أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فلاح خلف الربيعي - تقديمي لكتاب : السياسة العذراء، مفهوم الدولة في الاجتماع العراقي للكاتب علي السعدي















المزيد.....



تقديمي لكتاب : السياسة العذراء، مفهوم الدولة في الاجتماع العراقي للكاتب علي السعدي


فلاح خلف الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 4333 - 2014 / 1 / 13 - 14:13
المحور: المجتمع المدني
    



يعاني المواطن العراقي من جرح غائر في أعماق ذاته ارتباطاً بإحساسه بأن حاضره لا يتناسب اطلاقاً مع ما يتطلع اليه من ناحية ومع مكانة العراق التاريخية وامكانياته الهائلة، ولاقتناعه بأن العراق لم يحظى لحد الان ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921، بسلطة وطنية تنبثق من حركية وإرهاصات المجتمع ، وتواكب مراحل تطوره وانتقاله نحو بناء مدنية حديثة من خلال استثمار جميع الطاقات والامكانات بما يكفل الخروج من حالة التمزق والتشرذم ويعيد للوطن والمواطن هيبته ومكانته الحقيقية ، ومن الطبيعي أن يكون احساس العارفين بدقائق وتفاصيل وحيثيات التاريخ العراقي أكثر عمقا وفداحة، من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي بين أيدينا "السياسة العذراء، مفهوم الدولة في الاجتماع العراقي لمؤلفه علي عنبر السعدي المتخصص في علم الاجتماع السياسي وصاحب مؤلفات" حزام النار، بحوث في الفكر السياسي " و" أرصفة ونوافذ، نقدي سياسي" وقلق التاريخ وعقدة القوة" و"استراتيجية المطرقة" و "الجدار والعراق "و كتاب " المصباح النووي " و "المتشكّل والمتحوّل ما قبل الدولة ما بعد الأمّة" ومعظم تلك المؤلفات تحمل نفس الهم المعرفي الذي يسعى للكشف عن المخزون الحضاري والطاقات الكامنة في المجتمع والتاريخ العراقي .
يشتمل الكتاب على خمسة فصول الفصل الأول :مفهوم الدولة في الفكر السياسي العراقي والفصل الثاني: المجتمع والهوية الوطنية والفصل الثالث : العراق وجواره والفصل الرابع : نقض التاريخ الملقوب والفصل الخامس : البعد الاجتماعي للدكتاتوريات العربية ، بالإضافة الى خاتمة أولى : التداولية وخاتمة أخيرة : أمريكا وحروبها السبع ، وخلال تلك الفصول يتجول بنا الكاتب في طول التاريخ العراقي وعرضه محاولاً إزالة الحجب الكثيفة التي ألقاها التشوّيه المتعمد لأحداث هذا التاريخ، ذلك التشوّيه التي فعل فعله في الماضي والحاضر، ويتجه نحو تثبيت مخالبه في المستقبل.
أن جسامة تلك المهمة وصعوبتها تؤكد لنا مدى أهمية هذا الكتاب ومدى اهمية الجهد البحثي الذي بذله المؤلف الذي يرى أن التاريخ كعلم يجب أن يتعدى انشغاله بالإجابة عن السؤال عما حدث ؟ وكيف حدث؟ الى الاهتمام بالسؤال الاساسي وهو لماذا حدث؟ فلكلّ حدث قد حصل في التاريخ ، هناك حدث احتمالي موازي لم يحصل، وعليه حينما نقرأ الحدث التاريخي بإمعان ، فإننا يجب أن لا نكتفي بالبحث عما حدث، بل يجب أن نركز جهدنا البحثي في تحليل ما كان ينبغي أن يحدث لتشخيص مجموعة الظروف والعوامل التي منعته من الحدوث ،إذا كنا نعتقد بأن هذا الذي لم يحدث يشكل بمثابة الفرصة التاريخية البديلة الأفضل. فالاهتمام بدراسة الفرصة البديلة يمكن أن يقدم للشعوب ولصانعي السياسة بعض الدروس والمؤشرات والدلائل التي يمكن الاستعانة بها في تجنب تكرار الاخطاء التي حدثت في الماضي والتطلع نحو تحقيق ما ينبغي أن يحدث في الحاضر والمستقبل.
في هذه المقدمة سنركز جهدنا على توضح طبيعة المنهج العلمي للكتاب واستعرض أهم النتائج والملخصات التي توقف عندها الكتاب متأملين أن تكون هذه المقدمة بمثابة عرض موجز للكتاب يمكن أن يعمل كدليل يسترشد به القارئ للخوض في هذه السياحة التاريخية والمعرفية .
وبقدر تعلق الامر بالمنهج العلمي للكتاب فسنجده موضح بالتفصيل في المبحث المعنون التاريخ الممنوع والتاريخ المباح وفيه يؤكد الكاتب على أهمية تبني منهج ملائم او مفهوم فلسفي موضوعي محدد في قراءة التاريخ ؟ لان التاريخ ليس مجرد احداث وقعت في الماضي بل هو كيان حي ما زال يفعل فعله في حياتنا الحاضرة ، ولكي نكشف عن الحجب والتشوهات التي لحقت بتاريخنا، يجب الاستفادة من المناهج المعرفية الفاعلة وبخاصة مناهج علم اجتماع والعلوم السياسية وعلم الاقتصاد وعلم الانسان وعلم الجغرافيا لكي نؤطر الحدث التاريخي بإطاره الواقعي ونزحزح منه الكثير مما علق به من مخيال جمعي أو إسقاطات أسطورية أو لغايات نفعية، جعلت الحدث خارج واقعه الموضوعي واقرب إلى المؤَلف أو المتخيل ونظرا لأهمية هذه الاشارة المنهجية التي يمكن ان تساعد القارئ في فهم الانتقالات والتحولات في موضوعات الكتاب التي قد يجد القارئ بعض الصعوبة في فهمها او الاقتناع بها بدون ان يكون على معرفة او دراية بطبيعة منهج الكتاب وبكلمات موجزة فأن الكتاب يستخدم مناهج علم الاجتماع السياسي ، هذا العلم يدرس اثر العوامل الاجتماعية على الظواهر السياسية ، وهو بطبيعة الحال مختلف عن علم السياسة الذي يركز على دراسة السلوك السياسي ومختلف ايضا عن علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة أثر القيم الاجتماعية على الوحدات الاجتماعية التي تكون النظام الاجتماعي ، فعلم الاجتماع السياسي يعنى بدراسة العلاقة المتفاعلة بين المجتمع ونظام الحكم ودراسة الظواهر السياسية دراسة تعتمد على خلفية البناء الاجتماعي ، طالما أن المؤسسات السياسية هي جزء من المؤسسات الاجتماعية البنيوية ، وأن النشاطات السياسية تترك آثارها على جميع مؤسسات ومنظمات المجتمع وتعود أهمية علم الاجتماع السياسي الى دراسة الظروف والمتغيرات الاجتماعية التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحوادث والظواهر السياسية التي تأخذ مكانها في المجتمع والى التنبؤ بالحوادث والظواهر السياسية التي ستقع في المجتمع من خلال دراسته وفحصه للمتغيرات والحقائق الاجتماعية المتعلقة بالنظام الاجتماعي ومكوناته البنيوية فضلا عن تشخيصه الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي تكمن خلف فاعلية وديمومة ونشاط المؤسسات السياسية وما تتوصل إليه هذه المؤسسات من أحكام وقرارات تحدد العمل السياسي في المجتمع وترسم إطاره الخارجي وتضع فحواه الجوهري، وعليه فأن الموضوعات التي يركز علم الاجتماع السياسي على دراستها ، تتعلق بطبيعة الظروف والعوامل الاجتماعية التي تؤثر في مجرى الاحداث السياسية في المجتمع، ويدرس كذلك الأحداث السياسية في البنية الاجتماعية ومكوناتها التركيبية والعلاقة المنطقية بين المؤسسات الاجتماعية والمؤسسات السياسية وأصل نشوء وتطور الدولة والمجتمع والدولة والسلطة، وشرعية السلطة، والعوامل التي تعتمد عليها شرعية السلطة والسلوك الاجتماعي والسلوك السياسي وسيكولوجية الجماهير والجماعات السياسية والاجتماعية والأحزاب السياسية، والايدولوجيات والجماعات الضاغطة والراي العام، ومراحل تكوين الرأي العام والعوامل الاجتماعية والسيكولوجية التي تؤثر في تكوين الرأي العام و سيكولوجية الدعاية والإشاعة والقيادة ، والفوارق الأساسية بين القيادة والزعامة والرئاسة، وأنواع القيادات، وظائف وصفات القائد ، ولهذا نجد الكاتب قد لجأ ايضا في بعض المباحث الى استخدام مناهج علم النفس الاجتماعي لتحليل السلوك الاجتماعي للمواطن العراقي وتفسيره ومعرفة اسباب حدوثة والعوامل الني توثر فيه ومحاولة التنبؤ بما سيؤول اليه هذا السلوك استنادا الى معرفتنا بالعلاقات القائمة بين الظواهر الاجتماعية ذات الصلة بهذا المجال.
بعد أن تشخيصنا للمنهج العلمي الذي سار الكاتب على هديه سننتقل الى استعرض أهم المحطات التي توقف عندها الكاتب وأهم النتائج والمستخلصات التي خرج بها من تلك المباحث والفصول أملين ان يكون هذا العرض المستمد مادته من أصل الكتاب ولا تضيف جديدا اليه سوى أنها تأمل أن تقدم دليلا توضيحيا مساعدا يمكن أن يحفز القارئ على خوض تلك السياحة التاريخية والمعرفية الرائعة.
في مقدمة الكتاب المعنونة السياسة العذراء في العراق ، يبدأ الكاتب حديثة بمقدمة منطقية تقول " أن عملية بناء الدولة في العراق لا تبدأ الا بما يُرسم في العقول من رؤى تنظر الى الحاضر بعين المستقبل" وعليه لا يمكن تحقيق هذه البديهية المنطقية بدون الخروج من عباءة الوضع السوداوي القائم الذي يرزح تحت وطأته الاقتصاد العراقي والمواطن العراقي ، الذي يعود في مجمله الى استمرار ظاهرة سوء التصرف بالموارد الانتاجية النادرة وهيمنة الاقتصاد الرعوي غير الإنتاجي ، وهذا الامر لا يتحقق الا بتغيير منهج واستراتيجيات السياسة الاقتصادية والخروج من أسر الظروف التي فرضتها حالة الحصار التي فرضتها الجغرافيا ، التي دفعت بالعراقيين الى السقوط في نهم الاستهلاك وندرة الإنتاج .
في الفصل الأول من الكتاب المعنون مفهوم الدولة في الفكر السياسي العراقي يؤكد الكاتب على أهمية الخصوصيات البنيوية للمجتمع العراقي تلك الخصوصيات التي تراكمت عبر أزمنة طويلة نتيجة لما افرزته جدلية التاريخ والجغرافيا، وقد تجذرت تلك الخصوصيات بالتفاعل مع سيرورة امتلأت بوقائع واحداث وشمت العراق أرضاً ومجتمعاً، وأسهمت في الوصول الى تشكل مجتمعي تتداخل فيه عوامل التآلف والانقسام في تفاعلات دائمة الحضور انتجت مصادر قوتها ومسببات ضعفها في الوقت عينه، مما خلق وضعاً متحركاً لتجمعات سكانية لا تنتظم بسهولة في سياق المفاهيم المعروفة لبناء الدولة الحديثة ألا ضمن شروط ومتطلبات عالية الاداء، وحضارة مدينية عجزت في الغالب عن صهر ذلك التنوع المجتمعي ضمن هوية وطنية واحدة.
ويؤكد الكاتب هنا على إن الفكر السياسي كان هو العامل الأبرز في الانتقال من عرف العشيرة الى مفهوم المواطنة والقانون والدستور، ألا أن هذا الفكر لم يجد لحد الان فرصته للظهور والتطور والارتقاء، داخل مشروع الدولة، ولم يتم لحد الان إعادة صياغة العلاقات العشائرية على أسس ومنطلقات جديدة وإحلال مفهوم المواطنة بمعناه السياسي والحقوقي محل الانتماء القبلي . لتنخرط من ثم في مفهوم الدولة التي تنظم الاجتماع العام على أشكال دستورية و قوانين مشتركة وكيانية وطنية ذات محتوى سياسي تتفاعل فيها كل مرتكزات الأرض والشعب والسلطة لتؤدي وظائفها التكاملية التي يرتضيها المجتمع.
وفي مبحث الهوية الوطنية وموضوع الانتخابات ، يؤكد الكاتب على أن تاريخ العراق المعاصر لم يعرف بعد سلطة وطنية تنبثق من حركية وإرهاصات المجتمع ، وتواكب مراحل تطوره وانتقاله نحو بناء مدنية حديثة ، فعلى الرغم من أن ثورة العشرين وما سبقها من حركات وانتفاضات، قد استنبتت بذوراً جنينية لمواطنة سياسية يرفدها شعور عام باستقلال كان يستوجب استكمالها بالهوية الوطنية الجامعة، ألا أن الحكومات التي شكلها الملك فيصل ادارت الطيف العراقي بذهنية متخلفة الإداء ومتعددة الولاءات مما جعلها عاجزة عن إيجاد قوة اختراق صحيحة للمجتمع العراقي القبلي ، وبدل أن تبني دولة بمفاهيم عصرية ، أخذت تعمل بمنطق القبيلة الغالبة مما زاد في اتساع الفجوة بين المجتمع العراقي وحكوماته المتعاقبة، وقد برز هذا الخلل فاضحاً بعد سن القانون الأول للجنسية العراقية في العام1924 الذي حدد تعريف العراقي بشرط تبعيته العثمانية، وشكل بذلك استيلاداً تعسفياً عمق من حالة التوتر في بين العراقيين والسلطات العثمانية، وأسهم في تجذير التفرقة الطائفية والمذهبية التي كانت جزءاً من ممارسات الولاة العثمانيين، وبعد أن سقطت الملكية تحت جنازير دبابات العسكر في العام1958 حاول"عبد الكريم قاسم" ان يصنع دولة ومواطنة وهوية وسن قوانين عصرية للجنسية ألا أن "عبد الكريم قاسم" صرع هو الاخر في العام1963 بضربات "القبائل" الحزبية المتحالفة التي إختزلت في النهاية بشخص الرئيس وهذا ما وصل اليه الوضع، حتى لحظة انهيار الدولة العراقية في العام2003 ، ليجد المجتمع العراقي نفسه وقد تحول مجموعة مجتمعات متنافرة ،تستبدل فكرة الولاء للوطن بالولاء الى انتماءاتها الفرعية الطائفية و/أو القومية أو الأثنية،
وفي ختام هذا الفصل تناول موضوع الفيدرالية ، ووصفها بأنها شراكة ومشاركة تستبطن داخلها إمكانية الانفضاض، واذا كانت هذه الفيدراليات تسعى الى العمل على تثبيت دعائمها وتوسيع صلاحياتها تحسباً أو انتظاراً لانهيار الشراكة ، كما أنها قد تجهد للبحث عن امتدادات خارجية تشعر معها بالحماية والأمان إذ لم يسر المشروع الوطني على ما يرام ، لكن الحماس للفيدرالية حتى الآن، يبدو مقتصراً على القوى الكردية أكثر من غيرها في ظل الرفض القاطع محلياً وإقليمياً،
وتحدث الكاتب عن أهمية قاعدة (التوافق) في التجربة العراقية في موضوع المفهوم والمعلوم في المصطلح السياسي ، وكيف نشئت مع بداية ظهور الدولة الحديثة في العام 1921، بهدف مراعاة مصالح المكونات العراقية الرئيسة، ولو قُدّر لتلك الصيغة أن تستمر وتترسّخ، فلربما جنّبتْ العراق الكثير من المآسي التي حدثت تحت راية (المواطنة) والتساوي أمام القانون كما صيغتْ كافة الدساتير - المؤقت منها والدائم - إبتدءاً من القانون الأساسي لعام 1925، مروراً بالدساتير المؤقتة التي وضعت (بإسم الشعب) وصولاً الى الدستور المصوّت عليه عام 2005 .في نهاية هذا المبحث يصل الكاتب الى خلاصة مفادها ان العراق يقف اليوم في مرحلة وسطى بين الأمّة والدولة، فهو يملك كلّ مقومات الأمّة، لكنه لم يعلنها، ويملك كلّ عناصر قيام الدولة، لكنه لم يشكّلها، انه في منطقة يمكن وصفها ب(ما قبل الأمّة، ما بعد الدولة) والمعنى في ذلك ان مفهوم الأمّة في العراق طالما كان شمولياً، لكنه يمكن ان يصبح حصرياً (أمة عراقية)، فيما انهارت الدولة بأشكالها القديمة، ولم تنشأ بعد دولة بشكل جديد، لذا فالفكر السياسي العراقي مطالب بإيجاد معان جديدة لكلّ من هذين المفهومين يبني على أساساتها وحدته المجتمعية. ويرى الكاتب أن الدولة بمعناها الجديد، يمكن إنشاؤها على مرتكزين أساسيين: (التوافق والمساهمة) وبهذا تكون أقرب الى حدّ ما، من فكرة الشركات الكبرى التي تضّم مجموعات من المساهمين تنتخب مندوبين لجمعية عمومية وبذلك ستضمن مصالح المساهمين كلّ بمقدار عمله في إنجاح الشركة، ومن جهة أخرى تمنع قيام تحكّم أو هيمنة قد تؤدي إلى نظام دكتاتوري.
وتطرق لمفاهيم الشعب - العرف – القانون – السياسة بالقول أن العراق من أكثر البلدان بحثاً عن السياسة والأكثر تأثراً بنتائجها ،لكنه الأقل نصيباً في الاستفادة منها ، ومرد ذلك يعود إلى أسباب عديدة ،من أهمها تَوفر البيئة الحاضنة لمفهوم " الرمز " أو الزعيم ، فالمجتمع العراقي ذو الصلات القديمة بالدين والمعتقد ، يميل بطبيعته إلى نوع من التحليق الروحي فيما يخصّ الدين ، وبالتالي يبدو أكثر استعداداً للإيمان بأنه سيثاب جرّاء تعلقه بالقائد / الرمز ، ذلك لأن الحياة السياسة في بلاده ، كانت دائمة الاضطراب مما اوجب البحث عن مخلّص يوتوبي يلقي عليه آمال خلاصه ، وقد وجد ضالّته في عاملين يوفران له إطمئنان داخلي وسلام خارجي ، مما تتسبب به السياسة في ظلّ حكّام جائرين ، إنهما : الدين بحضوره ، والقبيلة بقربها وذلك ما يفسر تعدد الطوائف المتنافسة في الدين الواحد ، وتعدد الاجتهادات التنافسية في الطائفة الواحدة .
و تناول الكاتب علاقة المواطن العراقي بالدولة في موضوع الحُكم – الحكمة - المُبارك – الحب قائلا أن تلك العلاقة قامت بمعظمها على طرفين حادّين : أما تماهي بالمتسلط أو خضوع مستسلم له أو تمرّد يقوده إلى الهلاك أو التشرّد ،بدلالة إن أبرز من حاول مقارعة السلطة بتقديم معرفة جديدة أو فكرة بديلة أو نصيحة خارج رغبة الحاكم ،دفع حياته أو حريته أو استقراره ثمناً وقد توصل الى خلاصة مفادها ، إن المواطن العراقي في كلّ العهود كان يألف الحاكّم ولا يألف الحكيم، يستحضر ما فعله الحكام ويتجاهل ما تركه الحكماء في عقله .
و تساءل الكاتب عن الفارق بين السياسة كممارسة ،والفكر كمنتج في موضوع تبدلات الفتح والضمّ بالسؤال، وهل تبرع السياسة في غياب الفكر ؟ أو يتطور الفكر عند ضمور السياسة ؟ مجموعة من أسئلة اللازمات التي كان ينبغي تجاوزها ، للدخول من ثم إلى قضايا أكثر محورية وعمقاً ، في بلد مضى على قيام دولته الحديثة ما يقرب من تسعة عقود، ويصل الكاتب الى القول أن الفكر السياسي العراقي في المجمل قد فقد حكمته ابتداءً من ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين ، بفعل حركة الضمّ التي جاءت بشكل أساس مع نشوء ما سمي بالأحزاب العقائدية ( قومية – ماركسية - إسلامية ) التي أغلقت الفكر على الايدلوجيا والسياسة على المقولات ،ما أدّى إلى ظهور المقدمات الأولى للتصادم بين الفكر والسياسة في العراق الحديث ،فكان إن عانت من الحصار، محاولات إنتاج فكر حيوي مستقل ،وأصيبت من ثم بالعقم والضمور.
ويقول الكاتب أن العراق شهد أولى الانتقالات من القرى إلى المدن - في موضوع الفكر السياسي - بين طموح القصر وسلوكية الخيمة - ومن ترويض وسوس الحيوان والطبيعة ، إلى سياسة الحكم وإدارة المجتمع لكن أزمنة ازدهار السياسية التي استغرقت ما يقرب الثلاثين قرناً ، اندثرت تماماً بعد النكبة الحضارية الكبرى التي حلّت بالعراق ابتداء من غزو قورش لبابل وتدميرها من ثم بشكل كامل لتعيش بعدها السياسية العراقية – بل العقل العراقي برمته –قرون طويلة من الضحالة والسبات قبل أن يصحو على سياسة مختلفة
.ويرى الكاتب أن العقل السياسي العراقي لم يخرج من نمطه ( الخيموي) إلا في مرات نادرة سرعان ما أجهضت لتعود الى تصحّرها ،وقد يُسجل لنوري السعيد وعبد الكريم قاسم ،انهما من أبرز الشخصيات التي حاولت من قلب الصحراء ( الفكرية) للعودة من ثم الى خصوبة العراق ( القروية ) دون أن يكتمل التفاعل بنتائجه وارهاصاته التي ظهر أبرزها في عدم قدرة السياسية على استيعاب القرية ، وعجز القرية عن رفد السياسة ، لذا وقع التناقض بين هذه وتلك ، لتتمكن من ثم عقلية الخيمة ( التي احتفظت ببنيتها وقوتها- وشراستها كذلك) من الإجهاز على الإثنين معاً أي جدار السياسة ، ولم تكتف ( الخيمة) في العراق بابتلاع المدينة وإلحاق الهزيمة بالقرية ،بل فرضت سيطرتها على الدين كذلك ، فجعلته مضارب طائفية متأهبة لتغزو أحدها الأخرى ، ويمكن متابعة تفاصيل هذا التحليل العميق في هذا الفصل من الكتاب .
وتناول موضوع أداة التبدل- مؤسسة الثبات يشير الكاتب الى أن الدولة هي الاكتشاف الأهمّ في الحضارة البشرية ، لكن النظرة الى تقييمها سادها الاختلاف، ففيما اعتبرت الدولة بمقوماتها الثلاثة (أرض – شعب – سلطة ) تقدمت السلطة لتحتل المفهوم بكلّيته ومن ثم لتصنف الدول تبعاً لذلك الى (دول فاشلة وأخرى ناجحة ) ، وهنا يطرح الكاتب رأيا مخالفا فيقول ليس هناك مما يمكن تسميته (دولة فاشلة ) لأن مطالبة الدولة بما ليس من مهماتها واعتباره قياساً لمقدار نجاحها ، لا معنى له في الواقع ، فليس من واجبات الدولة ان تعمل على صهر مجتمعاتها لتتحول من كيان الى كينونة ، بل المفترض الاّ تفعل ذلك .لا دولة دون أركانها الثلاثة مكتملة ، وبالتالي لاتعدّ الدولة (فاشلة ) الا في حال فقدت وجودها ككيان .
أما عن تشكلّ الأمة وتحوّل الدولة فيقول أن الفكر السياسي في العراق الجديد ، مازال يشتغل على قديمه من المفاهيم الفكرية والسياسية ، فيقع في مطبّ هنا ويحاول النهوض هناك من دون ان يحسم في السؤال الذي بقي معلقاً منذ قيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921 إلى حين انهيارها في التاسع من نيسان 2003 وما يزال : ما هو العراق ؟ أو من هو العراق؟ هل هو امّة أنشأت دولتها؟ أم دولة حاولت تكوين أمّتها؟ وكيف ومتى تحسم العلاقة الملتبسة بين أمة قائمة بذاتها واقعاً، وبين (أمم) ما زالت قيد الافتراض. وهنا يبرز مفهوم الأمّة باعتباره تكويني بطبيعته ، فيما يظل مفهوم الدولة كمفهوم وظيفي ،فتقوم بينهما معادلة من نوع : أمّة متطوّرة – دولة متغيرة ، أي ان الأمّة تستطيع تغيير شكل السلطة ونظام الحكم ومواد الدستور بما يتلاءم وتطورها السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي ذلك في المسار العام لقيام الدولة .
ويرى الكاتب أن العراق الحديث ، هو من النماذج الأكثر وضوحاً في هذا الجانب ، فقد نشأت دولته الحديثة عام 1921 بفعل عامل خارجي ، وفيها تسلمت مقاليد السلطة فئة حاولت تكوين أمّة على نظرة أحادية ومقاسات غير مكتملة ، فجاء بناء الدولة فضفاضاً من جهة ، ومتصدعاً من جهة أخرى ، ذلك لأن الدولة الحديثة اصطدمت بمجتمعيات متنوعة كانت تعيش على بقعة ارض محكومة قسراً بواسطة احتلال خارجي فرض سلطته على الأرض وحاول طبع السكّان بملامحه الخاصة ( الدولة العثمانية) التي لم تكن معنية بمفهوم الأمة إلا في كونها جزءاً من الأملاك السلطانية .وعندما انهارت الدولة العثمانية، قامت على أنقاضها دولة أخرى لا تختلف عنها في الجوهر، إلا في أقامة سلطتها على بقعة جغرافية مؤطرة بحدود سياسية ، لذا بقيت الدولة في كلتا الحالتين ، مجرد مخلوق هجين لا يمثل سوى السلطة بوجهها القسري ، وفي حالة كهذه ، تصبح الدولة عائقاً أمام النمو الطبيعي للأمة ، وهو ما حدث فعلاً طوال العقود الممتدة من تاريخ إعلان قيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ، إلى لحظة انهيارها عام 2003 .
أما العملية السياسة القائمة منذ 2003، فيمكن اعتبارها بمثابة مرحلة انتقالية ، قد تفضي بنتيجتها إلى تكوين أمة عراقية متحققة وفق ملامح واضحة ، تجسّدها دولة تعبّر عن هويتها السياسية ،بالتفاعل مع مكوناتها المجتمعية والانسجام مع موقعها الجغرافي ثم يتساءل الكاتب ماذا لو أعلن العراق انه امّة قائمة بذاتها لا ينتمي سوى إلى نفسه كتوجه سياسي وبناء وطني وتأصيل فكري ؟ خاصة وأنه يمتلك الكثير من المقومات التي يمكن احتسابها في عوامل تشكلّ الأمم وبلورة هويتها الوطنية إعلان كهذا ، قد لا يكتفي بالخطاب والتوجهات السياسية وحسب ، بل قد يشكّل بداية ل(إنقلاب ) يحمل بذوراً حقيقة لبناءات جديدة في الفكر السياسي العراقي الذي طالما أنُهك في محنة الإنتماءات المتعددة التي لم يستطع الحسم في احدها .
وعن امكانية قيام دولة كردية متجانسة يقول أن مقومات هذه الدولة ليست بالمتانة المتخيلة ، لأنها ستصطدم بعوائق مانعة ، لها من القوة ما يمكنها من إجهاض مشروع يرتبط بتغيير اشمل يعمّ المنطقة برمّتها وبالتالي فهي بحاجة الى روافع دولية ترى في تغيير بهذا الحجم والأهمية ، بما لا يؤثر على مصالحها كدول عظمى ، ما يعني انتظاراً لأزمنة طويلة ومتغيرات مفصلية قد لا تحصل ، خاصة إن التجارب المعاصرة في تفكك الدول ونشوء كيانات جديدة على انقضاها، لم تكن كافية لتعميمها ، فيوغوسلافيا السابقة انشطرت بحرب دموية مرعبة لا يبدو العالم على استعداد ليرى شبيها لها، وجمهويات الاتحاد السوفييتي السابق ، دخلت فيما يشبه السبات.
وفي هذا الفصل يقول أيضا بأن لا حلّ لعقدة العراق واختناقه المزمن دون البحر ، وهو الأمر الذي انعكست آثاره على مجمل السياسيات العراقية " فبلد يضطر إلى دفع ثلث موارده المالية ، ثمناً لتصدير نفطه أو استيراد احتياجاته ، كما يمكن حصاره بمجرد قرار يصدر من أحد جيرانه ، ستجد أية حكومة فيه نفسها منساقة لانتهاج أحدى طريقتين : أما إثارة المشاكل والتوترات مع ما يعنيه ذلك من أضرار له وللمنطقة ، أو استرضاء تلك البلدان بثمن باهض لا يستطيع العراق تحمّله طويلاً"
وعن فعل الغزاة ومنطق الحضارات يقول الكاتب أن ارض الرافدين شهدت نوعين من الغزاة : قبائل تحمل طوطمها وتبحث عن وسائل عيش أفضل ، وهؤلاء كانوا بمثابة مهاجرين سرعان ما اندمجوا في الحضارة العراقية وأصبحوا من ثم جزءاً منها ومساهمين في صنعها وغزاة فاتحين جاءوا بجيوشهم وألقابهم وتيجانهم الملكية من الحضارات المنافسة ، بهدف إزاحة الحضارة الرافدينية وتدميرها كي لا تبقى مصدر خطر ومنافسة ، وكان أولهم الملك الفارسي قورش ،أما الغازي الكبير الآخر "الإسكندر المقدوني " الذي جاء بعد قورش بحوالي ثلاثة قرون ،فقد بلغ إعجابه بحضارة بابل درجة جعلها عاصمة انطلق منها ، ليلحق هزيمة كبرى بداريوس ملك الفرس ، فكان بذلك أشبه بانتقام لبابل وماحلّ بها من خراب .تعتبر هاتان الغزوتان ،الأكبر من نوعها في العصور القديمة ، أما ما تبقى من حروب كثيرة شهدتها أرض الرفدين ، فيمكن وصفها – قياساً بحجم الغزوتين أعلاه - بأنها من طبيعة " محلية " أججها التنازع على السلطة وانتصاراً للاختلاف الطوطمي بقية تفاصيل هذا الموضوع تجدها في هذا الفصل المهم من فصول الكتاب.
ويشرح ايضا المقصود بالمكاونة والتكوّن بالقول : أن طبيعة المجتمع العراقي ،تمثل أنموذجاً لما يُعرف بقانون (وحدة وصراع الأضداد ) الذي حكم مساراته الطبيعية ، لذا نحتت قواميس العراق المجتمعية ، كلمات واشتقاقات تعبّر عن حقيقة تكوّنه الذي انطبع في المخيال الشعبي ووضع مراتب للخصومات والنزاعات التي كانت تدور فيه ، إبتداءاً من المشاجرة بإعتبارها فعلاً فردياً ، مروراً بالكونة والتكاون ، وصولاً الى العركة. وفي جزء اخر من هذا الفصل تحدث الكاتب عن المركزية فيقول حين نبحث في خزين الفكر العراقي والعربي، السياسي أو الاجتماعي أو الفقهي عبر التاريخ، سنجد كمّ هائل من المحفزات التي تربطه بالمركزية، باعتبارها حامية الكيانات الوطنية من التبعثر والانقسام. فالمركزية تغرس أنيابها عميقا في وجدان المثقّف قبل غيره، ذلك كونه يمثّل "الترمومتر" الذي يستشفّ حرارة الأحداث القادمة، لذا فما ان يواجه المثقف "فيروسات" خطرة كالفيدرالية، سيتعرّض استقراره الفكري للإهتزاز من هنا يأتي ذلك التناقض والارتباك في مواقف النخب العربية من مسألتين: العمليات الإرهابية، حيث يحاول البعض إيجاد ما يبررها، فيما يصفق لها البعض الآخر.
وعن مجتمع السياسة والمجتمع السياسي يقول الكاتب في تاريخ العراق – الحديث منه بشكل خاص – لم يكن المجتمع يفرز نخباً سياسية تمارس لعبة السياسية بجانبيها الحاكم والمعارض ، ولم يكن هناك من مجال لتبادل سلمي للسلطة ، الا من ضمن نخب بعينها تشكلت ونمت خارج المجتمع ، ذلك ما سارت عليه الأحوال طوال العهد الملكي .لم تكتف (النخب) بصفتها تلك ، بل تحولت الى (مجتمع) له خصوصيته الثقافية وامتيازاته الاقتصادية وموقعه النافذ ، وتقاليده وسلوكياته، وموروثاته التي تستمّد بقاءها من إرث عائلي وألقاب عثمانية أو رتب عسكرية أو قيادات أحزاب أو زعامات عشائرية وكان تلك الفئة الحاكمة أو الدائرين في فلكها ، هم المالك الحصري لكلّ ماله علاقة بمقدرات العراق وقراره السياسي والاقتصادي ، لذا كان من الطبيعي ان يصنعوا تاريخهم الخاص، الذي سيعمم على أنه تاريخ البلاد، وما يمكن ملاحظته في تلك المراحل ، هو هيمنة حالة التعتيم وضعف المعلومات بل ندرتها ، وهي على شحة تلك المعلومات فأنها كانت تحاط بقدر كبير من الغموض والسرية ، ويربط الكاتب هيمنة تلك الحالة بسلوكيات الفئات الحاكمة (مجتمع السياسة) التأمرية وبالإصطفافات المصلحية ومحاولات التسقيط ، كأسلوب مألوف يستمد جذوره من موروثات سادت في قصور الخلفاء و السلاطين والملوك السابقين .بعد إنقلاب 1958، تغير شكل (مجتمع السياسة) ظاهرياً، لكنه ورث بدوره كل ما سبقه ، بما فيه السلوكيات السياسية ، فقد إستبدلت طبقة ( الباشوات ) الملكية ، بكبار ضباط الحركات الانقلابية ، كما حلّ قادة الأحزاب ( الثورية ) وأعضاء مجالس قيادة الثورة وما شابه ، بديلاً عن كبار الإقطاعيين وأضرابهم واستمرت تلك المعادلة التي تقوم على طرفين غير متكافئين : ( مجتمع السياسة ) حيث السلطة والنفوذ ، والمجتمع المسيّس حيث القمع أو الاستخدام اما بعد 2003 فقد أنقلب التاريخ السياسي ، وبدأت تظهر للمرّة الأولى محاولة الدمج بين ( مجتمع السياسة) الخاص بتقاليده والمنعزل بممارساته، وبين المجتمع السياسي الذي يستطيع التأثير في ممارسات السياسة واتجاهاتها بعد أن أدرك قوته في اختراق ( مجتمع السياسة ) وهزّ طمأنينته ، وبالتالي إعادته الى مكانه الطبيعي كجزء من المجتمع الذي وكله لأداء مهمة محددة ، في مهلة زمنية محددة ومعروفة سلفاً ، وتحت رقابة المجتمع السياسي لا بمعزل عنه.
أما عن المحاصصة فيقول أنها ظهرت بشكل جليّ بعد التغيير العاصف في العراق 2003، ونالت فكرة المحاصصة من النقد والثلب والاستنكار، ما لم ينله مصطلح آخر،إذ حمُّلّت كافة الآثام التي حصلت منذ التاريخ المذكور والى أزمنة قادمة مروراً بمشكلات الحاضر وأزماته التي باتت جزءاً من المشهد اليومي للحياة العراقية، فلو لم تكن المحاصصة البغيضة، لكان العراق يزهو بديمقراطية (عريقة) تتقدم فيها المواطنة على ماعداها ويسود فيها تكافؤ الفرص بين المواطنين، وبالتالي ما كان العراقيون يرون كلّ ذلك التسابق المشوب بالفساد بين السياسيين والادعاءات المضخمة عن أهلية حصرية في تمثيلهم لمكونات بعينها . لكن كم يملك ذلك القول من الصدقية؟ بمعنى هل المحاصصة حقّاً بهذا السوء؟ وهل هي السبب في ما يحصل؟ ويدافع الكاتب هنا عن فكرة المحاصصة ويصفها بأنها ذلك الجمع الفعّال بين الضمني والعلني، بين الحفاظ على حقوق الجماعة في مجتمع متنوع ، والحفاظ على حقوق المواطن الفرد كما تضمنه المواطنة، فالمواطنة وحدها قد تكون صالحة للتطبيق في مجتمع متجانس، لكنها تحتاج الى المحاصصة (وان عرفاً ) كي تكتمل المعادلة في المجتمعات المتنوعة على وجه الخصوص. وقد جرت محاولات أوّلية في الدولة العراقية الحديثة، لجعل المحاصصة تجد طريقها للتجسد بأكثر من سبيل لكن النجاح لم يحالف تلك المحاولات لأسباب عديدة، منها ما يتعلّق برفض بعض المكونات مبدأ المشاركة وهكذا ضيّع العراقيون على أنفسهم وبلدهم، فرصة نادرة يمكن ان تؤسس لدولة حديثة تضمن مشاركة الجميع أفراداً وحفظ حقّ الجميع كمكونات.
و عن السياسية العراقية يقول أنها تتقاسمها أربعة (لوبيات) رئيسة، وهي بحسب أهميتها على التوالي اللوبي الإيراني ، وتمثله قيادات أحزاب وتيارات سياسية شيعية وبعض الشخصيات المستقلة، واللوبي السعودي: وتمثله التنظيمات الأصولية المتشددة وبعض الزعامات والقوى السياسية ذات الميول المذهبية أو الباحثة عن دعم ومساندة خارجية لتقوية وضعها الداخلي ،وقد أغدقت السعودية أموالاً طائلة على هذه القوى والتنظيمات من أجل تعميق حضورها السياسي والاجتماعي للتأثير من ثم في مواقفها من الوضع العراقي . ومعظم القوى المنضوية فيه ، تحدد علاقتها مع السعودية مصلحياً والقوى الوحيدة التي تستند على الفقه السعودي ، هي التنظيمات المتشددة العنفية وحتى هذه ، فإن حاجتها للمال السعودي هي الجوهر المتحكّم في تلك العلاقة. اما الثالث فهو اللوبي السوري: ويتمركز في تنظيمات حزب البعث المنحل وبعض التيارات القومية الأخرى، وضعف هذا اللوبي كثيراً بعد الأحداث الأخيرة في سوريا ، وتأثيره بدأ بالانحسار فعلياً. واخيرا اللوبي الأمريكي ويكاد ينحصر في قيادات إقليم كردستان كما يضم ايضاً بعض القوى الليبرالية واليسارية المتحولة، وغيرها من الرموز الأكاديمية والثقافية والإعلامية ، وفقد هذا اللوبي الكثير من أوراق قوته ، بعد الانسحاب الأمريكي من العراق
و يتساءل الكاتب عن بغداد؟ كم حملت أو فعلت أو تفاعلت أو انسجمت أو ابتكرت من معايير العواصم ؟ ويقول أنها لم تحتفظ في تاريخها الحديث من ميزات العاصمة سوى بمظهرين :هما قدرتها الاستقطابية ، ووجود الحاكم ، فقدرتها على الاستقطاب تفوق قدرتها على الاستيعاب ، لعجزها عن استيعاب القادمين اليها من الارياف، وإدماجهم ضمن قيمها المدنية الملتبسة أصلاً ، لذا كانت أشبه بجسد ريفي مركب على عقل حضري .فقد اكتسب الفلاحون القادمون اليها أسهل السلوكيات وأكثرها شيوعاً فوقعوا في المراوحة بين ظواهر المدينة دون جوهرها ، وقسوة الريف دون صدقه وكما في المجتمع ، كذلك في السياسة ، فقد إكتسب هؤلاء كلّ تلك السلوكيات الملتبسة من دون إظهار قدرة الانتقال الى ( العواصمية ) و ما كان يعيق بغداد في طريق الانتقال الى عواصميتها ، انها تبدو بمثابة مركبة رباعية الدفع ، تملك القوّة من دون القدرة على استثمارها ، وتملك الزخم من دون اتجاه .
وعن قلق العلاقة وأفق الاستقرار اشار الى أن تاريخ العراق كان دائماً إشكالي الحضور بين جيرانه، محاصراً أو مقتحماً، ولا عيش له بغير ذلك، خاصة في وجوده ضمن منطقة مختلفة الأنظمة، لم تطوّر مفهوماً جديداً للعلاقات التي تحكمها المنفعة المتبادلة. كان العراق على الدوام يصوّر بأنه (النمر) المفترس الذي ينبغي محاصرته وحبسه في قفص، وعلى رغم مروه بتعرجات تاريخية هبطت به الى قاع الحضارة و(قمة) الضعف، الا ان حذر (الجِوار) ظلّ قائماً على الدوام.أن الخط البياني للعلاقات العراقية مع الدول الإقليمية ـ ودول الجوار منها بشكل أخصّ ـ كان على الدوام متارجاً تبعاً لأهمية تلك الدول وقدرتها على " خنق " العراق أو كسر الطوق عنه ـ وهذه معادلة مزمنة قد تدخل في حسابات معقدة، أما لحلّها، أو لإرسائها وتثبيت دعائمها ـ
وحول السياسية الإيرانية في العراق يقول أنها تتمحور حول تحقيق أربعة أهداف استراتيجية يجملها بالآتي: بالمرجعية الروحية: فإيران تنظر الى نفسها باعتبارها المرجعية السياسية للشيعة وبقيت "عقدة النجف" تسيطر على طموحات الإيرانيين وسلوكياتهم، يضاف الى ذلك ما تمثله "الكوفة" من رمز عقائدي كونها عاصمة الخلاص التي سيتخذها الإمام المنتظر منطلقا ومستقراً ـ حسب المعتقد الشيعي ـ والهدف الثاني جيو/ سياسي: ويعود الى اقليم الأهواز الذي يشكل عصب الحياة الاقتصادية لإيران، وهو مصدر قلق لها في الوقت ذاته فالأهوازيون لم ينقطعوا عن المطالبة بحقوقهم القومية، التي ترتفع وتيرتها أو تنخفض بحسب المعطيات والظروف. الهدف الثالث هو الوكالة المستعادة فطوال سنوات الحرب الباردة، والى ما قبل انتصار الثورة الإسلامية 1979، كانت إيران الشاه، هي اللاعب الإقليمي الأقوى في المنطقة، والمفضل لدى أمريكا وبعد سقوط نظام الشاه، تحولت الاستراتيجية الأمريكية عن اعتماد الوكلاء بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتغيرت المعادلة الإقليمية كذلك، الهدف الرابع فهو التاريخ الحربي: حسب بعض النظريات، فان الأحداث المعاصرة يمكن إيجاد نظيراً لها في وقائع تاريخية معينة، وقد شهد العراق حروباً طاحنة بين المعسكرين الصفوي والعثماني، واذا كانت كل من الدولتين قد زالتا، فإن آثار صراعهما ما زال يتردد صداه في العراق ، حيث تحول ساحة مفتوحة لصراع مشابه لو تأجل أو تأخر تنفيذها أو لم تنفّذ أصلاً
وفي موضوع الاستراتيجيات الحية والطموحات الميتة يؤكد على أن العراق من البلدان التي تمتلك (أصولاً ) جيدة لوضع الإستراتيجيات ، فدراسة وضعه الجيوبوليتكي وإمكانيات تطوير ثرواته الطبيعية وتنوعه المجتمعي واقتصاده الذي يحمل بذوراً حقيقة للنمو والتطور ، وقدرته ( الكامنة) على إقامة علاقات مميزة مع الكثير من دول العالم بما فيها إمكانية قبوله في عضوية حلف شمال الأطلسي، كلها عوامل متوفرة أو يمكن العمل على تهيئتها ، لكنها معطلّة لأسباب تتعلق بوضعية القرار السياسي وعدم استقرار النظام العام ، وهي حالات مؤقتة يمكن ان تدخل في محتملين : اما ان يُحسب العراق بجغرافيته الحالية ، أو أن تحصل تغييرات بنيوية في النظام السياسي قد تؤدي الى اختلاف جذري في الجغرافيا .
و يشير الكاتب الى التشابه بين بعض الظواهر التاريخية- عند تناول موضوع العوامل الحاملة للوجود السياسي - الذي يحدث في مراحل زمنية مختلفة، من نوع التاريخ الذي يحنّ على منشئه الأول، ويعني ذلك ان المناطق التي شهدت نشوء حضارات مزدهرة ، مازالت تمتلك من الطاقات الكامنة ما يؤهلها لإعادة إنتاج منافذ للقوة قد تستعيد من خلالها بعض أدوارها التي تراجعت أو اضمحلت بفعل تقلبات السياسة واختلاف الظروف، ومن بين تلك الدول العراق، الذي مازال يملك النواة لدولة متمثلة بالأكثرية العربية، تحمل إمكانيات إبقاء العراق في مكانة الدولة، أما احتمالات انقسام العراق بشكل ثلاثي كما طرح في خطة (بايدن)، فسينشأ عن ذلك كيانان ودولة، كيان كردي في الشمال، وكيان عربي سني في الغرب والشمال الغربي، فيما تبقى الدولة قائمة في الوسط والجنوب، لكن الكيان السنّي سيكون في موقع الاستقطاب وبالتالي الذوبان في المحيط العربي وفقدان خصوصيته الوطنية، فيما ستهتز الدولة (الشيعية) العراقية من قوة التدخلات الإيرانية التي قد تؤدي إلى فقدانها خصوصيها، أما الكيان الكردي، فسيكون أمام تحديات كبرى، فهو اما أن يتحول إلى شبه دولة بضمّ بقاع جغرافية ذات أكثرية كردية في تركيا وإيران وسوريا، وأما أن يبقى في إطار كيان محاط بالمخاطر.
وعن موضوع الثروة المائية في العراق يقول الكاتب أن الثروة المائية ينبغي الا تكون موضع تجاذب واستثمار سياسيين، اما محاولات انتهاج اساليب تخرج عن نطاق العمل السياسي المشروع، فأنها اقرب الى دحرجة برميل من البارود نحو نار ملتهبة .
عن أهمية السلاح النووي للعراق يقول الكاتب أن العراق لا يظهر نزوعاً إمبراطورياً كجارتيه الشرقية والشمالية – إيران وتركيا - وليس موطناً للتشدد الديني أو الشعارات القومية كما جارتيه الجنوبية والغربية على التوالي – السعودية وسوريا - فقد استطاعت مكوناته التعبير عن نفسها بكلّ الوسائل الممكنة- بما فيها العنف - وهي في طريق تشكيل قناعات بالحفاظ على وحدة بلدها ، محصّلة ذلك ان العراق ( النووي ) قد يكون حلاّ ًللمعضلة الإيرانية ، فبعد خروجه من الحروب وويلاتها ، ومع ثرواته الواعدة وديمقراطيته الفيدرالية السائرة باتجاه النضج ، قد يكون بذلك ، الاختيار الأنسب كطرف إقليمي يعتمد دولياً ، ليس لمواجهة إيران بالضرورة ، بل لجعل سلاحها النووي محدود الاستثمار سياسياً .
و متى تربح الجغرافيا – متى يخسر التاريخ؟ يقول الكاتب إذا كان التاريخ هو الفاعل في لغة الزمن ، فإن الجغرافيا هي المفعول به ، وبالتالي فالتاريخ في موقع الظالم ، فيما الجغرافيا كانت دائماً في موقع المظلوم ، لكن المفارقة في سيرورة التاريخ وعلاقته بالجغرافيا ، ان الجغرافيا كانت تنتصر مع انتصار الطغاة ،وتخسر بهزيمتهم ،أما التاريخ ، فهو (منتصر) في الحالتين ،رغم انه مجرد شاهد سلبي على الأحداث ، من دون ان يلعب دوراً في حصولها ، فيما تشارك الجغرافيا بفعالية في صنع الحدث والتأثير فيه ، بل والتحكّم بمساره أحيانا ، لقد شهد التاريخ أول انتصار سجّلته الجغرافيا ، كان في العراق في عصور ما قبل الميلاد ،وذلك حينما اكتسحت جيوش الأكديين ،المناطق شرقاً وغربا وفرضت سيطرتها على مساحات شاسعة ، ثم استمر ذلك الإنتصار الجغرافي أيام الآشوريين والبابليين ، أما أول هزيمة كبرى للجغرافيا العراقية ، فكانت حين سقطت بابل بيد قورش الفارسي ، واستمرت مفاعيل الهزيمة قائمة على امتداد أزمنة طويلة الى أن بنيت بغداد قريبة من بابل ، وأصبحت مالكة لجغرافية هائلة الاتساع ، وهو الانتصار الأكبر للجغرافيا العراقية عبر جميع العصور ، أما الخسارة الأعظم لتلك الجغرافيا، فجاءت في عهد صدام حسين ففي ذروة قوته وجبروته ، فرطّ بجزء من الجغرافيا لصالح الأردن أولاً، ثم خاض حربا ًمدمرة كي تستعيد الجغرافيا العراقية بعض منافذها وثغورها البحرية ، فكتب في حبر الجغرافيا ،تاريخ آخر توالت فصوله الدامية التي ظهرت على شكل حربين متتاليتين ( الخليج الأولى والثانية ) تضاف إليهما سلسلة ( الحروب) الداخلية المتواصلة ، ما جعل التاريخ العراقي مشبعاً ب( الإنتصارات) المزعومة .ثم ابتدأ عهده بتجفيف مياه الأهوار التي طالما شكّلت سدّاً طبيعياً أوقف زحف التصحر وحجزه بعيداً عن قلب حقول العراق ،ثم أعلن حرباً على ساكنيها وما كادت الحرب الأولى تنتهي ،حتى اندلعت حرب ثانية كانت اشدّ قسوة وفتكاً ،وفيها تلقت الجغرافيا العراقية أطناناً من القنابل والصواريخ ، ما لم تشهده أوربا طوال الحربين العالميتين ( الأولى والثانية ) معاً ،ثم استلزم الطاغية غزواً خارجياً للإطاحة به .
ثم يتساءل الكاتب هل هناك تاريخ في العراق ؟ أم ماض وحسب ؟ تاريخ العراق الحديث في وضع يمكن ان يُطلق عليه بالتاريخ المتحوّل فقد حدث التحول الأوضح والأكبر ، بعد الدخول البريطاني الى بغداد عام 1918 وعندها وضع العراق تحت الوصاية البريطانية اما التحوّل الثاني فحصل بعد اندلاع الثورة العراقية عام 1920 ، ما عجّل بالدفع نحو إقامة كيانية عراقية خاصة استمر التاريخ يتخذ مساراً تراكمياً نسبياً في تلك المرحلة، رغم ما تخلله من أحداث لم تشكلّ تحولات ملموسة على الواقع العراقي، التحوّل الثالث جاء في العهد الجمهوري بعد تحول العلاقة بين السلطة وعامة الناس ، من عشائرية آمرة في العهد الملكي ، الى استخدامية جائرة ، ثم الى تسلطية استبدادية في عهد البعث ، ومن ثم أحادية دكتاتورية على يد صدام حسين ،وقد حملت كلّ مرحلة من تلك التحولات ، مفردات المرحلة التي سبقتها في جانبها الإجهاضي السلبي ،وألغت منجزاتها الإيجابية
بعد العام 2003 تداخلت المرحلة الى درجة الاشتباك ، بين ماض يقاوم ليبقى ، وحاضر يجاهد لينمو ويستمر، يستند الماضي الى تاريخ التحوّلات بكلّ مفرداتها الموروثة ومن أهمها : لغة العنف – الاستيلاء على السلطة بالقوة – استمرار الاستقواء بالخارج لتغيير الداخل – عقلية الإلغاء والمصادرة – سلوكية التآمر والتخوين في وقت اعتمدت قوى التغيير على الخارج بدورها ، لكن وسائل الحكم في الداخل تغيّرت جذرياً ، إذ استندت في مرتكزاتها الى : مشروعية انتخابية ، تعدد أحزاب ، حكم مدني ، القبول بالآخر ، إزاحات تدريجية لعقلية الإلغاء ، انسحابات تدريجية نحو الداخل ، نشوء جنيني لفكر وطني ، فاعلية الاجتماعي وتأثيره في السياسي – شأناً وشخوصاً – ارتفاع المنسوب في ثقافة الحوار .تلك لبنات أولية لتاريخ يتغير ، ليدخل من ثم مرحلة التراكم لمسارات تمتلك لأول مرّة إمكانية ان تشق طريقاً تصاعدياً ثابتاً نسبياً ، وان تخللته صعوبة البدايات وإشكالياتها. انه تاريخ يمكن ان يُكتب تحت عنوان ( تاريخ التراكم البنائي ) بديلاً لعنوانه السابق ( تاريخ التحول البياني ).
وفي موضوع محنة الجغرافيا وأزمة التاريخ يقول الكاتب لا نكاد نجد في الشواهد المعروفة، ذلك الشكل الصارخ بين تواطيء الجغرافيا وملهاة التاريخ، كما نجده في العراق، فالسهل الرسوبي الوافر الخصب والمعتدل الغزير المياه التي تحيطه من جنوبه صحارى قاحلة ومن شماله جبال وعرة لا تصلح كلاهما لسكن الإنسان قياساً بما يوفره ذلك السهل، الذي كان دائما ملفت أنظار ومحط رحال لأقوام آمنت بمنطق الغلبة، ورغم أنها وبحكم إستقرارها المكاني شيدت أولى المدنيات ووضعت الدساتير لتنظيم الحياة.
ان شعور الحصار سيبقى ممسكاً بخناق العراقيين وسيستمر في كونه عامل ضغط شديد الوطأة وسبباً مباشراً لعدم الاستقرار ما لم يقوّم اعوجاج الجغرافيا التي تم ليّ عنقها بشكل جائر كما يرى العراقيون . فهل سنشهد إضافات أخرى الى أساطير إعادة الخلق بعد الدمار واناشيد الموت والحزن المستديم التي انبثقت من تلك الأمكنة شديدة الكآبة رائعة الجمال ؟ ربما، فهو العراق، محنة الجغرافيا ومأزق التاريخ .
في المقابل يقف العراق على منصّة يظهر فيها على لوحة التاريخ كالآتي :في عصور مقابل الميلاد، عاشت بلاد الرافدين ثلاثة آلاف سنة من الازدهار الحضاري كانت فيها أكد ونينوى و بابل سيدة العالم ، وحين سقطت بابل بيد الغزاة الفرس، دخلت المنطقة سباتاً لم تصحُ منه إلا مع مجيء الإسلام، الذي سرعان ما انتقل فيه مركز الدولة الى بغداد فتحوّلت عاصمة الدنيا (بغداد عاصمة والكون بلاد) أما في العصور الحديثة، فلم تكن هناك قضية عربية لم يشارك فيها العراقيون بكثافة، ولا معركة للعرب لم يزجوا أنفسهم فيها بفاعلية، وصرفوا الكثير من ثرواتهم وجهدهم دعماً للقضايا العربية، لكن ذلك كله لم يشفع لهم، فكانوا دائماً المشوّهين بنظر العرب، جَمالهم يتحول قبحاً وحسناتهم سيئات وصوابهم خطأ
ونصل هنا الى الخاتمة الأولى للكتاب ويطرح فيها الكاتب موضوع: " التداولية السياسية والمشروع العراقي ويقول منذ أن نشأتْ الدولة العراقية عام 1921، إلى انهيارها عام 2003، كانت قاعدة (التوافقية) هي الغائب الأكبر ، ولو قُدّر لتلك الصيغة أن تتفعل وتترسّخ، فلربما جنّبتْ العراق الكثير من المآسي التي حدثت تحت يافطة المواطنة والتساوي أمام القانون كما صاغتْها كافة الدساتير التي تم العمل بها خلال من 1925 الى 2003 والتي ارتكزت فيها فلسفة الدولة على مفهوم المواطنة والهوية الوطنية بصفة نظرية ولم نتقله يوماً إلى حيّز التطبيق ، كما لم يشر أيّ منها لأي مكّون عراقي، ما أفسح في المجال أمام ظهور دكتاتوريات صادرت حقوق العراقيين تحت شعارات الوطنية والمواطنة والأمّة وما شابه ذلك من شعارات . وهنا يتساءل الكاتب : هل أن الدكتاتوريات خطأ تكويني في بناء الدولة العراقية؟ أم أن مصدرها الاستعداد الفردي عند من تسلّموا السلطة؟ ثم ما دور التنوع الاجتماعي في ظهور الدكتاتوريات واستمرارها في العراق؟ أليس في فلسفة بناء الدولة العراقية دستورياً، ما يعاب عليه من ناحية نظرية ،وليس من المنطقي القول: أن جميع من جاء إلى الحكم في العراق ، كان يحمل (جينات) استبدادية بالوراثة، لكن الخلل في الجوهر يتمثّل بالقفز على حقيقة التنوع في العراق، وبالتالي تجاهل العمل على بناء (الدولة التوافقية) الوطنية، بديلاً لدولة الاستئثار باسم الوطنية .إن على الفكر السياسي العراقي ،الإقرار بواقع التعددية في الاجتماع العراقي، وإيجاد أنسب الوسائل وأكثرها ملاءمة لنقل (التوافقية) من اعتبارها مدخلاً للاختلاف والتعطيل المتبادل لمهام الدولة، إلى تعاقد حرّ بين مكوّنات الشعب وتفاعل حيوي لا يلغي دور أحد، ولا يكرّس استئثار أحد ، ويذكر الكاتب ايضا بأن العراق يقف اليوم في مرحلة وسطى بين الأمّة والدولة، فهو يملك كلّ مقومات الأمّة، من دون إعلانها ،ويملك كلّ عناصر الدولة، لكنه لم يشكّلها، وفيما انهارت الدولة بأشكالها القديمة، لم تنشأ بعد دولة تأخذ شكلاً جديداً يستجيب للتطورات في العراق والمنطقة ،لذا ينبغي العمل على إيجاد معان ومفاهيم صحيحة وواقعية تبنى على أساساتها الوحدة العراقية بشكل فاعل .
ويؤكد ايضا على أن الدولة العراقية الجديدة، يمكن إنشاؤها على مرتكزين هما التوافقية والمساهمة مما يحقق جملة من الفوائد المتحصّلة من نظام إدارة حيوي ومساهمات سليمة وفعّالة ، بعد أن جرّب العراق مقولات الدولة الوطنية طوال ما يقرب من تسعة عقود ، وكانت نتيجة ذلك اضطهاد وتهميش لمكونات ، واستيلاء واستئثار لأخرى ، ما أدى إلى شروخ وتصدعات مازالت تلقي بظلالها على الواقع العراقي منتجة أزمات تتجدد باستمرار. ولكي لا تستمر الدوامة التي تمسك بخناق العراقيين دولة وشعباً ، فإن المشروع الوطني العراقي الجديد ( التداولية ) يهدف إلى تقنين الطائفية أو الإثنية لا تعميمها ،
في نهاية الكتاب يقدم الكاتب سيناريو متفائل لما هو متوقع تحقيقه نجاح هذا السناريو يشترط توفرت مجموعة من الشروط من أهمها استعادة اللحمة الوطنية وسيادة الخطاب الوطني، وإزالة الشعور بالغبن أو الإقصاء أو الاستهداف. وترسيخ حقوق المواطن العراقي بحظوظه المتساوية للوصول إلى أعلى مناصب الدولة (الرئاسة ) من دون منّة أو ضغط أو اتفاقات جانبية أو سرّية ولضمان عدم هيمنة مكّون واحد على الرئاسة بتأمينه أصواتاً أكثر لصالح مرشحه ، يتم اختيار الرئيس بمادة دستورية تلزمه الحصول على أصوات معينة من كافة المحافظات .وبما أن مشروع ( التداولية)، يهدف إلى الحفاظ على حقوق جميع المكونات، ويفسح في المجال أمام جميع الأفراد ، فمن شأن ذلك توفير فرص حقيقية لتعديل الدستور الحالي وتجاوز الحساسيات. تقدّم التداولية نموذجاً على أهمية الاعتراف بمكونات الشعب من دون مواربة أو شعارات بلا مضمون تعتمد على النوايا والصفقات، ما يعني رسالة اطمئنان إلى أن الجميع شركاء حقيقيون في الوطن
وختاما يجدد الكاتب التأكيد على العراق يمتلك فرصاً حقيقية لنهوض ، لتوفر مجموعة من العوامل المساهمة في الدفع نحو متوقع ايجابي وهي :– الموارد الطبيعية والبشرية والموقع حيوي والمجتمع متنوع فضلا عن العمق تاريخي، تلك العوامل كفيلة بجعل العراق واحداً من البلدان المرموقة ، شرط أن تتفاعل وتتكامل مع بعضها ، أما في حال انفصالها أو تضادها فسيجعلها جميعاً في موقع الشلل وعدم الفاعلية ، وبالتالي تخرج من كونها وسائل بناء لتتحول إلى أدوات هدم ، قد يستغلها الجميع ، لكنها ستؤدي إلى دمار يطال الجميع كذلك ، فحين تتبعثر الثروات و يجزء الموقع وينقسم المجتمع ، يتضاءل الدور وتنهار القوة ويضيع العمق التاريخي فلا يستطيع الإجابة لا عن أسئلة الحاضر ولا عن احتمالات المستقبل ، فيما يفقد المجتمع فاعليته وينهمك الاقتصاد في البحث عن حلول لمشكلات التي ستزداد صعوبة وإستعصاءا





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,479,037,256
- تحسين كفاءة استخدام الطاقة في الصناعات كثيفة الاستهلاك في ال ...
- المنهج الاقتصادي لتحليل مشكلة الطائفية في العراق
- معايير الحكم على كفاءة الإنفاق العام على التعليم العالي في ا ...
- رسالة من مواطن بريء الى الارهابيين
- الخروج من المأزق الطائفي في العراق
- المالكي يعلن وفاة حكومة الشراكة الوطنية
- النمو الاقتصادي المرتفع وإعادة إنتاج التخلف في العراق
- محددات الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول النامية
- تحليل التغييرات في توجهات السياسات الاقتصادية في العراق
- هل يمكن الخروج من حالة الدولة الرخوة في العراق
- المأزق التنموي في العراق... استمرار الطابع الريعي وارتفاع ال ...
- التكامل الاقتصادي بين الشروط التقليدية والشروط الحديثة
- البرلمان العراقي و تحريم المشروبات الكحولية
- دور السياسات الاقتصادية في استفحال ظاهرة البطالة في العراق
- سبل مواجهة المأزق التنموي في العراق
- دور الإعلام في عملية التنمية في العراق
- مدرسة التبعية المنهج الملائم لتفسير ظاهرة التخلف في دول العا ...
- الجودة الشاملة في التعليم الجامعي وإمكانيات تطبيقها في العرا ...
- آليات النهوض برأس المال البشري في الدول العربية
- آليات السوق وسبل تفعيلها في العراق


المزيد.....




- اعتقال 18 شخصا حاولوا اجتياز الحدود البحرية التونسية باتجاه ...
- في رسالة الجمعية الوطنية إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان با ...
- اعتقال نجل ملياردير مغربي في ملهى إسباني
- الاحتلال يفشل في اعتقال منفذي عملية “العين”
- مركز الأسرى الفلسطيني: 220 طفلا أسيرا محرومون من الالتحاق با ...
- وزير الإعلام اليمني: سنتحرك لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن لر ...
- حزب -تحيا تونس- يصدر بيانا يستنكر فيه الزج بيوسف الشاهد في ا ...
- الأمم المتحدة تشدد أن مؤسسة النفط الليبية هي الجهة المخولة ف ...
- تقرير يمني: مليشيا الحوثي ترتكب 258 انتهاكا لحقوق الإنسان خل ...
- شاهد.. لحظة اعتقال المرشح لانتخابات الرئاسة في تونس نبيل الق ...


المزيد.....

- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فلاح خلف الربيعي - تقديمي لكتاب : السياسة العذراء، مفهوم الدولة في الاجتماع العراقي للكاتب علي السعدي