أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - استراتيجية الجماعات واستراتيجية السلطة















المزيد.....


استراتيجية الجماعات واستراتيجية السلطة


سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said )


الحوار المتمدن-العدد: 4047 - 2013 / 3 / 30 - 20:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




بالرجوع الى ما تتناولته الساحة الوطنية حول موضوع تدبير الشأن العام بالدولة ، اقدمت بعض الفعاليات السياسية مؤخرا على خرجات اثارت الكثير من الاسئلة حول الجديد الذي طرح في الساحة بخصوص امكانية التحالف او التنسيق بين مشاريع ايديولوجية متعارضة ومتباينة يفرقها كل شيء ولا يجمعها اي شيء . وان السؤال الذي يطرحه كل متتبع لهذه التطورات التي ظلت شخصية ولم تنتقل الى تنظيمية من خلال مؤسسات التنظيمات المعنية ، هل الامر يتعلق بالدعوة الى كثلة تاريخية ( انطونيو غرامشي ) ام ان المسألة فقط دعوة للتنسيق بين تنظيمات غرضها النهائي القضاء على دولة المخزن ، ومن ثم اقامة نظام بديل يعبر عن جميع متطلبات هذه الفئات ، والتي قلت سابقا يفرقها كل شيء ولا يجمعها اي شيء . خاصة وان الاشخاص الذين رموا بالحجر في البركة ينتمون او مرتبطين بتنظيمات تختلف جذريا فيما بينها . ام ان المحاولة البئيسة ترمي الى خلق جبهة شعبية واسعة لمواجهة ظرف طارئ يهدد البلد ويهدد المستقبل ، وهذا الظرف الطارئ في هذه الحالة لن يكون غير النظام الملكي .
وهنا سألمح الى ما صدر عن الاستاذ عبد الله الحريف القيادي في حزب النهج الديمقراطي في الندوة السياسية التي عرفتها مدينة الدرالبيضاء ، وما صرح به الاستاذ محمد العبادي الامين العام لجماعة العدل والإحسان الراديكالية ، اضافة الى المقال الذي نشره البنكي عبد الحق الريكي في موقع الحوار المتقدم وفي بعض المواقع المغربية ، والى ما صرح به الاستاذ الساسي مع جريدة ( المساء ) هذا دون ان ننسى ما صرح به عمر احرشان من جماعة العدل والإحسان والناشط في صفوف شبيبتها التي تأخذ لقب جند الله .
وبالرجوع الى الحوار الذي اجراه الاستاذ الساسي مع جريدة ( المساء ) المغربية ، فانه يرى ان الظرف موات الآن ، وأكثر من اي وقت مضى بإمكانية خلق توافق تاريخي بين الاسلاميين ( ويقصد بهم جماعة العدل والإحسان ، البديل الحضاري وحزب الامة ، اضافة الى بعض السلفيين الذي ينبذون العنف ويقبلون بالآخر ويحتكمون الى صناديق الاقتراع ) وبين العلمانيين وهم المنتمون الى ( التنظيمات الماركسية و ( التقدمية ) وعلى رأسها حزب النهج الديمقراطي ، الحزب الاشتراكي الموحد ، حزب الطليعة ، المؤتمر الوطني الاتحادي ، الحزب الاشتراكي ، جبهة القوى الديمقراطية ، حزب الخضر ، الحزب العمالي ، والليبراليون المستقلون او الذين يتحركون ضمن اطار جمعيات ما يسمى بجمعيات المجتمع المدني ) .
اما تصريح الاستاذ عبد الله الحريف وفي مداخلته بالندوة السياسية التي عقدت بالبيضاء ، فهو لا يرى مانعا او مشكلة في تحالف اليسار مع جماعة العدل والإحسان لمواجهة النظام المخزني .
اما في مقالة الريكي عبد الحق ، فهو كذلك مع امكانية بناء كثلة تاريخية تضم كل الفعاليات والقوى التي لها ارادة في التغيير الديمقراطي الذي قد يدفع بالمغرب خطوات مهمة الى الامام .
ان وجه الغرابة هنا ، هو ان جميع هذه التصريحات صدرت عن اشخاص ، وليس عن هيئات ، لهم انتماءات ايديولوجية متعارضة مع المشروع المجتمعي الذي تشتغل عليه جماعة العدل والإحسان . والسؤال هنا : هل هذه المحاولات تهدف الى التأسيس الى كثلة تاريخية تضم جميع الحركات والمنظمات والجمعيات التي لها ارادة حقيقية في التغيير الجذري لتعويض النظام بآخر رغم وجود اختلافات بيّنة بينها ، ايديولوجية ومشروعاتية ، ام هي دعوة لخلق جبهة تقدمية شعبية ثورية من مجموعة من التنظيمات التي تتشابه في البرامج وفي الاهداف ، يوكل اليها مسؤولية التغيير الجذري الذي تتطلبه البلاد ، ام ان الامر لا يعدو ان يكون دعوة فقط ، من اجل التنسيق في حدود الهدف الاستراتيجي الذي هو دك دولة المخزن وتعويضها بدولة جديدة لا احد الى الآن يتفق على طبيعتها ، اي هل ستكون جمهورية اسلامية ام جمهورية ماركسية ام دولة علمانية لا يكون فيها للملك اي دور ؟
ان هذه التساؤلات سرعان ما تكشف عن التناقض الاساسي الذي يفرق بين هؤلاء المتدخلين وبين تنظيماتهم ، وبين الطرف الذي يراهنون عليه قصد احداث التغيير الجذري ( العدل والإحسان ) . وهنا كيف يمكن ان نوفق بين مشروع النهج الديمقراطي الذي يطمح الى الجمهورية الشمولية ، وبين مشروع العدل والإحسان الذي يطمح الى الجمهورية الاسلامية ، اللهم فقط الاستعصاء على الفهم والتفكير ؟
ثم كيف يمكن تصور تعايش برنامج الحزب الاشتراكي الموحد الذي يحدد سقف مطالبه بالملكية البرلمانية ، وبين مشروع العدل والإحسان الذي لا يعترف بالملكية ، لا تنفيذية ولا دستورية ولا برلمانية ؟ بل انه لا يعترف بالنظام الملكي الذي يصفه بالجبري العاض ؟
واذا كانت الكتلة التاريخية تتألف من الاحزاب التي تريد التغيير الديمقراطي ، وهنا فان كرامشي لا يستثني من الكتلة الاحزاب الدينية المسيحية طالما انها تؤمن بالديمقراطية وبصناديق الاقتراع ، اي انها تؤمن ان الشعب هو مصدر الحكم وليس الله ، فمن هي الاحزاب التي ستكوّن الكتلة التاريخية قصد انجاز التغيير الجذري لشكل الدولة ؟
انه نفس السؤال نطرحه بخوص الجبهة الشعبية التقدمية والثورية . من هي الاحزاب التي يراهنون عليها لانجاز هذا المشروع الذي سيطيح بدولة المخزن التي هي الدولة العلوية . وهنا لا بد من الاشارة الى ان الجهاز المخزني ليس سبة او تشنيع ، بل هو طريقة في تسيير الشأن العام بالدولة ، و من ثم فان هذا الجهاز يكوّن المدرسة التي تفلسف التصورات الفلسفية للدولة المغربية ، وهو ما يعني استحالة وجود الدولة العلوية بدون وجود نظام المخزن الذي يضبط الاعراف والتقاليد المميزة للنظام السياسي المغربي عن غيره من الملكيات العشائرية في الشرق العربي وعن غيره من الملكيات الاوربية . انها الخصوصية التي تميز كل نظام عن آخر ما دام ان في الاختلاف رحمة ، وما دام ان الاقتداء بنظم سياسية اجنبية لها خصوصياتها ، سيكون مثل العضو الدخيل الذي يرفضه الجسم ، وما دام ان فرض نظم سياسية لها خصوصيات مجتمعية ، على نظم لها خصوصيات مجتمعية مغايرة ، هو دكتاتورية تضرب في الصميم الاستقلالية ، وهذا ما صرح به مؤخرا وزير خارجية روسيا الاتحادية السيد اندروبوف حين قال لا يمكن فرض اشكال النظم الغربية على النظم الشرقية والعربية لان لها خصوصياتها الخاصة بها ، وهذا لن يتحقق لأنه سيكون من ضروب المستحيلات .
بالرجوع الى الخارطة الحزبية المغربية ، نكاد نجزم ان جميع الاحزاب التي ربما يراهن عليها هؤلاء لبناء الكتلة او الجبهة هي احزاب ملكية مندمجة في المشروع الرسمي للدولة وليس ضده ، بل انها جزء اساسي من الاجزاء المكونة للدولة . لذا فان هذه الاحزاب لن تشترك في اي جبهة او كتلة هدفها قلب النظام وإحلال آخر محله ، ويستوي هنا " الاتحاد الاشتراكي ، التقدم والاشتراكية ، المؤتمر الوطني الاتحادي ، الحزب الاشتراكي ، الحزب العمالي ، جبهة القوى الديمقراطية ، حزب الخضر ، اي ما يطلقون عليه باليسار جزافا " ويلتحق بهؤلاء حتى النقابات ابتداء من " ك د ش ، و مرورا بالاتحاد العام للشغالين ، و ا م ش ، والنقابة الديمقراطية للشغل ، اضافة الى النقابة الوطنية للشغل " ، بل ان الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ، هما احزاب ملكية . انهما لا يرفضان النظام الملكي ، لكن لهما فقط تحفظات عن الاختصاصات والسلطات التي يزاولها الملك بمقتضى الدستور، وبمقتضى عقد البيعة الذي يجمع الحاكم ليس كملك ، بل كأمير للمؤمنين ، بما يعطيه هذا التصنيف من سلطات استثنائية في مواجهة الظروف الطارئة ، لذا فان هذه الاحزاب كانت تشترك في جميع الاستحقاقات السياسية التي عرفتها المملكة . واذا نحن دققنا النظر جليا في حزب النهج الديمقراطي ، فهو بدوره يعتبر حزبا ملكيا ، وإلا لو لم يعترف بالمقدسات الوطنية " الله الوطن الملك " ما كان لوزارة الداخلية ان ترخص له بالعمل القانوني ضمن المقتضيات المنصوص عليها في ظهير الحريات العامة ، وإلا لكانت قد رخصت لجماعة العدل واللاحسان التي لا تعترف بالنظام الملكي ، ولا تعترف للملك بالمشروعية الدينية . لذا فان ادعائه بعدم الاكتفاء بسقف معين في المطالب السياسية التي روج لها ضمن حركة 20 فبراير، كان فقط للاستهلاك البوليميكي اكثر منه مشروعا حقيقيا يزاوج مشروع جماعة العدل والإحسان التي رفضت الاكتفاء بسقف معين في شعاراتها التي رددتها مع حركة 20 فبراير كذلك . واذا كانت هذه الاحزاب التي كان يطلق عليها بالتنسيقيات ، قد لعبت دورا ايجابيا في تكسير وإجهاض المطالب الفضفاضة التي روج لها شباب 20 فبراير ، فمن هي الاحزاب التي ستنخرط في الكتلة السياسية قصد قلب الدولة العلوية وإنشاء اخرى محلها ؟ .
ان نفس السؤال والملاحظة تثار كذلك بخصوص الجبهة الشعبية التقدمية والثورية ، وهو ما يفيد ان الداعين لمثل هكذا تحالفات سيجدون انفسهم منعزلين في الساحة ولا احد معهم مدعما لمشروعهم ، وتحضرني هنا بعض الدعوات اليتيمة من بعض اطر اليسار لخلق مرة تيار ماركسي ، ومرة حزب ومرة جبهة دون ان يتحقق اي شيء من ذلك الى الآن .
ان الملفت للنظر ، هو ما هو المشروع المجتمعي الذي يطمح هؤلاء في الوصول اليه مع جماعة العدل والإحسان ؟ وهل وصلت بهؤلاء البلادة والغباوة السياسية للانتحار في النهاية عن طيب خاطر وعن بينة واختيار ؟ ( وضع الرأس في فم الغول ) .
اذا كان مشروع حزب النهج الديمقراطي ، هو الوصول الى نظام ديكتاتورية العمال والفلاحين في المغرب ، رغم ان صفوف النهج فارغة من انتساب العمال والفلاحين الى صفوفه ، ورغم ان العمال والفلاحين بالمفهوم الماركسي الماوي غير موجودين بالمغرب ، لان العامل والفلاح يزور القبور والأضرحة ، ويتمسك بالتقاليد الشعبية التي منها ممارسة السحر والاعتقاد في الشعوذة ، كما انه يذهبون الى المساجد لأداء الفرائض ولو نفاقا ( يؤدي الصلاة ويلعب القمار والرهان ويشرب الخمر ويشهد الزور ويخفي الشهادة ويتعقب مؤخرات السيدات في المقاهي... ) ، ويعتقدون بان وضعهم المزري اراده الله لهم ، وليس ناتجا عن سيطرة الباطرونة على فائض القيمة ، بل ان الله هو الذي اراد للباطرونة النعيم وأراد لهم الشقاء ،،، مما يجعل الديكتاتورية التي يتكلم عنها النهج هي دكتاتورية المثقفين الثوريين البرجوازيين الصغار المتعارضين اصلا مع مصالح العمال والفلاحين الذين ينسبون الى نفسهم الدفاع عنهم وتمثيلهم ... فكيف ستتعايش هذه الجمهورية مع جمهورية العدل والإحسان الثيوقراطية ، حيث ستغيب بالكامل الديمقراطية لتحل محلها الشورى المضادة لها ، كما ستغيب القوانين المدنية لتحل محلها قوانين السيف وقطع الاعناق والأيدي والأرجل ؟ . واذا كانت الديمقراطية الحقيقة تعني الاحتكام الى الشعب مصدر السلطات من خلال اللجوء الى الاستشارات وصناديق الاقتراع ، فان نظام الشورى يبقى محصورا على اهل الحل والعقد او على الفقيه ، وهذا ليس له من تفسير غير الخروج من نظام الملكية التنفيذية او البرلمانية او الدستورية الى نظام فاشية الملالي والرهبان الذين يحتكرون كل شيء باسم القيم الدينية والأخلاق المثالية . فهل يقبل السيد عبدالله الحريف وحزب النهج الديمقراطي بهكذا حكم فاشي للمغرب ؟
ان نفس السؤال يطرح بخصوص ما صرح به الاستاذ الساسي المنتسب الى حزب ملكي ( الحزب الاشتراكي الموحد ) . فهل مشروع العدل والإحسان الهادف الى بناء نظام الخلافة يتطابق ويتناغم مع مطلب الملكية البرلمانية التي جعلها حزبه كسقف اعلى في مطالبه ؟.
بالرجوع الى لغة السبعينات والثمانينات والأدبيات المتداولة خلال تلك الحقبة ، سنجد ان منظمات الحركة الماركسية اللينينية المغربية ، اغرقت الساحة بالتنظير للتكتيك وللإستراتيجية ، كما اغرقت الساحة الثقافية والسياسية بالتمييز بين العدو الثانوي والعدو الرئيسي او الاساسي . فمنظمة الى الامام وحتى منظمة 23 مارس اعتبرتا في ذلك الابان الاحزاب ( الاتحاد الوطني / الاشتراكي وحزب التحرر / التقدم والاشتراكية ) عدوّان رئيسيان مثل النظام . لكن بعد سنة 1975 تغير التقييم عند 23 مارس ، فبدأت تعتبر الاحزاب عدوا ثانويا والنظام لوحده عدوا رئيسيا ، ونفس التحليل سار عليه فريق من منظمة الى الامام بعد المراجعات التي حصلت في السجن وخارجه منذ 1979 ، لكن بعد انشاء منظمة العمل الديمقراطي الشعبي تغير الخطاب الوصفي وأصبحت الاحزاب احزابا وطنية . اما الحركات الاسلامية من الشبيبة الاسلامية الى العدل والإحسان الى العدالة والتنمية الى السلفية الجهادية ، فهم اعداء رئيسيون اكثر من النظام العدو رقم واحد . هنا سنطرح السؤال : ان قول عبدالله لحريف " بأنه لا يرى مانعا في تحالف اليسار مع جماعة العدل والإحسان لمواجهة النظام المخزني " ، هل هو تغيير في تحليل وتقييم الرجل بخصوص النظرة ازاء جماعات الاسلام السياسي ، ام ان الخرجة لم تكن محسوبة بالقدر الذي تشكله مثل هكذا تحالفات غير طبيعية من اخطار على مستقبل الحركة اليسارية التي من المفروض ان السيد لحريف ينتسب اليها ؟
وبصيغة اخرى هل لم تعد منظمات الاسلام السياسي وعلى رأسها ، اقواها جماعة العدل والإحسان ، تشكل عدوا رئيسيا ، وأصبحت اليوم ، وفي سبيل قلب النظام والوصول الى الجمهورية ، اصبحت فقط عدوا ثانويا ، وربما لم تبق حتى كذلك عدوا ثانويا ما دام يقترح السيد لحريف التحالف معها ؟ وهنا لا ننسى ان جماعات الاسلام السياسي وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان يعتبرون النهج الديمقراطي ، والنهج الديمقراطي القاعدي ، ورابطة العمل الشيوعي ، وتيار المناضلة ، وحزب اليسار الاشتراكي الموحد ، احزاب عدوة رئيسية لأنهم يتكونون من مجموعة من الملحدين والمرتدين والعلمانيين وأشباه العلمانيين ، ومن الماركسيين اللينينيين والماويين ، ولن يترددوا في تطبيق حكم الله عليهم غدا حين يصلون الى الجمهورية الاسلامية او الى الخلافة الموعودة ؟
فأي منطق ان يتحالف الشخص مع عدوه الرئيسي الذي يتربص به شرا فقط من اجل اسقاط الملكية ؟ ثم هل من الفطنة والذكاء والعقل ، ان يستبدل الشخص نظام الملكية شبه الرئاسية بعد التعديل الدستوري الاخير ، بنظام اسلاموي فاشي لن يختلف عما ساد افغانستان في عهد طالبان ويسود اليوم ايران ؟ . اين المنطق وأين التحليل الرزين وأين عمق المسؤولية ؟
واذا فرضنا جدلا ان هذا التحالف ، وليس الجبهة الشعبية او الكتلة التاريخية ، سيحصل ، وانه تمكن من اسقاط النظام وإحلال محله نظام الجمهورية ، فان مصير حزب النهج الديمقراطي الذي سيجد نفسه وجها لوجه مع الحقيقة ، لن يختلف عن المصير الذي انتهت اليه منظمة " فدائيي خلق الماركسية اللينينية الايرانية " . اما مصير الحزب الاشتراكي الموحد ، فلن يختلف عن المصير الذي انتهت اليه " منظمة مجاهدي خلق الماركسية و حزب تودة الشيوعي " . اما مصير حزب العدالة والتنمية ومصير حزب البديل الحضاري وحزب الامة فسوف يكون مصير بني صدر مؤسس الحزب الجمهوري الاسلامي .
ان هذه الاستراتيجية الجماعية ( الجماعات السياسية ) هي استراتيجية بلهاء طوباوية لا تقدر الخطر المحدق بالديمقراطية وبالحريات الاساسية . انها استراتيجية فاشلة ، لأنها تعتمد الانتحار السياسي عن بيّنة واختيار ( وضع الرأس في فم الغول ) . وهنا لا بد من التنبيه : ماذا سيقول هؤلاء بهذه الخرجات لآيت الجيد ، لعمر بنجلون ولغيرهم كثر .
اذا كانت استراتيجية الجماعات السياسية مبنية على الوهم وسوء التقدير ، فان استراتيجية السلطة تكون مبنية دائما على ثلاثة عناصر ميكيافيلية تشكل الثالوث الاستراتيجي في عمل اي سلطة . ان هذه العناصر هي الشراسة ، الكذب و الايهام .
بداية لا بد من توضيح شيء ، هو ان المقصود بالسلطة ليس الدولة . ان هذه مستمرة في حين ان السلطة ليس كذلك لأنها تخضع لقانون الاحوال الجوية المتقلب حسب الطقوس والفصول . لقد بنى افقير سلطة سياسية وسيلتها المسدس الكاتم للصوت ، وحين زال وزالت سلطته جاء دور ادريس البصري الذي بنى سلطته على المزاوجة بين العصا والجزرة ، ولما مات ترك مدرسة ستستمر في تطبيق نفس النهج لخمسين سنة قادمة . لذا فان السلطة التي تخضع لهذه العناصر الثلاثة ، الشراسة والكذب والإيهام في جميع البلاد العربية ليست هي الدولة المكون الاساسي ، رغم ان السلطة تفعل فيها فعلتها التي هي الضبط والتحكم والتوجيه .
اذا كانت الحرب هي السياسة بوسائل اخرى ، فان السياسة بدورها هي الحرب بوسائل اخرى . ان من شأن هذا التعريف ان ينزع عن السياسة اقنعتها وأوهامها ومساحيقها المختلفة . انها فن ادارة الصراع بأساليب وأدوات تمتد من العنف الفيزيائي الى العنف الرمزي . والصراع السياسي هو صراع حول المصالح العاجلة والآجلة للإفراد والفئات : مصالح احتياز السلطة لاحتياز المال واحتياز الحظوة .
كل سلطة تعرف ان لها حظوة وحظ تحكم في مسار المجتمع كله ، وحظوة وحظ تحكم في ثروته المادية والرمزية ، وإنها موضع تطلع الجميع ، ورغم انه يفترض انها تمثل المجتمع والمصلحة العامة ، فان لديها حسا اوليا في التمييز بين مصلحتها ( مصلحة السلطة ) ومصلحة الدولة ، مما يدفعها الى المزاوجة الرفيعة بين مصلحتها في البقاء والاستمرار ومصالح الدولة .
واذا ما استلهمنا كتابات ماكيافيلي الذي كان اول من استوعب المفهوم الحديث للسياسة وممارسة السلطة ، نستطيع ان نميز بين ثلاث استراتيجيات كبرى للسلطة . ان هدف هذه الاستراتيجيات الاقصى ، هو ان تحافظ على ذاتها وتحقق لنفسها الاستمرار ، انطلاقا من تصور ليبرالي للسياسة ، قوامه ، انها صراع حول الخيرات والسلطات والرموز ، او بكلمة واحدة صراع مصالح . وهذه الاستراتيجيات الكبرى هي : استراتيجية الشراسة ، استراتيجية الكذب وإستراتيجية الوهم .
ان استراتيجية الشراسة ، هي استراتيجية القوة السافرة ، والصرامة المطلقة ، وهي النقيض من خطط الضعف ، لأنها تقوم على مسلمة من ان اي تهاون او تنازل او تسامح معناه انفتاح ثغرة ضعف في كيان السلطة الزمنية وليس الدولة المؤسسة . فمشاعر العطف والحشمة والحنو لا مجال لها في عالم السياسة ، لأنها مؤشر ضعف وحاجة . فكل شبهة تردد او حبة تساهل ستقرأ على انها مؤشر ضعف يمكن ان يسيل لعاب الطامحين والطامعين . وكل تنازل سيجر وراءه سلسلة من التنازلات ، وهو ما سيفتح باب التداعي والانهيار للسلطة القابضة المتحكمة وليس للدولة .
الاستراتيجية الثانية ، هي استراتيجية الكذب والخداع . تعلم السلطة كامل العلم ، ان الكذب الذي هو رذيلة اخلاقية ، هو هنا فضيلة سياسية من الدرجة الاولى ، وذلك لأنه كذب وظيفي ، هدفه تيسير اشتغال وأدائية نظام السلطة وتمكينه من الاستمرار . والكذب هنا يعني اخفاء كل او بعض الحقائق ، وإخفاء بعض الاسرار وبعض الاشخاص ، كما يعني اظهار بعض الاشياء على غير حقيقتها ، وبما ان حبل الكذب قصير ، فان ذاكرة الشعب بدورها قصيرة . وفي هذا المجال يستحسن تجنب الكذبات الكبرى مع تقسيط الكذب الى وحدات صغرى .
الكذب السياسي في مظهريه السلبي ( الانكار والإخفاء ) والايجابي ( الادعاء والإظهار ) ، من حيث هو رواية غير مطابقة للواقع ، يستهدف تجميل وجه السلطة وتحسين صورتها ، بإخفاء ما هو شاد وقبيح او غير مقبول . ان هذه الاكاذيب قد اعتبرت دوما ادوات ضرورية ومشروعة ، ليس فقط بالنسبة لمهنة رجل السياسة او الديماغوجي ، بل ايضا لرجل السلطة . فالسياسة والسلطة ليستا مملكة حقيقية ، وربما لم تكونا كذلك في يوم من الايام .
اما الاستراتيجية الثالثة ، فهي استراتيجية الوهم والإيهام . فالمعطى الاساسي في عصرنا هذا هو الطفح الديمغرافي الهائل ، وهو علة عدم التوازن بين الخيرات والبشر . فالتفاوت بين الناس في الانظمة الليبرالية المعاصرة ليس فقط حتمية طبيعية او اقتصادية ، بل ربما كان ضرورة وحاجة ايضا . وبما انه من المستحيل في ظل هذا النظام ارضاء الجميع ، وعلى الاخص الطبقات الدنيا ، وتحقيق الاشباع للجميع ، وتوفير السكن والشغل والاستشفاء والتعليم والعدل لكل الناس ، فان دغدغة الاحلام والوعد بالجنة الارضية يفرض نفسه كإحدى الآليات الاساسية لشد الناس الى النظام السياسي باعتبار انه سيحقق يوما هذا الامل .
والنظام السياسي الناجح هو الذي لا يكتفي بتقديم الوعود بتنفيذ المطالب النقابية والاجتماعية والسياسية المطروحة ، بل يعد بتحقيق الآمال والأحلام الكبرى في التقدم والعدالة والحرية وغيرها . فهو يعلم ان اليأس هو الموقد للثورة ، وان الامل هو الترياق الذي يمكن من استمراء الحياة حتى لو كانت قاسية .
والنواة الاساسية في هذا الباب هي الخطابات والبلاغات واللغة المعسولة عموما . ودور وسائل الاعلام الحديثة هو تبليغ هذه الوعود وإشاعتها على نطاق واسع ، وحفز الآمال وقمع اليأس القاتل .
ومن بين اشهر تقنيات الوهم والإيهام ، الالتفاف على المشاكل عن طريق تشكيل لجان ومجالس عليا او جهوية دائمة او مؤقتة ، ترصد لها ميزانيات وبنايات وأجور وموظفون رمزيون حتى تكون السلطة قد تملصت من كل مسؤولية في عدم الانجاز .
الشراسة ، الكذب ، الايهام ذاك هو الثالوث الاستراتيجي في عمل اية سلطة تريد لنفسها الاستمرار . وبما ان كل سلطة هي بطبعها وطبيعتها ميالة الى الخلود والاستمرار والديمومة ، فان تلك هي ، في منظور مايكيافيلي ، اقانيمها الثلاثة .
يتضح مما سلف ان هناك استراتيجيتين : استراتيجية الجماعات والسياسيين المبنية على الوهم وسوء التقدير ، وهي استراتيجية فاشلة مآلها الفشل . وهناك استراتجية السلطة المتحركة داخل الدولة ، والمبنية على فن التوجيه والقيادة والتمويه والتحكم ، انها فن ادارة السياسة بأسلوب غاية في الماكيافيلية . وفي جميع دول العالم ، خاصة في عالمنا العربي ، هكذا تدبر الامور( المغفل والشاطر ) اذ لا مجال للطوباوية والغرق في الاحلام .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,104,019
- ماذا يحمل كريستوفر رووس في جعبته ؟
- الحركة الماركسية اللينينة التونسية
- منظمة 23 مارس - مناقشات للتقرير الايديولوجي للاتحاد الاشتراك ...
- رسالة مفتوحة الى السيد وزير العدل المغربي الاستاذ مصطفى الرم ...
- الاسرة في المجتمع البطريركي الرعوي العربي
- الديمقراطية وديمقراطية الجماعات السياسية
- لو انّ بغْلة عثرتْ في حفرة ...
- المتلاشيات السياسية في زمن سوق الخردة السياسية
- المجتمع الحديث بين العقلنة واللاعقلنة
- منظمة 23 مارس -- نقد برنامج - حزب التقدم والاشتراكية --
- سورية بلد جميل ، دمره المجرمون
- الحزب العمالي
- منظمة 23 مارس -- في التوجه السياسي المرحلي -
- الدرك الملكي
- منظمة 23 مارس الماركسية اللينينية - التقرير التوجيهي -
- الاغنية السياسية
- المنطلقات النظرية للاشتراكية الصهيونية البروليتارية
- الحركة الاسلامية بالمغرب ( 6 )
- الحركة الاسلامية الاخوانية بتونس ( 5 )
- الحركة الاسلامية في لبنان ( 4 )


المزيد.....




- لاعب سابق مصاب بالشلل يرقص واقفاً يوم زفافه
- رجل يعثر على 27 ألف دولار على جانب طريق.. وهذا ما قام به
- -قياس خصرك- يمكنه التنبؤ بخطر إصابتك بنوبة قلبية!
- الصين تؤكد إصابة 634 شخصا بفيروس -كورونا- بينهم 17 حالة وفاة ...
- السيسي: هناك محاولات مستميتة للنيل من مصر
- عواقب استمرار الأزمة الليبية على دول الجوار
- قفازات -سحرية- ساعدت على تأهيل عازف بيانو برازيلي
- شاهد: عواصف ترابية شديدة تجتاح مدن أستراليا
- بكين تلغي احتفالات رأس السنة الصينية بسبب فيروس كورونا
- شاهد:اكتشاف أسماك قرش جديدة يمكنها المشي


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - استراتيجية الجماعات واستراتيجية السلطة