أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الشاعر ولي الدين بك يكن















المزيد.....

الشاعر ولي الدين بك يكن


السمّاح عبد الله

الحوار المتمدن-العدد: 4080 - 2013 / 5 / 2 - 19:37
المحور: الادب والفن
    


الشاعر ولي الدين بك يكن

السمّاح عبد الله

**************************************************************

غر الأعادي انكساري
والانكسار يغر
وسرهم طول نفيي
ومثل نفيي يسر
وأنني سوف أقضي
هنا وما لي ذكر
لكن بعدي رجالا
والفجر يتلوه فجر.
هو أحد المغبونين في تاريخ الشعرية العربية المعاصرة على ما يمثله فيها من سموق وثورية وتفرد.
محمد ولي الدين بك يكن، ابن حسن باشا سري يكن، وحفيد إبراهيم باشا يكن ابن أخت محمد علي الكبير والي مصر والذي كان يعرف في المراجع الأجنبية بـ إبراهيم باشا الصغير تمييزا له عن إبراهيم باشا ابن محمد علي، وابن عم عدلي باشا يكن رئيس وزراء مصر الأسبق، أما أم ولي الدين فهي ابنة أحد الأمراء الجراكسة.
ولد عام 1873 في السيليمائية بالأستانة بتركيا عاصمة الخلافة الإسلامية آنئذ، وفي سنوات طفولته الأولى ارتحل مع أسرته إلى مصر وفي السادسة من عمره توفي والده فكفله عمه علي باشا حيدر وزير المالية المصرية آنئذ، الذي ألحقه بمدارس ثلاث كانت الأولى مدرسة "الأنجال" التي كانت تضم أنجال الأسرة المالكة والتي أنشأها الخديو توفيق أمام قصر عابدين خصيصا لهذا الغرض، وهناك تلقى ولي الدين يكن مباديء العلوم الأولية بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية، وكان يجلس بجواره الخديو عباس، أما المدرسة الثانية فكانت "مارسيل" لصاحبها العالم الفرنسي مسيو مارسيل، أما المدرسة الثالثة فهي مدرسة "النورمال التوفيقية" التي منحته الشهادة الثانوية، ومنحته معها إتقانه للفرنسية والإنجليزية إلى جانب العربية والتركية، ومنحته الأجواء التي ربت وجدانه الشاعري فعرف القلم طريقه إلى أصابعه وابتدأ حياته الصحفية والأدبية بمقالات في جريدة "القاهرة" لصاحبها محمد عارف بك المارديني، مما يثير حفيظة العائلة المالكة التي اشتمت في كتاباته روائح الانتقاد الحاد الذي كثيرا ما كان يوجهه للمسئولين، فاتفقت على ابعاده عن مجال الكتابة واختارت لإقناعه بهذا الرأي أحد المقربين منه وهو العالم الرياضي الشهير شفيق يكن، ابن منصور باشا يكن صاحب القصرين العظيمين الذين كانا في باب اللوق والذين تحولا إلى مبنى محافظة القاهرة القديمة، ومحكمة الاستئناف، واستطاع شفيق يكن الذي كان يشغل وقتها وظيفة "رئيس محكمة الاستئناف" إقناع ابن عمه ولي الدين يكن بالانخراط في العمل الوظيفي موظفا في نيابة مصر الأهلية، هذه الوظيفة التي يتمرد عليها الشاعر الشاب فيتركها إلى وظيفة أكثر أهمية في القسم الأجنبي بقصر الخديو، لكن وساطة ابن العم والانخراط في السلك الوظيفي لم يفلحا في إقناع الشاعر بالابتعاد عن الكتابة، وإذا كان قد استمر في عمله النيابي شهورا قليلة، فإن عمله في القصر الخديوي لم يزد عنها كثيرا، إذ سرعان ما غادر القصر إلى غير رجعة عائدا إلى الصحافة بكل ما يستطيعه من قوة، لكن عودته هذه المرة كانت إلى جريدة "النيل" لصاحبها "حسن باشا حسني الطويراني"، كان السلطان عبد الحميد في ذلك الوقت يمثل بالنسبة لشاعرنا الشاب الأمل الكبير في عودة تركيا لمجدها وقوتها السابقتين ومعها عودة العالم الإسلامي كله لمشهد الصدارة، ساعد على ذلك هذا القناع الذي ارتداه السلطان عبد الحميد عندما كان ينادي بالدستور وبالحكومة العصرية ويرفع شعارات الشورى والديمقراطية، وكم كان بارعا في خداع أهل الفكر والأدب والمنادين بالإصلاح ويمنحهم العطايا والنياشين والألقاب، فانخدع فيه شاعرنا الشاب وراح يدافع عنه مؤمنا بأنه إنما يدافع عن الحق والحرية والعدالة ممثلة في شخصه، وكان أن منحه سلطان البرين وخاقان البحرين الباب العالي السلطان عبد الحميد لقب البكوية وهو في الحادية والعشرين من عمره، ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى يدرك الشاعر الشاب حقيقة خاقان البحرين حين يخلع القناع عن وجهه وتبدو للعيان قسمات وجهه الحقيقة، فأثقل الأشياء على قلب الحالم أن يكتشف زيف حلمه، فيتحول مائة وثمانين درجة ليصبح قلمه من أكثر أقلام المعارضة والانتقاد للسلطان الظالم المستبد، بل إنه يشتط في هجومه عليه من خلال جريدة "المقياس" التي أنشأها خصيصا لهذا الغرض، ولما لم يجد النثر كافيا ابتدأ شعره يعرف طريقه للصحف :
يا وطناً قد جرى الفساد به
متى يرينا إصلاحك الزمن
دفنت حياً وما دنا أجل
ما ضرّ لو دافنوك قد دُفنوا
وإنما تصلح البلاد إذا
رجالها للصلاح قد فطنوا
نشتاق حرية فيؤيسنا
من دهرنا عن حبائها ضنن
ثم يعلو صوته الشعري أكثر فأكثر حتى يقول :
خلافة قد مضى عنها خلائفها
من آل عثمان من سادوا ومن شادوا
أبقوا بها المجد للأخلاف بعدهم
والمجد يبقيه للأخلاف أمجـــاد
حتى انتهت لأمير في تسـلطه
يخشى مظالمـه عاد وشــــداد
يا ويلنا إنما نبكــي لنا وطنا
يبكيه في الترب آباء وأجــــداد
وحينما يتأكد السلطان من موقفه العدائي يكشر عن أنيابه، وتتداعى الأحداث التي تنتهي بإيداعه أحد سجون تركيا حتى يصدر فرمان الباب العالي بنفيه إلى سيواس عام 1902، ليقضي فيها سبع سنوات عجاف، كان يمكن أن تطول لتستمر بقية حياته كاها، لولا نجاح الانقلاب الذي قامت به حركة ضباط جمعية الاتحاد والترقي التي تنادي بعودة الدستور العثماني الذي أوقف السلطان عبد الحميد العمل به، تنجح الحركة ويعود الدستور ويفرج عن الشاعر المنفي فيعود إلى القاهرة وما أن تلمس قدماه أرض الوطن حتى يرسل تلغرافا للسلطان عبد الحميد يضمنه هذين البيتين :
تجود بالعفو لكن لست تضمره
كما يجود مريض الموت بالمال
ماذا يؤمل من آتيك ذو أمل
وأنت ماضيك لا يلتام بالحال .
لكن سنوات المنفى كما منحته قصائد متميزة في الحنين إلى الوطن أو في شكوى الصحاب، أورثته أيضا مرضا عضالا ظل يعاني منه طيلة حياته حتى قضى عليه تماما، وهو مرض "الربو"، وحين يعود إلى مصر يعين في وزارة الحقانية المصرية، وحسن يتولى الأريكة السلطانية السلطان حسيم كامل، الذي كان معجبا به وبشعره والذي كان صديق طفولته، يلحقه لاعمل في ديوان كبير الأمناء ويمنحه وسام النيل، ثم ينخرط انخراطا كبيرا في المجتمع الثقافي حتى ليصبح أحد أبرز ملامح الخريطة الثقافية في بدايات القرن العشرين، تشهد على ذلك المعارك الثقافية والفكرية التي خاضها مدافعا عن الحرية السياسية وعن التطور الأدبي وعن حقوق المرأة وعن جوهر الدين الإسلامي في مواجهة التطرف الديني المتشدد، ولما يشتد عليه المرض يضطر لتقديم استقالته من عمله في ديوان كبير الأمناء ويلزم بيته لا يغادره إلا كل ثلاثاء لحضور صالون "مي"، التي كانت تكن له عاطفة خاصة بين كل رواد صالونها، حتى أن كامل الشناوي في كتابه "الذين أحبوا مي" يؤكد أن ولي الدين يكن كان يحب مي وكانت تحبه وكان يبثها غرامه شعرا ونثرا، وكانت تبثه غرامها كلاما شفويا صريحا، ويقرر أنها بعد وصولها نبأ وفاته بكته كثيرا ولبست عليه السواد عامين كاملين، ولقد حفل ديوانه بمقطعات كثيرة مكتوبة في "مي زيادة" منها :
تمسين ناسية وأمسي ذاكرا
عجبا أشاعرة تهاجر شاعرا
فهل الملائك كالحسان هواجرا
إن الملائك لا يكن هواجرا
إن كنت لا أسعى لدارك زائرا
فلكم سعى فكري لدارك زائرا.
أما وقع المرض فقد كان شديدا عليه، ونستطيع أن نعاين ما كان يعانيه ونحن نقرأ هذا المقطع من رسالته إلى صديقه "أنطون الجميل" :
"أنا في يأس شديد من زوال هذا المرض الذي عجز الطب عن دفعه وهو المسمى "الربو" إذا دجا الليلتكاثرت مخاوفي فلا يغمض جفناي فرقا، لأني لا أغفي إغفاءة إلا وأنتبه صارخا مذعورا، إذ تنقطع أنفاسي ويشتد اضطراب قلبي وتبرد يداي ورجلاي فأختلج مكاني وأتلوى تلوي الأفعى إذا ألقيت في النار، أريد تنفسا أستعيد به ما يوشك أن يذهب عني من الحياة فلا أجده، حتى إذا بللني العرق وأنهكني التعب عاودتني أنفاسي شيئا فشيئا وذهبت النوبة على أن تعود بعد ساعة أو ساعتين، ومصير مثل هذا المرض معلوم وهو مذكور في كتب الطب لم يختلف فيه طبيبان ".
وفي السادس من مارس عام 1921 يرحل ولي الدين يكن وهو في الثامنة والأربعين من عمره في قصره بحلوان.
وكان آخر بيتين له قبيل رحيله وجدا علي سريره :
يا جسدا قد ذاب حتى امحى
إلا قليلا عالقا بالشفاء
أعانك الله بصبر على
ما ستعاني من قليل البقاء.
يرحل، مخلفا عددا من الأعمال الأدبية والفكرية منها، "المعلوم والمجهول" الجزء الأول عام 1909 والجزء الثاني 1911 وهو سيرته الذاتية، و"الصحائف السود" عام 1910 و"التجاريب" عام 1913، بالإضافة إلى ديوانه، كما ترك ولدين أحدهما هو الشاعر فولاذ يكن الذي كان يكتب شعره بالفرنسية، وبنتا صغيرة هي أمينة هانم يكن التي سيتاح لها أن تقترن بالكاتب والسياسي الوفدي الشهير ورئيس تحرير جريدة "كوكب الشرق" عبد الله فواز" أحد أعيان صعيد مصر، وسينجبان الكاتب الصحفي أحمد عبد الله فواز وصفية عبد الله فواز، التي ستتزوج من أحد أبناء عمومتها الشاعر "عبد الله الأنور فواز" والذين بدورهما سيقدمان للحياة الثقافية أربعة شعراء هم "فولاذ عبد الله الأنور" و "مشهور فواز" و "أوفى الأنور" وكاتب هذه السطور.
وقد رثاه عدد من كبار شعراء عصره بقصائد كثيرة، منها قصيدة قالها في رثائه صديقه الشاعر خليل مطران نقتطع منها :
أجِدّك هل تَسْخُو الليالي بشاعرِ
مُجيدٍ كذاك الشاعر المتفرّد؟
وهل تسمح الأيام بعدُ بناثرٍ
له مثل ذاك الخاطر المتوقِّد؟
ببالغ غايات إليها انتهى النهى
وصائغ آيات لها سجد النّدي
لمعجزه نظماً ونثراً شواردٌ
من الفكر لم تفلل ولم تتقيّد
يراد بها وعر المعاني وصعبُها
بسهلٍ من اللفظ الأنيق المجوّد
أما ديوانه فقد قام على جمعه شقيقه "يوسف حمدي يكن" عقب وفاته بثلاثة أعوام وصدرت طبعته الأولى عام 1924، بمطبعة المقتطف والمقطم بمصر، وقد قام الكاتب أنطون بك الجميل أحد أبرز أصدقاء ولي الدين يكن بكتابة مقدمة ضافية ترجم فيه للشاعر وعرض لأبرز خصائصه الشعرية .
----------------------------------
السمّاح عبد الله
رئيس تحرير ديوان الشعر العربي
----------------------------------
مجلة " الخفجي " السعودية، العددان الحادي عشر والثاني عشر نوفمبر - ديسمبر 2012





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,284,545,826
- بعد أن تغيب الشمس
- مدحت صفوت يكتب عن أغنية إلى النهار للشاعر السماح عبد الله
- محمد الفارس يكتب عن أحوال الحاكي للسماح عبد الله
- أغنية الشجرة قصة شعرية للأطفال
- لكأنك لا تبصر غيري
- هوامش على فكرة الزمن عند السماح عبد الله
- السمّاح عبد الله يواجه الزمن في ديوانه - أحوال الحاكي -
- وأنا بلا شيء
- السردية الغنائية في ديوان أحوال الحاكي
- البعد الزمني في ديوان - أحوال الحاكي -
- محمد الفارس يكتب عن مدخل لقراءة العالم الشعري للسمّاح عبد ال ...
- دقة بدقة ولو زدنا لزاد السقا
- حسان علي . . الذي رَأَى فَتَرَقَى
- وجه حسن طلب
- مرثية للعمر الجميل
- الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان
- ديمومة العاشق
- آمال الديب تكتب عن ديوان أحوال الحاكي للشاعر السمّاح عبد الل ...
- سيد حجاب العرّاف الذي رأى الطوفان
- رأيت أمل دنقل


المزيد.....




- الصحفي في السينما العالمية.. يكشف الفساد ويطيح بالرئيس
- تونس عاصمة للثقافة الإسلامية.. تصوف وسياحة وترميم
- بحلته الجديدة.. متحف قطر الوطني القلب النابض للمجتمع
- بوريطة..القرار رقم 693 يضع قضية الصحراء المغربية في إطارها ا ...
- قالها الكاريكاتير..
- الثقافة تستقبل سيتا هاكوبيان ونوفا عماد
- هموم الواقع العربي في أيام بيروت السينمائية
- الجملة التي أغضبت أم كلثوم من عبد الحليم حافظ و-كادت أن تنهي ...
- جينيفر لوبيز -تهين- الرجال! (فيديو)
- مصر.. معاقبة مطرب مشهور بسبب التهرب الضريبي


المزيد.....

- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الشاعر ولي الدين بك يكن