أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - تقاطعات بين الأديان 1 عبد المطلب ( جد الرسول ) هل كان نبيا















المزيد.....


تقاطعات بين الأديان 1 عبد المطلب ( جد الرسول ) هل كان نبيا


عبد المجيد حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 4325 - 2014 / 1 / 4 - 17:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تقاطعات بين الأديان

استهلال :

من أسعده الحظ بالاطلاع ، ولو بشكل محدود ، على تاريخ بعض الأديان وتطورها ، ولو في منطقة محدودة كشرقنا الأوسط ، ولو أنه امتلك بعض الموهبة ، فالقدرة ، على المقارنة والمضاهاة بينها ، أو حتى بين البعض منها ، فمن المؤكد أنه سيقع على حقائق مذهلة ، تندرج عند البعض تحت بند الغرائب والعجائب . والمؤكد أنه ستقوده إلى استنتاجات ما كانت لتخطر له على بال ، وستثير لديه الكثير من التساؤلات ، والأهم أنها ستطرح الجديد من الأسئلة . وأنا هنا لن أتسرع بطرح ، أو حتى مجرد الإشارة ، إلى بعض الاستنتاجات التي خطرت لي ، ولا حتى طرح تساؤلات أو أسئلة جديدة .
يمكنني القول أن الديانات قديمها - الوثنية على تنوعها - والحديثة – والسماوية في مقدمتها – تصدت للإجابة على ذات الأسئلة التي واجهت الإنسان في مختلف مراحل تطوره . كما حاولت تقديم تفسير لكثير من الظواهر ، والطبيعية في المقدمة ، التي واجهها الإنسان واستحوذت على تفكيره . وكلها بدون استثناء قدمت معتقدات ، وأنشأت عبادات ، ومنظومات للقيم الأخلاقية والسلوكية وللعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية ....الخ .
والأمر المؤكد أن أي مطلع لا بد وأن يخرج بقناعة مؤداها أن الدين ، أي دين ، هو كائن حي ومتطور . ويكاد في تطوره يشابه ، أو يحاكي ، تطور حياة الإنسان نفسه . ولادة ، نمو ، شباب ، ثبات ، ثم انحدار ، فكهولة واندثار . ومن المفاجآت التي تنتظر أي مطلع أنه سيرى أن ليس هناك من دين انتهى كما بدأ . وليس هناك من دين لم يمر بدورات مرونة وتشدد ، والأخيرة دائما ما كانت تحول حيوات التابعين إلى جحيم .
إذن وفي الحلقات القادمة لن أبادر إلى تقديم استنتاجات أو طرح تساؤلات . سأقصر دوري على مجرد نقل ما قالته أديان في قضية من القضايا ، تاركا للقارئ مهمة المقارنة ، المضاهاة ، ومن ثم ما قد يصل إيه من استنتاجات ، وما قد يثار عنده من تساؤلات ، فالبحث المجدد عن إجابات .
ولقد اعترضني مشكلة ، من أين وكيف أبدأ ؟ هل أبدأ بالجديد عائدا إلى القديم ؟ بمعنى هل أبدأ من القرآن فالعودة إلى التوراة ، ومن ثم إلى الديانات الأخرى وحسب تتابعها الزمني ، أم أبدأ بالعكس ؟ وكان أن أخذت بالخيار الثاني . كما اخترت البداية بموضوع سهل وبسيط ، كموضوع للحلقة الأولى ، لا يحتاج إلى العودة إلى السابق من الأديان . وسأعتمد مرجعا واحدا هو سيرة ابن هشام . لكن ولأن الموضوع يتعلق بالديانة الوثنية لمكة والحجاز ، فسأسمح لنفسي هذه المرة بطرح ما يلزم التساؤلات ، متبوعة بإجابات ، إن توفرت ، آملا أن يحالفني التوفيق .

1






عبد المطلب ( جد النبي ) هل كان نبيا ؟


÷كذا إذن ، بدأنا بالتساؤل ، رغم معرفتنا بأن علماء المسلمين ، وحتى يومنا هذا ، ما زالوا غير متفقين على تعريف أو تحديد لديانة عبد المطلب . غير متفقين على ما إذا كان حنيفيا ، أو مات مشركا على دين الوثنية . البعض ينزهه عن الشرك ، ويقطع بحنيفيته ، تنزيها للنبي ، وانحداره من صلب مشرك . ويدعم هذا البعض قطعية حكمه هذا بمشاهد لعبد المطلب في غزوة أبرهة الحبشي ، المعروفة بغزوة الفيل ، وتهديده بتدمير الكعبة . فيما يقطع آخرون بوفاته على الشرك ، استنادا لواقعة جرت للنبي مع عمه أبي طالب ، إعلان إسلامه ، وهو على فراش الموت . والأغلبية ، وبالاستناد لأسباب نزول الآية 56 من سورة القصص { إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ] يقطعون بأن أبا طالب مات على ملة أبيه عبد المطلب ، أي على الشرك . وعليه كيف يجوز السؤال عن نبوة لعبد المطلب أو لغيره ؟
ما أوحى بطرح السؤال أن أئمة المسلمين ، من مدوني التراث الإسلامي ، وفي تناولهم لسيرة عبد المطلب ، وآخرين ، نسبوا له ولهم ، كرامات وأفعال ترتقي لمصاف المعجزات التي لا تقع لغير الأنبياء . وإذا ما تذكرنا أن التدوين بدأ في فترة متأخرة - بداياته بعد قرن وربع القرن من وفاة النبي - فذلك يعني أن كرامات ومعجزات عبد المطلب وآخرين ، انحفرت عميقا في الذاكرة الجمعية لأهل تلك الفترة ، وللمسلمين بعددها ، الأمر يشير أيضا إلى اختلاف مواقف المسلمين الأوائل ، بمن فيهم النبي نفسه ، تجاه ديانة من يوصفون بأهل الجاهلية ، بما فيها من معتقدات ، وعبادات وأخلاقيات ومعاملات ، عما نسمع ونشاهد ، ويذهب له أهل الدين اليوم .
ولكي لا نذهب بعيدا ، تعالوا نحتكم إلى ما نقلته لنا السيرة النبوية لابن هشام . وابن هشام ، للتذكير هو أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني ، وأوائل القرن الثالث الهجريين ، ومدون السيرة النبوية ، المهذبة للسيرة التي جمع أحداثها وسجلها ابن اسحق قبله .
وعن الحقبة التي سبقت بعثة النبي ، فقد أورد ابن هشام ، من بين ما أورد ، ثلاث حكايات ، لعب عبد المطلب دور البطولة فيها ، وإن شاركه فيها آخرون . وأول ما يلفت الانتباه في هذه الحكايات ، بعيدا عن أسلوب السرد ، وما اعتراه من ضعف وثغرات ، وبعد تنحية ما تضمنه من حبكة الأسطرة للأحداث ، أقول ما يلفت الانتباه ، ذلك الاحترام الذي يرتقي إلى مراتب الإكبار فالتعظيم لآلهة ولكهنة ومعتقدات تلك الفترة ، فضلا عن نسب كرامات ومعجزات لعبد المطلب وآخرين ، لا تقع إلا لأنبياء . وللخروج من التعميم ، تعالوا نستعرض ونناقش تلك الحكايات الثلاث .

غزوة الفيل :

غزوة أبرهة الأشرم ، الحاكم الحبشي والمسيحي لليمن ، وتهديده بتدمير الكعبة ، هي أول هذه الحكايات . وبعد تنحية ما اعترى السرد من ضعف وثغرات ومن سيطرة للأسطرة ، ومن التصحيف اللاحق والواضح ، تقول الحكاية أن أبرهة ، الحاكم المسيحي الجديد لليمن ، بنى كنيسة ، جاءت آية في الفن العمراني آنذاك ، أطلق عليها اسم القليس . وفي رسالته إلى ملكه ، ملك الحبشة ، أشار أبرهة أنه ببنائه لهذه الكنيسة ، التحفة العمرانية ، استهدف صرف الحجيج العرب عن كعبة مكة إليها . استثار هذا الإعلان غضب العرب ، بما دعا أحد أشرافهم للذهاب إلى اليمن ، ثم التسلل إلى هذه الكنيسة والتغوط فيها ، كإعلان بعدم صلاحيتها أن تكون بديلا لكعبة مكة . أثار هذا الفعل أبرهة ، دافعا إياه كي يجمع جيشا سار به شمالا ، ومستهدفا هدم الكعبة . بعد شيوع الخبر تشكل تحالف من قبائل يمنية اعترض طريقه ، ولكن أبرهة هزم هذا التحالف بسهولة وأسر قائده . ثم تشكل تحالف ثاني ، من قبائل خثعم ، بقيادة شخص اسمه نفيل بن حبيب ، سيكون له دور في الأسطورة وكرامات أيضا ، وثانية هزم أبرهة هذا التحالف الجديد بسهولة ، وأسر نفيل أيضا . وأثناء مرور أبرهة قرب الطائف ، وخوف أهلها من جيشه ، ولصرفه عن كعبتها ، كعبة اللات إلههم ، تبرعوا بمده بدليل يرشده إلى طريق مكة ، وحيث أوصل هذا الدليل جيش أبرهة إلى مكان يقال له المغمس على مشارف مكة .
هنا بدأ دور عبد المطلب ، فجيش أبرهة أغار على ماشية قريش واستاقها ، ومن ضمنها مائتي بعير لعبد المطلب . أبرهة بدوره بعث رسولا لمكة ، يستفسر عن زعيمها ، واصطحابه لمقابلة أبرهة . وكان عبد المطلب هذا الزعيم ، الذي أعجب أبرهة بهيئته فاحترمه وعظمه . شرح أبرهة لعبد المطلب نيته في عدم مهاجمة مكة والاصطدام بأهلها ، وأنه يستهدف هدم كعبتها فقط . واستمع عبد المطلب ومن معه من الصحبة ، ولكنه فاجأ أبرهة عندما سأله عن طلباته بطلب استرداد إبله . وردا على استغراب أبرهة بطلب استرداد الإبل ، بديلا للاسترحام بعدم هدم الكعبة ، قال عبد المطلب قولته التي اشتهرت فيما بعد " أما الإبل فأنا ربها ، وأما الكعبة فلها رب يحميها " .
وتقول الحكاية أن عبد المطلب توجه بعد عودته من المقابلة إلى الكعبة ، مع رفقته إلى أبرهة ، وأمسك بحلقة الباب ، مسترسلا في مناجاة طويلة لرب الكعبة مناشدا إياه بحمايتها . وأعقبها باللجوء هو وأهل مكة لشعابها وجبالها ، هربا من مواجهة جيش أبرهة ، وانتظار ما ستتمخض عنه الأحداث . وباقي الحكاية ، وهو الجزء الأسطوري منها ، تحكي عن إصابة الجيش بوباء الحصبة ، والذي عرفته الحجاز لأول مرة ، وحكاية الطير الأبابيل ، والحجارة التي أسقطتها على الجيش ، وإحداثها لبثور الحصبة في الأجساد التي أصابتها .

رب الكعبة :

هنا لا بد من التساؤل : من هو رب الكعبة الذي ناجاه عبد المطلب وناشده ، فاستجاب ؟ ابن هشام يقول أنه رب إبراهيم وإسماعيل اللذين وضعا أساسات الكعبة . لكن الحكاية تقول أن الفريق الذي رافقه لمقابلة أبرهة ، شاركه هذه المناجاة . هذا يعني أن تصحيف ابن هشام ، أو من سبقوه ممن نقل الرواية عنهم ، واضح كل الوضوح . ومع ذلك فإن قبوله يعني التسليم بأن عبد المطلب ، وربما بعض فريقه ، كان حنيفيا على دين إبراهيم . وهذا يوجب السؤال : رغم علمنا بأن الله يستجيب لدعوة الداعي إذا دعاه ، فهل تأتي الاستجابة على شكل تلك المعجزة التي تمت بها الاستجابة لدعوة عبد المطلب ؟ وهل مثل هذا الشكل من الاستجابة يحدث لغير الأنبياء ، أو لغير من هم في درجة عليا من الأولياء أصحاب الكرامات ؟ وهنا يعود السؤال : هل كان عبد المطلب نبيا ، أو على الأقل وليا بمرتبة عليا من أولياء الله الصالحين ؟
لكن حقائق أخرى تفرض نفسها . فصحن الكعبة كان مملوءا بتماثيل آلهة القبائل ، الأصنام ، يتصدرها تمثال هبل ، كبير الآلهة وإله قريش . وقريش كانت تصفه برب الكعبة ، فهل هو الإله الذي استجاب لدعوات عبد المطلب وأهل مكة ؟
هذه السؤال تفرضه وقائع أخرى ، أتت بها الحكاية . منها أن نفيل بن حبيب ، وهو يمني من قبيلة خثعم ، وأسير أبرهة ، كما سبق وأشرنا ، أظهر كرامات تضارع كرامات عبد المطلب . ولأن نفيل ليس حنيفيا بكل تأكيد ، يقفز السؤال عما كان لآلهته ، وهي أصنام ، من قدرات . نفيل الأسير هذا ، وصل لا ندري كيف إلى الفيل الذي شكل عماد الحملة . ومع أن الفيل حبشي ، ويفترض أنه كقائده ، لم يسمع غير اللغة الأمهرية ، لغة الحبشة ، فإن نفيل التقم أذنه ، وحكى له عن الجريمة المزمع تنفيذها بهدم الكعبة ، وطلب منه أن يبرك ، ويرفض التحرك في اتجاه الكعبة ، ففعل كل ذلك . وإذا تجاوزنا الحبكة الأسطورية في هذه الواقعة ، ولأن المسلمين يرددونها بإيمان تام بصحة حدوثها ، وإذا ما تجاوزنا مرة أخرى الحبكة الأسطورية عن اسم الفيل ، وهو محمود ، مع أن اسم محمود لم يكن بكل تأكيد معروفا في الحبشة ، كما لم يكن شائعا في جزيرة العرب آنذاك ، بدليل ندرة أصحاب هذا الاسم بين صحابة النبي ، فإننا نجد أنفسنا في مواجهة معجزة تجعلنا نقف أمامها حائرين .
نفيل ، مع أنه تكلم بالعربية ، إلا أنه خاطب الفيل . والفيل سمع وفهم ، رغم أنه من أصل حبشي غير عربي . هذا يعني أن نفيلا امتلك قدرة مخاطبة الحيوان الأمر الذي يضعه ، إن لم يكن في مصاف النبي سليمان ، ففي مكان قريب منه ، رغم أنه وثني ومشرك . والفيل استجاب وبرك وفشلت كل المحاولات ، بما في ذلك نخزه بمزراق ، في الجزء الطري من بطنه ، في دفعه للتحرك في اتجاه مكة . ومرة أخرى هل كان نفيل هذا نبيا ، وكانت آلهته تملك قدرات ، استحقت بها هذا الإكبار والتعظيم من الإسلام والمسلمين .؟

الطيور وحجارة السجيل :

نأتي أخيرا للطيور التي مثل الخطاطيف ، والتي جاءت من الغرب عبر البحر حاملة في مناقيرها ومخالبها ، تلك الحجارة من سجيل . ودعونا نقفز على ما توحي به الحكاية ، بأن جهنم على البر المقابل من البحر الأحمر ، أي على أرض مصر ، لنقف على التالي : تقول الحكاية أن الحجارة ، وحجمها وسط بين حبتي الحمص والعدس ، كانت إذا سقطت على جندي من جنود أبرهة ، إلا ونفط مكانها حبيبات ، ولتنتشر الحبيبات بعد ذلك على جسمه كله فتقتله . ولأن جنود أبرهة كانوا آلافا ، فمعنى ذلك أن الطيور هي الأخرى جاءت على شكل سحابة مكونة من آلاف منها . هذا يعني أن هذه المعجزة كانت من الضخامة بحيث شاهدها أهل مكة وخلق كثير من أهل القبائل الأخرى . وأيا كان من أرسلها ، تفرض مشاهدة مثل هذا المعجزة تأثيرا على فكر ومعتقدات ودين مشاهديها . فإن كان رب إبراهيم هو من أتي بها ، كان لزاما أن يحدث تحول ، عند البعض على الأقل ، والبعض هنا جمهور غير قليل ، إلى الحنيفية . وأكثر كان يتوجب أن لا يواجهوا دعوة النبي إلى الإسلام ، على تلك الصورة من المقاومة التي واجهوه بها . لكن يبدو أن أهل مكة وغيرها من القبائل ، شهود واقعة غزوة أبرهة ، كانوا على قناعة بأن ما حدث ، كما ثبت ابن هشام في نهاية الحكاية ، هو انتشار لوبأ لم يعرفوه قبل ذلك ، وهو وبأ الحصبة ، ومصاحبا لوبأ آخر ، أيضا لم يعرفوه قبل ذلك ، وهو وبأ الجدري ، وحيث لا معجزة في الأمر ولا ما يحزنون .
وتبقى حكاية الطير وحجارة السجيل ولغزها . ويلفت انتباه القارئ أنه على كثرة ما قيل من شعر في المناسبة ، ورغم أن الشعر ديوان العرب ، فإن هذا الشعر لم يسجلها . وفقط كان نفيل هو من ذكرها ، موضحا أنها مجرد صورة شعرية ابتدعها خيال شاعر فرد ، قيض له القدر شهود الواقعة كما النجاة من الوبأ . قال مخاطبا حبيبته ردينة :
ألا حييت منا يا ردينا نعمناك مع الأصباح عينا
أتانا قابس منكم عشاء فلم يقدر لقابسكم لدينا
ردينة لو رأيت ولا نريه لجنب المحصب ما رأينا
إذن لعذرتني وحمدت أمري ولم تأسي ما فات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيرا وخِفت حجارة تلقى علينا
وكل القوم تسأل عن نفيل كأن علي للحبشان دينا .
نفيل هنا حكى عن الحصبة – البيت الثالث وعن الطيور والخوف من الحجارة التي تقذفها ، بما لا يدع مجالا لأي شك بأن الأمر لا يعدو كونه صورة شعرية . ويبقى السؤال : هل كان عبد المطلب نبيا ، ومن كانت آلهته ؟


حفر زمزم :

حفر زمزم هي الحكاية الثانية التي تُحدثنا عن كرامات عبد المطلب ، وعن إكبار وتعظيم آلهته ، بما يدعونا لإعادة طرح السؤال : هل كان نبيا ، ومن كانت آلهته ؟
تقول الحكاية ، بعد تجاوز الحبكة الأسطورية ، أن قبيلة خزاعة ، وقبيل انحسار نفوذها على مكة ، فرحيلها ، عمدت إلى دفن مقتنيات الكعبة – غزالان من ذهب ، وسيوف ودروع ....الخ – في بئر زمزم ، وطمرته ، ولم يعد أهل مكة يعرفون مكانه . ومضت الأيام والسنون ، حتى كان عبد المطلب ، الذي ، كما يبدو ، كان حلم إعادة حفر البئر مسيطرا على تفكيره . وفي أحد مناماته أُتي كما تقول الحكاية ، أي حلم بشخص يحضه على حفر البئر . وتكررت الرؤيا مثنى وثلاث ورباع ، وحيث حددت الرؤية مكان الحفر . صحب عبد المطلب وحيده ، الحارث ، وأخذا يحفران في المكان المحدد . وجدا الغزالين والسيوف والدروع وباقي المطمورات ، ثم التربة المبللة فالماء . وعادت زمزم ، التي حددت الرؤيا الانتفاع منها ، لسقاية الحجيج فقط .
نازعت قريش عبد المطلب على الانتفاع بماء زمزم . عبد المطلب رفض الاستجابة لمطلب قومه . اتفقوا على الاحتكام لكاهنة تقطن على مشارف الشام ، وفي رواية ، لكاهن هبل المقيم في جوف الكعبة . ارتحلوا إلى الشام . وفي منطقة صحراوية شديدة الجفاف – مفازة – نضب ماء عبد المطلب وجماعته . طلب الماء من خصومه القرشيين فرفضوا سقايته . أيقن وجماعته بالهلاك . تشاوروا واتفقوا أن يحفر كل واحد لنفسه حفرة يقبع على جانبها انتظارا للموت ، تسهيلا لدحرجته داخلها وطمره ، والخصوم يراقبون وينتظرون . لكن عبد المطلب اهتدى لحل : لماذا انتظار الموت على هذه الصورة ، نقوم ونتحرك بحثا عن الماء ، فإن جاءت المنية فلا بأس . ركب عبد المطلب بعيره الذي ما كاد يرفع خف قدمه حتى انفجرت تحته عين ماء . شرب عبد المطلب وجماعته ، ملؤوا أوعيتهم ودعوا خصومهم للشرب وملء أوعيتهم . اعترف الخصوم بأن الله نصر عبد المطلب وبالتالي أثبت حقه في امتلاك زمزم وحده . ورجعوا دون الوصول إلى الكاهنة .
وإذا كانت الحكاية قد انتهت عند هذا الحد لعبد المطلب ، فإنها لم تنته عند قريش . قامت عشائر قريش بحفر آبار في محيط مكة ، وبواقع بئر لكل عشيرة ، وحيث يروي ابن هشام حكايات حفر اثني عشر بئرا منها .

المعجزة :

لا تُقصر هذه الحكاية الحديث على كرامات عبد المطلب . هي أيضا تشير ، في الإشارة لكاهن الكعبة ، إلى تقديس وتعظيم الإله هبل ، فضلا عن تعظيم الكهنة ، في صورة قبول الاحتكام لكاهنة بني هذيم ، المقيمة على مشارف الشام والارتحال إليها . لكن ما يسترعي الانتباه قبل كل ذلك وبعده ، معجزة انبثاق الماء ، في مفازة شديدة الجفاف ، تحت خف جمل عبد المطلب . ذلك أن التراث الأسطوري في كل الأديان ، يقول بأن مثل هذه المعجزة لا تحدث إلا لنبي . ويعود السؤال : هل كان عبد المطلب نبيا ؟ وإذا كانت آلهته هي آلهة قريش ، وإلهه الأكبر هو هبل ، فهل كان هبل قادرا على الإتيان بمعجزة كمعجزة انفجار الماء ، وفي صحراء قاحلة ،تحت خف جمل عبد المطلب ؟
إذن دعونا نبقي الجواب معلقا ، لنعود إلى ما اعتاد علماء المسلمين إهماله . أعني حفر بطون قريش لعدد من الآبار - تسعا جديدة ، وترميم ثلاث قديمة - داخل مكة وفي محيطها . وهذه الآبار كما تشير الحكاية مماثلة لبئر زمزم . وبمعارف اليوم ، وبما أنها في محيط مكة ، فذلك يعني أنها تخرج ماءها من ذات الحوض الذي يزود زمزم بمائه . والمنطق يفترض أنها ما زالت قائمة ؟ والسؤال لكل المتنطعين للحديث عن مزايا ماء زمزم ، وماذا عن ماء هذه الآبار ؟ ألا تملك ذات الفوائد الصحية والمزايا العلاجية ، إن كانت لماء زمزم مثل هذه الفوائد الفريدة المزعومة ؟


نذر عبد المطلب :

منازعة قريش لعبد المطلب على ماء زمزم ، وافتقاده لسند الأبناء في هذا النزاع ، دفعاه كي ينذر لآلهته نذرا ، مفاده أنه إن رزق بعشرة أبناء ، بلغوا مبلغ الرجال ومنعوه ، أن يقدم أحدهم أضحية للآلهة . وعندما تحققت أمنيته ، وبلغ أبناؤه العشرة مبلغ الرجال ، ومنعوه – شكلوا له السند في مواجهة قريش - جمعهم وأبلغهم بنذره ، وعزمه على تنفيذه . أمرهم ، وقد نزلوا على طلبه ، أن يكتب كل منهم اسمه على قدح ، ليسيروا بعدها إلى الكاهن الجالس عند قدمي كبير آلهة قريش ، والمختص بضرب القداح – نوع من القرعة كما نطلق عليها في أيامنا هذه - . ضرب الكاهن القداح ، فخرجت على عبد الله ، أصغر بنيه ، أجملهم وأحبهم إلى نفسه . أخذ عبد المطلب شفرة – سكينا – وخرج بعبد الله ، ومعه بنوه الآخرون ، ليذبحه تقربا للآلهة ، في المكان الذي ينحر فيه أهل مكة أضاحيهم = بين الصفا والمروة - . سأله شيوخ مكة عما هو فاعل فأخبرهم . اعترضوه ، وانضم لهم أبناؤه ، ومنعوه من ذبح ابنه ، حتى لا يصبح فعله طقسا ملزما لهم ، في وقت يرفضون فيه ذبح أبنائهم . وحين سألهم حلا لنذره ، أشاروا إلى عرافة في خيبر لها تابع – من الجن - ، يمكن أن تجد له حلا . وارتحل مع بنيه إلى العرافة ، التي سألته عن دية القتيل عندهم فقال أنها عشرة من الإبل . قالت له أن يعود إلى كاهن هبل ، وأن يجرى القداح على عبد الله والإبل ، يكرر ذلك حتى ترضى الآلهة . ينحر الإبل بعدها ، لا يمنع عنها إنسانا أو سبعا أو طيرا .
عاد وأجرى الكاهن القداح ، وظلت القداح تخرج على عبد الله ، وعبد المطلب يزيدها عشرة بعد عشرة ، وعندما بلغت المائة ، خرج القداح على الإبل . وللتأكد أعاد الكاهن عملية الضرب ثلاثا بطلب من عبد المطلب . ونجا عبد الله ، وذبح عبد المطلب الإبل موزعا إياها على رؤوس الجبال ، وليحوز بعدها على لقب مطعم الطير . وعندما جاء الإسلام ثبت دية القتيل بمائة من الإبل التي هي دية عبد الله ، والد النبي ،عند آلهة قريش .
هذه الحكاية قطعت الشك باليقين على أن عبد المطلب كان على دين قومه ، ولم يكن حنيفيا . والحواشي التي أضافها ابن هشام ، مثل وقوف عبد المطلب بين يدي هبل ، يدعو الله ، والكاهن يضرب القداح ، لم تنجح في ستر حقيقة أنه كان على دين الوثنية . ولم ينتبه محررو السيرة النبوية ، في تتابعهم ، أن مجرد التفكير في نذر بذبح أحد الأبناء ، يتناقض مع دين الحنيفية . فرب إبراهيم آنذاك استبدل الأضحية البشرية بأضحية حيوانية ، الكبش، وهو ما كانت تفعله مكة ، والعرب عموما قبل قدوم الإسلام . ثم إن الله ، الذي قال ابن هشام أن عبد المطلب كان يناجيه بين يدي هبل – لماذا بين يدي هبل – لا يقبل التقرب إليه بأضحية بشرية . أخيرا لا بد أن نلاحظ أن شيوخ مكة هم من حالوا بين عبد المطلب وتنفيذ نذره ، والذين ، كما يبدو ، كان بينهم حنيفيون . ويلفت الانتباه أيضا أن أبناءه انضموا لشيوخ قريش في رفض التضحية بأخيهم . لكنهم جميعا اتفقوا على طلب النصح من عرافة في خيبر ، بدا من السرد أنها يهودية .
لكن جوهر الحكاية كلها يكمن في هذا الإكبار والتعظيم لآلهة قريش ، أي لأصنامها ، وحيث رضاها بالإبل ، دية عبد الله ، كان مفتاح إنقاذه من الموت ، وبالتالي استمرار السلسلة التي جاء منها النبي ، فالدعوة ، وانتصار الدين الجديد ، الإسلام .
ونختم بالقول أن الحكايات الثلاث ، تقطع بوجود كرامات لعبد المطلب . وأن آلهته الوثنية ، هي مزوده بهذه الكرامات ، التي ظهرت أحيانا في شكل معجزات . ولأن الكرامة ، فالمعجزة ، لا تظهر إلا لنبي ، أو لولي في أدنى الأحوال ، ولأن مانح الكرامات ومفجر المعجزات ، لا بد أن يكون إلها ذا قدرة على تسيير الكون ، فهذه الحكايات تقطع بالقول أن مؤرخي السير ، الرواة لأحداثها ، والعلماء الذين يقبلونها ويقرونها كما هي ، والمؤمنين بها قراءة ونقلا ...الخ ، يقرون بأن آلهة مكة عموما ، وهبل كبير تلك الآلهة على وجه الخصوص ، ملكوا قدرات بررت عبادة أهل مكة ، فعرب الجزيرة لها . وعموما فإن هذه الحكايات الثلاث ، قالت ، وبمنتهى الوضوح ، أن الدين الإسلامي لم يكن على عداء مع الديانات الوثنية ، بالصورة التي يصفها ويقدمها علماء اليوم .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,464,116
- حوار أملاه الحاضر 19 عدالة الإسلام 3 فلسطين اللبن والعسل
- حوار أملاه الحاضر 18 عدالة الإسلام 2 العبودية
- حوار أملاه الحاضر 17 العدالة في الإسلام 1 الغنائم
- من فتنة عثمان إلى فتنة مرسي
- حوار أملاه الحاضر 16 خروج مؤقت آخر عن المسار
- عبد المجيد حمدان- كاتب وباحث واحد قادة اليسار الفلسطيني- في ...
- وبات لزاما عليتا التصرف كدولة
- حوار أملاه الحاضر 15 الشريعة وتطبيق الحدود 5 خروج مؤقت عن ال ...
- حوار أملاه الحاضر 14 الشريعة وتطبيق الحدود ...حد الجنايات 4 ...
- حوار أملاه الحاضر 13 الشريعة وتطبيق الحدود ...حد الجنايات 3 ...
- حوار أملاه الحاضر 12 الشريعة وتطبيق الحدود ....الجنايات 2 حد ...
- قراءة في ثورة الشباب المصري 18 الإخوان ودولة الخلافة
- حوار أملاه الحاضر 11 الشريعة وتطبيق الحدود حد الجنايات 1
- حوار أملاه الحاضر 10 الشريعة وتطبيق الحدود ملك اليمين والمجت ...
- حوار أملاه الحاضر 9 الشريعة وتطبيق الحدود ....زنا الإماء
- حوار أملاه الحاضر 8 النبي وتطبيق حد الزنا
- حوارأملاه الحاضر 7 الشريع وتطبيق الحدود حد الزنا 2
- حوار أملاه الحاضر 6 الشريعة وتطبيق الحدود ....الزنا (1)
- حوار أملاه الحاضر 5 الشريعة وتطبيق الحدود ....الخمر
- حوار أملاه الحاضر 4 العورات بين المجتمعي الإنساني والرباني


المزيد.....




- الاموال المسروقة والصفقات الاسطورية ومافيات التهريب كلها أم ...
- الحكومة الليبية المؤقتة توقف بث قناة فضائية لارتباطها بـ-الإ ...
- عمار غول... قفز من سفينة -الإخوان- فسقط في مصيدة -العصابة-
- بعد اتهام إسلاميين من قبل.. رئيس سريلانكا يكشف: عصابات مخدرا ...
- بوبليكو: تمديد حبس علا القرضاوي يبين قتامة نظام السجون بمصر ...
- ضد التيار: المفكر الذى قال لا كهنوت فى الإسلام فقتلوه
- أسامة بن لادن في حقبة أوكسفورد!
- تسليم الكويت مطلوبين من جماعة الإخوان المسلمين لمصر خطوة -نز ...
- الكويت تحسم الجدل بشأن إعلانها -الإخوان المسلمين- تنظيما إره ...
- لغز اختفاء مراهقة في الفاتيكان قبل 36 عاما.. غموض محير!


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد المجيد حمدان - تقاطعات بين الأديان 1 عبد المطلب ( جد الرسول ) هل كان نبيا