أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - الماركسية وافق البديل الاشتراكي - محمد الحنفي - الدين/الماركسية من اجل منظور جديد للعلاقة نحو أفق بلا إرهاب















المزيد.....



الدين/الماركسية من اجل منظور جديد للعلاقة نحو أفق بلا إرهاب


محمد الحنفي
الحوار المتمدن-العدد: 1215 - 2005 / 6 / 1 - 12:44
المحور: ملف - الماركسية وافق البديل الاشتراكي
    


الدين/الماركسية من اجل منظور جديد للعلاقة نحو أفق بلا إرهاب - الجزء الأول
إلــــى :
 الذين قضوا من اجل أن تكون الماركسية سلاحا لإعلان قيام العقل المادي.
 الذين يعتبرون الدين قوة مادية قائمة في الواقع لمواجهة الادلجة الدينية.
 الذين يتعاملون مع الدين كمقوم و مغذ بالقيم النبيلة للمسلكيات الفردية و الجماعية.
 من اجل تساكن بين مادية الماركسية و قوة الدين كجزء من تلك المادية تكريسا لاصل الإنسان المادي.
محمد الحنفي

مقدمة :
إن البشرية و في جميع أرجاء الأرض لازالت تنشغل في جزء كبير من وقتها بأزمة التعارض القائم بين المادية و المثالية نظرا للحيف الكبير الذي يلحقه الفكر المثالي بالفكر المادي. و نظرا لاستناد الفكر المادي إلى أسس مادية واقعية يمكن اعتمادها في بناء منظومة فكرية علمية، لا يستطيع الفكر المثالي الصمود أمامها. و مادام هذا التناقض قائما بين المثالي و المادي من الأفكار، فلماذا لا يتم التسليم به. و لماذا لا نعتبر أن ما هو قائم من فلسفات مادية مشروع، و أن ما هو قائم من فلسفات مثالية مشروع أيضا، و أن مصدر هذه المشروعية و مرجعيتها تعود إلى الواقع المادي نفسه. لأن الواقع لا يكون إلا ماديا، و أن هذا الواقع المادي هو مجرد مجال لاستنبات الفكر المثالي الذي ليس إلا قوة مادية قائمة في وجد هذا الإنسان حامل المثالية، و منتجها. فالعبرة لا تكون إلا بالأصل، و الأصل هو الوجود المادي للمجتمع. و نظرا لأن هذا المجتمع تحول من المجتمع اللاطبقي إلى المجتمع الطبقي، فإن الطبقة المسيطرة تسعى باستمرار إلى فرض أفكار مثالية تعبر عن مصالحها الطبقية. و تستند في أفكارها تلك إلى ما ظهر في المجتمعات من معتقدات خرافية و دينية حتى تتمكن من بسط سيطرتها على الطبقات الأخرى و في مقدمتها الطبقة العاملة. و بما أن المجتمع الطبقي القائم يعتبر مجالا لصراع المتناقضات، فإن هذا الصراع الذي يتخذ طابعا تناحريا في مرحلة معينة، يقتضي الاعتراف بوجود تلك المتناقضات (الطبقات الاجتماعية – الإيديولوجيات – المثاليات – و الماديات – و الأديان ... الخ) يصير مسألة ضرورية و ضرورتها هي التي تفرض اخذ تلك المتناقضات بعين الاعتبار في التحليل حتى يكون متكاملا و موضوعيا و منتجا، و موجها للحركة الساعية إلى تغيير الواقع في اتجاه التسريع بعملية الانتقال إلى المرحلة الأعلى في الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و التفافي و المدني و السياسي.
و للوصول إلى توضيح هذه الإشكالية، إشكالية العلاقة بين المادي و المثالي، سنتناول موضوع "الدين/الماركسية نحو منظور جديد للعلاقة" الذي سنتناول فيه مفهوم الدين : الأساس، و المنطلق. و مفهوم الماركسية، الأساس و المنطلق، و تاريخية الدين ، و تاريخية الماركسية و عمومية العقيدة، و خصوصية الطقوس الدينية، و عمومية المنهج، و خصوصية التطبيق الماركسي، و كيف ينظر الدين إلى الماركسية ؟ و كيف تنظر الماركسية إلى الدين ؟ و هل يمكن أن يوقف الدين الرؤى المادية إلى الواقع ؟ و هل يمكن أن تمنع الماركسية وجود الدين ؟ و ما هي العلاقة الموضوعية التي يجب أن تقوم بين الدين و الماركسية ؟ و ما هي سبل تجاوز ادلجة الدين لمحاربة الماركسية ؟ و احترام المنهج الماركسي إقرار بوجود المعتقدات الدينية في الواقع.
و بتناولنا لفقرات هذا الموضوع بالتحليل الهادئ نستطيع أن نقارب الآفاق التي يجب اتباعها للوصول إلى خلاصة تمكننا من إيجاد المخرج المناسب، و المتناسب للعلاقة بين الدين و الماركسية من جهة، و لإشكالية العلاقة بين المادي و المثالي من جهة أخرى حتى ننتقل من الصراع غير المنتج و المضلل الذي لا تستفيد منه إلا الطبقات المستفيدة من الاستغلال، إلى الصراع المنتج الذي ليس إلا الصراع الطبقي الحقيقي في مستوياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و في مستوياته الإيديولوجية و التنظيمية و السياسية المساعدة وحدها على تسريع وتيرة الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أعلى من تطور البشرية.
إننا أمام واقع يتزامن فيه عمق التخلف، مع انتشار ادلجة الدين الإسلامي، ومع تفاحش وتيرة الاستغلال الهمجي للطبقة العاملة و سائر الأجراء، ومع سيادة نظام عولمة اقتصاد السوق إلى جانب الثورة التكنولوجية المتقدمة التي فاقت كل التوقعات. و هذا الواقع و بهذه الحمولة، لازال في حاجة إلى تفكيك المزيد من القضايا المطروحة. و منها قضية العلاقة بين الدين و الماركسية ، حتى يتم تمهيد الأفق لانتاج صراع طبقي حقيقي.

مفهوم الدين : أساسه و منطلقه :
إن العلاقة بين الدين و الماركسية تقتضي منا أن نقف أولا على مفهوم الدين. و ما هو الأساس الذي يقوم عليه ؟ و ما هو منطلقه ؟
إن البشرية و منذ وجودها و هي تعمل على فهم الواقع، و نظرا لقصورها المعرفي، و عدم امتلاكها للوسائل التي تساعدها على معرفة الواقع معرفة علمية دقيقة. فإنها تلجأ إلى تفسير الظواهر الطبيعية التي تقع أمام أعينها. و تفترض أنها تقع، لا وفق قوانين طبيعية معروفة، أو يفترض أنها تكون معروفة منذ البداية لو نشأ الإنسان عارفا بها معرفة كاملة. و لأن الإنسان يفرض عليه أن يوجد أولا، ثم يفكر ثانيا، فإنه وجد عاجزا عن معرفة تلك القوانين.و لذلك يفترض وجود قوة خفية و من أصول غير مادية، فيستعظم تلك القوة و يخلق لها طقوسا تخصها. و مع توالي الأيام، صارت تلك القوة الخفية آلهة مجسدة في كائن طبيعي نباتي أو حيواني أو مظهر من مظاهر الطبيعة، أو في آلهة يصنعها الإنسان، و صارت تلك الطقوس عبادة، و مع تطور البشرية الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي ظهرت التجمعات البشرية الكبرى، و ظهرت النظم الاقتصادية و الاجتماعية المنسجمة مع التشكيلات الاقتصادية و الاجتماعية القائمة. فظهرت معها الحاجة إلى وحدة المجتمع، فاستدعى ذلك ظهور الديانات الكبرى على التوالي : اليهودية ثم المسيحية ثم الإسلام الذي كان آخرها نظرا للنضج الذي وصلت إليه البشرية الذي اقتضى توقف ظهور أديان جديدة.
فما هو الدين ؟ و ما هو الأساس الذي قام عليه ؟ و ما هو منطلقه ؟
إن الدين، أي دين، سواء كان وثنيا أو غير وثني، و سواء كان يهودية، أو مسيحية، أو إسلاما له علاقة بقوة غير معروفة، اختلفت تسميتها من عصر إلى آخر، و من مكان إلى آخر. و انطلاقا من اختلاف الطبقات الاجتماعية، و اختلاف مستوياتها المعرفية. و تلك القوة الخفية تفرض على المعتقدين بها خضوعا قسريا لمنظومتها "الإيمانية" التي تقتضي ممارسة طقوسية معينة تختلف باختلاف المنظومات نوعيا و عدديا، لتحقيق غاية روحية معينة، انطلاقا من النصوص المرتبطة بكل دين على حدة، تعبيرا عن التجسييد الفردي و الجماعي، و الاجتماعي لتلك المنظومة التي يتحقق في إطارها وحدة قيم المجتمع الأخلاقية و الروحية. و لذلك فالدين هو الاعتقاد بوجود قوة معينة تستلزم ممارسة طقوسية معينة يمكن تمثلها في القيم التي يتحلى بها المتدينونون على مستوى المجتمع و التي توجه العلاقات الاجتماعية، و تربطها بإرادة تلك القوة الغيبية التي تفسر بالإيمان بها كل شيء في هذا الكون.
و الأساس الذي يقوم عليه الدين، أي دين، هو الحاجة إلى ملء الفراغ الروحي بسبب الجهل و الأمية. و انعدام المعرفة بالواقع، و عدم القدرة على استخلاص ما يجب من التجارب السابقة، من اجل اعتماده في التعامل مع الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و في العمل على تطويره، و معاناة الإنسان القديم من الفراغ الروحي دفع ذهنه إلى العمل المستمر و البحث الدؤوب من اجل إيجاد ما يساعده على المستوى النظري، و على المستوى العملي على التغلب على عامل الوقت، و خاصة عندما يفرغ من الحصول على حاجته الطبيعية التي تمتلئ جنباتها بما يلبي تلك الحاجة. فانعدام ما يملأ الإنسان القديم به وقته لعب دورا كبيرا و أساسيا في البحث عن تفسير لما يجري في الواقع، و من يقف وراءه. فعبد الإنسان مظاهر الطبيعة المختلفة، عبد الرعد، و النار، و الشمس و القمر، و الحيوانات و الإنسان، ثم صنع تماثيل تمثل معبوداته الحية حتى تبقى تلك التماثيل (الأصنام) خالدة مدى الدهر حتى يضمن حضورها معه، ومع أبنائه و أحفاده من بعده إلى ما لا نهاية. ثم اعتقد الناس بعد ذلك أن الله يتزوج و يلد، فشرعوا يعبدون "أبناء الله" كوسيلة لعبادة الله، و كذلك الشأن بالنسبة ل"زوجة الله" " و قالت اليهود عزير ابن الله، و قالت النصارى المسيح ابن الله" و "إن الله ثالث ثلاثة" بعد أن تم تجريد فكرة الله على يد إبراهيم "فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي، فلما أفل قال لا احب الآفلين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر، فلما افلت قال يا قوم اني بريء مما تشركون اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا، و ما أنا من المشركين".
و منطلق الدين، أي دين و مهما كان مستواه هو إيجاد تفسير لما يحدث في الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي، فلا شيء في الوجود من صنع الإنسان، انه نتيجة لفعل، و إرادة القوة الخفية التي يحتار الناس في إيجاد تفسير لها، فاكتفوا بتسميتها القوة المطلقة أو القوة الأولى، أو اله الخير، و اله الشر، و غير ذلك من التسميات التي أطلقها قدماء المتدينين قبل الوصول إلى تسمية "الله" في الديانات التوحيدية و خاصة في عهد إبراهيم الذي سبق مجيء اليهودية و المسيحية و الإسلام. فالله هو الخالق لكل ما في الكون، و هو الذي يحيي و يميت، و هو الحي الدائم الذي لا يموت، و الذي لا يمكن تصوره، لأنه كما جاء في القرءان " لا تدركه الأبصار، و هو يدرك الأبصار" و هو الباعث للرسل و المنزل للوحي الذي يوجه البشرية إلى ضرورة التحلي بقيم معينة و هو ما يجعل المستبدين يعتبرون استبدادهم من عند الله كما هو الشأن بالنسبة للإمبراطوريات المسيحية القديمة التي اعتبرت حكمها طبقا لنظرية الفيض الإلهي التي اعتمدها بنو أمية بعد تسلطهم على حكم المسلمين. كما جاء في خطبة زياد بن أبيه الذي يقول "انا نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا و نذوذ عنكم بفيئه الذي خولنا" و حسب هذه النظرية فكل شيء في هذا الكون بأمر الله و بإرادته، و ما عاشه الإنسان، و ما يكونه و ما يصير الله هو بإرادة الله و بأمره، أو بإرادة القوة الغيبية و بأمرها، سواء كان المعبود واحدا، أو متعددا حسب منطلق كل دين على حدة.
و أساس الدين و منطلقه ضروريان للدين نفسه لأنه لا يوجد دين بدون أساس يقوم عليه، و لا منطلق يبتدئ منه. فالحاجة إلى التغذية الروحية ضرورية للإنسان من اجل أن يطمئن على مصيره و بعد تمثله للقيم الدينية التي يقتنع بها، مهما كان الدين الذي يومن به، و رغبة الإنسان – في ظل عجزه العلمي و المعرفي- قائمة إلى ما لا نهاية، لأنه يحتاج باستمرار إلى تفسير ما يحدث في الواقع من ظواهر طبيعية، و علمية و فكرية و اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية و عسكرية. و التفسير الديني لما يحدث هو اكثر التفاسير باعثا على الراحة النفسية، لأنه يعفي الإنسان من إعمال الفكر فيما يجري، حتى و إن كانت بعض الأديان تحث على استعمال العقل، فإن الناس غالبا ما يجنحون إلى تعطيل هذه الآلة التي تلعب دورا كبيرا في جعله يدرك الأسباب الحقيقية لوقوع مختلف الظواهر، و النتائج المترتبة عن تلك الأسباب.
و العلاقة القائمة بين الأساس الديني و المنطلق الديني هي علاقة تلازم، فلا يمكن أن يكون هناك أساس بدون منطلق ، كما أن المنطلق لا يمكن أن يوجد بدون أساس، لأن الحاجة إلى التغذية الروحية تستلزم منطلق تلك التغذية.
و قد تكون هذه العلاقة جدلية، لأنه بقدر ما يكون الأساس الديني سليما و مقبولا، يكون المنطلق متفاعلا مع ذلك الأساس ليصير بدوره قويا و مقبولا، و بقدر ما يكون ضعيفا و غير مقبول يكون المنطلق أيضا متفاعلا مع ضعفه. فيصير ضعيفا و غير مقبول، و لكننا نجد أن المنطلق كذلك عندما يكون قويا و مقبولا فإن الأساس يتفاعل معه، فيصير ضعيفا و غير مقبول.
و لذلك نجد أن الدين الإسلامي الذي قام على أساس قوي و صحيح يتمثل في الفراغ الروحي الذي كان الناس يعانون منه في ذلك الوقت . فجاء ليملأ ذلك الفراغ، و يجعل العرب يتوحدون و يصيرون أقوياء بوحدتهم بعد أن كانوا أشتاتا كان المنطلق الذي إعطاء تفسيرا للكون و للوجود قويا و مقبولا، و يجعل الناس يرتبطون مع الواقع و يعملون على تطويره.
و لكن عندما صار الأساس غير ملء الفراغ الروحي بل صار ذلك الروحي إيديولوجية معبرة عن مصالح طبقية معينة. فإن المنطلق اختلف. انه لم يعد إعطاء تفسير للكون بقدر ما صار هو تجييش القابلين بأدلجة الدين الإسلامي، و بأساسه فقي أفق تنفيذ مخطط الأمير الذي يسعى إلى بناء "الدولة الإسلامية" التي لا تعني إلا "تطبيق الشريعة الإسلامية" التي ليست إلا "برنامجا سياسيا لمؤدلجي الدين الإسلامي". فقوة الأساس تستلزم قوة المنطلق، و تتفاعل معها، و ضعف الأساس يستلزم ضعف المنطلق و يتفاعل معه، و العكس صحيح.
و إذا كان الدين معتقدا من جملة من المعتقدات التي يؤمن بها الناس، فإن التطور الذي عرفه الدين نفسه يبين إلى أي حد تطور هذا الإنسان عبر العصور المختلفة، و سواء استحضرنا ما ورد في الكتب السماوية من قصص تتعلق ببداية الخلق، أو لم نستحضره فإننا نستطيع القول بأن تطور الدين جاء مرتبطا ارتباطا جدليا بتطور المجتمعات. فالدين في مجتمع المشاعة كان بدائيا، و في المجتمع العبودي اتخذ صيغة أخرى و هو في المرحلة الإقطاعية يختلف عنه في المرحلة الرأسمالية. نظرا لمستوى الفراغ الروحي الذي كانت تعاني منه البشرية في كل مرحلة تاريخية معينة.

مفهوم الماركسية : الأسس و المنطلقات :
و إذا كان الدين يرفعنا عن الواقع، و يغرقنا في الرغبة في التغذية الروحية، و في السعي إلى معرفة الأسباب الغيبية لما يجري في الواقع على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية حتى نطمئن على مصيرنا أسوة بجميع المتدينين الذين يسلمون بأن ما يحصل هو بقرار غيبي، و يعتبرون ذلك التسليم جزءا من الإيمان بدين معين. فإن الماركسية هي غير ذلك، إنها ممارسة نظرية، و فكرية، و على عكس الدين، تسعى إلى تغذية العقل، و إلى تغيير الواقع.
فماذا نعني بالماركسية ؟ و ما هي الأسس التي تقوم عليها ؟ و ما هي منطلقاتها ؟
و طرحنا لهذه التساؤلات يهدف إلى إعطاء صورة مقربة عن الماركسية بعيدا عن التصورات المبتذلة المرتبطة بالفكر الإلحادي الذي يشوه و جه الماركسية . و لا يسعى أبدا إلى إعطائها حقها في التقدير كحركة فكرية ارتبطت بمؤسسيها العظيمين : كارل ماركس، و فريدريك انجلز. و سعت إلى جعل الإنسان ينخرط في إعمال فكره في الواقع بمنهج مغاير من اجل الوصول إلى وضع خطة لتغيير ذلك الواقع بما فيه مصلحة الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و على أساس المساواة بين البشر كما هو منطوق الحديث الذي يقول "لا فرق بين عربي و عجمي و لا بين ابيض و اسود" في الحقوق و الواجبات، وصولا إلى تكريس مقولة "لكل حسب حاجته، و على كل حسب قدرته". و الماركسية بذلك تكون حركة قائمة على أساس السعي إلى تغيير الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي حسب ما تقتضيه مصلحة الإنسان و بمنهج علمي يحمل اسم "المنهج الاشتراكي العلمي الذي يعتمد في تعامله مع الواقع نفسه قوانين المادية الجدلية (الدياليكتيكية) و المادية التاريخية، التي تجعل مستعملها يستطيع أن يمتلك نظرية عن الواقع و قادرا في نفس الوقت على وضع برنامج، و اعتماد وسائل معينة لتغيير الواقع إلى الأحسن لانتاج شروط جديدة تتمثل في تحقيق الحرية، و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. و هذا التصور عن الماركسية كحركة يعطيها أحقية في الوجود وفي التطور في نفس الوقت حتى تستطيع التعامل مع تحولات الواقع مهما كان عمق التحولات من اجل إدراك قوانينها و التحكم فيها، و توجيهها، توجيها يجعلها في مصلحة البشرية، بما في ذلك التحولات العميقة التي تعرفها البشرية بسبب سيادة عولمة إقتصاد السوق التي أكدت حاجة البشرية اكثر من أي وقت مضى إلى الماركسية التي تعتبر وحدها قادرة على إدراك خطورة عولمة اقتصاد السوق على مصير البشرية، و تعتبر وحدها قادرة على معرفة ما يجب عمله لقيام عولمة نقيضة، قائمة على أساس إعداد البشرية على المستوى العالمي لمواجهة تلك المخاطر المترتبة عن همجية الاستغلال الرأسمالي، و كيف تجب مواجهة ذلك الاستغلال في بعده الكوني بالسعي إلى تكريس عولمة نقيضة بقيادة الطبقة العاملة، و بمساهمة جميع الشعوب المقهورة.
و للوصول إلى ذلك لابد من البحث عن السبل الكفيلة بإزالة العقبات القائمة في طريق إشاعة الفكر الماركسي من جهة، و القائمة في طريق بناء الحركة الماركسية من جهة أخرى. و في أفق ذلك لابد من العمل على إيجاد أجوبة تقريبية للسؤال : ما هي الماركسية ؟ هل هي الفكر المنسوب إلى ماركس و انجلز؟ هل هي ما أضافه المفكرون الماركسييون إلى ما كتبه ماركس و انجلز ؟ هل هي التصورات المختلفة و المتناقضة التي وضعتها حركات قد تكون ماركسية فعلا، و قد تكون محسوبة على الماركسية ؟ هل هي التجارب التي قامت في الحكم ففشلت، أو استطاعت أن تستمر ؟
إن علينا أن نفرق بين الماركسية كحقيقة لم يعد في الإمكان تجاوزها، و بين المساهمة الفكرية و النظرية في إنتاج الفكر "الماركسي" الذي قد يكون ماركسيا فعلا، و قد يكون مجرد فكر منسوب إلى الماركسية. و هو في الواقع لا علاقة له بالماركسية، لا يطورها و لا يضيف إليها بقدر ما يعرقل تطورها، و يتحول إلى عائق في طريقها.
و حتى نضع القارئ الكريم في عمق تصورنا للماركسية فإننا نرى أن :
أ- الماركسية منهج علمي للتفكير و لتحليل الواقع في كل تجلياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية من اجل معرفة القوانين المتحكمة في ذلك الواقع، و وضع خطة لتفعليها في اتجاه التطور إلى الأحسن عن طريق الانتقال من مستوى معين للتشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية إلى مستوى أرقى، كالانتقال من التشكيلة الرأسمالية، إلى التشكيلة الاشتراكية.
و هذا المنهج العلمي لا يمكن أن يكون علميا إلا باعتماد قوانين المادية الدياليكتيكية، القائمة على نفي جميع المناهج المثالية و المستفيدة من جميع ما توصلت إليه البشرية في مجالات العلوم و التقنيات في تطورها حتى تضمن الماركسية تطور تلك القوانين نفسها بما يتناسب مع تحولات الواقع.
و بالقوانين الدياليكتيكية قامت الماركسية بقراءة علمية للتاريخ البشري، سواء في مستواه الأوروبي أو في غيره من المستويات، و بواسطة تلك القراءة اكتشفت الماركسية تطور التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية و تمرحلها و تميز كل مرحلة على حدة و القوانين التي تحكم كل مرحلة، و طبيعة علاقات الإنتاج القائمة فيها، و هل هي مشاعية، أو عبودية، أو إقطاعية، أو رأسمالية، أو اشتراكية. و هل كل هذه التشكيلات متداخلة فيما بينها في إطار ما صار يعرف في الأدبيات الماركسية بنمط الإنتاج الأسيوي. و ما العمل من اجل التسريع بالانتقال من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة أرقى، حتى تستفيد البشرية من ذلك الانتقال و تتخلص من الكثير من آلامها التي وقفت و تقف وراء هلاك ملايين إن لم نقل ملايير الكادحين في مختلف مراحل التاريخ البشري.
و بتلك القوانين تقوم الماركسية بقراءة الواقع الاقتصادي فتتعرف على طبيعته، و هل هو اقتصاد المشاعة، أو اقتصاد العبودية، أو اقتصاد الإقطاع، أو اقتصاد الرأسمالية، أو اقتصاد الاشتراكية، وبقراءة الواقع الاجتماعي فتتعرف على طبيعة المجتمع. و هل هو مجتمع المشاعة، أو مجتمع العبودية، أو مجتمع الإقطاع، أو المجتمع الرأسمالي، أو المجتمع الاشتراكي. و انطلاقا من طبيعة التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية السائدة، و من علاقات الإنتاج القائمة فيه، و بقراءة الواقع الثقافي لمعرفة المكونات الثقافية الموجودة، و دور تلك المكونات في إنتاج القيم الثقافية و طبيعة تلك القيم، و هل هي قيم عبودية، أو إقطاعية أو رأسمالية، أو اشتراكية، و ما العمل في جعل مكونات معينة تنتج قيما تقدمية تساعد على تخليص المجتمع من قيم الذل و الهوان المكرسة لتخلف الإنسان الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي لصالح الطبقات المستفيدة من ذلك التخلف، و بقراءة الواقع المدني لمعرفة هل تقوم مساواة بين البشر، و أمام القانون. و هل تقوم المساواة بين جميع أفراد المجتمع في القوانين المحلية، و هل تتلاءم تلك القوانين مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان أم لا ؟ و لماذا ؟ و ما العمل حتى تصير المساواة بين جميع أفراد المجتمع في الممارسة اليومية، و أمام القانون المتلائم مع المواثيق الدولية ؟ و بقراءة الواقع السياسي لمعرفة طبيعة النظام القائم، و هل هو نظام عبودي، أو إقطاعي أو رأسمالي أو اشتراكي، أو متعدد التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية؟
فالمنهج المادي المعتمد على قوانين الدياليكتيك هو منهج ماركسي و من الإبداعات النظرية الكبرى التي توصل إليها ماركس و رفيقه انجلز خلال القرن التاسع عشر. و لذلك فلا يمكن أن نتحدث عن الماركسية دون استحضار المنهج الماركسي الذي يتضمن أدوات التحليل العلمي للتاريخ و للواقع في نفس الوقت، لأن المنهج المادي هو جزء من الماركسية.
و الماركسية هدف، لأن للتحليل العلمي للواقع بكل تجلياته و للتاريخ في تطوره، إنما يهدف إلى الوصول بالمجتمع إلى المرحلة الارقى التي تسعى الماركسية إلى تحقيقها. و هذا الهدف يمكن تصنيفه إلى ثلاث مستويات :
المستوى الأول هو تحقيق ما يصطلح على تسميته في الأدبيات الماركسية ب"الثورة الوطنية الديمقراطية" التي تهدف إلى التسريع بعملية تحول المجتمع من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الرأسمالي بمفهومه الليبرالي حتى تستنفذ البورجوازية إمكانيات تطورها. و يتم القضاء نهائيا على كل أشكال المظاهر الزراعية بما في ذلك استئصال العقلية الزراعية التي تساهم بشكل كبير في عرقلة تطور المجتمع الزراعي ليحل محلها الفكر التنويري الذي يكون ملازما للمجتمع الرأسمالي الذي يساعد على نمو الطبقة العاملة و تطورها حتى تصير فعلا طليعة المجتمع. و تكون قادرة بحملها لوعيها الطبقي، على تنظيم نفسها في إطار النقابة المبدئية المناضلة، و في حزبها الثوري حزب الطبقة العاملة حتى تستطيع أن تناضل في الواجهة النقابية لتحسين أوضاعها المادية و المعنوية، و في الواجهة السياسية للنضال من اجل تحقيق الحرية و الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي، و بمضمونها الحقوقي في نفس الوقت من اجل تحويل التشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية الرأسمالية إلى تشكيلة اشتراكية بالقضاء على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، لتصير ملكية جماعية لجميع أفراد المجتمع و الانتقال إلى نضال آخر من نوع جيد في المرحلة الاشتراكية و يتجسد هذا النضال في :
أ- المحافظة على الطابع الاشتراكي للإنتاج و التوزيع العادل للثروة بين جميع أفراد المجتمع.
ب- السعي إلى تطوير التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الاشتراكية إلى مرحلة أعلى تنتفي فيها سلطة الدولة و هي ما تسميه الأدبيات الماركسية بالمرحلة الشيوعية. و هو ما يعني أن هدف الماركسية بعيد المدى. و يقتضي نضالا مريرا على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسة و العلمية و النظرية، و غير ذلك مما له علاقة بالنضال ضد الاستغلال.
و المستوى الثاني هو مستوى النضال الديمقراطي لأن الماركسية الحقيقة في إدارتها للصراع الطبقي و قيادتها للطبقة العاملة و حلفائها لا تمارس العنف و لا تسعى إلى ممارسته بقدر ما تضطر للدفاع عن نفسها في مراحل معينة من الصراع الذي تمارسه في الواقع كما تمارسه جميع الحركات القائمة في المجتمع الرأسمالي و هذا الصراع هو الصراع الديمقراطي. فالديمقراطية بالنسبة للحركة الماركسية وسيلة أساسية لاستقطاب الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة و توعيتها بما يجعلها تدرك أهمية النضال الديمقراطي المرحلي و الاستراتيجي في نفس الوقت.
فالنضال الديمقراطي المرحلي يمهد الطريق أمام الحركة الماركسية و أمام الكادحين من اجل المساهمة في التقرير و التنفيذ انطلاقا من إقرار دستور ديمقراطي، و وجود قوانين انتخابية تضمن نزاهة الانتخابات، و إجراء انتخابات حرة و نزيهة وصولا إلى إيجاد مؤسسات تمثل إرادة الشعب تمثيلا حقيقيا، و تقوم بوضع القوانين التي تخدم مصالح الكادحين، و تكوين حكومة من الأغلبية تشرف على تطبيق تلك القوانين التي يجب أن تتلاءم مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان العامة، و حقوقه الخاصة بالمرأة و الطفل و العمال، و المعاقين و غيرهم، و بالتمتع بمختلف الحقوق يزداد الإنسان وعيا، و يزداد تطورا، و يزداد إرادة في أفق التغيير الشامل و الثوري للواقع في شموليته بما يخدم مصلحة الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة الذين يشكلون غالبية الشعب أي شعب كيفما كان الدين أو الأديان التي يعتنقها الشعب.
و هنا نصل إلى المستوى الثالث من الهدف الماركسي الذي هو تحقيق الاشتراكية، لأن الثورة، أي ثورة لا تستهدف تحقيق الاشتراكية التي هي أمل الكادحين، و أمل الطبقة العاملة بالخصوص، لا يمكن اعتبارها ثورة بالمعنى الصحيح لمفهوم الثورة التي لا تحصل إلا في الانتقال الحاد، و في إطار الطفرة الثورية من تشكيلة اقتصادية – اجتماعية إلى تشكيلة اقتصادية اجتماعية أخرى، كما هو الشأن بالنسبة للانتقال من التشكيلة العبودية إلى التشكيلة الإقطاعية، و من التشكيلة الإقطاعية إلى التشكيلة الرأسمالية. فكل ثورة في عصرنا هذا يجب أن تنطلق من ضرورة إنضاج الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية عبر إنجاز الثورة الديمقراطية التي ليست إلا جعل المجتمع ككل ينخرط في النضال الديمقراطي الذي يساهم بشكل كبير في انتزاع المكاسب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية في أفق القيام بتغيير الأوضاع في شموليتها، و القضاء على كافة أشكال الاستغلال المادي و المعنوي، و العمل على تغيير ملكية وسائل الإنتاج لصالح المجتمع ككل، و قيام نظام سياسي ينسجم مع طبيعة ذلك التغيير من حماية المكتسبات و تطويرها لصالح البشرية في جميع أنحاء العالم. نظرا لأن شمولية الثورة تقتضي ذلك، و استمرار الثورة إلى تحقيق المرحلة الأعلى يقتضي ذلك، لأن توقف الثورة عند المرحلة الشيوعية لا يعني إلا نهاية التاريخ، الذي رآه فوكوياما في السيطرة الرأسمالية على الكرة الأرضية، و رآه الساعون إلى سيادة الجمود العقائدي في تحقيق "الاشتراكية" التي تحولت بسبب الكبح الذي تعرضت له الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي السابق على يد الستالينيين/البيروقراطيين، إلى رأسمالية هجينة، و همجية.
و هذه المستويات الثلاث يجب أن تتحقق مرتبطة فيما بينها، لأن أي فصل تعسفي بينها سيؤدي إلى القيام بثورة مضادة تصير عرقلة و كبحا في نفس الوقت لباقي المستويات التي لم تتحقق بعد. و لذلك، فالنضال من اجل الثورة الديمقراطية هو في نفس الوقت نضال من اجل الديمقراطية، و نضال من اجل تحقيق الاشتراكية و انخراط في النضال من اجل تحقيق المرحلة الأعلى التي ليست إلا المرحلة الشيوعية.
و الماركسية قراءة للتاريخ بواسطة المنهج الماركسي (المادية الجدلية) من اجل اكتشاف قوانين التاريخ (المادية التاريخية) التي تساعد البشر على امتلاك المعرفة العلمية بالتاريخ و التي تساعدنا على الوقوف على حركة التاريخ التي تتحكم في انتقال المجتمعات البشرية من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى.
فبواسطة القراءة الماركسية للتاريخ تم التعرف على تعاقب مجموعة من التشكيلات الاقتصادية-الاجتماعية التي عرفتها البشرية في مراحل تاريخية مختلفة. فهناك التشكيلة المشاعية التي عرفت الارتباط بالطبيعة، و غياب الدولة نظرا لعدم انقسام المجتمع في هذه المرحلة إلى طبقات مما جعل الحاجة إلى الدولة غير واردة. و هذه التشكيلة تم تجاوزها عندما تم انقسام المجتمعات البشرية إلى طبقتين رئيسيتين، طبقة الأسياد و طبقة العبيد، لتنشأ بذلك تشكيلة تحمل اسم التشكيلة العبودية فصارت الحاجة إلى قيام الدولة قائمة بسبب حاجة الأسياد إلى السيطرة على العبيد و تنظيم استغلال الأسياد لهم باعتبارهم متاعا من جهة، و وسيلة لتنمية ثروات الأسياد من جهة أخرى. و نظرا للصراع الطبقي الذي صارت تعرفه البشرية بين الطبقة المستغلة (بكسر الغين) و هي هنا طبقة الأسياد و الطبقة المستغلة (بفتح الغين) و هي هنا طبقة العبيد نجد أن هذه التشكيلة تحولت، و بفعل التطور الاقتصادي الذي أضيف إليه استغلال الأرض إلى مرحلة أرقى هي المرحلة الإقطاعية التي ينقسم فيها المجتمع البشري إلى طبقتين رئيسيتين، طبقة الإقطاع و طبقة الأقنان. فطبقة الإقطاع باعتبارها مالكة للأرض هي طبقة مستغلة (بكسر الغين) و طبقة الأقنان (عبيد الأرض) باعتبارهم يرتبطون بالأرض و يعملون فيها ليضمنوا عيشهم، و لكن في نفس الوقت لاستثمار الأرض لصالح الإقطاعيين هي طبقة مستغلة (بفتح الغين). و كنتيجة للصراع بين الأقنان و الإقطاع، و نظرا للتطور الاقتصادي الحاصل في مجال الإنتاج الحرفي-الصناعي. تحولت التشكيلة الإقطاعية إلى تشكيلة رأسمالية ينقسم فيها المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين : الطبقة البورجوازية و الطبقة العاملة. فالطبقة البورجوازية هي المالكة لوسائل الإنتاج المصانع، و الطبقة التي تشغل تلك الوسائل لصالح الطبقة البورجوازية، ليتضاعف استغلال الإنسان للإنسان، بسبب ظهور عامل جديد يكشف حدة الاستغلال و ضخامته، و همجيته، و هذا العامل الجديد هو الذي عرف بفائض القيمة، لتزداد الحاجة إلى الصراع، و لترتفع حدة ذلك الصراع الذي يمتد ليشمل كل الأماكن التي تمتد إليها الرأسمالية و ليتغير أفق الصراع، و تتحول أدواته، و تتنوع مستوياته من اجل جعل ملكية وسائل الإنتاج، ملكية اجتماعية حتى تتحول التشكيلة الرأسمالية إلى تشكيلة اشتراكية تسعى البشرية من خلالها إلى التخلص من بقايا التشكيل الطبقي سعيا إلى تحقيق المرحلة الارقى التي هي مرحلة انتفاء الحاجة إلى الدولة، أو المرحلة الشيوعية التي يمتلك فيها الإنسان القدرة الفعلية على أن يحكم نفسه بنفسه.
و كنتيجة لهذه القراءة الماركسية للتاريخ البشري (حالة أوربا نموذجا)، نجد أن الدول المتعاقبة على التاريخ البشري بعد مرحلة المشاعة هي : الدولة العبودية، و الدولة الإقطاعية، و الدولة الرأسمالية و الدولة الاشتراكية.
و الدولة كما تعرفها الأدبيات الماركسية هي أداة السيطرة الطبقية، لأنه بواسطتها يتم تنظيم الاستغلال لصالح الطبقة المسيطرة على أجهزة الدولة الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية و السياسية و العسكرية. تلك الأجهزة التي توظف جميعها و بشكل منسجم لممارسة القمع التنظيمي، و الاقتصادي و الاجتماعي و الإيديولوجي و السياسي و العسكري على المستغلين في كل مرحلة على حدة لضمان استمرار استفادة الطبقة التي تحكم من جهة و لتأبيد سيطرة تلك الطبقة على أجهزة الدولة من جهة أخرى.
و نظرا لأن تاريخ البشرية، و منذ انقسام المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين هو تاريخ الصراع. فإن الماركسية بقراءتها للتاريخ البشري تعتبر أن التاريخ الحقيقي للبشرية هو تاريخ الصراع الطبقي الذي يقف وراء هذا التطور الهائل المتجسد في انتقال البشرية من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، و من دولة طبقية إلى دولة طبقية أخرى، وصولا إلى ضرورة إزالة العقبة المتمثلة في الملكية الفردية لوسائل الإنتاج التي هي الباعث على قيام الصراع بين الطبقات. و هذه الإزالة لا تعني إلا تحويل الملكية الفردية إلى ملكية جماعية، حتى يبقى فائض قيمة الإنتاج لصالح المجتمع ككل. و تنتقل البشرية إلى شكل آخر من الصراع المتمثل في إزالة دواعي قيام الدولة كأداة للسيطرة الطبقية.
و هذه القراءة لحالة أوربا لا تعني أبدا تعميمها على جميع الأماكن. فالتطور البشري يختلف من قارة إلى أخرى، و من دولة إلى أخرى، نظرا لاختلاف الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و لذلك كانت للماركسية قراءات أخرى تختلف عن قراءة النموذج الأوربي، و التمست طرقا أخرى تستهدف حرق المراحل في إطار ما سماه بعض الماركسيين بنمط الإنتاج الأسيوي الذي تتداخل فيه جميع التشكيلات التي صارت معروفة في التاريخ الأوربي، و حرق المراحل هنا لا يعني إلا القيام بالتطور اللارأسمالي، أي الوصول إلى المرحلة الاشتراكية بدون المرور بالمرحلة الرأسمالية كما حدث في الصين، و كما حدث في الاتحاد السوفياتي السابق نفسه. و لذلك نجد أن الدول التي عرفها تاريخ الشعوب في آسيا و في إفريقيا و في أمريكا نفسها يختلف عن نماذج الدول التي عرفها التاريخ الأوربي.
و لذلك فمفهوم الماركسية يعني أيضا القيام بالقراءة الماركسية للتاريخ البشري، سعيا إلى تطبيق القوانين العلمية على ذلك التاريخ حتى تمتلك البشرية الرؤيا العلمية للتاريخ البشري الذي يتم تحريفه عن طريق جعله مجرد سرد لبطولات و أمجاد الطبقات التي تحكم.
و بالإضافة إلى ما ذكرنا فالماركسية قراءة للواقع عن طريق إخضاع مكوناته للتحليل العلمي على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية حتى نتبين بواسطة ذلك التحليل طبيعة الاقتصاد المهيمن، و هل هو اقتصاد عبودي، أو إقطاعي، أو رأسمالي، أو اشتراكي، أو انه اقتصاد متعدد التشكيلات الاقتصادية، لتحديد ما يجب عمله لاقامة اقتصاد اكثر انسجاما مع الرغبة في تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. و حتى نتبين طبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة باعتبارها امتدادا لعلاقات الإنتاج و هل هي علاقات عبودية، أو إقطاعية، أو رأسمالية أو اشتراكية، لأن معرفة طبيعة تلك العلاقات يوضح إلى أي حد يمكن العمل على تغيير تلك العلاقات إلى الأحسن بما يتناسب مع تحقيق المجتمع الذي تسود فيه الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، تلك القيم التي ليست إلا القضاء على أساليب الاستغلال الاجتماعي التي تعتبر امتدادا لأساليب الاستغلال الاقتصادي. و حتى نتبين طبيعة القيم الثقافية السائدة في المجتمع، و هل هي عبودية، أو إقطاعية، أو رأسمالية أو اشتراكية حتى يمكننا معرفة ما يجب عمله لانتاج قيم تساعد على انخراط المجتمع في التطور نحو الأحسن. و تلك القيم ليست إلا قيم الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، و ما طبيعة النظام السياسي السائد، و هل هو نظام عبودي، أو إقطاعي، أو رأسمالي أو اشتراكي ؟ من اجل العمل على تحقيق و بناء النظام السياسي المتحرر و الديمقراطي و العادل.
و بذلك نتبين أن مفهوم الماركسية يشمل أيضا إعمال المنهج الاشتراكي العلمي في قراءة الواقع قراءة علمية دقيقة تساهم بشكل كبير في معرفة ما يجب عمله لتغييره إلى الأفضل بما يخدم مصلحة غالبية المجتمع البشري. و في مقدمة تلك الغالبية، الطبقة العاملة، لأن أي قراءة لا تهدف إلى التغيير، إنما هي مجرد ترف ذهني ليس إلا.
و الماركسية أيضا نظام اقتصادي-اجتماعي-ثقافي-سياسي-اشتراكي يقوم على أنقاض النظام الرأسمالي، لأن الماركسية إذا لم تسع إلى تحقيق الاشتراكية بما تستلزمه من الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج و إيجاد نظام اجتماعي تعليمي صحي، سكني تشغيلي يتناسب مع تلك الوسائل. و نظام ثقافي يعمل على إنتاج القيم الثقافية الإنسانية الاشتراكية، و نظام سياسي يسعى إلى حماية الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، و سائر ما يتناسب مع تلك الملكية حتى تستمر في أداء دورها في تحقيق استفادة جميع أفراد المجتمع من الدخل القومي على أساس المساواة فيما بينهم وصولا إلى تحقيق مبدأ : "على كل حسب قدرته، و لكل حسب حاجته" لأن مشكلة المجتمعات الاستغلالية هي أن غالبية أفراد المجتمع تقدم كثيرا و لا تجد ما تلبي به معظم حاجياتها في الوقت الذي نجد فيه أن قلة من المجتمع لا تقدم شيئا، و لكنها تحصل على معظم فائض القيمة. و لذلك، فإن ما يقوم به النظام الماركسي هو إعادة توزيع الثروة المادية و المعنوية بين جميع أفراد المجتمع لإزالة مظاهر القهر التي كانت تعرفها المجتمعات الاستغلالية. و لتحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي هي الهدف الأسمى للثورة الماركسية. لأن هذه الثورة لا تهدف إلى تدمير مصالح معظم أفراد البشرية لصالح طبقة لا تشكل إلا الأقلية كما فعلت الثورة الإقطاعية، و الثورة البورجوازية، بل تسعى إلى تدمير مصالح الأقلية من المستغلين البورجوازيين من اجل خدمة مصالح جميع أفراد المجتمع بمن فيهم أولئك الذي حرموا من استغلال الكادحين و سائر أفراد الطبقة العاملة.
و الماركسية التي نسعى إلى استيعاب مفهومها الصحيح قامت على أساس التحولات التي عرفها الواقع في سيرورته الطويلة و على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و هو واقع يصل إلى مرحلة يستحيل معها فهم ما يجري إلا بظهور المنهج الماركسي الذي استطاع القيام بالقراءة العلمية للتاريخ البشري ليصل إلى أن تاريخ التشكيلات الاقتصادية-الاجتماعية هو تاريخ الصراع الطبقي و أن آخر تشكيلة اقتصادية-اجتماعية لا يمكن تجاوزها إلا بتحقيق المجتمع الاشتراكي الذي يتطور في اتجاه تحقيق المرحلة الأعلى.
فرصد تحولات الواقع لا تتم إلا بمنهج مادي و المنهج المادي ليس إلا منهجا ماركسيا، و بواسطة هذا المنهج يمكن إدراك القوانين المتحكمة في تلك التحولات حتى تستطيع الحركة الماركسية التحكم في تلك التحولات و توجيهها نحو تحقيق الأهداف الماركسية المتمثلة في التغيير الشامل للواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي. و نظرا لدور المنهج الماركسي في امتلاك التصور العلمي للواقع تقوم الجهات البورجوازية و الإقطاعية و البورجوازية الصغرى و اليمين المتطرف، و اليسار المتطرف و أجهزة الدولة الإيديولوجية بالسيطرة الإيديولوجية على عقول و وجدان الجماهير الشعبية الكادحة، و خاصة في صفوف المتعلمين، حتى تنساق الجماهير الشعبية الكادحة و من ضمنها المتعلمون وراء تلك الجهات في معاداة الماركسية التي تقيم سدا منيعا ضد الماركسية و الماركسيين، و الحركة الماركسية مما يحول دون انتقال الوعي الطبقي إلى تلك الجماهير لتضعف بذلك الحركة الماركسية، و يتراجع الماركسيون إلى الوراء.
و حتى تقوم الماركسية بدورها كاملا فإنها لا تنطلق من الفراغ في تعاملها مع الواقع، بل إنها تنطلق من التراكمات التي حققتها البشرية على مر العصور من اجل دراسته و اعتماد الإيجابي منه، و توظيفه توظيفا إيجابيا من اجل إضافة المزيد من التراكمات الإيجابية في المجال النظري و الفكري و الفلسفي، و من اجل التأسيس لقيام نظرية علمية تعتمد في انتقال كل مجتمع على حدة من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أرقى، و هو ما يثبت بالملموس أن النظرية الماركسية لم تأت من الفراغ، بل إن الفكر المادي وجد بوجود الإنسان، و تطور بتطوره ليصل في نهاية المطاف إلى ما وصل إليه على يد ماركس و انجلز اللذين اكتشفا القوانين العلمية لهذا الفكر انطلاقا مما وصلت العلوم الطبيعية و الفيزيائية و الكيميائية من تطور في عصرهما. و تفاعلا مع ما يحصل من تطور هذه العلوم بعد ذلك، باعتبارها علوما مادية صرفة، و باعتبار قوانينها قوانين مادية صرفة. و لذلك تجزم الماركسية نفسها، و يجزم الماركسيون أن الماركسية لم تنطلق من الفراغ، و لولا التراكمات التي حققتها البشرية في مختلف العصور المتعاقبة في المجالات الفلسفية المادية و المثالية على السواء، و في مجالات العلوم و الفنون، و في مجالات التقنيات و غيرها لما كانت الماركسية. و لما حدث ذلك التطور الهائل في الفلسفة المادية التي كانت منطلقا للفلسفة الماركسية التي أبدعت للبشر قوانين الاشتراكية العلمية للمادية الجدلية و المادية التاريخية.
فالماركسية هي إضافة جديدة و نوعية للفكر الإنساني الذي عرف تطورا هائلا. و لذلك فهي جاءت متناسبة مع سياق التطور الذي عرفته البشرية مع ظهور التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية التي وقفت وراء وجود الطبقة العاملة التي لم تكن موجودة في التشكيلات السابقة، و التي تحتاج إلى فلسفة خاصة بها، و إيديولوجية معبرة عن مصالحها الطبقية فكانت هذه الفلسفة هي الماركسية، و كانت هذه الإيديولوجية هي الاشتراكية العلمية.
و الماركسية قائمة أيضا على أساس مناهضة المثالية. فالفكر المثالي بالنسبة للماركسية هو فكر غير علمي، و بمنطلقات غيبية. و المنهج الذي يعتمده الفكر المثالي هو منهج غير علمي، و النتائج التي يتوصل إليها هذا الفكر هي نتائج غير علمية. و لذلك فالماركسية تركز على علمية المثالية و الفكر المثالي و منهج هذا الفكر، و النتائج التي يصل إليها، و تشريح كل ذلك من اجل تنفيذه، و لكن لا علمية الفكر المثالي لا تعني أبدا أن الماركسية لا تعتمد الجوانب الإيجابية في هذا الفكر فالعكس هو الصحيح. فالماركسية تعتمد كل ما هو إيجابي في تراث الإنسانية حتى و إن كان بعده مثاليا، كما فعلت مع الجدل الهيجلي الذي أفاد الماركسية التي جعلته بمنطلقات مادية، فصار جدلا ماركسيا.
و مع ذلك فالصراع سيبقى قائما، و إلى ما لا نهاية بين الماركسية باعتبارها فكرا ماديا، و بين الفكر المثالي نظرا لأن الفكر الماركسي يخدم مصلحة الكادحين بصفة عامة، و مصلحة الطبقة العاملة بصفة خاصة. بينما نجد أن الفكر المثالي لا يخدم إلا مصلحة الطبقات المستفيدة من الاستغلال. و لذلك نجد أن هذه الطبقات توظف إمكانياتها الضخمة في جعل الفكر المثالي بصيغه المتنوعة يسيطر على عقول الكادحين و على وجدانهم في جميع مجالات الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى لا ينتبهوا إلى ما يمارس عليهم من استغلال مادي و معنوي، بينما نجد أن الماركسية تعاني من الحصار، و من وسائل الإعلام التي تمكنها من الوصول إلى الكادحين، و السيطرة على عقولهم و وجدانهم. و هذا الحصار يدخل في إطار الصراع الذي يخوضه الفكر المثالي ضد الماركسية.
و الماركسية باعتبارها فلسفة مادية و فكر مادي تسعى باستمرار إلى تطوير نفسها معتمدة نفس المنهج المادي الجدلي، و المادي التاريخي لقراءة التجربة الماركسية و الفكر الماركسي مستعينة بذلك بآخر ما وصلت إليه العلوم الطبيعية و الفيزيائية و الكيميائية، و آخر ما وصلت إليه التقنيات الحديثة و ما تم التوصل إليه في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، حتى تتخلص من أي انحراف يكون قد علق بها، و تصير قادرة على مسايرة التحولات التي تحصل في الواقع و قادرة على إدراك خلفيات و أبعاد ما يحدث و مستنتجة ما يجب عمله لتغيير الواقع الذي يصير جديدا بالنسبة إليها، لأن التطور الهائل الذي يحصل في الرأسمالية يقتضي تجديد الماركسية و تطورها حتى تستطيع استيعاب ما يجري و مواكبته، و معرفة ما يجب عمله لمقاومة همجية الرأسمالية، و الفعل في الواقع من اجل تغييره، لتكون الماركسية بذلك متجددة و متطورة باستمرار بعيدا عن الجمود العقائدي الذي أصابها على يد البيروقراطيين الذين عملوا على كبحها و مصادرة إمكانياتها الإبداعية، حتى تتحول الماركسية إلى مجرد إيديولوجية لأولئك البيروقراطيين كسائر الإيديولوجيات، و تصير مجرد مقولات إيديولوجية يرددها الاتباع لارضاء قادتهم لتفقد الماركسية بذلك علميتها.
و نظرا لعلمية المنهج الماركسي المادية الجدلية و المادية التاريخية، فإن توظيف هذا المنهج في مجال العلوم و التقنيات، يجعلها تتطور تطورا هائلا يتجاوز كثيرا حدود التطور الذي تصل إليه العلوم و التقنيات في البلدان الرأسمالية الكبرى و هو ما يمكن أن نفسر به لماذا هذا التطور الهائل في العلوم و التقنيات في البلدان الاشتراكية السابقة، بلدان الاتحاد السوفياتي السابق التي شكلت بذلك قوة ضخمة تهابها البلدان الرأسمالية الهمجية لصالح الشعوب المقهورة. كما تبين ضرورة ذلك التوازن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق لينهار بذلك التوازن، و تصير الشعوب نهبا للرأسمالية الهمجية. و الماركسية لا تسترجع قوتها على الساحة العالمية إلا بمساهمتها في تطوير العلوم و التقنيات في البلدان التي تقوم فيها أنظمة ماركسية استجابة للحاجة إلى قيام توازن جديد يخفف عن الشعوب معاناة همجية الاستغلال الرأسمالي. و ما تفتقر إليه الماركسية الآن هو استحضار أهمية المنهج الماركسي، و أهمية توظيفه في مختلف مجالات الحياة، و في مجال العلوم و التقنيات بالخصوص لجعل البلدان الاشتراكية قادرة على مواكبة التطور الرأسمالي في المجالات العلمية، و مواجهة ذلك التطور في نفس الوقت في المجالات الأخرى لاستعادة التوازن المنهار، و الذي يعتبر ضرورة تاريخية و مرحلية لإنقاذ العالم من همجية الرأسمالية المصاحبة لعولمة اقتصاد السوق الرأسمالي الذي بلغ فيه التطور العلمي و التقني مداه. و لا ندري إلى أي حد سيصل مستقبلا إذا لم تعمل الماركسية على اختراق السيطرة الرأسمالية على العالم، بتحريك القوى الماركسية القائمة في البلدان الرأسمالية نفسها، و بدعم من البلدان الاشتراكية القائمة ، خاصة و أن الرأسمالية الآن تدعى أنها تسعى إلى تحقيق "الديمقراطية" في جميع أنحاء العالم، و إشاعة "حقوق الإنسان" و في أفق ذلك لابد من تفعيل المنهج الماركسي المتطور و المتجدد في تطوير العلوم و التقنيات في البلدان الاشتراكية، و في نفس الوقت تطوير أسلوب الحكم، و تطوير الاقتصاد الاشتراكي، و تطوير القوى الحامية للاشتراكية التي لابد أن تقف مجتمعة وراء المواقف السياسية للنظام السياسي الاشتراكي الداعم للحركة الماركسية عبر العالم.
و الماركسية مطالبة باكتشاف المزيد من القوانين العلمية التي لازالت البشرية تجهلها، و التي تلعب دورا كبيرا في استعادة مجد الماركسية، و تساهم في تطوير منهجها العلمي في نفس الوقت حتى تتجاوز الماركسية مختلف الأزمات التي تعترضها. و اكتشاف المزيد من القوانين العلمية لا يتم إلا برصد الإمكانيات الاشتراكية الضخمة للبحث العلمي في جميع الميادين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و العلمية و البيولوجية و الفيزيائية و التقنية الدقيقة. لأنه بدون رصد الإمكانيات الضخمة للبحث العلمي لا يكون هناك تطور علمي أبدا، و لا تطور في المنهج الماركسي، و لا تطور في النظام الاشتراكي. و في مقابل ذلك يستمر تفوق الرأسمالية، و يستمر عجز النظام الاشتراكي عن مواجهة النتائج المترتبة عن الاستغلال الرأسمالي الهمجي للكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية.
و كنتيجة لتطور العلوم و التقنيات و المنهج الماركسي، فإن الماركسية تقوم بإعادة قراءة التاريخ البشري انطلاقا مما حصل من تطور في المنهج الماركسي، و في نفس الوقت من التطور الذي وصلت إليه الماركسية حتى تكون القراءة العلمية للتاريخ اكثر دقة، و اكثر فائدة للحركة الماركسية في البلدان الرأسمالية و في البلدان التابعة لها، حتى تسعى تلك الحركة إلى امتلاك نظرية صحيحة عن التاريخ البشري العام، لأنه بدون معرفة التطور التاريخي الذي عرفه بلد معين، لا يمكن فهم الواقع القائم في ذلك البلد باعتباره نتيجة لصيرورة تاريخية معينة، و اكتشاف القوانين المتحكمة في ذلك الواقع حتى تدرك الحركة الماركسية ماذا يجب عمله، و ما هي الخطوات التي يجب اتباعها ؟ و ما هي المواقف التي يجب اتخاذها في أفق تغيير ذلك الواقع تغييرا شاملا على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و إقامة نظام اشتراكي تتحقق في إطاره الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، و يصير فيه الإنسان سيد نفسه في إطار احترام سيادة الآخرين على أنفسهم في ظل النظام الاشتراكي الذي يقوم على أنقاض النظام الرأسمالي في كل بلد على حدة ؟
و للوصول إلى ذلك لابد من قيام الحركة الماركسية بإذكاء الصراع الطبقي في مستوياته الإيديولوجية و التنظيمية و السياسية، و بواسطة الانخراط في النضال الديمقراطي من بابه الواسع. فالصراع الإيديولوجي صار مسألة ملحة اكثر من أي وقت مضى و خاصة في ظل سيادة الإيديولوجية الظلامية التي تعتبر امتدادا لإيديولوجية الإقطاع المتخلف و الإيديولوجية البورجوازية و الإيديولوجية البورجوازية الصغرى التوفيقية و التلفيقية عن طريق قيام الحركة الماركسية، و بواسطة المنهج الاشتراكي العلمي المتطورة بمقارعة الإيديولوجيات المختلفة حتى تنكشف أوهامها للكادحين، و للطبقة العاملة بالخصوص، و لشرائح البورجوازية الصغرى المضللة. و حتى تتاح الفرصة أمام الكادحين لاعتناق الإيديولوجية الاشتراكية العلمية التي هي إيديولوجية الطبقة العاملة و سائر الكادحين. و الصراع التنظيمي يقتضي انكباب الحركة الماركسية على بناء تنظيماتها التي هي الأدوات التي تقود نضالات الكادحين في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. فبناء التنظيمات على جميع المستويات المحلية و الإقليمية و الجهوية و الوطنية يعتبر شرطا لقيام نضال الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة، و بدون التنظيمات الماركسية في أبعادها الجماهيرية و النقابية و السياسية لا يمكن للكادحين القيام بأي شيء حتى يتأتى للمستغلين تكريس استغلالهم المادي و المعنوي للكادحين و للطبقة العاملة بالخصوص. و هو ما يبين إلى أي حد يعتبر الاهتمام ببناء التنظيم الماركسي ضروريا حتى يقوم بدوره في إعداد الطبقة العاملة و سائر الكادحين للقيام بالدور التاريخي المنتظر حتى تتحقق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.
و بناء التنظيم الماركسي يعتبر جزءا أساسيا من صيرورة الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي إلا انه ليس كافيا وحده، فالتنظيم الماركسي هو وسيلة لقيادة و إدارة الصراع السياسي كوجه من اوجه الصراع الطبقي. فالتنظيم يعبئ الطبقة العاملة و سائر الكادحين تعبئة سياسية عن طريق وضع برنامج للتعبئة السياسية للجماهير الشعبية الكادحة و اتخاذ مواقف سياسية من مختلف القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تعبئة الشعب الكادح للمطالبة بدستور ديمقراطي، و إجراء انتخابات حرة و نزيهة لإيجاد مؤسسات منتخبة تعبر عن إرادة الجماهير الشعبية الكادحة، و تشكيل حكومة من أغلبية البرلمان تقوم بخدمة و حماية مصالح المنتخبين حتى يتمتع الكادحون بحقوقهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية كما هي في القوانين التي يعمل المجلس التشريعي على ملاءمتها مع المواثيق الدولية.
و الصراع السياسي ليس إلا ممارسة للنضال الديمقراطي في شموليته، و الذي يسعى إلى جعل الدولة المستبدة دولة ديمقراطية، و دولة علمانية، و دولة الحق و القانون لأن هذه المستويات من الدولة متلازمة فيما بينها كما أن الدولة المستبدة هي مجرد أداة للسيطرة الطبقية التي تعتمد ادلجة الدين الإسلامي، و دولة لا ديمقراطية و لا شعبية.
فالصراع الإيديولوجي، و الصراع التنظيمي، و الصراع السياسي، هي مظاهر تتداخل فيما بينها في إطار الصراع الطبقي الذي لا يبلغ ديناميته القصوى إلا بامتلاك الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة لوعيها الطبقي الحقيقي، و تدرك مواقعها من علاقات الإنتاج، و تتعرف على مسار فائض القيمة، و ما تناله هي من عملية الإنتاج الذي تقوم هي بإنتاجه.
و بمناقشتنا لمفهوم الماركسية، الأسس و المنطلقات نتبين أن الماركسية منهج و هدف، و قراءة للتاريخ، و الواقع بواسطة المنهج الماركسي لمعرفة ما يجب عمله لتغيير الواقع. و الماركسية نظام اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و سياسي، و الماركسية تنطلق من تطور الفكر البشري. و الدخول في الصراع المباشر بين الماركسية و الفكر المثالي. و تعمل على سيادة الفكر المادي الذي يستفيد كثيرا من تطور العلوم و التقنيات، و اكتشاف القوانين العلمية، و توظف ذلك الفكر في قراءة التاريخ البشري لجعل الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة تخوض الصراع الطبقي و هي متسلحة بكامل وعيها بالتاريخ، و بواقع الجماهير الشعبية الكادحة و بالشروط الموضوعية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية، و ماذا تعمل من اجل تغيير الواقع بوضع حد للملكية الفردية التي تقف وراء المآسي التي تعيشها البشرية، و إقامة الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج حتى تتفرغ الحركة الماركسية لبناء الدولة الاشتراكية التي تقوم بتحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.
فهل تقوم الحركة الماركسية بدورها في هذا الاتجاه ؟ و هل تستعيد الجماهير الشعبية الكادحة ارتباطها بالحركة الماركسية ؟
هل تحرص على امتلاك وعيها الطبقي كما تراه الماركسية ؟ هل تنخرط في خوض الصراع الطبقي؟

*************************************
الدين/الماركسية من اجل منظور جديد للعلاقة نحو أفق بلا إرهاب - الجزء الثاني
محمد الحنفي

تاريخية الدين و تاريخية الماركسية :
و بعد وقوفنا على مفهوم الدين و مفهوم الماركسية و أساس كل منهما و منطلقه، نتساءل :
هل نتعامل مع الدين كظاهرة تاريخية ؟ و هل نتعامل مع الماركسية كظاهرة تاريخية ؟ و إذا كان الأمر كذلك هل يمكن القول بأن دور الدين قد انتهى ؟ و هل يمكن القول بأن دور الماركسية قد انتهى ؟ و لماذا كل هذا الاهتمام بالدين في عصر تطور فيه كل شيء إلى ما لا نهاية ؟ و لماذا هذا الحصار الإعلامي المضروب على الماركسية ؟ أليس الاهتمام بالدين دليلا على لا تاريخية الدين ؟ أليس الحصار المضروب على الماركسية دليل على لا تاريخيتها ؟
إننا في الواقع أمام إشكالية تحتمل عدة مقاربات، فبالنظر إلى ارتباط كل دين بمرحلة معينة، و إلى اختلاف الأديان عن بعضها البعض، و تطور الدين اللاحق عن الدين السابق فإن الجواب سيكون هو أن الدين تاريخي كبقية الظواهر التاريخية التي لا تتكرر أبدا. و كذلك الشأن بالنسبة للماركسية باعتبارها ظاهرة نظرية ظهرت في مرحلة تاريخية معينة و تم تطبيقها على خلاف ما ظهرت عليه في مرحلة تاريخية أخرى لتذهب إلى حال سبيلها، و من جهة أخرى فالدين باعتباره معتقدا يرتبط بوحدة الإنسان، و بفكره و بممارسته لازال قائما، و قيامه في الإنسان مستمرا استمرار الإنسان نفسه، فهو ينتقل كمعتقد و كطقوس من جيل إلى جيل. الأمر الذي يقتضي القول بإطلاقية الدين. و نظرا لأن الماركسية كمنهج للتحليل و التفكير، و كهدف يرتبط أيضا بالإنسان، الذي يستعمل ذلك المنهج في كل مكان، فإنه يمكن القول أيضا باطلاقية الماركسية. و هو ما يعني أن كلا من الدين و الماركسية يجمع بين النسبية و الاطلاقية.
و نحن في تناولنا لفقرة تاريخية الدين و تاريخية الماركسية و انطلاقا من المنهج العلمي الذي اعتمدناه في تعاطينا مع الدين و مع الماركسية في نفس الوقت نرى أن كل شيء لا يمكن أن يكن إلا تاريخيا. فما يظهر انه مطلق ليس إلا نسبيا. لأن الرؤيا إلى الدين تتجدد باستمرار نظرا لاختلاف الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، و من مكان إلى مكان آخر. و هذا الاختلاف في الشروط و في الأمكنة هو الذي يجعل فهم الدين الواحد يختلف من عصر إلى عصر و من مكان إلى مكان و هو ما يجعلنا نقول بأن الدين يصير أديانا بعدد العصور، و بعدد الأمكنة، و بعدد الأفراد، لأن كل فرد يفهم الدين على طريقته. و انطلاقا من شروطه، و حتى نفهم المسألة اكثر فالدين الإسلامي في مرحلة الوحي، ليس كالدين الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين، أو في عهد الأمويين، أو في عهد العباسيين أو في عهد العثمانيين أو في عهد الاستعمار، أو في عهد استغلال الشعوب التي كانت مستعمرة، أو في عصر العولمة. و الدين الإسلامي في السعودية يختلف عنه في العراق، وفي إيران ، و في سورية، و في الأردن، و في مصر، و في تونس، و في تركيا، و في الجزائر، و في المغرب، و في أوربا، و في أمريكا، و في إفريقيا، و في آسيا، و في استراليا، و إسلام المالكية ليس هو إسلام الحنفية، و ليس هو إسلام الحنابلة، و ليس هو إسلام الشافعية، و إسلام شيعة بني أمية ليس هو إسلام شيعة علي، و ليس هو إسلام آل الزبير، و ليس هو إسلام الخوارج. و إسلام الطبقة الحاكمة في كل بلد من بلدان المسلمين ليس هو إسلام كل شعب من شعوب المسلمين، و ليس هو إسلام مؤدلجي الدين الإسلامي الذين تختلف ادلجتهم للدين الإسلامي من بلد إلى بلد آخر ، و من تيار إلى تيار آخر، و حتى البرامج الدينية نجدها تختلف من مدرس إلى آخر. و الهدف من التدين و ممارسة الطقوس الدينية التي نسميها في الدين الإسلامي بالعبادات يختلف من شخص إلى آخر، و من تيار ديني إلى آخر، و من دولة إلى أخرى. و من عصر إلى آخر، و من مذهب إلى آخر. و هو ما يؤكد أن كل شيء يعتقد أو يمارس في الدين الإسلامي نسبي، و تبقى فكرة الاطلاقية قائمة في فكرة الله كمعتقد يجب الإيمان به وحده دون سواه. و هذا الإيمان في حد ذاته يتخذ طابعا نسبيا في معظم الممارسات الدينية.
و ما قلناه في الدين الإسلامي، يمكن قوله في الدين المسيحي، و يمكن قوله في الدين اليهودي، و في كل الديانات الأخرى التي لازالت قائمة في هذا البلد أو ذاك، و لا أحد يستطيع أن ينفي تلك النسبية.
فما الذي يجعل الدين يرتبط بالنسبية، اكثر مما يرتبط بالاطلاقية ؟
إننا مهما حاولنا أن نعطي للدين طابعا جماعيا و كيفما عملنا على أن يكون الإيمان بدين معين جماعيا، و حرصنا على أداء الطقوس الدينية بشكل جماعي، فإن الدين يبقى ذا بعد فردي، لأنه في نهاية المطاف يخص وجدان الفرد في علاقاته بالمعتقد. و هذه المسألة ندركها جيدا أثناء أداءنا للصلاة كما يراها الإسلام أو كما تراها المسيحية أو كما تراها اليهودية. و في إطار الجماعة في المسجد أو في الكنيسة أو في البيعة، فإن كل فرد في الجماعة ينصرف وحده في التوجه إلى الله بطريقة في التفكير أو في الوجدان تختلف من مصل إلى آخر، فكان كل واحد يصلي وحده، و نفس الشيء نقوله في الصيام أو في الحج، أو في الزكاة، أو حتى في الشهادة. فالدين ذو طابع فردي على مستوى المعتقد. و على مستوى الطقوس و الناس وحدهم يكسبونه ذلك البعد الجماعي الاجتماعي الاقتصادي و الثقافي و السياسي. و هو ما يعتبر حجة على نسبيته، لأن الإنسان عندما يرتبط بدين معين لا يرتبط به إلا من اجل تحقيق مصالح معينة دنيوية أو أخروية، و هذه المصلحة تختلف من طبقة إلى أخرى و من فرد إلى آخر داخل الطبقة كتأكيد لنسبية الدين.
و لذلك فنحن عندما نطرح السؤال هل الدين تاريخي أو مطلق ؟ فإننا نجد أنفسنا، و انطلاقا من وقائع التاريخ نفسه مجبرين على القول بتاريخيته. لأن تطور الإنسان باستمرار يقتضي تطور معتقدات هذا الإنسان. فالأديان الوثنية المتعددة التي تعاقبت في مختلف العصور واكبتها معتقدات بوجود عدة آلهة تقرر في شأن البشرية و الكون. و هو ما نفاه القرءان " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" ثم تطور التعدد إلى الاعتقاد بوحدانية الإله، و زوجة الله و ابن الله، و هو أيضا ما انتقده القرءان عندما جاء فيه " و قالت اليهود عزير ابن الله و قالت النصارى المسيح ابن الله" كما جاء فيه أيضا " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفؤا أحد" ليصل إلى آخر الأديان الذي هو الدين الإسلامي الذي جاء تعبيرا عن التطور الذي وصلت إليه البشرية فحسم مع فكرتين أساسيتين في المعتقد: الفكرة الأولى، هي فكرة التعدد، و الفكرة الثانية هي فكرة التجسيد. ففكرة التعدد حسم معها بما جاء في القرءان "قل هو الله أحد" " و لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". أما فكرة التجسيد فحسم معها بقوله "لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار" و قوله " ليس كمثله شيء"، فلماذا هذا الحسم مع التعدد، و مع التجسيد في نفس الوقت.
إننا نرى أن التطور الذي وصل إليه الإنسان يقتضي ذلك، حتى يتحرر الإنسان من الجري وراء ما يسيء إلى كرامته، لأن تلك الكرامة تقتضي أن لا يعبد الأوثان، كما تقتضي أن لا توجد هناك واسطة بينه و بين الله. كما هو الشأن في المسيحية و اليهودية حيث الرهبان وسطاء بين الله، و البشر المومنين بالمسيحية أو اليهودية. فيقتضي أيضا أن لا يومن بوجود عدة آلهة، لأن ذلك قد يؤدي إلى التأثير على شخصيته، و سلب حريته، فالاعتقاد بوجود اله واحد، لا يتجسد (لا تدركه الأبصار..) هو تطور يقتضي تحرير الإنسان أولا و أخيرا من سيطرة المعتقدات الخرافية الفاسدة. و هذا لا يعني أبدا أن الدين بلغ درجة صار معها مطلقا لأن الاطلاقية تقتضي إبعاد الدين من شؤون الحياة العامة و الخاصة الفردية و الجماعية. و بما أن هذه المسألة غير واردة، فإننا نرى أن وحدانية الله هي بداية و منطلق لنسبية أخرى. هي نسبية فهم الدين، و تمثله، و طرق عبادة الله. و اختلاف كيفية العبادة و اعتبار الدين عقيدة و شريعة و اختلاف الشريعة باختلاف تأويلات النصوص الدينية. هذا الاختلاف الذي يستمر إلى ما لا نهاية كما تدل على ذلك كتب التفسير التي كتبت منذ نزل القرءان، و إلى الآن. ففي كل عصر نجد تفاسير تكون محكومة بالشروط الموضوعية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تفرض فهما معينا يختلف عن افهام من عاشوا شروطا أخرى مختلفة في الأزمنة الماضية، و من يعيشون شروطا أخرى في الأزمنة المستقبلية. و كما تدل على ذلك كتب الفقه التي الفت في عصور مختلفة، و في أمكنة مختلفة و التي تضمنت أحكاما فقهية تتناسب مع الأزمنة و مع الأمكنة التي استنبطت فيها، و كلها ذات مصدر ديني مأخوذة من الكتاب و السنة، أو بواسطة القياس و الاجتهاد و كلها مصادر للشريعة الإسلامية. و الخلاصة هي أن تاريخ الأديان، و تاريخ الأديان السماوية و تاريخ الدين الإسلامي، و تاريخ التفاسير، و تاريخ الفقه، و تاريخ الدراسات الدينية بصفة عامة، و تاريخ الدراسات الإسلامية بصفة خاصة كلها تؤكد على تاريخية الدين. أما اطلاقيته، فما هي إلا افتراض من مؤدلجي الدين الإسلامي المنمذجين للحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في النموذج الماضي الذي ليس إلا تاريخيا بدوره.
فلماذا تصر جهات معينة على إطلاقية الدين ؟
فنحن عندما نتكلم عن الدين ننسبه : دين إبراهيم، الدين المسيحي، الدين اليهودي، الدين الإسلامي، الدين الوثني، و في إطار كل دين نجد مذاهب ، و نحن نقوم بنسبة كل مذهب إلى صاحبه. و في إطار المذهب الواحد نجد تيارات. و نحن ننسب كل تيار إلى صاحبه و عندما تتم ادلجة الدين فنحن نقوم بنسبة كل إيديولوجية دينية إلى أصحابها، أي أن كل ما يجري في الواقع مما له علاقة بالدين يجعلنا نجزم بنسبية الدين و بتاريخيته في نفس الوقت. إلا أن الطبقة الحاكمة في كل بلد من بلدان المسلمين و موظفيها المؤدلجين للدين الإسلامي، و الأحزاب التي تستعين بأدلجة الدين الإسلامي، و اليمين المتطرف المغرق في ادلجة الدين الإسلامي تصر على إطلاقية الدين نظرا لدوره في حفظ المصالح الطبقية لمؤدلجي الدين الإسلامي. لأن كل من يستغل الدين إنما يستغله لأجل ذلك، حتى الكهنة الذين كانوا يشرفون على عبادة الأوثان كانوا يعتبرون ذلك وسيلة لخدمة مصالحهم و حماية تلك المصالح في نفس الوقت.لأنه إذا لم تكن هناك مصالح من وراء إطلاقية الدين و لا تاريخيته لا يمكن أن يحرص هؤلاء على هذه الاطلاقية اللاتاريخية و لأقروا بأهمية التحليل العلمي الذي يكشف عن نسبية الدين و تاريخيته. و بالتالي، فأي تفكير ديني هو تفكير نسبي لا يتجاوز من أنتجه ليصير جزءا من الدين كما يريد ذلك مؤدلجو الدين الإسلامي. و إذا وصلنا إلى ذلك و اقتنع الناس بالتحليل العلمي الذي يؤكد على نسبية الدين و تاريخيته فإن المصير الذي يجب أن تعرفه كتب المؤدلجين في مختلف العصور و إلى يومنا هذا هو الحرق حتى تتخلص البشرية من آفة ادلجة الدين الإسلامي، و يصير الدين حرا، و المتدين حرا في اختيار العقيدة التي تناسبه، و دون ضغط من أية جهة، حتى يصير مضمون ما جاء في القرءان "لا إكراه في الدين" قائما على ارض الواقع. و تصير الدولة متحررة من ادلجة الدين، و يصير فصل الدين عن الدولة قائما في الممارسة السياسية, و تصير المصالح الطبقية بعيدة عن استغلال الدين، و يغيب من يفرض و بقوة السلاح و القمع اعتبار الدين مطلقا، حتى يصير الدين بريئا من الادلجة و مرتبطا بالاختيار الحر و النزيه.
و في حالة إصرار المؤدلجين على إطلاقية الدين، فلماذا هذا التعدد في الدين ؟
إن تاريخ البشرية ملئ بالأديان المتعاقبة في تاريخ كل شعب على حدة، و حتى تلك التي اعتبرت ديانات التوحيد ظهرت في مراحل مختلفة.
فقد عرفت البشرية الديانة الوثنية التي شاعت بين الناس بسبب سيطرة الخرافة و الجهل على عقولهم، فصاروا يتمثلون الآلهة التي تتحكم في مصيرهم أوثانا يعبدونها، أو أشجارا أو نجوما أو قمرا أو شمسا أو نارا أو رياحا أو بشرا اخلصوا في عبادتها جميعا رغبة في أن تتدخل تلك الآلهة لأجل إصلاح المصير و تحقيق السعادة للمومنين و مدهم بالقوة اللازمة لتحقيق حياة احسن، و للتغلب على الأعداء و جلب الخيرات المادية و المعنوية التي تحقق تلك السعادة.
كما عرفت البشرية عبادة آلهة متعددة لها علاقة بالقيم و بالأخلاق، فقد عبدوا اله الخير، و اله الشر، و اله الخصب، و اله القوة...الخ، و هي آلهة مجردة اعتقد الناس حينها أنها تتدخل في حياة الناس فتجعلها سعيدة أو شقية، و تجلب الخيرات التي يحتاجها الناس أو تحرمهم من تلك الخيرات.
و اعتقدوا كذلك بوحدانية الله في ديانة إبراهيم و ديانة موسى، و ديانة عيسى، و في الدين الإسلامي، و اعتبروا أن الوحدانية هي الطريق إلى تحقيق السعادة البشرية للناس جميعا. إلا أن تخلف البشر و عدم قدرتهم على استيعاب تلك الوحدانية، و عدم تخلصهم من المعتقدات الوثنية جعل المومنين بتلك الديانات ينحرفون عن تلك الوحدانية و يعتبرون أن الله ثالث ثلاثة في المسيحية و في اليهودية، و صاروا يتخذون لهم وسطاء بينهم و بين الله في الإسلام.
و في إطار الدين الواحد صار الناس يومنون بذلك الدين عن طريق مذهب من مذاهبه.فكأن تلك المذاهب ديانات أخرى لا تتفق مع الدين الأصلي إلا في الجوهر أما الشكل فهناك اختلاف كبير.
و لذلك فهذا التعدد في الأديان، و هذا التعدد في المذاهب في إطار الدين الواحد، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى القول بنسبية الدين لا بإطلاقيته.
و التعدد في الدين يرجع إلى اختلاف التوظيف الديني لخدمة المصالح الطبقية و حماية تلك المصالح من طبقة إلى أخرى و من عصر إلى آخر، و من مكان إلى مكان آخر، حسب اختلاف الأنظمة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و تلك المصالح الطبقية وحدها هي التي أدت إلى هذا التعدد في الدين، و في المذاهب، و هي التي أدت إلى القول بإطلاقية الدين حتى و إن كان هذا الدين متجاوزا وجدانا و عقلا و منطقا كما هو الشأن بالنسبة للديانة البوذية عند الهنود كمثال على ذلك.
و إذا كان الدين مطلقا، فإن اطلاقيته تستلزم الثبات و الديمومة، فلماذا كان القدماء يعبدون الطبيعة و الشمس و القمر، و الرعد، و الأشجار، و النجوم، و الحيوانات ؟
إن الأصل في الدين هو الخوف، و العجز عن معرفة مصدر ذلك الخوف، كما أن الدين هو الخضوع المطلق للجهة المعتقد أنها هي مصدر الخوف، و مصدر القوة في نفس الوقت. و إذا كان الأمر كذلك، فإن القدماء عبدوا الطبيعة لأنهم كانوا يجهلون مصدر الخيرات الكثيرة التي كان الناس يحتاجون إليها و هي مصدر هلاكهم في نفس الوقت، فهم يعبدونها رغبة في خيراتها، و رهبة من عواصفها، و رعودها، و حيواناتها المفترسة. و سعيا إلى تجنب ما يهلكهم. و الحصول على ما ينفعهم في حياتهم اليومية، و ما يضمن استمرارهم إلى ما لا نهاية لأن كل ذلك بإرادة الطبيعة باعتبارها القوة الأولى في الكون. و عبادة الإنسان القديم للطبيعة هو الذي جعله ينصرف إلى التفكير فيها، و يكتشف كيف يسيطر عليها باكتشافه لأدوات السيطرة على الحيوانات. و كيف يتقي شر الشمس، و الرعد و العواصف، و الفيضانات و غيرها. و كيف صار يستغل الأرض التي أغنته عن البحث عن قوته اليومي حتى لا يعرض نفسه للأخطار، الأمر الذي جعله يبحث عن آلهة أخرى, و عمل على عبادة الشمس و القمر و النار باعتبارها مصادر للضوء و الحرارة و غيرها مما يعجز الإنسان حينذاك عن معرفة حقيقته. و بعد أن استنفذ المعرفة بعناصر الطبيعة الثابتة، و الناتجة عن تحولاتها امسك عن كل ذلك و توجه في عبادته إلى تقديس الأشخاص الذين شرعوا في السيطرة على البشر بواسطة القوة لاعتبارهم أن مصدر تلك القوة غير معروف لكون من يملكها يتميز بقوة خارقة تستحق خضوع الناس له. فإذا مات صنع تمثال له يعبده الناس، و يسجدون إليه لتنتقل القداسة من صاحب التمثال، لتشيع بذلك ما صار يسمى في تاريخ الديانات بعبادة الأصنام التي كان يصنعها الناس بأيديهم.
فلماذا كان الناس يعبدون الأصنام التي يصنعونها بأيديهم ؟
إن المرحلة التي شاعت فيها عبادة الأصنام التي تمثل الأشخاص أو الحيوانات. لم يعد الناس يعبدون تلك الأصنام على أنها تمثل أشخاصا معينين بقدر ما صاروا يعبدونها على سبيل التقليد. و لذلك نجد انهم كانوا يقولون إذا سئلوا عن ذلك كما عبر القرءان على لسانهم "انا وجدنا آباءنا على أمة و انا على آثارهم مقتدون" أي أن العبادة كانت تتم على سبيل الاقتداء فقط و ليس على سبيل الاقتناع، و المستفيدون من عبادة الأوثان كانوا يحرصون على استمرار تلك العبادة لما تدره عليهم من أرباح ، وكانوا يعتبرون أي دعوة لإلغاء عبادة الأوثان تهديدا لمصالحهم و سعيا إلى القضاء على النظام السياسي الذي يحمي ذلك الشكل من العبادة.
و الوقوف على الأسباب التي دعت إلى عبادة الأوثان يدفعنا إلى طرح السؤال : لماذا هذا التعدد في الأديان السماوية ؟
إن الدين السماوي لم يأت من اجل إضافة دين جديد إلى الأديان التي سبقته، فالدين السماوي جاء ليحرر الإنسان من عبادة أمور لا تعبر إلا عن انحطاط الإنسان و احتقاره لنفسه، لتصير عبادته لله كذات مجردة غير معروفة. و لكن هذه الدعوة إلى عبادة الله تمت مقاومتها من الذين كانوا يستغلون عبادة الأوثان لخدمة مصالحهم و لحماية تلك المصالح فكانوا يمارسون الحصار و التعذيب و التقتيل ضد كل الذين عملوا على التحرر من عبادة الأوثان. و هنا تحضرنا تجربة نوح الذي مكث في قومه تسعمائة و خمسين سنة قبل أن يغرق الله قومه و لم ينج إلا من ركب سفينة نوح كما أشار القرءان إلى ذلك. كما تحضرنا تجربة إبراهيم الذي عانى كثيرا من قومه و منهم أبوه الذي كان يصنع الآلهة و يبيعها لمن يعبدها. و تحضرنا تجربة موسى الذي عانى كثيرا من بني إسرائيل الذين أذاقوه الأمرين منذ طفولته و حرفوا التوراة التي أنزلت عليه. و تجربة عيسى الذي عانى كذلك من بني إسرائيل اللذين عذبوه كثيرا و حاولوا التخلص منه لولا أن الله رفعه كما جاء في القرءان " و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم" و كما حصل مع محمد بن عبد الله الذي عانى كثيرا من عبدة الأوثان و من اليهود في نفس الوقت، و لم يستطع تثبيت الإسلام في الجزيرة العربية إلا بمشقة كبيرة.
فلماذا كان الناس يرفضون توحيد عبادة الله و يتمسكون بعبادة الأوثان ؟
إن الأمر يتعلق بالتخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي في العصور القديمة. و بطبيعة المجتمع الذي كانت تسود فيه العبودية من جهة، و كانت الحياة فيه ترتبط بالقبيلة و بالعشيرة، أي انه كان ممزقا إلى درجة أن توحيد العبادة فيه تكون من باب المستحيلات.
و لذلك نجد أن الانتصار الجزئي لدعوة موسى لم يدم طويلا، فقد تحولت من بعده إلى عبادة ثلاثة آلهة الله و زوجة الله و ابن الله كما أشار إلى ذلك القرءان " و قالت اليهود عزير ابن الله" و كذلك بالنسبة لعيسى التي سرعان ما تحولت إلى عبادة ثلاثة آلهة "و قالت النصارى المسيح ابن الله". و حتى الإسلام الذي نجا من ذلك التحريف، فها هم الناس يعبدون الزعماء الدينيين الأحياء باعتبارهم وسطاء بين الله و بين البشر، و يعبدون الأضرحة، و المساجد بمعنى أن الوثنية مستمرة حتى في ظل سيادة الأديان السماوية، لأن الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي فرضت عبادة الأوثان لازالت قائمة، و القضاء على تلك الشروط لا يتم إلا بالحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و حين ذلك فإن من اختار أن يعبد شيئا آخر فله الحق في ذلك، لأنه " لا إكراه في الدين" كما جاء في القرءان.
و لو افترضنا أن الناس جميعا صاروا يعبدون الله طبقا لما جاء به الدين الإسلامي باعتباره اكثر تطورا و اكثر تقدما من الأديان السابقة. فلماذا هذه المذاهب الدينية الشيعية و السنية في ظل الإسلام ؟
إن تحرر الإنسان من عبادة غير الله أو من اتخاذ الوساطة بينه و بين الله في الدين الإسلامي لا يتم إلا بهيمنة العقل العلمي الذي يقوم على أنقاض العقل الخرافي و العقل المؤدلج للدين الإسلامي الذي يمكن تسميته بالعقل الظلامي الذي لا علاقة له بالظاهرة الإيمانية في الدين الإسلامي، و العقل العلمي ليس إلا المنهج العلمي القائم على أساس القوانين العلمية للمادية الجدلية و المادية التاريخية، و بدون سيادة تلك العقلية العلمية ستبقى المجتمعات محكومة بالخرافات، و بالفكر الظلامي الذي تختلف درجة تأثيره من شخص إلى شخص آخر، و من جماعة إلى جماعة أخرى. و هو ما وقف وراء ظهور التأويلات التي وقفت وراء ظهور الأحزاب القائمة على ادلجة الدين الإسلامي من جهة أخرى. الأمر الذي أشاع الوهم بتعدد المذاهب في الدين الإسلامي لتتعدد بذلك الطقوس المتبعة في العبادات الدينية الخاصة بالدين الإسلامي، و لتتعدد الأفكار المتبعة في نفس النازلة من مذهب إلى آخر. فكأننا أمام أديان، و لسنا أمام مذاهب. و لكن عندما يسود العقل العلمي، فإن الناس يتحررون من التبعية للأشخاص أصحاب المذاهب أو قادة الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي حتى لا نسميها أحزابا دينية. و حين ذلك، و كما قلنا سابقا، يختارون الدين الذي يشاءون و يعبدون الله على الطريقة التي يشاءون، و دون ضغط من أحد أو إرهاب من سلطة، أو تهديد من زعيم حزب مؤدلج للدين الإسلامي. و العقل العلمي لا يسود و لا يلعب دوره إلا بتحقيق الحرية، حرية الأرض و الإنسان، و الديمقراطية بمضامينها الحقوقية، و العدالة الاجتماعية التي لا تقوم إلا على أساس التوزيع العادل للثروة بين جميع أفراد المجتمع. و العقل العلمي يقتضي وضع دستور ديمقراطي، و ملاءمة القوانين مع المواثيق الدولية، و بناء مؤسسات تمثيلية تعكس إرادة المواطنين، و إيجاد حكومة من أغلبية مؤسسة البرلمان، تقوم بخدمة مصالح الشعب و حماية تلك المصالح بتطبيق القوانين المتلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. و العقل العلمي يقضي بتجريم استغلال الدين الذي هو للناس جميعا في الأمور السياسية حتى و إن كان ذلك الاستغلال من قبل مسؤولي الدولة. و تجريم قيام أحزاب على أساس ديني كيفما كان هذا الدين، أو على أساس ادلجة الدين الإسلامي حتى يصير الدين لله قولا و فعلا، و الوطن للجميع.
و لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو لماذا ينقسم المسلمون إلى شيعة و سنة ؟ و لماذا نجد في الشيعة مذاهب كما نجد في السنة مذاهب، و في إطار الدين الواحد الذي هو الدين الإسلامي ؟
إن انقسام المسلمين إلى شيعة و خوارج إنما هو تقرير لواقع ادلجة الدين الإسلامي منذ مقتل عثمان بن عفان. و منذ صار المسلمون إما من اتباع علي أو من اتباع معاوية، أو من اتباع آل الزبير، أو من اتباع الخوارج لأن توظيف الدين في السياسة في ظل الإسلام بدأ منذ ذلك الوقت، و منذ صار يعتقد كل توجه سياسي انه هو الذي يحكم باسم الله أو انه هو الذي يجب أن يحكم باسم الله، خاصة، و أن هذا الانقسام في ذلك الوقت اتخذ طابعا عشائريا، أو قبائليا، أو اسريا. و بالتالي فكل من استطاع و بواسطة القوة السيطرة على دولة المسلمين سواء في عهد الخلفاء الراشدين، أو في عهد بني أمية أو في عهد بني العباس يحكم باسم الله و هو أمر لا يمكن النظر إليه إلا من باب الاستغلال الإيديولوجي لتضليل الناس.
فنحن نعرف أن الشيعة يمثلون في ذلك الوقت عموم المقهورين في مجتمع المسلمين، و أن هؤلاء المقهورين التفوا حول علي كزعيم سياسي، و لكن في نفس الوقت كأمير للمومنين ضد من كان يستغلل الدين لصالح تكريس حكم الأرستقراطية القرشية بقيادة معاوية، فإنه يمكننا القول بأن الصراع من اجل الوصول إلى السلطة أو من اجل المحافظة عليها اتخذ طابع الصراع الطبقي التناحري كما هو قائم في عصرنا هذا. لأن الطبقة التي تصل إلى السلطة تسخر الموارد لصالحها، غير أن الوعي الطبقي بمعناه الحقيقي لم يكن واردا في ذلك الوقت. لذلك فإن الوعي الإيديولوجي كان يركز على توظيف الدين من اجل السيطرة على أجهزة الدولة و لكن ليس لأجل توظيف الموارد لصالح الطبقة التي صارعت بل من اجل من يصير إليه الحكم الذي يصير متكلما باسم الله. و نظرا للخلافات التي تحصل داخل الأسرة أو العشيرة التي تحكم، فإن التأويلات تتعدد داخل الشيعة كما داخل السنة ليصير الشيعة أشتاتا، و تتعدد الولاءات و الفرق و تكون الوسيلة هي ادلجة الدين الإسلامي. و الهدف هو الوصول إلى السلطة لامتلاك شرعية الحكم باسم الله. و هذا هو السبب الذي جعل المسلمين ينقسمون إلى شيعة و سنة، و إلى فرق شيعية و فرق سنية و لكل فرقة تأويلها للدين، و هو ما يعبر عن استمرار الجنوح إلى تكريس التعدد الديني المتمثل في التعدد السياسي الذي يقضي بإقصاء كل الفرق الأخرى مهما كان لونها. و لتجاوز هذه الوضعية التي سرت إلى عصرنا هذا، فإننا نؤكد ما ذهبنا إليه من ضرورة تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية حتى يبقى الدين لله و الوطن للجميع.
و هذا التعدد في الفرق السياسية المؤدلجة للدين الإسلامي و التي تحاول تكريس ظاهرة التعدد الديني الذي سبق مجيء الإسلام يدفعنا إلى طرح السؤال :
أليس الدين مرتبطا بالتطور الذي تعرفه البشرية ؟
و هذا السؤال و غيره من الأسئلة التي تسير في نفس السياق، يحيلنا إلى طرح سؤال آخر :
هل نجد لكل تشكيلة اقتصادية اجتماعية دينها أو دياناتها ؟
إننا في الواقع يمكن أن نتفق على مستويين من الدين في أية تشكيلة اقتصادية-اجتماعية. مستوى الرغبة في الخلاص من الآلام التي تصيب البشرية المعذبة بسبب الاستغلال الممارس عليها، و مستوى ادلجة الدين أي دين مهما كانت طبيعته لتضليل أولئك الكادحين المقهورين حتى لا يمتلكوا الوعي بالاستغلال الممارس عليهم، سواء تعلق الأمر بالتشكيلة العبودية أو بالتشكيلة الإقطاعية أو بالتشكيلة الرأسمالية. و في كل تشكيلة نجد أن الطبقة التي تتمكن من أجهزة الدولة باعتبارها أداة السيطرة الطبقية تسعى إلى توظيف جيش من المؤدلجين للدين الذين يسمونة كهنة أو سدنة، أو رهبانا، تكون مهمتهم هي إقناع الناس بتلك الادلجة، و صرفهم عن التفكير فيما يمارس عليهم من استغلال اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و سياسي خدمة لمصالح الطبقة التي تحكم غير أن الدين يقتضي كهنة و رهبانا معينين في التشكيلة العبودية، ليس هو الدين الذي يقتضي نوعا آخر من الكهنة و الرهبان في التشكيلة الإقطاعية، و ليس هو الدين الذي يقتضي مؤدلجين من نوع خاص جدا في إطار التشكيلة الرأسمالية. فالدين يرتبط ببساطة الاستغلال أو تعقده. فبساطة الاستغلال اقتضت عبادة الطبيعة أو الحيوانات أو الأشخاص أو الشمس أو القمر أو المثل، لتتطور إلى عبادة الأوثان التي ترمز إلى الطبيعة أو الإنسان أو الحيوان لنصل إلى إدراك الإنسان أن ما يعبده لا يتناسب مع ما يصل إليه من تطور. فتظهر الديانات التوحيدية كاستجابة لذلك التطور، و لكن الانقسام الطبقي في التشكيلات الاستغلالية لابد أن تجر معها مظاهر التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، فتبرز الحاجة إلى الخلاص، و إلى مؤدلجي الدين فيكرس التعدد الديني بتعدد المؤدلجين. و بالتالي فإن كل دين مهما جاء معبرا عن التطور الحاصل في المجتمع كما هو الشأن بالنسبة للدين الإسلامي، يصير مصدرا للتعدد الديني بدل أن يتحول إلى قوة داعمة لذلك التطور الذي يقتضي تخليص الدين من الإيديولوجية لتحرير الدين من جهة، و تحرير الإنسان من ادلجة الدين من جهة أخرى.
فما الذي يتحكم في الجنوح نحو التعدد الديني – المذهبي الحزبي في ظل الدين الإسلامي ؟ أليست الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تعيشها البشرية في مرحلة تاريخية معينة، و في مكان معين هي التي تقتضي ظهور دين معين ؟
إننا بمعالجتنا لموضوع هذا السؤال، لابد أن ننزل من السماء إلى الأرض، و هو ما يقتضي منا القول بأن تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع الطبقي، و أن القهر الذي يمارس ضد الكادحين و ضد الطبقة العاملة في إطار استغلال الأسياد للعبيد، أو استغلال الإقطاعيين للاقنان (عبيد الأرض) أو استغلال البورجوازية للطبقة العاملة. هذه الأشكال من الاستغلال الهمجي الذي عرفته البشرية عبر عصور مختلفة، و نظرا لعدم امتلاك الوعي الطبقي الضروري لخوض الصراع، فإن معاناة الكادحين من الحرمان من دخل محترم، و من تعليم يتناسب مع متطلبات العصر و من ثقافة تبث بينهم قيم التقدم و التطور و الحرية و من حياة مدنية يتساوى فيها جميع الناس أمام القانون، و من دستور ديمقراطي، و من المساهمة في انتخابات حرة و نزيهة، و من حكومة تلتزم بخدمة مصالح الكادحين هو الذي دفع الكادحين في التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية السابقة على التشكيلة الرأسمالية على التماس الخلاص في عبادة الأوثان و في الأديان المختلفة، و في مذاهب كل دين على حدة، و في التنظيمات السياسية المؤدلجة للدين الإسلامي بالخصوص، و منذ مقتل عثمان. و لذلك نرى ضرورة تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية حتى يتمتع الكادحون بحقوقهم المختلفة في ظل التشكيلة الرأسمالية تلك الحقوق التي تساعدهم على امتلاك الوعي الطبقي الذي يساعدهم على ممارسة الصراع الطبقي في مستوياته المختلفة الإيديولوجية و السياسية و التنظيمية بعيدا عن اللجوء إلى طلب الخلاص باللجوء إلى المذاهب الدينية، و إلى الأحزاب السياسية المؤدلجة للدين. ذلك اللجوء الذي لا يفيد إلا الطبقات المستفيدة من الاستغلال، و في مقدمتها الطبقة الحاكمة التي تستغل الدين عن طريق مؤدلجيه، لتضليل الكادحين رغبة في تعميق استغلالهم، و سعيا إلى تأبيد سيطرتهم . و للوصول إلى امتلاك الكادحين لوعيهم الطبقي، لابد من تغيير الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تحكم واقع الكادحين و المقهورين، و واقع الطبقات المستفيدة من الاستغلال في نفس الوقت حتى يتأتى ان يبقى الدين لله، و حتى يبقى الاعتقاد به فرديا. و حتى يصير الصراع الطبقي بعيدا عن الاستغلال الديني او اللجوء إلى الدين هروبا من التفكير في المآسي الناجمة عن الاستغلال.
و تغيير شروط الواقع المطلوب يجعلنا نطرح السؤال :
أليس كل ما عرفته الأديان من تطور و من تعدد، و من مذاهب دليلا على تاريخيتها و إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتمسك مؤدلجو الدين الإسلامي باطلاقية هذا الدين ؟
لقد سبق أن أشرنا إلى أن تعدد الأديان و المذاهب دليل على تاريخيتها، و نسبيتها في نفس الوقت و فكرة الله تغيرت من دين إلى دين آخر. و ما يمكن اعتبارها مطلقا هو حاجة الإنسان إلى التغذية الروحية التي يلعب الدين دورا كبيرا فيها، و مع ذلك فمؤدلجو الدين الإسلامي على اختلاف مستوياتهم لا يقولون بتلك النسبية، و لا يعملون على التمييز بين ما هو مطلق، و ما هو نسبي في الدين. و هم بذلك يخالفون حتى ما جاءت به الأديان. و من ذلك ما ورد في القرءان من أسباب النزول، و من ناسخ و منسوخ. مما يؤكد نسبيته و تاريخيته، و عمر بن الخطاب كان يأخذ بالنسبية عندما حرم على المؤلفة قلوبهم اخذ نصيبهم من الزكاة لأن الرسول كان يسعى إلى الاستقواء بهم عندما خصهم بنصيبهم من الزكاة، و لم يقل أحد في ذلك أن عمر عطل حكما ورد في القرءان " انما الصدقات للفقراء و المساكين، و العاملين عليها، و المؤلفة قلوبهم و الغارمين، و في سبيل الله و ابن السبيل فريضة من الله" بل تقبلها الناس على أن إعطاء الصدقة للمؤلفة قلوبهم كان يناسب مرحلة معينة، و لم يعد يناسب مرحلة حكم عمر بن الخطاب.
و مؤدلجو الدين الإسلامي في مستوياتهم المختلفة عندما يصرون على إطلاقية الدين، فلأنهم يعتبرون تلك الاطلاقية مناسبة لاعتبار أنفسهم من "أهل الحل و العقد" كما أنها مناسبة لحماية مصالحهم الطبقية و الوصول إلى إقامة الدولة الإسلامية التي هي دولة استبدادية لتطبيق "الشريعة الإسلامية" كما يؤولها مؤدلجو الدين الإسلامي الذين يعتبرون تأويلهم ذاك هو "الشريعة الإسلامية" و استبداد مؤدلجي الدين الإسلامي ب"الدولة الإسلامية" ليس إلا وسيلة للاستبداد بالمجتمع ككل. و العمل على تأبيد ذلك الاستبداد الذي يصير "حكم الله" في الأرض. و يصير حكم مؤدلجي الدين الإسلامي حكما باسم الله باعتبارهم أهل الحل و العقد، و في سبيل ذلك لا داعي لاستحضار تعدد المذاهب، و تعدد أحزاب مؤدلجي الدين الإسلامي، لأنها جميعا تتعامل مع الدين على أنه لا يمكن أن يكون إلا مطلقا مهما كانت الحجج و الأدلة القائمة على نسبيته و تاريخيته، و حتى إذا سلمنا بإطلاقية جوهر الدين الإسلامي فإن تأويلاته المذهبية و الإيديولوجية تبقى نسبية.
و بذلك نصل إلى أن نسبية الدين و تاريخيته هي نتيجة لتعدد الأديان الطبيعية و الوثنية و السماوية. و تعدد المذاهب داخل الدين الواحد و كثرة الأحزاب السياسية التي قامت على ادلجة الدين الإسلامي منذ مقتل عثمان و إلى يومنا هذا، و إذا كان هناك لا شيء يستحق الاطلاقية فهو جوهر الدين الإسلامي بصفة خاصة كما جاء في بعض آيات القرءان " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم أن نعبد إلا الله" لنصل إلى أن اعتبار إطلاقية تأويلات الدين الإسلامي الأيديولوجية، ستقود إلى الكوارث التي تغرق البشرية في المزيد من الدماء. لأن تلك الاطلاقية الإيديولوجية تجعل البشرية تعتقد أن زمن الرسل و الأنبياء لازال مستمرا، و نحن نعرف أن آخر الأنبياء و الرسل هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، و كل من يدعي النبوة أو الرسالة بعده ليس إلا كذابا. وبما أن هذه المسألة غير واردة ، فإن مؤدلجي الدين أعطوا لأنفسهم مظلة ولاية الفقهية الذي يجمع في شخصيته أحقية ولاية أمور الدين و أحقية ولاية أمور الدنيا. و هي أحقية لا علاقة لها بالديمقراطية، و لا باحترام إرادة المواطنين في كل بلد من بلدان المسلمين.
و وقوفنا على تاريخية الدين و نسبيته يقودنا إلى طرح سؤال عن الشق الآخر في الموضوع : الماركسية، و هل الماركسية تاريخية ؟
إن الماركسية بحكم طبيعتها جاءت مرتبطة بمرحلة تاريخية معينة، و هي مرحلة وصول البورجوازية إلى السلطة في أوربا، و بناء الصناعة الأوربية في إطار ما صار يعرف بالثورة الصناعية التي صاحبت قيام البورجوازية التي أدت إلى السيطرة على أجهزة الدولة لتحرير الاقنان من الأرض. و تكون الطبقة العاملة التي كانت تعاني من الاستغلال الهمجي الذي عاينه ماركس و انجلز في ألمانيا و في فرنسا و في بريطانيا العظمى، فارتبطا معا بالمجتمع البورجوازي و درسا واقع الطبقة العاملة، و عملا على دراسة التاريخ البشري وصولا إلى امتلاك تصور علمي عن تطور البشرية، و عن واقع المجتمع الرأسمالي في القرن التاسع عشر، و عملا على معرفة ما يجب عمله لوضع حد لاستغلال الكادحين بصفة عامة، و لاستغلال الطبقة العاملة بصفة خاصة و توصلا، لأجل ذلك إلى وضع قوانين الاشتراكية العلمية المادية الجدلية و المادية التاريخية. و الماركسية تعني بذلك أنها نسبية و تاريخية، أي أنها ليست نظرية مطلقة صالحة لكل زمان و مكان، بل إن جوهرها هو الذي يكتسب صبغة الاطلاقية، و جوهرها يكمن في المنهج و الهدف. فمنهج الماركسية هو منهج مطلق، يرتبط بالاستناد إلى توظيف قوانين المادية الجدلية و المادية التاريخية و تلك القوانين في تفاعلها مع التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و مع تطور الآداب و العلوم و الفلسفة تصير نسبية نظرا لما يطرأ عليها من تغيير. فهي إذن تجمع بين الاطلاقية و النسبية في نفس الوقت، و الاشتراكية العلمية كهدف أيضا تجمع بين الاطلاقية و النسبية، فهي يحكم استراتيجيتها، و لكونها تشكل حلما للبشرية، فإنها تصير مطلقة. و نظرا لارتباطها بتجارب معينة و بالخصوصيات المحلية، فإنها تصير نسبية. و لذلك يمكن القول بأن البشرية عرفت تشكيلات اقتصادية صارت في ذمة التاريخ كالتشكيلة العبودية، و التشكيلة الإقطاعية، و تعرف التشكيلة الرأسمالية التي تحرص على أن تصير هي نهاية التاريخ. و هي الآن تسعى إلى الاستبداد بالعالم في إطار ما صار يعرف بعولمة اقتصاد السوق، و هناك تشكيلة تسعى إلى أن تبسط سيادتها على الارض في اطار خوض الصراع المرير مع الرأسمالية، و هذه التشكيلة هي التشكيلة الاشتراكية، و هي تشكيلة تسعى الماركسية باعتبارها منهجا و هدفا إلى تحقيقها و المحافظة على ما هو متحقق منها على أنها ليست هي نهاية التاريخ بل باعتبارها مرحلة لما هو أرقى. و ما هو أرقى هو المرحلة الشيوعية التي يصعب الحديث الآن عن إمكانية تحققها رغم وجود أحزاب في جميع أنحاء العالم تسمي نفسها بالأحزاب الشيوعية لأن الشيوعية كما نظرت لها الماركسية هي مرحلة انتهاء الحاجة إلى السلطة، و هي في حال تحققها يمكن أن تصير هي نهاية التاريخ باعتباره تاريخا للصراع الطبقي، و باعتبار الحاجة إلى الصراع الطبقي تصير غير واردة في المرحلة الشيوعية رغم التطور الهائل، و في جميع المجالات، الذي تصل إليه البشرية.
و هذه القراءة لا يمكن أن نستنتج منها إلا أن الماركسية تاريخية، و أن الاشتراكية العلمية كمنهج و كهدف هي التي تتخذ في جانب منها طابع الاطلاقية.
فما هي الشروط التي حكمت ظهور الماركسية ؟
لقد كان من غير الممكن أن تظهر الماركسية مع ظهور المجتمع الذي تسود فيه العبودية. كما انه من غير الممكن أن تظهر في إطار المرحلة التي ساد فيها الإقطاع لأن النظرية الماركسية ليست نظرية العبيد، و لا هي نظرية الاقنان. إن الماركسية هي نظرية الطبقة العاملة، و وجود الطبقة العاملة شرط وجود الماركسية و الطبقة العاملة جاءت مرتبطة بالنظام الرأسمالي الذي جاء مرتبطا بالشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.
فعلى المستوى الاقتصادي جاءت الماركسية بعد انهيار الاقتصاد الإقطاعي، و قيام الاقتصاد الرأسمالي الذي أدى إلى وجود طبقة عاملة مشغلة لوسائل الإنتاج و منتجة لفائض القيمة التي تؤدي إلى حدوث تراكم رأسمالي هائل لدى الطبقة البورجوازية في مقابل ممارسة استغلالية همجية على الطبقة العاملة و بذلك يتجسد الشرط الاقتصادي لظهور الماركسية في :
1) حصول تراكم رأسمالي لدى الطبقة البورجوازية بعد انهيار الاقتصاد الإقطاعي.
2) تكريس الاستغلال الهمجي على الطبقة العاملة و على سائر الكادحين مع حرمانهم من الأجور المتناسبة مع متطلبات الحياة.
و على المستوى الاجتماعي نجد أن الماركسية ارتبطت بتطور البرامج التعليمية التي ساعدت على ازدهار العلوم الطبيعية و الفيزيائية و على ازدهار الفلسفة و الآداب. مما أدى إلى ارتفاع مستوى التكوين لدى العمال الذي انعكس على مستوى الإنتاج المادي الذي ضاعف أرباح البورجوازية. و في المقابل فإن الاهتمام بالخدمات الاجتماعية التي يستفيد منها العمال كالصحة و السكن و غيرها بقى متدنيا مما جعل حياة العمال تعرف الجحيم، الأمر الذي استدعى اهتمام مؤسسي الماركسية بالوضعية المتردية للعمال على المستوى الاجتماعي.
و على المستوى الثقافي فمنظرا الماركسية لاحظا عدم الاهتمام بتثقيف العمال بما يتناسب مع طبيعتهم الطبقية و مع مباشرتهم لتشغيل وسائل الإنتاج بما يحقق وحدتهم و يجعلهم يمتلكون وعيهم الطبقي في الوقت الذي يرتفع الاهتمام بالثقافة البورجوازية التي تصير ثقافة المجتمع ككل، و يصير التأثر بها من قبل العمال و سائر الكادحين وسيلة لارتفاع وتيرة الاستهلاك. لهذا كان لابد لمؤسسي الماركسية و الماركسيين من الاهتمام بتثقيف الطبقة العاملة وصولا إلى جعلها تتمثل قيمها الثقافية التي تميزها كطبقة تسعى إلى بناء حزبها الثوري الذي يقود نضالها من اجل تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية في ظل النظام الاشتراكي.
و على المستوى المدني كان على مؤسسي الماركسية و سائر الماركسيين الاهتمام بالتمييز بين الطبقة البورجوازية و من يدور في فلكها، و بين الطبقة العاملة التي تعيش في المجتمع على أنها من الدرجة البشرية المتدنية الفاقدة لانسانيتها، و المحرومة من حقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، أي أن فكرة المساواة التي صاحبت قيام البورجوازية في ثورتها ضد الإقطاع سرعان ما تحولت إلى دونية تعاني منها الطبقة العاملة بصفة عامة، و تعاني منها المرأة العاملة بصفة خاصة . و هو ما ترتب عنه تعميق مآسي الاستغلال التي تترتب عن احتقار البورجوازية للطبقة العاملة و لسائر الكادحين.
و على المستوى السياسي فقد عايش منظرا الماركسية حرمان العمال من تنظيم أنفسهم أو من الانتماء إلى تنظيم معين تكون مهمته قيادة الطبقة العاملة في نضالاتها من اجل تحسين أوضاعها المادية و المعنوية، أو من اجل القضاء على الاستغلال بتحويل ملكية وسائل الإنتاج إلى ملكية جماعية.
و هذه الأشكال من الحرمان الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي هي التي ساهمت في جعل منظري الماركسية ماركس و انجلز يهتمان بالمجتمع البورجوازي بصفة عامة، و بوضعية الطبقة العاملة بصفة خاصة، و يختاران الانحياز إلى الطبقة العاملة، و يسعيان إلى تنظيمها، وقيادة نضالاتها، و لكن قبل ذلك بصياغة النظرية الاشتراكية العلمية التي تساهم في جعل الطبقة العاملة و حلفائها يمتلكون وعيهم الطبقي. و يتوصلان إلى وضع القوانين العلمية التي تساعد على ذلك، و ترفع مستوى أداء الطبقة العاملة النضالي.
و إذا كانت الماركسية هي نتيجة لانتقال البشرية من التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الإقطاعية إلى التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية و في ظل الشروط التي وقفنا عليها، فهل تصير الماركسية مرتبطة بهذه المرحلة فقط أم أنها تكون صالحة لكل زمان و لكل مكان فيما بعد ؟ و إذا كان الأمر كذلك، فكيف تكون الماركسية صالحة للمستقبل ؟
إن القول بصلاحية الماركسية للمستقبل ينفي عنها طابع التاريخية و النسبية، و يكسبها طابع الاطلاقية. و قد أشرنا في الفقرات السابقة إلى أن الماركسية كمنهج و كهدف تجمع بين النسبية/التاريخية و بين الاطلاقية. فالماركسية كمنهج هي مجموعة قوانين متبعة في دراسة تاريخ البشرية، و في تحليل الواقع. و هذه القوانين تتفاعل باستمرار مع ما تتوصل إليه البشرية في مجالات العلوم و التقنيات و الفلسفة و الآداب، و مع ما يحصل في مناهج العلوم بالخصوص من تطور يستلزم تطوير المنهج الماركسي حتى يستطيع استيعاب ما يحدث من تحولات في الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و حتى تصير قادرة على الفعل في ذلك الواقع. و تجعل أحلام البشرية في الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية قابلة للتحقق. و المنهج الماركسي بذلك يجمع بين النسبية و التاريخية بحسب ما كان، و بين الاطلاقية بحسب ما يكونه. و بالتالي فالماركسية بحسب التطور المستمر للمنهج الماركسي صالحة لكل زمان و مكان. و كذلك الشأن بالنسبة للماركسية كهدف الأمر الذي يمكن تصنيفه إلى مستويين، مستوى الهدف المرحلي الذي تناضل الحركة الماركسية على أساس تحقيقه في مرحلة معينة، ليصبح بذلك متجاوزا في مرحلة أخرى، و صالحا لمكان معين و غير صالح لمكان آخر. لأن البرنامج المرحلي يرتبط بالشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي يعيشها الناس في مكان معين، و في مرحلة معينة. و هذه الشروط هي التي تقرر نسبية و تاريخية الهدف المرحلي الماركسي. و لكن عندما يتعلق الأمر بالماركسية كهدف استراتيجي كحلم كوني تحمله البشرية المعذبة و تسعى إلى تحقيقه في المستقبل المنظور. و بالتالي فالماركسية في هذه الحالة تفقد أن تكون نسبية و أن تكون تاريخية، لأن كل إنسان عندما يتجرد من المصلحة الفردية الانتهازية، و المصلحة الطبقية. فإنه لابد أن يحلم بكونية الحرية و الديمقراطية و الاشتراكية كمكونات متلازمة لتحقيق ذلك الحلم البشري.
و انطلاقا من صلاحية المنهج الماركسي لكل زمان و مكان، و من كون الهدف الاستراتيجي قائما و حاضرا في وجدان المقهورين الحالمين بالغد الأفضل. فإننا نستطيع أن نقول بأن الماركسية صالحة للمستقبل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا في مثل هذه الحالة هو :
ألا تنفي صلاحية الماركسية للمستقبل في كل مكان، و على المستوى الكوني نسبيتها و تاريخيتها ؟
و كما قلنا في الفقرات السابقة، فإن نسبية و تاريخية الماركسية قائمة في المنهج الماركسي و في الأهداف المرحلية التي قد تؤدي إلى إنجاز تجارب ماركسية معينة، كما قلنا كذلك. فالاطلاقية قائمة في المنهج و في الهدف. و لذلك فصلاحية الماركسية للمستقبل لا تعني إلا صلاحية إعمال المنهج الماركسي في تطوره المستمر في التحليل الملموس للواقع المستقبلي الملموس سعيا إلى إنجاز البرامج المرحلية الماركسية التي وضعت لتتناسب مع الواقع المستقبلي في أفق تحقيق الهدف المرحلي الذي يتحول بدوره إلى وسيلة لتحقيق المرحلة الأعلى التي هي مرحلة زوال الدولة أو المرحلة الشيوعية. فالتاريخية و النسبية قائمة، و الاطلاقية ستبقى قائمة في جوهر النسبية و التاريخية.
و هذا التصور الماركسي، و نظرا لإصرار منظري الرأسمالية على اعتبار المرحلة الرأسمالية هي نهاية التاريخ ، يدفعنا نحن أيضا إلى طرح نفس السؤال، و لكن بصيغة أخرى.
ألا يمكن أن نعتبر أن تحقيق المرحلة الشيوعية كأقصى ما تسعى إليه الماركسية هو نهاية التاريخ؟
فالماركسية بمنهجها الجدلي لا تسبق التاريخ بقدر ما تدرس الواقع، و تتوقع ما يؤول إليه بناء على معطيات الواقع نفسه. و لذلك فهي لا تدرس المرحلة الشيوعية إلا بعد تحققها، و هي تدرس الاشتراكية المتحققة في تطورها لتعرف ما هي الخطوات التي يجب اتباعها لتجاوز الحاجة إلى الدولة باعتبار ذلك التجاوز بداية و مدخلا لتحقق المرحلة الشيوعية. و الماركسية في دراستها تلك تستفيد من التطور الذي تعرفه العلوم الدقيقة و التقنيات المتطورة و الفلسفة و الآداب، و من التجارب التقدمية و الديمقراطية و الاشتراكية من اجل تطوير المنهج الماركسي و تطوره ليكون اكثر نجاعة، و اكثر إفادة في التحليل الملموس للواقع الاشتراكي الملموس من اجل تطوير ذلك الواقع في اتجاه خدمة تحقق المرحلة الأعلى و في أفق ذلك فالماركسية مستمرة كمنهج و كهدف.
و في حالة الاعتقاد أن الماركسية تتوقف عند مرحلة معينة ألا يتناقض ذلك مع طبيعة الماركسية نفسها ؟
إننا نرى أن الماركسية باعتبارها منهجا و هدفا لا يمكن أن تتوقف عند حدود معينة، لأن ذلك معناه توقف التاريخ، و توقف التاريخ غير وارد، و المنطق المادي الجدلي-التاريخي يرفض و ينبذ توقف التاريخ. و الوصول إلى المرحلة الشيوعية ليس إلا بداية لتاريخ آخر من التطور ستقف الماركسية على حقيقته بعد تحقق المرحلة الشيوعية التي ستنتفي منها جميع الأمراض الاستغلالية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية بانتفاء الحاجة إلى الدولة.
فما هي العوامل التي تجعل الماركسية تاريخية و صالحة في نفس الوقت لجميع الأزمنة و في جميع الأمكنة ؟
إن الماركسية كغيرها من الظواهر جاءت مرتبطة بظهور المجتمع الرأسمالي، الذي يمكن اعتباره شرطا أساسيا و مركزيا و ضروريا لظهور الماركسية. و هي من هذه الناحية لا يمكن أن تكون إلا تاريخية و تاريخيتها تلك لا تنفي كونها صالحة لكل زمان و مكان و يمكن أن نسوق في هذا الإطار مجموعة من الشروط التي تدعم ما ذهبنا إليه، و منها :
1) كون الماركسية هي نظرية الطبقة العاملة التي تساعدها على امتلاك الوعي الطبقي الذي يجعلها تنتظم في الإطارات الجماهيرية من اجل المطالبة بتحسين أوضاعها المادية و المعنوية، كما تنتظم في حزب الطبقة العاملة من اجل النضال في أفق تحويل ملكية وسائل الإنتاج إلى ملكية جماعية حتى يتم وضع حد للاستغلال الممارس على الطبقة العاملة.
2) ظهور الطبقة العاملة مباشرة بظهور النظام الرأسمالي على أنقاض النظام الإقطاعي، لتنتقل البشرية المقهورة من عبودية العمل في الأرض إلى عبودية العمل في المصانع، و في شروط تتناقض مع إنسانية الإنسان بسبب همجية الاستغلال الذي كان يمارس على الطبقة العاملة مع بداية المجتمع الرأسمالي خدمة للرأسمال، و للبورجوازية التي كانت تفرض على العمال اكثر من ستة عشر ساعة يومية. و لا يوجد شيء اسمه الإنسانية. فإذا مات عامل أو عجز عن العمل فإنه يعوض بعامل جديد، و دون وجود شيء اسمه حقوق العمال، أو حقوق الإنسان رغم أن البورجوازية كانت ترفع شعارات في هذا الاتجاه قبل انتصار الثورة البورجوازية.
3) كون الطبقة العاملة في حاجة إلى نظرية تعبر عن مصالحها الطبقية، و تجعلها تمتلك وعيها الطبقي الذي تتوحد أمامه لتصير قوة للضغط من اجل انتزاع مكاسب اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية، و حماية تلك المصالح، و النضال من اجل القضاء على كل أساليب الاستغلال المادي و المعنوي.
4) تطور العلوم الطبيعية و الفيزيائية و الكيميائية و الرياضية، و تطور الفلسفة المادية بالخصوص و المثالية بصفة عامة مما ساعد على اكتشاف قوانين الدياليكتيك المادي كتطوير للدياليكتيك الهيكلي الذي تم توظيفه في قراءة التاريخ البشري لاكتشاف قوانين المادية التاريخية وصولا إلى امتلاك نظرية الصراع الطبقي التي ساعدت على اكتشاف أن التاريخ البشري هو تاريخ الصراع الطبقي ليس إلا، و ما سواه ما هو إلا تاريخ مزيف.
5) كون الطبقة العاملة في النظام الرأسمالي هي طليعة المجتمع، لأنها هي التي تنتج الخيرات التي يحتاج إليها جميع الناس، لعلاقتهم المباشرة مع وسائل الإنتاج و لأنهم في إمكانهم توقيف الإنتاج و خنق البورجوازية في حالة امتلاكهم للوعي الطبقي و في مرحلة معينة اقتضت ذلك الخنق.
6) كون النظام الرأسمالي في بدايته كان ليبراليا مما وفر إمكانية قيام تنظيمات نقابية في صفوف الطبقة العاملة، بالإضافة إلى إمكانية قيام حزب الطبقة الذي يحق له أن يسمى بالحزب الثوري الذي يعتمد نظرية الطبقة العاملة إيديولوجية له، و أن هذه الإيديولوجية هي التي تعتمد أوعى عناصر الطبقة العاملة المنظمة في الحزب في التحليل الملموس للواقع الملموس.
7) ظهور مثقفين ثوريين من خارج الطبقة العاملة من أمثال ماركس و انجلز، الذين تصدوا لبناء نظرية الطبقة العاملة، و لدراسة الواقع دراسة علمية دقيقة لمعرفة ما يجب عمله من اجل وضع حد للاستغلال الذي تتعرض له الطبقة العاملة.
و هذه الشروط و غيرها هي التي تحكمت بشكل كبير في ظهور الماركسية، و في تاريخيتها و في صلاحيتها في نفس الوقت لكل زمان و لكل مكان مستفيدة في ذلك من تطور العلوم الدقيقة و العلوم الرياضية و التقنية التي تجعل القوانين الماركسية تتطور بدورها باستمرار.
و صلاحية الماركسية لكل زمان و مكان تدفعنا إلى طرح السؤال : ألا يمكن اعتبار تلك الصلاحية داعيا لاطلاقية الماركسية.
و كما أشرنا إلى ذلك سابقا، فالقوانين الماركسية المادية الجدلية و المادية التاريخية تجمع في بنياتها النسبية و التاريخية و الاطلاقية في نفس الوقت. و ما ذهبنا إليه يجعلنا نتجاوز هذه الوضعية المتعلقة بالاطلاقية. و الماركسية عندما لا تكون كذلك تفقد قدرتها على التجدد و التطور و استيعاب الواقع في جوانبه المختلفة و العمل على تغييره، و بنفس المنهج انطلاقا من الشروط التاريخية و الموضوعية التي يعرفها الواقع موضع التغيير.
و بعد وقوفنا على نسبية الدين و تاريخيته و نسبة الماركسية و تاريخيتها نجد أن كلا من الدين و الماركسية ارتبط بمرحلة تاريخية معينة و تفاعل مع شروطها التاريخية أثناء التبلور قبل اخذ الصيغة النهائية التي صار عليها الإسلام، و صارت عليها الماركسية. و هذه النسبية و التاريخية هي التي تجعلنا نعتبر أن الدين ارتبط بعجز الإنسان عن معرفة الواقع معرفة علمية فبحث عن الأسباب خارج حركة الواقع ليجد تفسيرا لما يجري. ذلك التفسير الذي تتحكم فيه طبيعة الدين من جهة و مستوى الإنسان الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي من جهة أخرى، و طبيعة العصر الذي ظهر فيه ذلك الدين، و هل تسمح بقدرة الدين على التطور أم لا ؟ فالبحث عن معرفة الواقع خارج الواقع من الغيبي و اللامرئي يعتبر دليلا على تخلف الإنسان المعرفي و على نسبية الدين و تاريخيته. الأمر الذي يقتضي وجود أديان مختلفة في نفس المرحلة التاريخية، و قد تكون تلك الأديان متعايشة، أو متصارعة في نفس الزمان و في نفس المكان. كما أن تلك الأديان قد تكون متعاقبة كل دين منها وجد في عصر معين، و تناسب مع من عاش في ذلك العصر. و تحول مع مرور الأيام إلى دين غير صالح للاستمرار لعجزه عن الإجابة على تساؤلات الإنسان المصيرية بسبب ادلجته من قبل طبقة اجتماعية معينة لخدمة مصالحها الطبقية، و لحماية تلك المصالح في نفس الوقت، إلى أن جاء الدين الإسلامي الذي يعتبر اكثر قدرة و اكثر استجابة لرغبة الإنسان، و اكثر قابلية للجمع بين النسبية و الاطلاقية، و اكثر تناسبا مع مرحلة بدأ الإنسان فيها يعرف كيف يفسر الواقع اعتمادا على التراكم المعرفي الذي اصبح متوفرا عند البشرية بسبب ظهور فلسفات معينة، و تداول آداب معينة و ارتفاع مستوى الإنسان إلى درجة التفاعل مع الواقع و بين الشعوب اعتمادا على ما يقتضيه المنطق العقلي الذي يكون سائدا في مرحلة تاريخية معينة "جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا" " و في أنفسكم أفلا تبصرون" "أفلا يتدبرون القرءان" ، و معلوم أن التعارف و البصر الذي يعني النظر العقلي، و التدبر هي ممارسات ذهنية يقوم بها الإنسان لاكتساب معرفة جديدة، و لتطوير ما عنده من معارف حول الواقع، و حول الدين في نفس الوقت و في العلاقة بين الدين و الواقع، حتى يستطيع الإنسان معرفة الأسباب و النتائج من جهة. و جعل الدين مساعدا على معرفة تلك الأسباب و النتائج في حالة عجز الإنسان عن معرفتها بنفسه. و هذه الخاصية التي تميز الدين الإسلامي هي التي تجعله لا يتناقض مع العلم، و مع العمل العقلي و هي التي جعلته صالحا لكل زمان و مكان. و نفس المنحى نقوله عن الماركسية التي تحمل في بنياتها النسبية و التاريخية في نفس الوقت. إلا إنها تختلف عن الدين في كونها لم تظهر إلا بعد حدوث تطور هائل في حياة البشرية، و تجاوزها للتشكيلات الاقتصادية و الاجتماعية المختلفة، و انتقالها إلى التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية الرأسمالية التي جاءت مرتبطة بالتطور المعرفي و العلمي الذي ساعد على انتقال البشرية إلى الإنتاج الرأسمالي. و لذلك فارتباط ظهور الماركسية بالنظام الرأسمالي يقرر نسبيتها و تاريخيتها، و اعتبارها صالحة لكل زمان و مكان لا ينفي نسبيتها و تاريخيتها. و طبيعة منهجها و هدفها تقتضي السعي المستمر إلى التطور في جميع المجالات، و تطوير المنهج الماركسي في نفس الوقت. مما يجعل نسبية الماركسية تتجدد باستمرار نظرا لتجدد المنهج، و تجدد الأهداف المرحلية و تجدد الهدف الرئيس في نفس الوقت.
و التقاء الدين و الماركسية في النسبية و التاريخية يفرض إزالة العداء المفترض بينهما لأن الدين ساعة ظهوره لم يكن هناك شيء اسمه الماركسية، كما أن ظهور الماركسية صادف صيرورة الدين، أي دين جزءا من الواقع المادي لا يمكن إلغاؤه بأي حال من الأحوال. و هذه النسبية و التاريخية هي التي تحدد إلى أي حد قام كل دين بدوره في مرحلة تاريخية معينة، و قامت الماركسية و لازالت تقوم بدورها في هذه المرحلة التاريخية، و كون الدين لازال مؤثرا في الواقع فإن ذلك لا يتعارض مع الدور الذي لعبته الماركسية كما لا يتعارض مع ما يمكن أن تقوم به مستقبلا، إذا تعاملت الماركسية مع الدين كقوة مادية قائمة في الواقع.
و العداء المفترض القائم بين الدين و الماركسية هو من افتعال مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يعطون لتأويلاتهم طابع النص الديني، و يصبغون عليه القداسة. لأن مؤدلجي الدين الإسلامي يعتبرون الماركسية تشكل خطورة على مصالحهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية القائمة في ادلجتهم للدين الإسلامي. و الماركسية بدورها عندما تصطدم بالتوظيف الإيديولوجي للدين، فإنها تجد نفسها مضطرة لتفكيك تلك الادلجة، و ليس الدين الذي تعتنقه الجماهير، لأنه ليس من مصلحتها الاصطدام بالجماهير الشعبية الكادحة في نفس الوقت. والماركسية في تفكيكها لأدلجة الدين عليها أن تميز بين الدين كمعتقد يستقر في وجدان الجماهير ليشكل بذلك قوة مادية، و بين ادلجة الدين الإسلامي، التي تمارسها توجهات سياسية معينة تدخل في صراع مع الماركسية لتناقض منهجها و أهدافها مع منهج الادلجة، و مع أهداف تلك التوجهات السياسية.
و كيفما كان الأمر فإن نسبية الدين و تاريخيته، و نسبية الماركسية و تاريخيتها مع الاختلاف النوعي القائم بينهما سيكون من الوسائل التي تساعد على إزالة العداء المفترض بين الدين و الماركسية.
و من جانب آخر، فإطلاقية الدين التي تقتضي انه صالح لكل زمان و مكان، و كما يؤكد على ذلك كل مؤدلجي الدين مهما كان مستوى ادلجتهم للدين، و إطلاقية الماركسية المستفادة من طبيعة المنهج الماركسي قد تقود إلى التصادم بين المنهجيتين المنهج الديني المطلق الذي ينفي كل ما يتعارض مع تلك الاطلاقية، و المنهج الماركسي المطلق الذي ينفي بدوره المنهج الديني المطلق. و كلتا المنهجيتين إذا جردناهما من نسبيتهما و تاريخيتها فإنهما تقودان البشرية إلى الدخول في متاهات من الصراع الدموي الذي لا حدود له. و لذلك كانت العلاقة بين إطلاقية الدين و إطلاقية الماركسية علاقة سلبية. لأن الصراع ما بين الدين و الماركسية هو صراع غير طبيعي. لأن الصراع الطبيعي لا يكون إلا بين طبقة تمارس الاستغلال، و طبقة يمارس عليها الاستغلال. و لأن الطبقة الممارسة للاستغلال لا تملك إيديولوجية في مستوى قوة الإيديولوجية الماركسية، فإنها تؤدلج الدين لتضليل الكادحين و مواجهة الماركسيين، و في مثل هذه الحالة فإن الصراع الطبقي يتخذ طابع الصراع الديني الماركسي و ذلك هو التضليل القائم في الواقع لتبقى العلاقة بين الدين و الماركسية في مثل هذه الحالة سلبية.
فما هو موقف مؤدلجي الدين الإسلامي من نسبية الدين و تاريخيته ؟ و ما موقفهم من اطلاقيته ؟
إن مؤدلجي الدين الإسلامي الذين ينكبون على تأويل الدين الإسلامي باستمرار بما يتناسب مع انتماءاتهم الطبقية المختلفة لخدمة المصالح الطبقية المتغيرة باستمرار مما يكرس نسبية الدين و تاريخيته من خلال نسبية و تاريخية تأويل النص الديني يصرون على إطلاقية الدين بصفة عامة، و إطلاقية الدين الإسلامي بصفة خاصة ، حتى يضمنوا لأنفسهم إطلاقية تأويلهم للدين الإسلامي باعتبار تلك الاطلاقية طريقة للتقديس. لأن الدين في عمقه هو تقرير المقدس في الاعتقاد و في الممارسة اليومية. و إذا كان المقدس يتغير من دين لآخر، فإنه يصير في فكر و في ممارسة مؤدلجي الدين الإسلامي مطلقا لضمان قداسة ممارستهم لأدلجة الدين الإسلامي و من خلالها قداسة مؤدلجي الدين الإسلامي أنفسهم. فالاطلاقية هي الواردة عندهم لأنها هي مصدر قداستهم. و النسبية و التاريخية غير واردة عندهم، بل إن من يقول بها يصير كافرا و ملحدا في نظرهم، لأنه بتقرير النسبية و التاريخية الدينية يفقد مؤدلجوا الدين الإسلامي قداستهم التي لا تعني إلا تهديد مصالحهم الطبقية التي تقف وراء الادلجة و وراء القداسة، و موقف مؤدلجي الدين الإسلامي ذلك لا يهدف إلى الحفاظ على قداسة الدين الإسلامي بقدر ما يهدف إلى تضليل الجماهير الشعبية الكادحة و طليعتها الطبقة العاملة حتى يتكرس استغلالها الهمجي من قبل الطبقات الحاكمة و سائر الطبقات القائمة على أساس ادلجة الدين الإسلامي، و من الأحزاب القائمة على أساس ادلجة الدين ، و من الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي بما فيها اليمين المتطرف.
و الموقف العلمي و الصحيح هو ما وقفنا عليه في الفقرات السابقة و الذي ذهبنا فيه إلى الدين الذي يجمع في بنيته النسبية و التاريخية و الاطلاقية، و أن الماركسية كذلك تجمع في بنيتها النسبية و الاطلاقية. و القول بذلك هو الذي يعطي للدين بصفة عامة و للدين الإسلامي بصفة خاصة طابع الاستمرارية و التأثير في الواقع من خلال تحوله إلى قوة مادية في الواقع الاجتماعي. كما يعطي للماركسية طابع الاستمرارية و العمل على تغيير الواقع انطلاقا من الشروط الموضوعية التي تميز كل واقع على حدة.
و بذلك نكون قد قاربنا الإجابة على الأسئلة المتعلقة بنسبية الدين و اطلاقيته، و بنسبية و تعددية الأديان عبر عبادة الشمس و القمر، و الرعد و الأشجار و النجوم و الحيوانات و الأشخاص، و الأماكن و الأوثان. و بنسبية الديانة السماوية و اطلاقيتها، سواء تعلق الأمر باليهودية أو بالمسيحية أو بالإسلام. و بنسبية المذاهب الدينية و الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي، و عن دور الشروط الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في تعدد الديانات، و تعدد المذاهب الدينية، و في تعدد مؤدلجي الدين الإسلامي، و في انفراز الأحزاب الدينية، و عن تاريخية الماركسية و اطلاقيتها، و عن إمكانية اعتبار أهدافها هو نهاية التاريخ، و عن الشروط التي حكمت ظهورها، و كيف تكون صالحة للمستقبل، و كيف أن ذلك لا ينفي تاريخيتها، و ما هي العوامل التي تجعلها كذلك حتى تتأكد نسبيتها و اطلاقيتها. و عن العلاقة بين نسبية الدين و نسبية الماركسية التي تصير سلبية و عن موقف مؤدلجي الدين الإسلامي من نسبية الدين و تاريخيته، و عن الموقف العلمي من تاريخية الدين و اطلاقيته و تاريخية الماركسية و اطلاقيتها سعيا إلى إزالة التناقض المفتعل الذي صار قائما بين الدين و الماركسية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!!
- الكونفدرالية الديموقراطية للشغل بين المحافظة على التقدمية وا ...
- أثر اهتمامات الشباب على الأفراد والجماعات
- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ...
- الاحزاب السياسية و المنظمات الجماهيرية أي واقع ؟ .. واية آفا ...
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكرأوالمقولة التي تأدلجت لتصير ...
- الإسلام / الماركسية علاقة الالتقاء و الاختلاف
- القول المصحوب بالفعل عمق الإيمان الإسلامي إلى حكيمة الشاوي ا ...
- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ...
- عمال بلدية ابن جرير بين دعم نضالهم النقابي أو إعلان العمالة ...
- نقطة نظام : آفاق مبدئية النقابة بين قيادة الطبقة العاملة و ق ...
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ...
- قضية المرأة / قضية الإنسان
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الدي ...
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي
- النظام العربي ومعاناة الشعب الفلسطيني والعراقي
- القيادة الفردية للنقابة و مخاطر التبقرط
- اليسار – الديمقراطية – العلمانية أو التلازم المستحيل في العا ...
- في أفق تجاوز التعدد النقابي :


المزيد.....




- رئيس فنزويلا يصف الحكومة الكندية بالحمقاء ويدعو الكنديين إلى ...
- الجيش السوري يطوق -داعش- بمدينة دير الزور
- ماذا كان اقوى تهديد وجهته بغداد إلى أربيل؟
- مقتل 71 شخص بهجومين متزامنين بأفغانستان
- زاخاروفا: قناة RT لا تفبرك الأخبار
- -بروغريس- تغرق في المحيط!
- الأزمة الكاتالونية تتصاعد: مظاهرات غضب في برشلونة والحكومة ت ...
- قاض أمريكي يتحدى ترامب ويعرقل قانون حظر السفر بصيغته الجديدة ...
- الدنمارك: تطبيق هاتفي جديد لتفادي تبذير الطعام
- قاض أميركي يعلق العمل بآخر مرسوم لترامب حول الهجرة


المزيد.....

- الدين/الماركسية نحو منظور جديد للعلاقة من اجل مجتمع بلا إرها ... / محمد الحنفي
- اليسار بين الأنقاض والإنقاذ - قراءة نقدية من أجل تجديد اليسا ... / محمد علي مقلد
- الدين/الماركسية من اجل منظور جديد للعلاقة نحو أفق بلا إرهاب / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف - الماركسية وافق البديل الاشتراكي - محمد الحنفي - الدين/الماركسية من اجل منظور جديد للعلاقة نحو أفق بلا إرهاب