أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بيرم ناجي - الجبهة الشعبية و القائمات الانتخابية: تقييم وآفاق منتصف الطريق الانتخابي .















المزيد.....


الجبهة الشعبية و القائمات الانتخابية: تقييم وآفاق منتصف الطريق الانتخابي .


بيرم ناجي

الحوار المتمدن-العدد: 4560 - 2014 / 8 / 31 - 08:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمكنني أن ألخص مقالتي هذه في تقييم و آفاق منتصف الطريق الانتخابي كالتالي:
الجبهة الشعبية التونسية انتصرت على – نعم على - الانتخابات ببقائها قائمة و موحدة ، و لكنها انتصرت بخسائرفادحة عليها علاجها فورا و تفادي المزيد منها لاحقا. و عليها أن تنتصر فيها – في الانتخابات – و لكن بمعنى محدد من الانتصار .


1-

أود في البداية توضيح أمور شخصية عن خلفيتي الشخصية المتعلقة بالانتخابات تحديدا علها تعطي فكرة للرفاق و الاخوة و الأصدقاء في الجبهة. ليس المجال هنا لتوضيح أمور أخرى و أكتفي بالقول انني مستقل من احدى التنسيقيات و التفاصيل تعرفونها في النصوص التي سبق وأصدرتها في الحوار التمدن.
لم أكن ممن رغبوا في الترشح إلى أية قائمة بسبب التزامات وميول شخصية تمنع قبولي بالترشح للعمل النيابي تماما رغم طلب بعض الأصدقاء الجبهويين الصادق في تنسيقيتي أن أترشح عن دائرتي الانتخابية و هم مشكورون على ذلك.
ولكنني في المقابل تمنيت ورغبت في ترشح العديد ممن تم رفض ترشيحهم أو تغييره من قبل الجبهة الشعبية ... و غضبت من بعضهم –و احتفظت بذلك لنفسي- عندما ترشح بعضهم في قائمات مستقلة رغم كل تفهمي لهم...ولن أذكر الأسماء.

2-

أنا مناضل في تنسيقية كما قلت . ولم تتصل بنا القيادة تماما لاستشارتنا حول رئيس قائمة الدائرة الانتخابية التي ننتمي اليها و لا بقية القائمة في البداية . .بل انني كنت أول العارفين بتياره السياسي من بين كل مناضلي تنسيقيتي ، و يا للأسف، عرفت بذلك من شخص ليس عضوا تماما في الجبهة --- ولكنه صديق شخصي مستقل من خارج الجبهة- و لكن له علاقات جبهوية شخصية متطورة تبين انها أكثر متانة من علاقتي بها و علاقة تنسيقيتي بكاملها بالقيادة. و من حسن الحظ ان أعضاء التنسيقية ليس لهم مشكل تماما مع رئيس القائمة المرشح - باستثناء القليل القليل جدا و لأسباب خاصة بهم أحترمها ... .ولم يقع الاتصال بنا لابداء الرأي في رئيس القائمة بعد اختياره تماما. بل طلب منا فقط مساعدته بعد أن عجزوا مركزيا – على ما علمنا- عن الاتفاق على ترشيح من يكون معه في القائمة.

3-

بلغت مشاعر سخطي و غضبي ذروتها في لحظات عديدة مؤخرا. وفكرت فيها في الاستقالة تماما من أي عمل سياسي وجبهوي في لحظة ما ،أو على الأقل- عند ما كان الغضب يهدأ - الاستقالة من أية "مسؤولية" و الاكتفاء بحضور ما تدعو اليه الجبهة من فعاليات قدر المستطاع و التصويت لها انتخابيا...

4-

ساءني كثيرا ما حدث من تعامل مع الترشحات في وسائل الاتصال الاجتماعي و ساءني أكثر التجاذب الحزبي الذي حصل و ارتباطه بأشخاص تحديدا...

5-

وساءني أكثر "عودة" البعض للحركة و للظهور عندما بدأت القائمات تشكل هاجس العمل الجبهوي بعد سبات أو بعد "تنطع" هنا و هنالك...بامكاني تسمية البعض و لكنني لن أفعل.

6-

انتابني شعور مزدوج و غريب بعد نشري مقالي قبل الأخير المعنون " الجبهة الشعبية و بعض نقادها: مكاشفة سياسية أخلاقية" بسبب كونه حقق نسبة توزيع كبيرة جدا بالنسبة لمقال الكتروني.
من ناحية شعرت بالفرح ( بسبب ما تبين لي من صدق تمسك عديد المناضلين بوحدتهم الجبهوية) .و لكن - من ناحية ثانية- و بسبب كثرة المديح التي صاحبه من القيادة ،استشعرت خوفا و توجسا من أن ألعب دورا لم أرده هو دور "ورقة التوت" التي قد تغطي النواقص بدعوى الوحدة و التضحية و نكران الذات ( و هو مصدر قلق أعترف انه لا يزال يلاحقني).
بدأت بهذه المقدمة - و بالامكان الاطلاع على مواقفي السابقة حول ضرورة الاصلاح داخل الجبهة في كل ما نشرت حولها تقريبا – لأنني أرغب في توضيح كوني و تنسيقيتي عرفنا ما عرفنا و ربما أكثر من غيرنا من اهمال و تجاهل واسقاط و غيره. ولكن جوهر الموضوع أمر آخر:

7-

رغم الغضب النسبي و لكن بهدوء نسبي أعترف انني – عقليا- لم يفاجئني ما حصل داخل الجبهة حول القائمات الانتخابية بل كنت أنتظر الأسوأ. بل انني أعتبر الجبهة "انتصرت على الانتخابات و عليها أن تنتصر فيها" و لكن بمعان محددة و ليست كما قد يذهب البعض.
كنت أتوقع احتمال الانشقاقات الحزبية خاصة بعدما دشن "الحزب الديمقراطي الاجتماعي" الاستقالة و تخوفت مثل الجميع من مفعول حجارة الدومينو /كرة الثلج. و عدم حصول ذلك مهم جدا و يعتبر مكسبا حزبيا للجبهة و لكنه يساعد على فهم أمر آخر سلبي تنظيميا.

8-

ان سابقة انسحاب الحزب الديمقراطي الاجتماعي شكلت ضغطا على البعض و فرصة للبعض الآخر: البعض الأول صار متخوفا أكثر من اللازم من توالي الانسحابات الحزبية و البعض الثاني استغل ذلك و رفع من سقفه لأنه يعرف ان خوف البعض الأول من الانسحاب سيجعلهم يتنازلون حفاظا على الوحدة. هكذا لعب انسحاب الحزب الديمقراطي الاجتماعي دورا مزدوجا حفز البعض على المبالغة في التوحد ، و ان اقتضى الأمر التنازلات المؤلمة، و البعض الثاني المبالغة في الأنانية تهديدا بتكرار السيناريو. و قد لعبت الأحجام السياسية/الأخلاقية دورها في الاتجاهين فالكبير قد يتنازل قليلا و لا يخسر و قد يستبد .و الصغير قد يهدد كثيرا و لكنه لا ينفذ خوفا من الخسارة و قد يفضل الانسحاب حفاظا على الذات...و هنالك حالات أخرى عديدة ربما...و لكن المهم هو التالي:

9-

المهم بالنسبة الي الآن هو الانتباه الى التالي:
ان الجبهة الشعبية هي في نفس الوقت
-أ- جبهة /مشروع سياسي /وتنظيمي
-ب: هي جبهة/ أحزاب/و مستقلين
-ج: جبهة /قيادة /و تنسقيات جهوية و محلية
- د: جبهة /مناضلين أفراد /و مجموعات و تنظيمات
-ه: هي جبهة تكونت في مرحلة تاريخية معينة و راكمت تجربة معينة بايجابياتها و سلبياتها
- و: هي جبهة شهداء/ و أحياء.
ان أزمة منتصف الطريق التي نعرفها هي نتاج كل هذه الأشكال من التكوين الجبهوي كما أرى و على الطريقة التالية.

10-

الجبهة مشروع سياسي و تنظيمي و هي ليست كذلك فقط بل هي "جبهة الأمل" كما نقول. و ان هذا يجعل الأمل/الحلم يطغى على قسم من مناضلينا بحيث لا يرون مكانا في الحلم و الأمل للأخطاء و النواقص و الانحرافات الممكنة و التقصير و غيره. و عندما يحصل ذلك أو جزء منه يكون رد الفعل عاطفيا . و لكن كونها جبهة مشروع سياسي و تنظيمي يجعلنا نقول انها ليست جبهة انتخابية و ان التمسك بالمشروع و التنظيم ضرورة حيوية...مع اصلاحه الذي هو ضرورة أيضا. دون أن يعني ذلك التغافل عن نقد ما مورس و سيمارس من تكتيك انتخابي قد يسيء الى المشروع السياسي التنظيمي اذا تحولت الانتخابات نفسها الى مشروع البعض الأساسي.

11-

الجبهة هي جبهة أحزاب و مستقلين و هذا جيد و خطير في نفس الوقت. نترك الجانب الجيد الآن و نحن نتحدث عن أزمة منتصف الطريق. الخطير هو ان ما سماه بعض الرفاق -مثل محمد الفتاتي و الطاهر شقروش - بالتصور الكارتيلي للجبهة يؤدي الى هيمنة التصور لحزبي على المستقلين و هيمنة منطق المحاصصة الحزبية داخل ائتلاف الأحزاب ان لم ننتبه. المعضلة- و هي طبيعية برأيي- انه لن يمكن تجاوز الطابع الحزبي المتعدد للجبهة و لكن المهم هو تطوير عقلية التضامن الجبهوي و ليس المحاصصة الحزبية. و ان لم تكن المحاصصة ظهرت بحدة في السابق فان رأسها برز عندما اقتربت الانتخابات. من ناحية ثانية تطور مشكل العلاقة بين المتحزبين و المستقلين قد يؤدي الى خطر كبير ان لم يتم الاصلاح على قاعدة النضالية و ليس الانتماء التنظيمي. من هنا الى ذلك الوقت سيظهر "المرجئة" الذين يؤجلون كل شيء لتاريخ مجهول و "الخوارج" الذين يكفرون فورا و يخرجون. و يا ليتنا نعترف بما يجب و نصلح ما يجب بسرعة و لكن بعقل حتى لا تسوء الوضعية أكثر.
و لكن "المحاصصة الفردية" توجد أيضا الى جانب المحاصصة الحزبية و داخلها. داخل الأحزاب هنالك أفراد قد يتضارعون على حصص و خارج الأحزاب قد يذهب برؤوس المستقلين هوى الحصص و هاويتها.

12-

الجبهة قيادة /و تنسقيات جهوية و محلية و مناضلين أفراد و هنا يطرح –ارتباطا بالعنصر السابق- مشكل المركزية و الديمقراطية. هنالك من يعتبر ان الحل سهل عبر انتخاب الأعضاء: التنسيقيات المحلية تنتخب التنسيقيات الجهوية التي تنتخب مؤتمرين ينتخبون قيادة ،الخ. هذا الحل ممكن لو كانت الجبهة نقابة أو حزبا. لكنها جبهة و هي مضطرة الى محاولة التوفيق بين الائتلاف الحزبي الأفقي على قاعدة المساواة بين الأحزاب مهما كانت تمثيليتهم و بين الآليات الديمقراطية من القاعدة الى القمة. و بين الخيارين منزلقان خطران في الحالات القصوى التضحية بحزب أو أحزاب أو التضحية ب جزء من القاعدة حفاظا على وحدة القمة و الجبهة .و المعادلة صعبة جدا خاصة عندما تبدأ "المناصب" تلوح في الأفق. و هذا ليس عيبا في حد ذاته في السياسة لمن يأمل في الحكم أو التأثير عليه باعتبار ان الجبهة ليست مؤسسة خيرية .و لكن المبالغة في العكس تؤدي الى مخاطر كبرى ليس أقلها انسلاخ بعض الأحزاب "الأقلية" و المستقلين .ان عدم الوعي بخطورة هذه الوضعية قد يؤدي الى مخاطر أكبر غدا. فاذا كان الناس يتخاصمون اليوم على نيابة غير مضمونة فكيف سيفعلون غدا لو وصلوا و اقترحت عليهم حكومات ائتلافية فتصبح الحقائب الوزارية بالانتظار؟
هنا لا بد من الانتباه ان الأفراد و الأحزاب ليسوا سماسرة مناصب و لكنهم ليسوا ملائكة وابطال الغيرية السياسية إلى الحد الذي يجعل المناضل أو الحزب لا يفكر تماما في تقاطع أهدافه و مصالح البلاد كما يراها هو. و لكن بين هذا التطرف و ذاك قد يوجد أحيانا خيط رفيع يجب الحذر منه.
13-
الجبهة تكونت في مرحلة تاريخية معينة و راكمت تجربة معينة بايجابياتها و سلبياتها. و هذا يعكس درجة النضج. ان المقصود هنا ليس فقط تاريخ الجبهة القصير بل تاريخ الأحزاب المكونة لها و المناضلين و هو تاريخ قد يصل –سياسيا- الى عقود من السنين. و لكن تلك العقود الطويلة غابت عنها التجربة الجبهوية و هذه الأخيرة قصيرة و بها نواقص و عرفت انشقاقات و اغتيالات و تحالفات و غيرها . وكل هذا يؤثر على الأحزاب كما على المناضلين. نحن بمعنى ما لدينا ثمرة تجربتنا ب ايجابياتها و بعيوبها السياسية و التنظيمية و الشخصية ولكننا نستحق أفضل من ذلك ...هذا إلى كل من سيقفز على الفكرة للتبرير.

14-

الجبهة هي " جبهة شهداء/و أحياء" ايضا. و اني أرى هذه النقطة هامة جدا و لكن أهمية السيف ذي الحدين: الشهيد يوحد ولكنه يفرق لنفس السبب.الشحنة العاطفية المرتبطة به و التي لا تزال حية في الصفوف تجعل الناس سريعا ما يستسهلون الوحدة أو الفرقة باسم الشهداء و كلاهما عن حسن نية غالبا لأننا لم نشف جميعا من شكل من "الحداد المرضي" الذي يضرب عميقا في نفسيتنا و الذي يتحكم فينا و يوجه مشاعرنا الايجابية و السلبية سياسيا من الوحدة أو الانفصال .اننا نجد من يدعو الى الوحدة و غض النظر عن الأخطاء باسم الوفاء للشهداء مثلما نجد من يدعو الى الانفصال/أو الفصل باسم الوفاء لهم عند أول سوء تفاهم. هنا تغلب العاطفة و يضعف التقدير السياسي و التنظيمي ولكن لا بد من تجنب أن يقوم طرف باستسهال تهمة الخيانة لدماء الشهداء و السمسرة بها لتحقيق منافع انتخابية أو غيرها. و هنا لا بد من تدوير الدائرة و العودة الى كل النقاط المذكورة سابقا و الا فهي الكارثة المحدقة.
اذا نظرنا الى الجبهة في تعقيدها بهذه الطريقة فان نجاحها في البقاء موحدة و تمكنها من تقديم قائمات في كل الدوائر الانتخابية يعتبر انتصارا في حد ذاته و هو ما قصدت به : الانتصار على –نعم ...على -الانتخابات.

15-

ولكن الانتصارات لا تكون مطلقة أبدا و دون أضرار.و هنا فان من سيدافع عن الوحدة باسم الشهداء و المشروع و الشرعية و يتجاهل النواقص و الأخطاء سيدفع غيره الى المغادرة و الانشقاق و حتى العداء. و من سيقوم بالعكس سيدفع غيره الى التصلب و مزيد الاصرار على الخطأ. و ان كانت القيادة هي التي يجب أن تلعب الدور الأساسي في ايجاد صيغة مرنة فذلك لا يعني ان المناضلين مهما كانت مكانتهم لا يتحملون مسؤولية ما قد يحدث. الجبهة تنظيم و مشروع و حلم الجميع و شهداؤها شهداء الجميع و الحل جماعي رغم تحمل القيادة - التي يفترض انها جماعية طالما انها تمثل جميع الأطياف- المسؤولية الأولى.

16-

و لكن القيادة ممثلة في "مجلس الأمناء العامين" تتحمل المسؤولية الأساسية – و ليس الكلية- في كل ما يحدث. منذ الأزمة التي حدثت بانسحاب بعض الأحزاب من الجبهة و الأصوات تتعالى مطالبة بالاصلاح. و لكن الحجج كانت تكدس كلها لتأجيل الحل أو يقع الاكتفاء بالجانب التقني لا غير و هو نفسه لم ينجز جيدا بسبب الطريقة التي تمت بها حلحلة المسألة في ندوة سوسة الأخيرة و التي أدت هي الأخرى الى انسحاب بعض المناضلين المستقلين.
شخصيا أعتبرت و لا أزال أعتبر ان قرار الجبهة بالتقدم الى الانتخابات التشريعية و الرئاسية بقائمات خاصة مع الاكتفاء بدعوة المستقلين الى التقدم تحت قائمات الجبهة هو قرار انعزالي وخاطئ. و لكن هذا موضوع آخر.
وهنالك أمر هام جدا في علاقة بالانتخابات و الترشحات الآن. بل هو أمر خطير لو لم تتم معالجته بمرونة بعدما "وقع الفأس في الرأس."

17-

كيف لقادة الجبهة الشعبية أن يقدموا أنفسهم جميعا مترشحين الى الانتخابات البرلمانية و ينسحب السيد الخصخوصي بحزبه لأنه لم يرشح و يحتج السيد عثمان بلحاج عمرعلى عدم اسناده ولاية بن عروس ؟
ماذا يعني أن يترشح السادة الأمناء العامون و الناطقون الرسميون و مساعدوهم باسم أحزابهم و منظماتهم ( زياد الأخضر و جلول عزونة و نزار عمامي و فتحي الشامخي و أحمد الصديق و مراد العمدوني و أهم قادة حزب العمال) الى الانتخابات البرلمانية؟
هل يمكن غدا لأمين عام أو ناطق رسمي أن يوفق بين خطته و خطة النائب في البرلمان لو نجح؟
أليست المجموعة البرلمانية للحزب هي أقل مرتبة من قيادته في الأحزاب السياسية الثورية - و حتى بعض الرجعية- التي تحترم فيها القيادة نفسها في كل بلدان العالم ؟
أم ان خطة النائب في البرلمان أصبحت أهم عندنا ؟

18-

هذا نصف الحقيقة المرة –مع الأسف- فقط. أما نصفها الثاني فهو التالي:
لم يترشحون و لا يتركون الصف الثاني من المناضلين ليترشحوا و يساعدونهم على الفوز من خلال ماكينة الجبهة و رصيدهم الرمزي الذي هو ملك الجميع خاصة وان الشعب التونسي سيصوت على عناوين سياسيةو ليس على أشخاص أو انتظارات انتخابوية صرفة لا أحد قادر على تقديمها كما يظهر من حياء كل "برامج" القائمات المترشحة ؟
و اذا كان الأمناء العامون فعلوا هذا فكيف يلومون مناضليهم و المستقلين على رغباتهم الانتخابية الشخصية؟
و اذا كان الأمناء العامون لم يتنازلوا لا لبعضهم البعض و لا لمناضليهم الحزبيين عن الترشح الى منصب برلماني فكيف يكون حال البقية؟
و ماذا لو أصبحت هنالك حقائب وزارية أو ادارية عليا غدا؟
و ماذا سيقع في الانتخابات البلدية بعد غد بالنسبة إلى بقية المناضلين؟
من سيكون النموذج للمناضلين هنا حتى يقتدوا به؟
ولكن لا بد من الحذر و عدم المبالغة هنا.

19-

هنالك تنسيب سياسي تنظيمي لا بد منه بعد التنبيه و التحذير ، و نرجو أن يكون محتواه يعكس وعي قيادتنا و الا سيكون الخطأ مضاعفا:
أ- الجبهة الشعبية جبهة تعمل كما قال الرفيق شكري – عن النضال الثوري التونسي - بطريقة " سياسية جماهيرية ،مدنية ، ديمقراطية وسلمية" و هي ليست مع العنف الذي قال عنه شكري انه " لا يخدم سوى الرجعية". انها ليست جبهة ثورية كلاسيكية و ذلك يؤثر حتما على تكتيكها الانتخابي.
ب- المرحلة في البلاد دقيقة جدا وترشح الأمناء العامين على رأس القائمات يعكس الرغبة السياسية –التنظيمية في الدخول بكامل الثقل في المعركة الانتخابية التي هي وجه من وجوه المعركة السياسية حتى نحصل على أكثر ما يمكن من مكاسب سياسية للشعب .

20-

من هذا المنطلق يمكن نسبيا تفهم الأمناء العامين للأحزاب بترشحهم و لكن ...من الناحية السياسية أساسا .
ولكن حتى في هذه الحالة فاننا أمام وضعية تنظيمية سيئة تشبه تقديم أهم أعضاء مكتب سياسي لحزب ترشحهم للبرلمان. و هو أمر مبالغ فيه جدا للسبب التالي:
كيف ستعمل الجبهة غدا لو أن ثلاثة أرباع أمنائها العامين أصبحوا نوابا في المجلس؟
هل سيستقيلون من مناصبهم الحزبية و الجبهوية أم سيحافظون عليها؟
هل سيكون كل واحد منهم 1:- أمينا عاما لحزبه و2- عضوا في مجلس أمناء الجبهة و3- نائبا في مجلس النواب في نفس الوقت؟
كما انه في حالة "الدخول بقوة" في المعركة يفترض إسناد رؤساء القائمات بخيرة المناضلين الجبهويين جهويا. و هذا لا نجده في القائمات الانتخابية لعدد كبير جدا من الدوائر بل نجد في بعض منها أسماء غير معروفة تماما عند عموم الناس و عموم المناضلين الجبهويين.

21-

هنالك خلل ما اذن. و من هنا نفهم و نتفهم ، ولكن جزئيا فقط، بعض التحويرات في آخر لحظة و بعض الانسحابات التي أدت ببعض خيرة المناضلين الى الاضطرار الى تكوين قائمات مستقلة في دوائرهم.
و لكن الفهم و التفهم لما فعله مجلس الأمناء و بعض هؤلاء الرفاق و الاخوة و الأصدقاء المنسحبين ،لا يبرر ما وقع بالنسبة الي شخصيا. هنالك خلل سياسي و تنظيمي كبير هنا و هنالك .هنالك نزعة مركزية وفوقية وبين - حزبية قوبلت بنزعة قاعدية وتحتية وتحت- حزبية و/أو مستقلة.
ان انتصار الجبهة "على"الانتخابات صاحبته هنا أضرار جسيمة تنظيمية و بشرية ...و خاصة معنوية قد تؤدي الى الانهزام فيها لاحقا.

22-

لا وهم عندي حول معنى الانتصار في الانتخابات كما قد يتصور البعض عند قراءة العنوان. بالنسبة الي سيكون أهم انتصار للجبهة في الانتخابات لو تمكنت من تكوين كتلة برلمانية متماسكة بتواصل تماسك أحزاب الجبهة و مستقليها. لو تمكنت مثلا من انجاح ما بين ثلث و نصف رؤساء قوائمها الثلاثة و الثلاتين و بقيت متماسكة و عمل نوابها على شاكلة الرفيق منجي الرحوي في المجلس التأسيسي لاستطاعت أن تسقط حكومات و تغير قوانين و توجه سياسات و تقلب معادلات في الشارع اذا قامت بدورها الاعلامي و الجماهيري الجيد في صفوف الشعب.
23-
و لكن للقيام بذلك لا بد من الإصلاح داخل الجبهة وفورا في الممارسة الميدانية أثناء مرحلة الحملة الانخابية لتحضير العلاج مباشرة عند انتهائها مهما كانت النتائج. و لا بد من البداية بالحد من أضرار ما وقع في بنزرت و فرنسا الجنوبية مثلا بطرق قد تكون تعمد سحب قائمة الجبهة رسميا أو تعمد التصويت الى القائمة المستقلة أو عدم الدخول في أي صراع مع القائمات المستقلة و مناضليها و مع الناخبين الذين يساندونها هي و قائمات الأحزاب الديمقراطية القريبة التي كنا نتمنى أن تلتحق بنا ولو انتخابيا.

24-

لو ان كل واحد منا توتر و حسبت المسألة من زاوية واحدة لكانت كل مقومات الاستقالة من الجبهة الشعبية موجودة عند العديدين و بصورة فورية منذ اليوم الذي أعلنت فيه نهائيا قائمات الجبهة. و لكنني شخصيا لن أفعل و سأبقى في الجبهة ولن أغادرها و لو بقيت الأخير كما قال الرفيق أنور القوصري لأن الجبهة بالنسبة الي مشروع و ماكينة و مسار قبل كل شيء.
و لكنني – و هنا أختلف مع الكثيرين من رفاقي و اخوتي و أصدقائي الجبهويين- أعتبر عن وعي تام ان الجبهة يجب أن تتحول الى جبهة سياسية ديمقراطية تراوح بين النضالين الجماهيري السلمي و النضال البرلماني بشكل و عمق جديدين و تنبني هي نفسها على أسس أكثر ديمقراطية مما هي عليه الآن .

25-

و بالتالي أرى انه من الناحيتين السياسية – في تصور الجبهة كجبهة نضال ديمقراطية- و الشخصية – بحكم الثقة التي لا أزال أشعر بها نحو الجبهويين عموما - يمكن فهم ما وقع داخل الجبهة دون تبريره تماما بل و مع نقده و خاصة نقد كيفية حصول ذلك تنظيميا .
في المقابل أنا لا أوافق من انسحب و كون قائمة مستقلة و لكنني لا أحمل على من "فضل" الانسحاب سوى مشاعر التضامن – و لكن النقدي - لأنني أعرف ما دفعهم الى ذلك و أفهمه جيدا وأتفهمه. و لكنني لا أستسيغه و لن أدخل في صراع سياسي-تنظيمي-شخصي معهم بل سأوجه صراعي إلى الخصوم السياسييين الأساسيين.
بالنسبة إلي:
- الجبهة جبهة شعبي و خيرة نخبته السياسية الوطنية و الديمقراطية حاليا .
- و هي جبهتي أنا و رفاقي و أصدقائي وإخوتي.
- و هي مشروعي السياسي و التنظيمي و جبهة شهدائي.
- و لن أصمت على من يسيء اليها مهما كان مقامه خارجها أو داخلها .
- و سأواصل العمل على اصلاحها و تطويرها بقدر استطاعتي.
- و لكنني لن أساهم في خلق أعداء جدد لها من خارجها أو من داخلها.
- و لن أغادرها من تلقاء نفسي مطلقا و لكنني قد أحصر نشاطي فيها إلى مستواه الأدنى اذا لم ينصلح حالها ... إلا اذا طردت منها طبعا.
- و حتى لو حصل ذلك سألتقي مع مناضليها كلما استطعت وفي كل مناسبة تحتم تقاطعنا هنا أو هنالك.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,689,421,047
- الجبهة الشعبية التونسية و بعض نقادها: مكاشفة ثانية مع الرفيق ...
- الجبهة الشعبية التونسية و بعض نقادها: مكاشفة سياسية - أخلاقي ...
- اليسار التونسي و الانتخابات القادمة : أبعد من المشاركة أو ال ...
- الى مجلس الأمناء العامين للجبهة الشعبية التونسية و الرفيقين ...
- توقيت الانتخابات الرئاسية و التشريعية في تونس :اللعبة و الره ...
- راشد الغنوشي و -النموذج التركي-: حقيقة الاسلام الاخواني التو ...
- تونس و-الانقاذ من الانقاذ-: نحو جبهة و طنية جمهورية ديمقراطي ...
- الجبهة الشعبية التونسية -مبادرة الشهداء -: حان وقت التقييم و ...
- تونس -ما بعد- النهضة : نقاط من أجل التقييم ومن أجل خارطة طري ...
- تونس و العلبة السوداء التاريخية للمسلمين:الدستور التونسي الج ...
- رسالة الى المسلمين
- -القرآن و العلم الحديث:لا معجزة و لا تطابق .-- تقديم أولي لك ...
- الثقافي و السياسي و بؤس الايديولوجيا : اليسارالماركسي نموذجا ...
- مهمة عاجلة - حول الثورجية اليسراوية في تونس اليوم -.
- الدولة و الثورة و الفوضى في تونس .
- تونس و الدرس المصري : قبل فوات الأوان.
- الائتلاف الوطني للانقاذ في تونس :من الانقاذ الى انقاذ الانقا ...
- من-الجبهة الشعبية- الى -الجبهة الديمقراطية المتحدة- في تونس.
- رسالة مفتوحة ثانية الى الرفيق حمة الهمامي: أسئلة حول المفاهي ...
- رسالة مفتوحة الى الرفيق حمة الهمامي


المزيد.....




- أكثر من 4000 سائح من ووهان بالخارج في ظل انتشار فيروس كورونا ...
- اكتظاظ معابر الصين وإعلان مزيد من التدابير لاحتواء -كورونا- ...
- ترامب يغتال السلام في الشرق الأوسط؟
- ارتفاع عدد الوفيات جراء فيروس كورونا الجديد في الصين إلى 132 ...
- أردوغان: في حال التزمت روسيا باتفاقي سوتشي وأستانا فإن تركيا ...
- مواجهة متوقعة بين إسرائيل ومحكمة الجنايات الدولية بسبب المست ...
- تعرف على التغييرات الناجمة عن بريكست اعتبارا من الأول من شبا ...
- معرة النعمان السورية تتحّول من مركز للتظاهرات الضخمة إلى مدي ...
- مواجهة متوقعة بين إسرائيل ومحكمة الجنايات الدولية بسبب المست ...
- تعرف على التغييرات الناجمة عن بريكست اعتبارا من الأول من شبا ...


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بيرم ناجي - الجبهة الشعبية و القائمات الانتخابية: تقييم وآفاق منتصف الطريق الانتخابي .