أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أنور نجم الدين - منهج ماركس بين الديالكتيك والاقتصاد السياسي















المزيد.....



منهج ماركس بين الديالكتيك والاقتصاد السياسي


أنور نجم الدين

الحوار المتمدن-العدد: 4324 - 2014 / 1 / 3 - 10:23
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



مدخل:

إذا كان الديالكتيك منهجًا وليس مذهبًا، وإذا كان يتفق ومنهج ماركس الاقتصادي المتبع في كتاب (رأس المال)، فلا يكون صعبًا التحقق من علاقة (منهج وطريقة) ماركس به بصورة تجريبية. وعن طريق إجابة السؤال الآتي، سنحاول الاقتراب من منهج ماركس الاقتصادي واختلافه مع المنهج الديالكتيكي في البحث:
هل يمكن انشطار منهج الديالكتيك إلى "ديالكتيك مثالي" و"ديالكتيك مادي"؟ فإذا كان منهج هيغل الديالكتيكي صحيح في الأساس، فما مثاليته إذًا؟ فالديالكتيك حسب إنجلس: هو علم قوانين الحركة وتطور الطبيعة والمجتمع والفكر. وبذلك فينهار هنا كليًا، أساس "الديالكتيك المثالي" و"الديالكتيك المادي"، فالديالكتيك هو ديالكتيك هيغل وحده فقط. فما إذًا "ديالكتيك ماركس"؟

يجيب إنجلس على هذا السؤال على الشكل التالي: "سوف يكون من العسير أن نقنع رجلًا عاقلًا بضرورة ملكية الأرض ورأس المال الجماعية على أساس الثقة في الشعوذة الكلامية الهيغلية التي من طراز نفي النفي. إن الالتباس السديمي لمفاهيم ماركس لن يفاجئ على أية حال أي انسان يبلغ مبلغ الهراء الذي يمكن طبخه بالجدل الهيغلي على اعتباره الأساس العلمي" (أنتي دوهرنغ، ص 155).

إلى هنا نصل ببساطة إلى أن مفهوم "ديالكتيك ماركس"، ليس سوى نتاج التخيلات، ويمكن التحقق مما يسمى بالتشابه بين منهجي ماركس الاقتصادية وهيغل الديالكتيكية، عبر جواب السؤال الآتي: ما ميدان أطروحات ماركس؟ أهو نفس ميدان الفلسفة؟
لا، لا يمكن أن ينطلق ماركس من السؤال الفلسفي الساذج: أيهما الأول؛ المادة أم الوعي؟ لذلك فلا يمكن جمع ماركس مع الفلاسفة بأي شكل كان، وهو ليس فيلسوفًا، ولفهم أو إثبات أطروحاته الاقتصادية، لا يمكن لعالم اقتصادي مثل ماركس أن يعتمد إطلاقًا على المفاهيم والمقولات الفلسفية الجاهزة كالجوهر، والتناقض، والمكان, والزمان، والكمية، والكيفية .. وأخيرًا الوجود الذي يرجع إلى الفلسفة الإلياتية الإغريقية التي يبدأ التاريخ الفلسفي والديالكتيك منها، حسب هيغل. وهذا ما نحاول إثباته من خلال دراستنا هذه.

ماركس بين العلم والفلسفة:

بصعود العلوم التجريبية إلى مسرح التاريخ، ظهرت الفلسفة على أنها فكرة عقيمة تمامًا. أما بوصول التاريخ إلى أبواب منظومة هيغل الفلسفية، فوصلت الفلسفة ومنهجها وطريقتها كلها إلى شيخوتها التامة، تعجز نهائيًا عن الإنجاب. وحسب ماركس:

"لقد طورت العلوم الطبيعية فاعلية هائلة، وجمعت كتلة متزايدة على الدوام من المواد. غير أن الفلسفلة بقيت غريبة عنها كما بقيت هي غريبة عن الفلسفة" (ماركس، مخطوطات عام 1844 الاقتصادية والفلسفية).

وهكذا، فللفلسفة منهجها وطريقتها في البحث، وللعلم منهجه وطريقته في البحث. وإن كل مَن يقع في فخ الفلسفة الديالكتيكية، يبقى أسيرًا للمقولات الفلسفية السديمية التي تتكون من سلسلة سرمدية من الحركات اللامتناهية مثل حركة الليل والنهار، لا يمكن للديالكتيك فهمها إلا بوصفها "وحدة المتناقضات". ورغم أن إنجلس نفسه، يحاول الاندماج بين "حركة الفكر الهيغلية" و"حركة المادة الفيزيائية" و"حركة الاقتصاد التاريخية"، ولكن مع ذلك، يعترف بأن ماركس يطرح أطروحاته بالاستناد إلى التاريخ لا الديالكتيك، وهو يقول: "فحين يصف ماركس العملية على أنها نفي النفي، إنه لا ينوي أن يبرهن بذلك على ضرورتها التاريخية" (نفس المرجع، ص 159).
وبالفعل، ينتقد ماركس جدل النفي بوصفه: تعبيرًا مجردًا، وفكرة مجردة، فكرة تأملية منطقية، تعارض داخل إطار الفكر ذاته. فنفي النفي، حسب ماركس، فكرة فارغة لتجريد فارغ. ولا يتصور فيورباخ نفي النفي إلا تناقضًا للفلسفة مع ذاتها (انظر: ماركس، مخطوطات عام 1844).
فما منهج ماركس إذًا؟ أهو منهج الديالكتيك، أم منهج علم الاقتصاد؟

ماركس من الديالكتيك إلى الاقتصاد السياسي:

يقول ماركس:

"على عكس النقاد اللاهوتيين في أيامنا رأيت أن الفصل الختامي للكتاب الحالي -تصفية الحسابات مع الجدل الهيجلي والفلسفة الهيجلية كلها - ضروري ضرورة مطلقة" (مخطوطات عام 1844).

"وفيورباخ هو الوحيد الذي اتخذ موقفًا جادًّا نقديًّا من الجدل الهيجلي وتوصل إلى اكتشافات حقيقية في هذا الميدان. وكان إنجاز فيورباخ الكبير هو: البرهنة على أن الفلسفة ليست إلا الدين مقدمًا في شكل أفكار" (ماركس، نفس المرجع السابق).

وهكذا فلا يمكن التمييز بين منهج الديالكتيك ومنهج ماركس عسيرًا، إذا ما وجدنا مدخل ماركس الاقتصادي التاريخي، فان مَن أبطل الديالكتيك والفلسفة الهيغلية قبل ماركس، فهو فيورباخ:

"مَن أبطل ديالكتيك المفاهيم، وأنهى حرب الآلهة المعروفة من الفلاسفة وحدهم؟ إنه فيورباخ" (ماركس، العائلة المقدسة، ص 118).

فلنتحقق الآن عن قرب من منهج ماركس.

منهج ماركس:

يقول ماركس:

"لا يكاد يكون من الضروري أن أؤكد للقارئ الذي يعرف الاقتصاد السياسي أنني وصلت إلى نتائج عن طريق تحليل تجريبي تمامًا يقوم على دراسة نقدية دؤوبة للاقتصاد السياسي" (ماركس، مخطوطات عام 1844 ).

"ينبغي البحث عن تفسير المجتمع المدني في الاقتصاد السياسي" (ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي).

وهكذا، فمشكلة البحث الاقتصادية، يعالجها علم الاقتصاد لا الفلسفة، لأن حلها كما يقول ماركس:

"ليس بأي حال مجرد مشكلة معرفة، بل مشكلة واقعية للحياة لم تستطع الفلسفة حلها بالتحديد لأنها تصورت هذه المشكلة كمجرد مشكلة نظرية" (ماركس، مخطوطات عام 1844).

فماركس لم يحاول إذًا نزع القشرة المثالية عن الفلسفة المسيحية الهيغلية ليجعلها مادية، كما يقال، أو قلب الديالكتيك ليقف على قدميه بعد أن جاء إلى الوجود لكي يمشي على رأسه فقط، فهو يتحدث عن الفكر التاريخي، فالفكر هو الذي يجب ان يقف على قدميه. ورغم أن أهم دراسات ماركس الاقتصادية، بين عامي 1850-1857، لا تزال مجهولة، ولكن مع ذلك، فنجد مختبر ماركس الاقتصادي في كتاب فريد من نوعه وهو (الغروندريسة - أسس نقد الاقتصاد السياسي) الذي يطرح فيه ماركس اختلافه المنهجي مع المنهج الديالكتيكي بصورة واضحة تمامًا. فما هذا الاختلاف؟

قبل البدأ بعرض أطروحاته الاقتصادية، ينبه ماركس قرَّاءه على الشكل التالي:

"إن القارئ الذي يريد على العموم أن يتتبعني يجب عليه أن يعقد النية على الصعود من الخاص إلى العام" (ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي).

وبذلك يقصد ماركس:

"لا يمكن عند تحليل الأشكال الاقتصادية لا استعمال المجهر ولا استعمال الكواشف الكيمياوية. بل يجب أن تحل قوة التجريد محل ذاك وهذه" (ماركس، مقدمة الطبعة الألمانية الأولى من المجلد الأول من (رأس المال)).

ولكي نكون أكثر دقة في تحديد الاختلاف المنهجي بين منهج الديالكتيك ومنهج ماركس (منهج وطريقة تجريد الخاص من العام) عند البدأ بدراسة خلية المجتمع الرأسمالي، "وهي الشكل البضاعي لنتاج العمل أو شكل قيمة البضاعة" حسب ماركس، علينا التمييز أولًا، بين (مناهج البحث) و(طرق البحث):

1) مناهج البحث:

ان الاختلاف في مناهج البحث، هو اختلاف (الخطوات) التي يتبعها الباحث، فلكل منهج مقدمته الخاصة، يميزها عن الآخر بخطواته المرحلية، فخطوات منهج العلم التجريبي هي جمع البيانات، والتحليل الاختباري، والفرضيات، والاستنتاج أو تحديد القانون وخواصه المحددة. وهذا عكس الديالكتيك الذي ليس لديه الاهتمام لفهم خواص المادية للظاهرة التي يجري البحث عليها، فصورة الأشياء هي كل ما يصل إليها الديالكتيك. كما ومقولاته معروفة لدينا قبل البحث، ففي يدنا مسبقًا ثلاث مقولات فلسفية، تسمى وحدة المتناقضات، التراكمات الكمية والتحولات النوعية، ونفي النفي يطبقونها الديالكتيكيين على كل ظاهرة في العالم.

2) طرق البحث:

للوصول إلى البرهان، الاستنتاج أو الاستدلال، يستخدم كل منهج للبحث، طريقته المختلفة الخاصة به، فمنهج الديالكتيك، يستخدم طريقة "النزول من العام إلى الخاص"، من الكل إلى الجزء، تسمى طريقة المنطق الاستنباطي ((Eduction، يعود تاريخه بالتحديد إلى عصر أرسطو اليوناني (384-322 قبل الميلاد). أما منهج العلم -مثل منهج ماركس أيضًا- يستخدم طريقة "الصعود من الخاص إلى العام"، من الجزء إلى الكل، تسمى طريقة الاستقراء التجريبي (Induction)، يعود تاريخه إلى عصر فرنسيس بيكون الانجليزي (1561-1626).

ويجب الإشارة هنا إلى أن ما يسمى بـ "المنطق الاستقرائي" الذي يعتمد على التحقق الحسي، وهو بقايا الماضي السحيق، ليس سوى الانتقال من اعتماد الفلاسفة على الجدل، إلى الاعتماد على الحواس الخمس البشرية المجردة، وليس هذا سوى الانتقال من التفكير المجرد إلى الحدس.

والآن ليتحقق القارئ نفسه من منهج ماركس الاستقرائي، لكي يفهم بنفسه ما زيف طريقة المنطق الاستنباطي الهيغلي لدى ماركس، فما لا يمكن إقراره من قبل ماركس، ليس هو الدين الهيغلي، بل الكل الحي، والمجسد المتخيل الذي لا يمكن فهمه، دون تجريدات متزايدة الدقة على أجزائه الخاصة. وها هو ماركس يشير بنفسه إلى ما يسميه (المنهج العلمي الصحيح)، والأسباب المنهجية التي وقع (هيغل) من خلالها في وهم تام، وهو الخطأ المنهجي الذي اتبعه أيضًا (الاقتصاد السياسي) في بداية نشوئه، فماركس يقول:

"حين ندرس بلدًا ما من زاوية الاقتصاد السياسي، فإننا نبدأ بسكانه وتوزيعهم بين الطبقات، والمدن والريف، والساحل، وفروع الانتاج المختلفة، الصادرات والواردات، الانتاج والاستهلاك السنويين، أسعار السلع .. إلخ.
يبدو صحيحًا البدء، بالحقيقي والمجسد، بالشروط الحقيقي. من هنا البدء في الاقتصاد بالسكان، مثلا .. بيد أنه عند مزيد من التدقيق يثبت زيف ذلك .. وهكذا فإذا كان علي البدء بالسكان فسيكون ذلك مفهومًا مضطربًا للكل؛ وعلي إذن الانتقال تحليليًا، بالاستعانة بمزيد من التحديدات نحو مفاهيم متزايدة البساطة، من المجسد المتخيل إلى تجريدات متزايدة الدقة، حتى أصل إلى أبسط التحديدات. ولا بد عند ذلك من إعادة الرحلة حتى أصل أخيرًا إلى السكان ثانية، ولكن لا كمفهوم مضظرب للكل هذه المرة، بل ككل ثري يحتوي على عديد من المحددات والعلاقات .. وما سبق هو المسار الذي اتبعه علم الاقتصاد تاريخيًا في فترة نشوئه. إن اقتصاديي القرن السابع عشر مثلا، يبدأون دومًا بالكل الحي بالسكان، الأمة، الدولة بضع دول..إلخ، لكنهم ينتهون دومًا إلى اكتشاف عدد صغير من العلاقات المحددة، المجردة، العامة عبر التحليل، مثل تقسيم العمل، والنقد، والقيمة..إلخ. وما إن يتم تثبيت وتجريد تلك اللحظات المفردة بهذا القدر أو ذاك من الرسوخ حتى يبدأ تحليل النظم الاقتصادية التي تم التوصل إليها من العلاقات البسيطة كالعمل، وتقسيم العمل، والحاجة والقيمة التبادلية صعودًا إلى مستوى الدولة، والتبادل بين الأمم والسوق العالمية. وبدهي إن الأخير هو المنهج الصحيح علميًا. إن المجسد مجسد لأنه تركيز عديد من المحددات وبالتالي فهو وحدة المتنوعات. إنه يبدو في عملية التفكير إذن كعملية تركيز كنتيجة لا كنقطة انطلاق، برغم إنها نقطة الانطلاق في الواقع وبالتالي فإنها نقطة الانطلاق للملاحظة والتأمل. عبر المسار الأول تبخر المفهوم الكامل ولم تنتج عنه غير تحديدات مجردة. وعبر الثاني قادت التحديدات المجردة إلى إعادة إنتاج المجسد بواسطة الفكر. وبهذه الطريقة وقع هيغل في وهم تصور الحقيقة نتاجًا للفكر المتركز الذي يغوص في اعماق نفسه ذاتيًا ويكشف عن نفسه بنفسه. في حين أن منهج الصعود من المجرد إلى المجسد لا يعدو كونه الطريق الذي يتملك فيه الفكر المجسد، ويعيد انتاجه بوصفه مجسدًا في الذهن. ولكن هذه ليست بأية حال العملية التي يتشكل فيها المجسد في الواقع" (الغروندريسة، ص 124-125).

هكذا نرى أن الاختلاف بين ماركس وهيغل، ثم بين ماركس وإنجلس، هو اختلاف منهجي قبل أن يكون اختلافًا فكريًّا، فحسب ماركس لا يمكن (الإحاطة بالشيء)، أو (العلم بالشيء) الذي يمكن التجربة عليه، في وحدتها المنطقية المتماسكة، حيث إن الأمر يتعلق بالإحاطة بالعلاقات المادية بين البشر من خلال تشريح مفرداتها الاقتصادية لا موازنة المقولات الديالكتيكية، كما يقول ماركس:

"هكذا يشكل الانتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك قياسًا منطقيًا منتظمًا: الانتاج هو العام، التوزيع والتبادل هما الخاص، والاستهلاك هو المفرد. والكل مربوط هنا. لا بد من الاعتراف أن في ذلك تماسكًا، لكنه تماسك ضحل فالانتاج تحدده قوانين طبيعية عامة، والتوزيع تحدده صدفة اجتماعية .. وليس هناك ما هو أكثر ابتذالا من اتهام الاقتصاديين السياسيين بالمبالغة في تصوير الانتاج كغاية في حد ذاته وأن التوزيع لا يقل أهمية عنه. إن هذا الاتهام يستند إلى مفهوم اقتصادي مفاده أن دائرتي الانتاج والتوزيع مستقلتان .. أو أنه يستند الى تلك اللحظات لا تجري الإحاطة بها في وحدتها الكلية. وكما لو أن هذا القطع لم يخرج من الواقع الى الكتب المدرسية بل من الكتب المدرسية الى الواقع، وكما لو كانت المهمة هي الموازنة الديالكتيكية بين المفاهيم وليس الإحاطة بالعلاقات الحقيقية" (ماركس، الغروندريسة، ص 111، 112).

وهكذا، فنرى ماركس أعلاه، يتحدث أكثر وضوحًا في عدم ديالكتيكية منهجه وعدم استنباطية طريقته الذي ليس الغرض من متابعته تصنيف وموازنة المقولات الديالكتيكية، بل دراسة مفردات الواقع. وأن مقدمة مقولات علم الاقتصاد السياسي، ليس إطلاقًا، نفس مقولات الديالكتيك، فالاقتصاد السياسي بوصفه علم دراسة قوانين الاقتصادية التي تتحكم في الإنتاج، والتوزيع، والتبادل، والاستهلاك، يشترط وجود مسبق لعلاقات اقتصادية تاريخية، فحسب ماركس، يجب أن تطابق الجوانب المنفردة للموضوع الذي يخضع للتجربة والدراسة، مع أصلها التاريخي. بينما غرض الديالكتيك، هو تطابق الفكر مع ذاته. لذلك فمفتاح ماركس، مثله مثل علماء الاقتصاد، هو تشريح أجزاء -(خواص، عناصر، مكونات)- الواقع المادي لصياغة المقولات الاقتصادية. ولصياغة مقولاته لا يمكن أن تكون مقدمة علم الاقتصاد، مقولة فلسفية جاهزة يسمى: التناقض، أي وحدة المتناقضات، الوحدة الديالكتيكية، فالديالكتيك يجب ان يضع كل شيء في حالة التناقض، لكي يفهم وحدة الأشياء. أما العلم فيبحث الوحدة الفعلية، الوحدة التي تعبر عن الشرط المادي لوجود الأشياء.

وحدة المتناقضات الهيغلية والوحدة المادية في التاريخ والطبيعة:

لو انطلقنا من الفلسفة الهيغلية، فالتناقض بين "إله الخير" و"إله الشر"، بين "الفضيلة" و"الرذيلة"، هو مدخل التاريخ البشري، فحسب هيغل: "كل الأشياء هي في نفسها متناقضة" (هيغل، مختارات 1، ص 130).
يقول هيغل: "الفضيلة ليست بدون الجهاد؛ انها بالاحرى الجهاد الاعلى، الناجز؛ هكذا هي ليست فقط الايجابي – الوضعي، بل سلبية – نفيية مطلقة؛ هي فضيلة ليست فقط بالمقارنة مع الرذيلة، بل هي داخل نفسها تعارض وصراع" (هيغل، مختارات 1، ص 128).

هذه هي وحدة المتناقضات الهيغلية في المجتمع البشري، فـ "الفضيلة ليست فقط بالمقارنة مع الرذيلة، بل هي داخل نفسها تعارض وصراع". ويستعير إنجلس هذه المقدمة الخاظئة -(التناقض)- من هيغل مغمض العينين ويقول: "إن الحركة هي نفسها تناقض" (إنجلس، انتي دوهرنغ، ص 144).

أما عكس إنجلس فيصف ماركس فكرة التناقض الديالكتيكي، بأنها أكذوبة مبدأ هيغل، ويقول، حسب هيغل:

"إن إثبات الذات، في تناقض مع ذاته -في تناقض مع كل من معرفة الموضوع والوجود الجوهري للموضوع- هو المعرفة الحقة والحياة الحقة. وهكذا لم يعد يمكن الحديث عن عملية توفيق قام بها هيجل تجاه الدين والدولة إلخ... لأن هذه الأكذوبة هي أكذوبة مبدئه" (مخطوطات عام 1844).

أما بخصوص "جدل التناقض" في المجتمع الطبقي و"جدل نفيـ"ـه، فيخالف ماركس طريقة تفسير هيغل على الشكل التالي:

"ان الأفراد، بوصفهم (بشرًا خاصين) قد كانوا عبر التاريخ بأسره في أصل (المصلحة العامة). وانهم ليعرفون ان هذا التناقض ليس سوى تناقض ظاهري لان طرفًا واحدًا منه، الطرف المسمى (عامًا)، ينتج باستمرار من قبل الطرف الآخر، المصلحة الخاصة، ولا يعارض هذه المصلحة الأخيرة في حال من الاحوال على انه قوة مستقلة ذات تاريخ مستقل –بحيث ان هذا التناقض يتلاشى ويتولد في الممارسة بصورة متصلة. وهكذا فليس المقصود (الوحدة السالبة) الهيغلية لطرفي التناقض، بل التلاشي الناشئ عن شروط مادية، عن نمط الحياة السابق للافراد، المشروط ماديًا، وهو تلاشٍ يؤدي إلى زوال هذا التناقض وتجاوزه في وقت واحد" (ماركس، الايديولوجية الألمانية، ص 259).

وهكذا، إن الاختلاف بين ماركس وهيغل هو أن ماركس لا يبحث التناقض وزواله أي نفيه على نمط التفكير الديالكتيكي، بل يبحث الشروط المادية لوجود طرفي التناقض وتلاشيه في وقت واحد، فحسب الديالكتيك، يتكون كل شيء من جانبين متناقضين، ويجب ان يقضي طرفي التناقض في الظاهرة المعنية على الطرف الآخر، يسميه هيغل صراع القديم والجديد. وهذا ما يخالف منهج علم الاقتصاد. مثال:
هل تنفي قوة العمل قيمتها أو القيمة قوة العمل؟ هل ينفي الطلب العرض أو العرض الطلب؟ هل ينفي رأس المال الثابت رأس المال المتغير أو العكس؟ هل تنفي القيمة الاستعمالية القيمة التبادلية أو العكس؟ كلا، بكل تأكيد، فوجود إحدى طرفي الظاهرة، تشترط وجود الطرف الثاني، كما أن الإلغاء التاريخي لأحدهما، هو إلغاء الآخر في نفس الوقت، وهو مشروط بإلغاء نظام العمل الأجير. وإذا انطلقنا من وجهة نظر هيغل، فهذا الترتيب الاقتصادي للمقولات والمفاهيم غير مقبول ديالكتيكيًا، فيرى الديالكتيك بأن كل شيء، كل فكرة، يحمل التناقض في ذاته، فالفضيلة لوحدها مثلا، حامل التناقض. وما إذًا نفي الفضيلة لذاتها؟ انه بالطبع حركة لا متناهية من الانتقال إلى الرذيلة وثم إلى الفضيلة وإلى ما لا نهاية من جدل النفي بين المعرفة تمثل الفضيلة والجهل يمثل الرذيلة. وهكذا، فعلينا أن نقول: العرض ليس فقط بالمقارنة مع الطلب، بل هو داخل نفسه تعارض وصراع. وهو نفس الشيء بالنسبة للقيمة، ورأس المال، وقوة العمل..إلخ. وهكذا، فخطأ هيغل ليس له العلاقة بدينه أو بمثاليته، فخطؤه المنهجي هو أنه يبحث المتنوعات في وحدتها، ويقر بأن كل الأشياء في ذاتها تعارض وصراع حتى دون التجربة على (كل) الأشياء في التجريد بصورة مسبقة. ولا يمكن لعلماء الاقتصاد إطلاقًا الاعتماد على منهج كهذا، لدراسة التاريخ الاقتصادية.
أما في العودة إلى الطبيعة، ففي التصورات الديالكتيكية، لا تحمل مثلا الذرة التناقض في ذاتها فحسب، بل يحمل كل مكوناتها أو كل وحدة منها وبصورة مستقلة عن الوحدات الأخرى، التناقض في ذاتها أيضًا، فالإلكترون شيء، والنيوترون شيء، والنواة شيء، وكل شيء في ذاته تناقض. ففي عالمنا المادي، لا توجد وحدة تعبر عن شروط مادية لوجود الأشياء، بل التناقض فقط هو شكل الوجود ووحدته، حسب الديالكتيك. أما في الواقع، فلا يوجد أي تناقض ولا التراكمات الكمية والتحولات النوعية ولا نفي النفي في الإلكترون أو النيوترون أو النواة إلا في تخيلات هيغل الفلسفية.
ولا يمكن للديالكتيك ان يقدم حلاً لهذا التناقض، قبل تقسيم الفكرة -الظاهرة- إلى فكرتين متناقضتين. أما الحل المصطنع لهذا التناقض الديالكتيكي المصطنع، فيعبر عنه ماركس على الشكل التالي:

"ان هذه القاعدة أي هذه الفكرة تناقض ذاتها Antithesis فتنقسم إلى فكرتين متناقضتين – الايجابي والنفي، نعم ولا. والصراع بين هذين العاملين المضادين المتضمن في التناقض يشكل حركة الديالكتيك. النعم تصبح لا، ولا تصبع نعم، نعم تصبح لا ونعم، ولا تصبح نعم ولا، فتتعادل المتناقضات وتتجانس وتشكل بعضها. وتداخل هاتين الفكرتين المتناقضتين يشكل فكرة جديدة هي نتيجة الاثنين Synthesis . إن هذه الفكرة تنقسم مرة أخرى لفكرتين متعاكستين فتعود وتتشابك في نتيجة واحدة. ومن هذا العمل تتولد مجموعة من الأفكار. وهذه المجموعة من الأفكار تتبع نفس حركة الديالكتيك" (ماركس، بؤس الفلسفة).

وهكذا، فيبني هيغل كل جدله على أساس مقدمة فلسفية خاطئة، يتخيلها فقط عقل الفيلسوف. فالديالكتيكي، حسب تعبير ماركس: يفهم الواقع على شكل مقولات فقط، لذلك فهو يحاول حل كل الفعاليات البشرية في ديالكتيك تأملي، وسيعيد إنتاج كل الأشياء في العالم من الديالكتيك التأملي (انظر: ماركس، العائلة المقدسة، ص 64).

المقولات الديالكتيكية والمقولات الاقتصادية:

يقول ماركس:

"كما في أي علم تاريخي اجتماعي ينبغي ألا ننسى، عند تعاقب المقولات الاقتصادية، ان موضوعها (وهو هنا المجتمع البرجوازي المعاصر) هو ما هو موجود دائمًا، في الذهن كما في الواقع. وان هذه المقولات، إذن، تعبر عن أشكال الكينونة، أو سمات الوجود التي هي جوانب مفردة فحسب لهذا المجتمع المحدد أو هذا الموضوع .. وهذا ينطبق على العلم كذلك" (الغروندريسة، ص 132).

"ان المقولات الاقتصادية التي تأملناها سابقًا تحمل طابعًا تاريخيًا" (رأس المال، الكتاب الأول، المجلد 1، ترجمة انطون حمصي، ص 267).

أما المقولات الديالكتيكية، فتحمل طابعًا أزليًا، فالديالكتيك لا يحمل صفات تاريخية. لذلك، فلا يمكن لعالم اقتصادي مثل ماركس الانطلاق من نفس المقدمة الديالكتيكية، فمقدمة المقولات الاقتصادية، هي تاريخها، مثلًا: البضاعة - المال، رأس المال - القيمة، الأرض - الريع، الائتمان - الفائدة .. إلخ. فماركس يبحث هذه المفردات الاقتصادية المتنوعة في التجريد، لكي يصل إلى شروط وجودها ووحدتها المادية التاريخية.

إن ترتيب المقولات الديالكتيكية، تختلف كليًا عن ترتيب مقولات العلمية في الطبيعة والاقتصاد السياسي على حد سواء. فترتيب مقولات ماركس الاقتصادية في كتاب (رأس المال) هو، كما هو معروف، المقولات التي تشكل البنية الداخلية للمجتمع البرجوازي، لا تستند على المقدمة التي ينطلق منها الديالكتيك بأي شكل كان، بل تستند على العلاقات الاقتصادية بين رأس المال، العمل الأجير، ملكية الأرض، والتبادل بينها، ثم التداول، نظام الائتمان، ثم الصعود من المقولات هذه إلى تركيز المجتمع البرجوازي في شكل الدولة، السكان، المستعمرات، التبادل الدولي، الصادرات والواردات، السوق العالمية، والأزمات الاقتصادية (انظر: ماركس، الغروندريسة، ص 135).
ولكن الديالكتيك لا يمكنه أن يساعد باحثًا اقتصاديًّا، في ترتيب هذا التركيب الاقتصادي - التاريخي، حيث إن الديالكتيك أداة فلسفية ناتجة من الفكر المجرد، يستخدمه الفيلسوف للوصول إلى الأفكار المعقولة. ولا يمكن لباحث اقتصادي أن يستخدم أفكاره أو أحاسيسه المجردة، ليجعل من "المعقول" قانونًا ماديًّا ومقياسًا لفهم التاريخ. وحتى إذا كان فكرة "وحدة المتناقضات" مثلًا، فكرة فلسفية معقولة، فلا يمكن لباحث اقتصادي أن يضع مادة البحث على طاولة الأعمال، لكي يصنع في النهاية مقولة أو فكرة تثبت وجود التناقض في الظاهرة المعنية، فالديالكتيك قرر مسبقًا "أن كل الأشياء في ذاتها متناقضة". فلماذا إذًا إضاعة الوقت للبحث عن التناقض هنا وهناك؟
وهكذا، فمنهج ماركس العلمي، لا يجمعه أي جامع مع المنهج الديالكتيكي، من ضمنه ما تسمى المادية الديالكتيكية، حيث إن مقدمة منهج ماركس هي جمع مواد البحث وترتيبها، والنظر إلى مفرداتها في التجريد بعين ناقدة، ثم إنشاء المفاهيم والمقولات من قوانينها بموجب طريقة الصعود من الخاص إلى العام، أي بموجب منهج الاستقراء التجريبي.

المادية الديالكتيكية:

بينما يُستخدم "جدل التناقض" و"جدل النفي" الهيغلي، محركا "لنفي الفكرة ضمن إطار الفكرة ذاتها"، أو المحرك المولد في الفلسفة الهيغلية لنفي الفكر لذاته، فيستخدم الماديين الديالكتيكيين، هذا الجدل الهيغلي مثل أسلحة ثقيلة لدفع عجلة التاريخ إلى الأمام، فقامت ما تسمى بالفلسفة المادية الديالكتيكية، باكتشاف جديد في الديالكتيك، وهو جدل التناقض وجدل النفي في الطبيعة، أي جدل "نفي المادة لذاتها"، نفي المادة للمادة، نفي الذرة للذرة، نفي النواة للنواة. وهذه الفكرة، أي الاندماج بين "المادة" و"الديالكتيك"، هي في الواقع، الأساس المشوَّه لما يسمى بالديالكتيك المادي، وهو من صنع إنجلس لا ماركس، حيث إن ماركس ينطلق من التاريخ البشري لا الطبيعة ويبحث مفردات رأس المال لا المادة، وميدانه هو الاقتصاد التاريخي لا الفلسفة، ويبدأ من واقعية منهج الإنجليز والفرنسيين الاقتصادي لا ديالكتيك هيغل الألماني، والحركة التي يبحثها هي القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث لا حركة الفكر الديالكتيكية، فلا جدل التناقضات الأزلية ولا جدل النفي الأزلي يساعد ماركس في اكتشاف القانون المادي (الاقتصادي) الذي هو بالفعل مولد حركة المجتمع الحديث.
إن أفكار (المادية الديالكتيكية) معنية بالأزلية، بالطبيعة، أما الطبيعة فمتروكة كليًا للعلوم الطبيعية لا الفلسفة. وعكس الفلسفة، إن أفكار (المادية التاريخية-علم التاريخ)، معنية بالوقت الحاضر، بالتاريخ، التاريخ الذي لا يمكن دراسته إلا في ارتباطه بتقدم الصناعة، والتجارة، والتبادل العالمي. وهذا هو الاختلاف بين المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية التي تنطلق مما بعد الاقتصاد السياسي وتبحث قانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث، أي قانون الأزمات الدورية.

قانون الأزمات الاقتصادية:

كما رأينا سابقًا، يقر الديالكتيك بأزلية التناقض في التاريخ البشري. أما الاقتصاد التاريخي -المادية التاريخية- فلا يمكنه إقرار هذه المقدمة الخاطئة عند البدء بالبحث عن التاريخ. فالقوانين المادية الاقتصادية تاريخية بطبيعتها، أي إنها ليست أزلية، حسب ماركس، ولا يمكن مقارنتها بالقوانين الثابتة في الطبيعة. فبنشوء قانون اجتماعي ظهر التناقض في المجتمع في وقت متأخر من التاريخ وتركوا البشر حياتهم الكومونية، فالتناقض الاجتماعي لم يظهر منذ الأزل ولا يبقى بصورة أزلية. وسؤال ماركس هو: ما هذا القانون؟ وكيف يمكن إلغاؤه؟ أمن خلال جدل النفي الفارغ من المعنى، نفي المقولات لذاتها، أم من خلال حركة اجتماعية واقعية، يقودها تطور التاريخ، نحو قانون اجتماعي يسيطر البشر بموجبه على قانون التوازن المختل الذي يقف وراء الأزمات الاقتصادية الدورية؟

يقول ماركس:

"إن هذه الأزمات التجارية تؤكد القانون، وتؤكده بشكل كامل .. إنه قانون طبيعي يقوم على عدم وعي المشاركين. فلو أن المنتجين من حيث هم منتجون عرفوا مقدار ما يحتاج المستهلكون، ولو أنهم نظموا الإنتاج، ولو أنهم تقاسموه فيما بينهم، لكانت ذبذبات المنافسة وميلها إلى الأزمة مستحيلة. فلتُنْتِجوا بوعي ككائنات إنسانية - وليس كذراتٍ مشتتة دون وعي بنوعكم - وستتجاوزون كل هذه التناقضات المصطنعة. ولكن طالما ظللتم تنتجون بالطريقة الحالية غير الواعية المفكرة، تحت رحمة المصادفة – فستبقى أزمات التجارة ..
ونحن نحطم التناقضات ببساطة بتخطيها، فمع اندماج المصالح التي تتعارض الآن مع بعضها البعض يختفي التضاد بين زيادة السكان وزيادة الثروة وتختفي تلك الحقيقة التي تبدو كالمعجزات" (ماركس، مخطوطات عام 1844).

وهكذا، فوحدة المتناقضات ليست قانونًا في المجتمع، ولا في الطبيعة، ولا يمكن لعالم اقتصادي مثل ماركس -أو عالم فيزيائي مثل السير نيوتن- أن يقر بفكرة هيغل الآتية: "إن الجدل هو قانون مكوّن للفكر، وأن الفكر من حيث هو فهم ينفي وينقض ذاته بذاته" (هيغل، مختارات 1).

إن اختلاف ماركس مع هذا المنهج هو أن الفكر لا ينقض ذاته بذاته، وهذه هي أكذوبة جدل التناقض وجدل النفي، فمنشأ نقض الأفكار ليس الفكر ذاته، بل الأساس المادي الذي ينقض من خلاله مثلًا الفلسفة بوصفها فكرة عتيقة لا يمكنها مسايرة التاريخ. فالفكر إذاً تاريخي، وليس ديالكتيكي، والفكر الذي ليس بمستطاعه مسايرة التاريخ، لا بد أن يدخل متحف التاريخ مثل الفلسفة الديالكتيكية. فالفكر إذًا، يجب ان يقف على قدميه، لكي يرى العالم كما هو موجود في الواقع. وان اختلاف ماركس مع هذا الجدل الفارغ، هو أن نقض فكرة الملكية الخاصة على شكل نمط التفكير الديالكتيكي، لا يعطينا فهمًا صحيحًا للعالم الواقعي، فلكي يجعل التاريخ من البشر كائنات حرة وشريكة في جماعة بشرية تسمى الكومونة، لا يكفي، كما يقول ماركس:

".. أن نقوم بنفي فكرة الملكية الخاصة، فالأمر يتطلب فعلاً واقعيًا لإلغاء الملكية الخاصة الواقعية" (ماركس، مخطوطات عام 1844).

وهكذا، فماركس لا ينطلق إطلاقًا من جدل المقولات الديالكتيكية لفهم (رأس المال)، ونفي الملكية الخاصة لذاتها، ولا يرى أن حركة التغيير الاجتماعي, ثم قانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث، تجري طبقًا لحركة تغيير المنطقي لمقولات هيغل. لذلك فهو يقول وبصورة واضحة جدًّا:

"لو أن المجتمع حرر نفسه فقط من مقولتي: الملكية واللاملكية (أن تملك وأن لا تملك)، فكم يسهل على كل ديالكتيكي أن يثير المناقشة لـ (تخطي) و(إلغاء) تلك المقولات" (ماركس، العائلة المقدسة، ص 48).

الخلاصة:

سيكون سهلًا جدًّا لكل ديالكتيكي أن يأخذ في يديه مقولات هيغل الديالكتيكية ويقول إن جدل التناقض هو أصل التطور، ويتحرك هذا التناقض نحو جدل النفي بصورة لا متناهية، أو كما يقول إنجلس: "إن الأشياء والعمليات التطورية ذاتها تنطوي موضوعيًا على تناقض" (انتي دوهرنغ، ص 145).

في هذه الفكرة، نرى أن إنجلس -كالماركسيين الذين جعلوا من مفاهيم إنجلس الديالكتيكية مذهبًا- لا يميز إطلاقًا بين الحركة المنطقية الديالكتيكية للمقولات، والحركة المادية (الواقعية) في الطبيعة والمجتمع. لذلك فهو يخلط بين المناهج والطرق المختلفة للبحث. فإنجلس يهمل تمامًا أن ميدان هيغل مثلًا هو الفلسفة، وميدان نيوتن هو علم الطبيعة، ومناهجهما مختلفة كل الاختلاف. لذلك فهو يبحث التناقض في الطبيعة الميتة بالاعتماد على فلسفة هيغل، ويستخدم نتائج أبحاث السير نيوتن التجريبية لإثبات جدل تناقض هيغل الفلسفية. بينما عند دخوله التاريخ، يصل إنجلس فورًا إلى أن التناقض ليس مصدر الحركة والتطور الاجتماعي، فالأمر لا يتعلق بنقض النقيض للأفكار، بل بحركة عملية، فها هو إنجلس نفسه يقول:

"وبانحلال هذه المشاعة الابتدائية يبدأ انقسام المجتمع إلى طبقات متمايزة تصبح آخر الأمر متعارضة" (إنجلس، إضافة ملاحظة هامشية إلى البيان الشيوعي عام 1888).

ثم في (أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة)، يحاول إنجلس أن يبين بأنه لا يوجد التناقض في كل حركة اجتماعية، ويقول: "ويسمي ماك - لينان الجماعات الأولى بجماعات (الزواج الخارجي) والجماعات الثانية بجماعات (الزواج الداخلي)، ولكنه سرعان ما يشير، بدون أي تعليل، إلى التناقض الحاد بين (قبائل) الزواج الخارجي و(قبائل) الزواج الداخلي. ورغم أن دراسته الخاصة بالذات للزواج الخارجي تقوده إلى الاصطدام رأسًا بالواقع التالي، وهو أن هذا التناقض لا يوجد في كثير من الحالات، أن لم يكن في أغلبيتها أو حتى في جميعها، إلا في مخيلته، فإنه يبني مع ذلك كل نظريته على أساسه".

وهكذا، فمدخل التاريخ وحركة الاقتصاد التاريخي، ليس هو التناقض، بل تقدم الصناعة، أي تطور الأدوات الإنتاجية. وعند فجر التاريخ وعبر آلاف السنين، كان لا يزال الأمر يتعلق بحركة طبيعية، وبسلوك الإنسان الإنساني الطبيعي الكوموني، وحاجات الإنسان الإنسانية الطبيعية، الكومونية، وبالتالي بتطور ناتج من وحدة البشر غير المتناقضة وغير الديالكتيكية. والتناقض الاجتماعي، ظهر في وقت متأخر جدًّا، بل وبعد آلاف السنين، من تطور الطبيعي للإنسان.
وهكذا، فعكس الديالكتيك بالضبط، فلم يكن التناقض في المجتمع البدائي مصدر التطور، يعني أنه لم يكن التناقض الديالكتيكي هو الذي أدى إلى "التراكم" و"التحول"، بل عكس التفكير الديالكتيكي، فالتراكم -تراكم الثروة-، والتحول التاريخي، هو الذي أدى إلى التناقض.
وبذلك، فمرة أخرى ينهدم نهائيًا فكرة الديالكتيك، بوصفها مفتاح ماركس، لدخول التاريخ، وحركته الاقتصادية، وفهم (رأس المال)، فالبشر في سلوكه الطبيعي، النوعي، الكوموني، يعكس لنا عالمًا واقعيًا، يخالف جذريًا العالم السديمي الذي ينظر الفيلسوف إليه بمنظار الديالكتيك. وليس من قبيل الصدفة أن نصل إلى عصر يسيطر العلم الطبيعي إلى الأبد على الفكر الإنساني وينحني أمامه الفلسفة وديالكتيكها الذي تستخدمه الفلسفة لفهم العالم الفيزيائي الذي لم يكن ممكنًا كشف خواصه المتعددة إلا بعلم الطبيعة. وإذا كان ماركس يتصور أن الديالكتيك حقيقة أبدية أو إذا كان "الديالكتيك علم حركة الطبيعة والمجتمع والفكر"، كما يتصور إنجلس، فلِمَ كان يقول في بداية نشاطاته الفكرية قبل 170 سنة:

"ومع الزمن سيشمل العلم الطبيعي علم الإنسان تمامًا كما سيشمل علم الإنسان العلم الطبيعي: وسيكون هناك علم واحد" (ماركس، مخطوطات عام 1844).





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)