أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كلكامش نبيل - أنشودة في عشق الطبيعة – قراءة في رواية بيتر كامينتسند للكاتب هيرمان هيسّه















المزيد.....

أنشودة في عشق الطبيعة – قراءة في رواية بيتر كامينتسند للكاتب هيرمان هيسّه


كلكامش نبيل
الحوار المتمدن-العدد: 4572 - 2014 / 9 / 12 - 15:16
المحور: الادب والفن
    


بيتر كامينتسند، هي أولى روايات الكاتب الألماني الحائز على جائز نوبل هيرمان هيسّه، وتكاد تكون أوتوبايوغرافي غير مباشرة نابعة من خيالات وإنطباعات الكاتب نفسه مطروحة في سياق حياة شخص آخر خيالي تختلط فيها أحداث من حياة الشاعر مع أحداث خياليّة.

الرواية بحقّ قصّة عشق للطبيعة، نجد فيها شخصيّة بيتر كامينتسند، المولود في قرية في جبال الألب، حيث جمال الطبيعة والعزلة عن العالم في ذلك الركن القصيّ، والتي يحمل أغلب سكّانها إسم العائلة ذاته "كامينتسند". هي إنشودة في عشق الغابات والطبيعة الصامتة وأشجار الصنوبر والسحب ورياح الفون التي تضرب جبال الألب فتملأ السكّان بالخوف والذعر والسعادة في الوقت ذاته، ويعزي الكاتب سبب ذلك العشق اللامتناهي للطبيعة إلى عزلة المكان وتطبّع السكّان بذلك الصمت المستمدّ من جمال وقسوة المحيط فنقرأ، " كان الرجال والنساء عندنا مثل الأشجار، كانوا يتميّزون بالشدّة والإنطواء العنيف وقلّة الكلام، وكان خيارهم من يبالغون في الإقلال من الكلام. ولهذا تعلّمت أن أتطلّع إلى الناس كما أتطلّع إلى الأشجار والصخور، وأن أكوّن أفكارا عنهم وألاّ أقلّل من إحترامهم وألاّ أزيد في حبّهم عمّا أفعل بأشجار الصنوبر الساكنة." كما نقرأ عن عشق كامينتسند للسحب وإحتلالها ركنا بارزا في تكوين شخصيّته من خلال قراءة فقرات عديدة في متن الرواية، "أروني في الدنيا الواسعة رجلا يعرف السحب ويحبّها أكثر منّي! أو أروني في الدنيا شيئا أكثر جمالا من السحب! إنّ السحب هي لعب وسلوان، هي بركة ونعمة، هي غضب وقوّة فتّاكة. السحب رقيقة ناعمة، وادعة كأرواح المواليد، جميلة سخيّة، كريمة كالملائكة الكرام، قاتمة، محتومة، قاسية كنذر الموت." كما نقرأ أيضا، "آه، يا للسحب الجميلة الهائمة الدائبة! كنت طفلا لا أعرف شيئا فأحببتها، وتطلّعت إليها، ولم أكن أعرف أنّني أنا أيضا سأسير عبر الحياة كالسحابة – جائلا، غريبا في كل مكان، هائما بين الزمان والأبد." فالرواية التي تناقش حياة الإنسان وأحلامه ونجاحاته وإنكساراته وتجربته في البحث عن ذاته تقارن الإنسان بالطبيعة دائما، بل نرى الكاتب يتكلّم عن شوقه لشجرة ما كان قد زارها يوما ما ووقع في حبّها، شوق يزيد عن تذكّره لأي شخص مرّ في حياته لدرجة يعتقد أحد الأطباء النفسيّين بأنّ بيتر مصاب بالخوف من البشر ويحذّره من خطورة ذلك التوحّد مع الطبيعة، ونقرأ مثالا آخر عن حب الطبيعة فيما يلي، " لمّا بدأت أحبّ الطبيعة حبّا شخصيّا، وانصت إليها إنصاتي إلى زميل وإلى رفيق سفر يتكلّم لغة أجنبيّة، لم تشف كآبتي بل تسامت وتطهّرت." فهيسّه المولود في أسرة متديّنة تعمل في التبشير من جانب الأم والأب، وإن ثار على الجو المفرط في التديّن، إلاّ أنّ تاثير ذلك حاضر في أعماله، فهو يتّسم بروحانيّة شديدة ويرى في أصوات الطبيعة لغة إلهيّة مقدّسة تخاطب البشر ولا يفهمها إلاّ أحباب الرب.

يمكن أن يكون حبّ الكاتب للطبيعة ورومانتيكيّته التي رافقته في جلّ أعماله اللاحقة هروبا من تصنّع البشر ومن النفاق وغرابة الأطوار التي تطبع الطبقة المثقّفة، فنحن نشعر في هذه الرواية بأنّ بيتر كامينتسند، الفلاح الجنوبي المتمرّد، لا يجد السعادة في المدينة فيتذبذب بين حنينه إلى موطنه الجبلي، وبين رغبته في الإندماج كأديب في برلين وبازل وباريس وغيرها من المدن الكبيرة، ونقرأ تعبيرا عن نفوره من الطبقة المثقّفة المتكلّفة فيما يلي، " رأيت بالدهشة أنّ الإنسان يتميّز عمّا عداه من كائنات الطبيعة بالكذب الذي يحيطه ويسنده بمادّة هلاميّة." ولكنّه يعود ليرى بأنّ التكلّف موجود لدى عموم البشر، وإن بقيت أقرب الصداقات إليه تلك التي عقدها مع أهالي الريف الإيطالي الذي يشعره بهدوء الحياة وبساطتها وجمالها، وكذلك في علاقته مع اسرة نجار فقير وقريبهم المشلول بوبي.

الرواية تتطرّق لوصف الحياة ونكساتها خلال متنها الصغير، فنقرأ بداية عن موت والدة بيتر، ومن ثمّ إخفاقات خاله في تحقيق مشاريعه الخياليّة والتي يقارن بها مشروعه الأدبي ذاته في نهاية المطاف ويعتبر بأنّه قد أخفق مثله ولكنّ خسارته الماديّة والمعنويّة أكبر بكثير من خسارة خاله، لأنّه إعترف بها بعد أن اضاع الكثير من المال وبعد أن إستنفذ أجمل سنين حياته. كما يطرح لنا قصّتي حبّه الفاشلة مع رسّامة إيطاليّة تعشق شخصا متزوّج، وأخرى ألمانيّة يتركها ويظل يعشقها في سرّه حتّى يقرّر العودة إليها ليجدها مخطوبة. كما يسرد لنا قصّة صداقته لريتشارد، الشاب الموسيقي، الذي يقضي معه أجمل أيّام حياته ويعرّفه على الموسيقى وكبار الادباء قبل أن يختطفه منه جدول صغير، فيموت صديقه الأثير غريقا. يكاد يكون الموت حاضرا في أغلب فصول الرواية، كتذكار لنا على أنّه نهايتنا المحتومة والمؤلمة، فنقرأ عن موت الطفلة أجي – إبن النجّار – وكذلك موت بوبي صديقه المشلول والمصاب بالنقرس والذي تعلّم منه الكثير في نهاية المطاف، فنقرأ على لسان بوبي، " الموت ليس بالمزاح يا بيتر. أن أصعب الأعمال هيّن إذا قيس بالموت. ولكنّ الإنسان يقضيه."

من الموضوعات المؤثّرة، هو إكتشاف بيتر لتناقضه الذاتي، وهو المحب للقدّيس فرنسيس الأسيزي، والمتتبع لخطاه ونهجه في المحبّة، وكان حبّه له هو ما جرّه لزيارة كل الدروب التي سار عليها في إيطاليا، ويتجلّى ذلك التناقض عندما يشعر بيتر بالنفور من بوبي المشلول في بداية الأمر، ويبدأ بالهرب من بيت صديقه النجّار لكي يتجنّب لقاءه المؤلم، ويحاول أن يقترح على صديقه أن يودعه في إحدى المصحّات الخيريّة ويتخلّص منه، ولكنّه وما أن يطرح النجّار بنفسه تلك الفكرة ويبدي إمتعاضه من زوج أخته "بوبي" حتّى يلمح بيتر قسوته وتناقضه – وكانوا قد خرجوا جميعا في نزهة عائلية تاركين بوبي وحيدا في المنزل – فنقرأ ما يلي، " عند هذه الكلمات المنطلقة بلا تفكير، رأيت المشلول فجأة أمامي، يتوسّل ويتألّم، رأيت هذا الذي لا نحبّه، والذي نريد أن نتخلّص منه، والذي تركناه الآن وحده وحيدا حبيسا في الحجرة التي بدأ الظلام يخيّم عليها، وخطر ببالي أنّ الظلام أصبح وشيكا، وأنه لن يستطيع أن يوقد نورا أو يقترب من الشبّاك، وأنّه لهذا قد يترك الكتاب ويجلس في الظلام الحالك دون حديث ودون تسلية، بينما نحن نشرب النبيذ ونضحك ونلهو. وخطر ببالي كيف أنّني أحكي لجيراني في أسيزي عن القدّيس فرانسيسكو، وكنت أدّعى أنّه علمني أن أحبّ الناس كلّ الناس، لماذا درست حياة القدّيس وحفظت أغنيته الرائعة عن الحب وسعيت على آثاره في التلال الأومبريّة، ما دمت أدع إنسانا مسكينا لا حيلة له يتألّم، وأنا أعلم وأعرف أنّني أستطيع مواساته؟" ليترك بيتر الحانة في ذات اللحظة ويمضي للإطمئنان على بوبي وبعدها يقرّر أن يطبّق مبادئه الخاصّة بالمحبّة، فيصبح بوبي رفيقه الدائم الذي يجالسه يوميّا ويخرج في جولات معه، ويساهم في تحمّل تكاليف إقامته في بيت أقاربه قبل أن يقرّر أخذه معه إلى منزله لكي يزيح عنهم الأعباء ويخفّف من حدّة المشاكل التي تنشب بين الزوجين بسبب وجود ذلك الضيف الثقيل.

الرواية في النهاية تطرح لنا قصّة شاب عاش وكبر وهو ينشد تحقيق ذاته، ولم ينجز الإنجاز الأدبي الذي يحلم فيه، ليعود في النهاية إلى قريته ويجد والده العجوز لا يزال هناك، ويساعد بلدته بقيامه بحملات صحفيّة تناشد جمع تبرعات لترميم ما دمرته رياح الفون العاصفة التي ضربت المنطقة، ولكنّ ملخّص الرواية يكمن في أنّه إكتشف بأنّه سعيد في موطنه، في مكانه الطبيعي، فالقروي مكانه القرية وإبن المدينة مكانه المدينة ولن يتمكّن أحدهما من أن يحلّ مكان الآخر مهما حاول، ولهذا يعود بيتر ليرتدي ملابسه القديمة ويندمج مع أهل قريته، حيث لا يبدو غريب الأطوار أبدا، ولكنّه ومع ذلك يصرّ على المكابرة، فيرفض أن يحلّ محل صاحب الحانة الذي اصابه المرض بدافع الحفاظ عليها – خصوصا وأنّ بيترلمعاقر للخمر بشراسة – ما دام والده على قيد الحياة، فلم يكن يريد أن يرى في عيني والده تلك النظرة الظافرة وهو يرى إبنه الذي تعلّم اللاتينيّة ونال الشهادات العليا يعود ليمحي كل ما حقّقه ويثبت بأنّه لن يكون أكثر من صاحب حانة في قريته بعد تلك الرحلة الطويلة من البحث عن الذات، في هذه الفقرة يتبيّن لنا جانب كبير من النفس الإنسانيّة ، يتجسّد في عدم قدرة الإنسان على الإقرار بالهزيمة والإصرار على المكابرة خصوصا أمام أقرب المقرّبين له، لأنّه تحدّاهم من أجل تحقيق ما يريده ولا يريد أن يقرّ بالهزيمة أمامهم، ولهذا عزم بيتر على أن يأخذ الحانة ما أن يرحل والده عن هذا العالم.

ختاما الرواية جميلة وتغرق في لغة شاعريّة رومانسيّة لا تزال رنّتها الجميلة واضحة من خلال ترجمة الدكتور مصطفى ماهر، هي أنشودة عن الطبيعة والجمال والحب السامي والطيبة الإنسانيّة والتمرّد والإنهزام المكابر وبحث عن الذات ينتهي بأن يجد بيتر نفسه في مكان إنطلاقه الأوّل ليحقّق حلمه فيما بعد في منزله ويحقّق ذاته وهو يكتب على طاولة والده القديمة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,845,187,406
- إعادة قراءة التاريخ - قراءة في كتاب -الفتوحات العربية في روا ...
- إكتشاف أنفاق سريّة تحت الأرض تعود لعقيدة نهرينيّة قديمة تحت ...
- علماء يستعدّون لحل لغز الحمض النووي السومري - موضوع مترجم
- ملحمة وطن – قراءة في رواية -الحريّة أو الموت- للكاتب نيكوس ك ...
- أحيانا - قصيدة
- الإنسانيّة هي كل ما نحتاج إليه
- أن تناقش حقّ الحياة والحريّة في القرن الحادي والعشرين
- كان هنالك شرق - قصيدة
- مجتمع المظاهر وسقوط المثاليّة - قراءة في مسرحيّة الزوج المثا ...
- إغفر يا قلب لهم - قصيدة
- جنازة السلام - قصّة قصيرة
- سِفر الأحزان - قصيدة
- النقاشات البيزنطيّة تعود بحلّة إسلاميّة
- عندما أضعنا البوصلة - قصيدة
- ثورات منسيّة – قراءة في رواية -البشموري- للكاتبة المصرية سلو ...
- بناء وطن للجميع - قراءة في كتاب العقد الإجتماعي للفيلسوف جان ...
- قوس قزح
- إنه العراق يا قوم – لا تحرقوه لأجل الآخرين
- مستقبل الوطن رهن ورقة إنتخاب – لننقذ العراق
- لمحات إنسانيّة – قراءة في المجموعة القصصيّة -في خضمّ المصائب ...


المزيد.....




- الفلكلور الشركسي.. تراث تتناقله الأجيال
- برلماني -بامي- يهدد بالاستقالة بسبب معاشات البرلمانيين
- شرطيون مغاربة في باريس للتعرف على هويات قاصرين
- منشد الفاتحة المصري على ألحان الموسيقى يرد على منتقديه
- الشعر في الاحتجاجات العراقية يسجّل وقائع الفقر والعنف
- رحيل احمد مطلوب... الشاعر والعاشق ورئيس المجمع العلمي العراق ...
- الإمبراطورية العثمانية... ستة قرون في أقاليم تجاوزت 3 قارات ...
- صدور رواية -طلب صداقة- للكاتب محمد عبد الحكم
- تسعة ممثلين رفضوا أدوارا مهمة في أفلام بارزة
- صدر حديثًا ترجمة كتاب بعنوان -لاثاريللو دى تورمس-


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كلكامش نبيل - أنشودة في عشق الطبيعة – قراءة في رواية بيتر كامينتسند للكاتب هيرمان هيسّه