع في البدايات بصراخ الضحية ، الذي يعني له ، أنه يتقن عمله ، وأن الضحية اقترب من الانهيار . وبعد مضي مدة لم يفكر يوماً كم تبلغ ، وهو يمارس جرائمه ، يدرك أن السنين تأكل من عمره وتزرع فيه الضعف . وعند أول مرض مبرح يصيبه ، تبدأ أياد مضرجة بالدم تضرب على رأسه وصدره .. ويستعصي عليه النوم . ويبدأ يفكر بمصيره ومصير أسرته .. ثم يتهرب من جلسات أقرانه ، الذين يتفاخرون بكم كسروا من الرؤوس ، وكم أحدثوا من الجراح الجسدية والنفسية المدمرة في هذا أو ذاك من الضحايا . وأكثر ما يزعجه ، أن يلحق به آمره إلى غرفة نومه .. إلى أحلامه .. ويصرخ به .. اضرب .. اضرب .. دعه يشعر أنه سيموت بين يديك .. هذا الكلب يجب أن يموت . ويلحق به صراخ الضحايا ، وخاصة الذين يذهب زملاؤه بهم إلى الإسعاف ولم يعد يراهم . وكلما حدث معه أو مع أحد أفراد أسرته حادث مرعب ، يعزوه إلى ما قام به من جرائم . وتغيب من كلامه مفردات .. الخضوع .. والسلطة .. والدولة . وينشب في داخله ، صراع بين الوحش الذي ينبغي أن يرحل، وبين بقايا إنسان يحاول أن يثبت وجوده . وبعد خروجه من بؤرة الوظيفة .. من مصنع الجريمة ، يصاب على الأغلب بعزلة تفتك بنسيج بنيته الداخلية . ويشعر أنه منعدم الوزن والقيمة .. وأنه لم يعد يخيف أحداً .. بل صار هو يخاف من المجهول .. ومن النهاية الذليلة .

الضربة الكبرى التي تصيب المتعاملين مع التعذيب ، هي الضربة التي تتلقاها السلطة الآمرة بالتعذيب . فهي كلما شعرت بالضعف تمعن وتوسع بالتعذيب ، وذلك لتلافي ضعفها المتنامي . لكنها لما تدق أجراس نهايتها بمفاعيل داخلية وخارجية ، تتحول أفعال التعذيب التي أمرت بها الجلادين الذين في خدمتها ، إلى طوفان من الرهب . وتدق ساعة الحقيقة . ويتحول الجلاد الكبير إلى متهم .. أو يقع ضحية جلاد بأمرة سيد آخر . ويخسر كل المزايا والأمجاد والسطوة ، التي كان يستمتع ويتفاخر بها . وسواء صار مقيماً في السجن .. أو لفظه السجن إلى الشارع . فإن الجميع يهربون منه .. ظله يتلاشى .. إحساسه بالوزن العضوي يتلاشى .. إنه لم يعد أي شيء .

ودائماً .. وفي كل محطة من محطات نشر فضائح التعذيب .. الفردي .. والجماعي .. من أجل إضعاف نظام الجلادين ، أو بعد انهياره ، تبرز مسألة العدالة وإنصاف الضحايا وذويهم .
في الوقت الراهن تتقدم مسألة التعذيب الجماعي .. مسألة قتل الآلاف ومئات الآلاف ، بعدوان حلف الناتو ، وبمذابح فرق الإرهاب الدولي .. على ما عداها . والسؤال الحق هنا : هو كيف سيجري إنصاف ضحايا الحروب الأطلسية والإسرائيلية ، في أفريقيا ، وأفغانستان ، والعراق ، ولبنان ، وغزة . وكذلك ضحايا حروب الإرهاب الدولي ، في سوريا ن والعراق ، واليمن ، وليبيا ، ولبنان ، والصومال ، ونيجيريا ، والقوقاز ، والصين ، والهند ، وباكستان . وكيف سيحاسب الجلادون الدوليون ويعاقبون .

وعندما يتم الإقرار بمعادلة التعذيب الجماعي الاستعماري الدولي ، تحل معادلة التعذيب الفردي والجماعي الاستبدادي السياسي المحلي .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,882,737
- حلب تصنع ربيعها القادم
- الصراع السوري مع الغرب الآن .. لماذا ؟
- مائة عام من الصراع مع الغرب .. إلى متى ؟
- داعش على ضفاف الراين - إلى ريحانة كوباني -
- في التصدي للوجه الآخر للإرهاب
- طعنة في ظهر ابن رشد
- النقابات السورية والنضال العمالي والحرب
- كوباني .. هذه المدينة البطلة
- ضد الإرهاب وحرب الخديعة الجوية
- بدر الدين شنن - كاتب يساري ونقابي عمالي سوري - في حوار مفتوح ...
- وليمة لذئاب حرب الإرهاب
- مع غزة .. أم مع .. تل أبيب ؟ ..
- السؤال المستحق في اللحظة العربية الراهنة
- متطلبات مواجهة الإرهاب الدولي
- أنا والحرية والحوار المتمدن
- أنا مقاوم من غزة
- غزة تستحق الحياة والحرية
- غزة لاتذرف الدموع .. إنها تقاتل .
- المؤامرة والقرار التاريخي الشجاع
- السمت .. وساعة الحقيقة


المزيد.....




- رسالة تضامن من CCOO في كتالونيا للانتفاضة الشعبية في لبنان و ...
- بوتين مستعد لتصحيح أخطاء الاتحاد السوفييتي في إفريقيا
- اليوم من ساحة رياض الصلح، بيان الاقتصاديين الساعة 4 ومسيرة ش ...
- غورباتشوف يسمي الغالب في الحرب الباردة
- غورباتشوف يتحدث عن المنتصرين في الحرب الباردة
- الليبراليون يفوزون بالانتخابات الكندية وترودو يتجه لتشكيل حك ...
- الليبراليون يفوزون بالانتخابات الكندية وترودو يتجه لتشكيل حك ...
- -ناموا بسلام-.. لبنانيون يتفاعلون مع -حماية الجيش للمتظاهرين ...
- بيان حزب العمال التونسي دعماً لانتفاضة الشعب اللبناني.
- الحزب الشيو عي العراقي: النصر للشعب اللبناني في انتفاضته


المزيد.....

- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف
- ما هي مساهمات كوريا الشمالية في قضية الاستقلالية ضد الإمبريا ... / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الشعب الفيتنامي في حربه الثورية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الثورة الكوبية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية البلدان العربية في فترة حرب اكتوبر ... / الصوت الشيوعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - بدر الدين شنن - التعذيب جريمة حرب وجريمة استبدلد