أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمر بن منير بن عمر بلخشين - حول مقولة الثورة















المزيد.....



حول مقولة الثورة


عمر بن منير بن عمر بلخشين

الحوار المتمدن-العدد: 4007 - 2013 / 2 / 18 - 02:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تمهيد:

منذ مطلع القرن الحادي والعشرين شهدت عديد البلدان وخاصة منها الآسيوية وبقايا المعسكر الشيوعي ما يسمى بالثورات الملونة فكانت الثورة الوردية في جورجيا وثورة البرتقال في أوكرانيا وثورة الأقحوان في قرقيزيا وغيرها من تلك الثورات التي استغلت خلالها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها تحركات الشعوب لتساند قوى سياسية على حساب قوى أخرى مبشرة بموجة من الديمقراطية ستخلص العالم من الدكتاتورية. وقد عرفت كل تلك الثورات الملونة نقاطا مشتركة فجميعها لم تدم طويلا وجميعها كانت سلمية بمعنى أن الشعب لم يحمل السلاح في مواجهة السلطة وجميعها انتهت برحيل رأس النظام وجميعها أيضا وهذا الأهم لم تأخذ أي موقف معاد لأمريكا ولسياساتها.

كل هذه التشابهات جعلت من المنطقي التفكير أن الولايات المتحدة الأمريكية وراء كل هذه الأحداث وأنها تخطط لمرحلة جديدة. وللإشارة فان هذا الاستنتاج لا ينقص مطلقا من دور الشعوب ولا يرمي إلى تحقير دورها ولا إلى تبني نظرية المؤامرة وإنما هو قراءة لما يمكن للامبريالية أن تفعله بإرادة الشعوب إذا ما افتقدت هذه الأخيرة للقوى الثورية الحقيقية.

وإذا ربطنا تلك الثورات الملونة بالحرب المزعومة على الإرهاب واحتلال أفغانستان ومن ثم العراق والتحرش بإيران وتقسيم السودان يبدو من الواضح أن القوى الاستعمارية تريد لخريطة العالم أن ترسم من جديد بحيث تخلق توازنات جديدة تسهل عملية استنزاف ثروات الشعوب وتصدير الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تمر بها دوائر الاحتكار العالمية. وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية كونديليزا رايس قد بشرت منذ فترة حكم سيئ الذكر بوش الابن بمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي لم يرى النور ساعتها بسبب تورط الإدارة الأمريكية في احتلال العراق. حيث منعت المقاومة تمرير مقولة الديمقراطية الكاذبة وفضحت النوايا الاستعمارية لإدارة الصقور وأفشلت خطتها في استغلال خيرات الشعب.

ويتضمن هذا المخطط إدخال إصلاحات سياسية واقتصادية في منطقة الشرق الأوسط الكبير وإقامة اتفاقيات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وضمان تدفق النفط بأسعار معقولة وهذا بيت القصيد.

ولما لم يستطع الرئيس الأمريكي الجديد أن يتخذ منهجا مغايرا للإدارة التي سبقته وفشل في تسويق صورة أمريكا الصديقة للشعوب فقد أعاد تحيين الخطة القديمة دون الإعلان عنها. واستغلت أمريكا الاحتجاجات التي شهدتها شعوبنا العربية لتنقض من جديد على الأنظمة وتعيد ترتيب الأوراق داخلها متحالفة مع أصدقاء جدد وهاهي الآن تبشر بربيع الثورات العربية.

.......

*الانتفاضة !

لم يسقط النظام ولم ينجز شعبنا ثورة.

إنها حقيقة ثابتة سواء أنكرها البعض أو اعترف بها جزئيا أو تجاوز الحديث عنها. فما حصل في تونس لا يرقى إلى مستوى الانتفاضة فهو موجة احتجاجات سارع النظام قبل المعارضة في استغلالها من أجل إعادة بناء نفسه والتخلص من بن علي وحاشيته وما يمثلونه من عبء أرهق النظام نفسه قبل الشعب بعد أن أصبحوا مصدر غضب واستفزاز يهدد سلامة النظام.

والحقيقة أن المسالة ليست ميكانيكية ولا بالبساطة البادية كما أنها لم تكن شأنا وطنيا خالصا بعد أن رتعت أيادي الامبريالية كما شاءت. إن المتابع للإحداث يلاحظ أن الشرارة التي انطلقت من سيدي بوزيد وجدت لها هشيما سهل الاحتراق وواقعا اجتماعيا واقتصاديا جعل من المطلب الشعبي الأكثر وضوحا ضرورة رحيل بن علي وعصابته ليصبح لنا أمل في نصيب من الثروة. وقد سارعت القوى الشبابية المناضلة إلى تصعيد المواجهات مع قوات البوليس التي صعدت القمع بدورها بما ينبأ بأن هذا النظام على مشارف السقوط وأصبح عاجزا على أن يقدم للشعب غير القمع فكانت الاحتجاجات تتدرج طبيعيا ومنطقيا من الغضب من حالة ظلم إلى الرغبة العارمة في إسقاط النظام وخلق واقع جديد. ولما غاب التأطير والمركزة والخطة وغابت الأعداد الغفيرة من الثوريين الذين نراهم الآن وذابت آراؤهم وتصوراتهم التي يزعمونها الآن في مجرى الحراك اليومي وعجزوا عن طرح برنامج ثوري واضح واكتفوا بمسايرة حركة الشارع والتصعيد المتأخر والتافه للمطالب من قبيل "منحة البطالة" في الوقت الذي يموت فيه الشباب ،كان ذلك الزخم الثوري الذي امتلأ به الشارع فريسة سهلة في براثن النظام المدعوم من الامبريالية ودوائر الاحتكار العالمية فأقنعوا بن علي بضرورة الرحيل وصرخوا "لقد أنجز الشعب التونسي ثورة". وكانت صرخة الإعجاب تلك أقوى الرصاصات التي وجهت لصدر الشعب وشبابه الثائر وأفتك غاز مسيل للدموع استنشقها وأثقل عصا ضرب بها.

إن هذه العبارة اللعينة والترويج السافر لها ضربة عميقة لحركة احتجاج بدأت في التدرج نحو انتفاضة وربما نحو ثورة حقيقية.

الامبريالية تركب على الحدث

إن ترويج الفضائيات الخاصة والعامة لمقولة "الثورة" والتصريحات العلنية للمسؤولين السياسيين والذين يسيرون الدولة آنذاك والانبهار المزيف الذي أبداه أوباما وعدد واسع من المسؤولين الأوروبيين أمر منطقي تماما فتلك برامجهم وأهدافهم آليات عملهم في تحطيم إرادة الشعوب والتحكم في مصائرها.

هل تصدقون أن رئيس الدولة الأمريكية رأس حربة الامبريالية يسعد بالثورات؟ هل من الحكمة أن تفرح أمريكا "بالثورة" وأن تبارك أنظمة ديمقراطية حقيقية ستعمل على التوزيع العادل للثروات؟ هل من الممكن لأمريكا أن تفرح لشعوب مقهورة تتنصر على الحكام الذين تصنعهم؟ وهل من مصلحتها حكومات وبرلمانات منتخبة تعكس إرادة الشعوب في الحفاظ على مواردها وانتصارها المبدئي الواضح لقضايا التحرر الوطني وعلى رأسها القضية الفلسطينية؟ هل من مصلحتها حقا أن يصبح الحكم بيد الشعب؟

إن التسليم بفرحة الدولة الأمريكية لانتصار الشعوب غباء منقطع النظير فالأصح إذا أن أهازيج التهليل التي أطلقوها ليست سوى جزء من مغالطة الشعب وإيهامهم بانجاز "ثورة" تنحني لها أعتى الدول. فقد كان لوقوف أوباما وثلة المهرجين الذين أحاطوا به في إحدى جلسات الكونجرس أثر قوي في إقناع العامي والبسيط والشاب الثائر بأن القوى العالمية انحنت أمام المنجزات التاريخية. هي إذا آلية مبتكرة لتقويض العزائم وإلجام الشعوب عن مواصلة مهامها الثورية.

لقد سارعت الولايات المتحدة الأمريكية منذ انطلاق الأحداث إلى رفع يدها عن النظام ووصفته بالعنيد الذي لا يسمع النصيحة. وقد كانت تلك أولى الدلالات على أن نظام بن علي فقد كل غطاء دولي وأن على البدائل الاستعداد. كما كانت أولى علامات التدخل التي شجعت قوى عديدة على التمرد على بن علي وأضعفت كل إمكانياته في مواجهة حركة الاحتجاج المتزايدة وهو ما أقنعه في النهاية بأن حكمه قد ولى وأن من مصلحته الهروب قبل أن يمسك به الشعب ويحاكمه.

بعد هروب بن علي قامت الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بالتنسيق مع عدد من الأحزاب السياسية ومع بقايا النظام فكان أن جاء في مرحلة أولى مساعد كاتبة الدولة الأمريكية للشؤون الخارجية ثم وزيرة الخارجية كلينتون التي رسمت الملامح العامة لرؤية أمريكا لتونس.

إن اللقاءات المتكررة التي عقدها ممثلو الأحزاب من أقصى اليمين إلى اليسار والمسؤولين الحكوميين في الحكومات المتعاقبة وعدم احتجاج أي منها على أي موقف يؤشر بوضوح على أن الامبريالية قد استعادت زمام المبادرة في تونس وأنها ترسم كما يحلو لها السياسات العامة وأن من نصبوا أنفسهم وكلاء يتحدثون باسم الشعب قد قبلوا الشروط. وبذلك مثلت الاحتجاجات الشعبية بما فيها من تضحيات وشهداء وجرحى مناسبة مثالية لإعادة ترتيب الأوراق في تونس خصوصا وفي المنطقة عموما.

.......
*الأحزاب الليبرالية: «كي سيدي ... كي جوادو»

انظروا مليا إلى أصحاب رأس المال في تونس والى كافة أصحاب المصالح ستجدون أن لا مصلحة لهم في قيام ثورة إذ من الغباء تصديق أن مجموع الأحزاب الليبرالية التي ترتكز في برامجها على مبدأ الملكية الفردية وتحرير السوق ستسعد بأن يثور الشعب على الحيف الاجتماعي وأن يسعى إلى انتزاع جزء كبير من أرباح أصدقائها أصحاب رؤوس المال. ومن السذاجة تصور أن هؤلاء مستعدون لقسمة جديدة تنتزع مكاسبهم وتهدد ثرواتهم لذلك فإن فرحتهم العارمة بالثورة باعتبارها تغيرا فجائيا وعميقا للهيكلة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد يهدد مصالحهم، مسرحية هزيلة لا تعدو سوى حركة غير صادقة لتضليل الرأي العام وإرباك حركة الشارع.

لقد تورط أغلب رجال الأعمال التونسيين بشكل أو بآخر مع العصابة الحاكمة كما أن الجميع ودون استثناء استفادوا من الإمتيازات التي منحها نظام بن علي واتفقوا علينا في ابتزاز فقرنا واستغلالنا. إن هذا السلوك ليس غلطة أو أمرا واقعا فرض عليهم إنما هو صفة ملازمة لأصحاب رأس المال الذين يدعمون أي نظام قائم ما دام يضمن مصالحهم. لذلك نلاحظ بكل يسر أن أولائك الذين راكموا المليارات يوزعونها بكل بذخ على الحكام المحتملين لتونس الذين سيحفظون مصالحهم وينخرطون بكل جدية في دعم من يرونه أوفر حظا في انتخابات المجلس التأسيسي.

إنهم بأموالهم تلك التي جمعوها من التهرب الضريبي والإعفاءات الجبائية ومن استغلال العمال والحرفيين وصغار الفلاحين يرجحون كفة أصدقائهم الجدد لذلك فإن إدعاءاتهم الكاذبة بنظافة اليد أمر مردود عليهم بل إنهم لم يكتفوا بما غنموا وهاهم الآن يضغطون بكل قواهم لتوجيه الأحداث بما يخدم مصلحتهم. وحيث أن مصلحتهم تلك لا تتوافق مع مصلحة الشعب فإنهم يلعبون دورا كبيرا في رسم المستقبل الذي لن يكون مشرقا ما داموا يساهمون في نحته.

.......
*"النهضة": تفسخ أم خداع ؟

إن تهليل "حركة النهضة" للثورة من لندن ومباركة شيخها للشباب الثائر وإفتاء أئمتها بضرورة الدعاء للبوعزيزي حتى يغفر له الله خطاب متناسق مع حركة تريد أن تسترجع مواقعها أولا وأن تشارك في الحكم ثانيا، خطاب منطقي رغم أن الحركة لا تؤمن مطلقا بالثورة وتجرم خروج الناس على السلطان. فبتلك الجملة تساير الأحداث أولا في انتظار الركوب عليها والاستفادة منها لاحقا وهو ما بان جليا من خطاباتها الأخيرة التي ذهبت حد الادعاء بأن شباب النهضة ساهم بقسط كبير في ما يسمونه ثورة وقد يكون بعض الخجل والحياء ما حال دون ادعائهم بأنهم من أنجزوها. غير أن اللافت في خطاب النهضة هو نبرة الحداثة والعلمانية البادية بوضوح. إن هذا الخطاب متناقض مع مشروع الدولة الدينية وأسلمة المجتمع الذي حملته النهضة منذ نشأتها والذي لم تراجعه مطلقا إلا من خلال الظهور الإعلامي. إنها مراوحة مخادعة تهدف إلى طمأنة الامبريالية على قيم الحداثة التي تحملها من ناحية والى استقطاب الأعداد الغفيرة من الشباب المتدين الذي يحلم بقيام الدولة الدينية .

إن حركة النهضة لا تمثل كما تدعي الحزب المدافع عن الإسلام والمسلمين بل هي التعبيرة الأكثر رجعية للاستغلال الطبقي والحيف الاجتماعي وهي احتمال احتياطي للامبريالية قد تجعل منها الحاكم إذا ما فشل ممثولها الرسميون من الليبراليين. إن هذه الحركة تؤمن تماما كباقي الأحزاب بقوة رأس المال وتسعى للحفاظ عليه من ثورة المحرومين وتزيد بأن تغلفه بغلاف قدسي يكون معه الاستغلال أمرا شرعيا. وقد فضحت كل نواياها في خدمة أصحاب رأس المال بذلك البرنامج الاقتصادي الذي ادعت خلاله قدرتها على تشغيل زهاء الستة مئة ألف عاطل وهي بذلك لم تكشف عن خداعها للبروليتاريا والفقراء فقط وإنما بينت بكل وضوح أنها لا تملك بديلا اقتصاديا خارج دائرة الملكية والاحتكار والاستغلال فتشغيل ستة مئة ألف عاطل لا يكون ممكنا إلا بأن يكون معدل الأجر الشهري 100 دينارا ولن يكون ذلك مرضيا لهذا الشباب الطامح إلا عن طريق مقولات تمجد الصبر والقناعة ستستمدها بكل يسر من موروثها الفكري بعد أن تخرجها عن سياقها التاريخي. إن مشاكل المجتمع التونسي ليست دينية بل هي اقتصادية بالأساس كما أن الماركسيين لا يعادون الإسلام كما يصور البعض وإنما يسعون لأن لا يستغل أي كان الدين لفرض تصور اجتماعي معاد لمصالح الشعب.

.......
*"الديمقراطيون": «أركب لا تمنك» !

لقد كشفت الاحتجاجات بوضوح طبيعة تحالف جبهة 18 أكتوبر خصوصا إضافة إلى تلك الرموز التي غزت شاشات الإعلام الأجنبي عموما. وقد تحدثنا منذ البداية على أن مكونات 18 أكتوبر لا مشكل لها مع النظام وأنها غاضبة فقط من سلوك بن علي معها. وقد كانت حركة 18 أكتوبر واحدة من تلك المحطات العديدة التي تصارعت خلالها مكوناتها مع السلطة وقد صورت لنا على أساس أنها المعارضة الوحيدة. وإن كنا لا ننكر احتجاجاتها فإننا لم نحمل يوما وهما بأن هؤلاء دافعوا أو يدافعون عن مصالح الشعب. لقد كانت معركة خاصة وهذا حقهم غير أنها سوقت على أنها معارك من أجل الديمقراطية والحرية.

إن المتأمل لسلوك مكونات جبهة 18 أكتوبر ومن لف لفهم يلاحظ بيسر تخليها السريع عن موقع المعارضة وارتمائها في أحضان بقايا النظام ليؤكدوا أنهم مجموعة من "الزعلانين" يسارعون إلى ركاب السلطة في أول حركة استرضاء.

لقد تصدر الحزب الديمقراطي التقدمي قائمة القوى المعارضة لبن علي وبمجرد سقوطه رغم بقاء نظامه سارع نجيب الشابي إلى الانتماء إلى حكومة الغنوشي ولا نعرف حد اللحظة مصدر شرعية تلك الحكومة التي دافع عنها وها أن هذا الحزب يتخلى عن كوادره ليستعيض عنهم ببقايا التجمع الدستوري الديمقراطي، هذا الحزب الفاشستي المنحل رسميا والمتحكم في مفاصل الدولة فعليا، وهو نفس السلوك الذي انتهجه حزب التكتل رغم تمنعه عن المشاركة في الحكومة.

في السياق ذاته نلاحظ تلون المرزوقي الذي أصدر عديد المواقف المتناقضة إبان الاحتجاجات ليقف اليوم بكل تفاخر ويعلن أنه أول من دعا للعصيان المدني. يعتقد المرزوقي أن نشر الفيديو الذي دعا فيه إلى العصيان المدني سيلهينا عن تصريحه قبل سقوط بن على وهو يدعو النظام إلى تكليف رجل "نظيف" للحوار قصد الخروج من الأزمة فتلك الاحتجاجات إذن مثلت له أزمة سياسية كان لا بد من حلها. وها هو اليوم يراهن على أكثر القوى ردة ورجعية وتطرفا لمساندته لعله يظفر بمقعد في المجلس التأسيسي.

أما حزب العمال الشيوعي التونسي فقد ملأ الدنيا ضجيجا بمقولة الحد الأدنى الديمقراطي ليبرر تحالفه الملغوم مع من كان يعتبرهم أعداء للشعب في كراسه "ضد الظلامية" واختزل بانتمائه إلى حركة 18 أكتوبر الصراع في شخص بن علي متناسيا أنه مجرد حلقة مؤثرة في نظام استبداد كامل وأن الصراع الحقيقي في جوهره طبقي.

وها قد أثبتت الأحداث أن رحيل بن علي لا يعني مطلقا انتصار الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وإضافة إلى كل هؤلاء نلاحظ وجود عدد من الوجوه وهم تلك الظواهر الإعلامية التي أريد لها أن تكون رموز المعارضة التونسية والمتحدثة باسمها رغم أن منطلقاتهم وقناعاتهم لا تمت بصلة للنضال الديمقراطي الشعبي فأغلبها أسماء تأرجحت بين النظام والمعارضة كما يحلو لها. لقد قلناها لحظتها واتهمنا بأننا نشوه هؤلاء المناضلين الأفذاذ وهاهم الآن يشوهون أنفسهم بأنفسهم بممارساتهم المتلونة وبتذبذب مواقفهم وانخراطهم في النظام كتدريب قوات البوليس على الديمقراطية مثلا أو الانتصار لرموز الفساد والدفاع عنهم أو حتى مواقفهم المهادنة للسلطة الجديدة.

لقد شكل كل هؤلاء جزءا من المنظومة الحاكمة ورافدا من روافد النظام بمقولاتهم الغبية وممارساتهم الانتهازية وسكتاريتهم المقيتة. وهاهم الآن يتعرون تماما من كل تلك الجمل الثورية وغطاء النقاوة الذي طالما تلحفوا به.

وغير بعيد عن هؤلاء تشكلت المبادرة التي تحولت الآن إلى ما يسمى القطب الحداثي وطرحت المشاركة في الانتخابات كمعارضة جدية وفجأة ودون مقدمات تقفز هذه المعارضة الجدية إلى صفوف السلطة في أول استدعاء "جدي" لها بعد أن كان أحمد إبراهيم قد أثنى على خطاب بن علي وعلى انفتاحه وعلى إمكانات بناء تونس من جديد ليثبت أن المعارضة الجدية "جادة" فعلا في جريها المحموم وراء كل المواقع وأن خلافها مع النظام ليس جوهريا كما يفترضه طرحهم اليساري بل هو خلاف حول المشاركة الممكنة في الحكم.

لقد صنعت لنا الامبريالية رموزا هشة على القياس من ورق سريع الاحتراق فارتهنت بها النضال الديمقراطي وروجت لنماذج يسهل توجيهها إلتقت معها في مقولات الديمقراطية وفي معاداتها للتحليل القائم على الصراع الطبقي. وها هي الآن تحاول مجددا خلق عناوين جديدة عبر تسويق أسماء ومنحها الجوائز رغم أنها لم تقدم لقاءها غير الابتسامة للامبريالية ومصادقتها.

.......
*مجالس حماية الثورة: «يغني وجناحو يرد عليه»

لقد تشكلت في مجرى الحراك اليومي هياكل شعبية قاعدية بسيطة بهدف حماية الممتلكات من اللصوص إبان الفراغ الأمني المفتعل. وحيث أنها كانت هياكل عفوية نابعة من الحاجة الاجتماعية الملحة فإن انخراط الشعب كان واسعا ومذهلا وقد سارعت كل القوى التي لم تساهم للحظة واحدة في الاحتجاجات إلى محاولة وضع اليد على تلك الهياكل الشعبية قصد إيجاد شعبية فضفاضة كاذبة.

ولما كان الطرح المتعلق بهذه الهياكل رجعيا ومتخلفا فقد انفضت من حولها الجماهير لحظة أرادت الانتهازية أن تضع قبضتها عليها فذابت كل تلك الهياكل وتشكلت ائتلافات حزبية ضحلة بمهام رديئة.

انظروا إلى ذلك الشعار الرديء "لجان حماية الثورة" فهل أنجزتم ثورة لتحموها؟ ثم انظروا إلى مكوناتها الموغلة في الردة فأغلب تلك الهياكل احتوت عناصر تجمعية تغلفت بشعار الثورة وانقلبت على ماضيها الأسود وبذلك شكلت هذه المجالس المتخلفة فرصة لغسل أوساخ أبناء النظام ثم عجزت بعد ذلك عن طرح أي برنامج عدى الصراع المحموم على من يرأس تلك الهياكل.

.......
*"الدساترة": قُطعت الرأس ولم تجف العروق

لقد خنق "الدساترة" بكل أسمائهم وهياكلهم منذ 1956 الحياة السياسية وكانوا عصا السلطة السياسية في تدجين واختراق المنظمات والنقابات وفي تزيين المحافل الانتخابية وتزوير إرادة الشعب وتزيف أصواته فكان الحزب الحاكم الذي يضمهم دائما المسؤول الأول عن حالة التصحر التي شهدتها الساحة الديمقراطية والمجتمع المدني عموما وكانت ميليشياته تعوض عمل البوليس وتسانده في قمع الاحتجاجات.

وفضلا عن هذا الدور الرجعي المعطل لكل إمكانات الحياة السياسية السليمة فإن عددا كبيرا من التجمعيين لم يبخلوا علينا بتقاريرهم ووشاياتهم مما تسبب في الزج بالمناضلين في السجون.

ومن وجهة نظر طبقية فإن هذا الحزب قد مثل على الدوام الواجهة السياسية للبرجوازية المتعفنة التي انخرطت صلبه وساندته ماليا في ضرب كل الاحتجاجات الاجتماعية وكل نفس ديمقراطي فكان حزبا رجعيا فاشيا بامتياز.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن هذا الحزب انتهى بمجرد قرار حله فجميعنا يعرف أن "الدساترة" يسيطرون على مفاصل الدولة ويحتكرون الإدارة ومراكز القرار وهو ما يؤهلهم للحضور بقوة لا في الانتخابات المقبلة فحسب بل وفي المشهد السياسي عموما فقد انقسم التجمع وتفرع. فجزء كبير منه انخرط في أحزاب كانت تدعي الثورية كالحزب الديمقراطي التقدمي والتكتل أو في أحزاب جديدة اختاروا أن لا تكون رموزها من الوجوه الدستورية البارزة في حين اختار جزء ثالث الظهور بوجه سافر في أحزاب تصرح أنها وليدة التجمع. وإذ يبدو هذا الانقسام مرد أمل للبعض في ضعف "الدساترة" وعدم قدرتهم على الفعل فإن الحقيقة عكس ذلك تماما، ذلك أنهم استطاعوا أن يحوزوا على مواقع كبيرة في عدد من الأحزاب كما أسلفنا الذكر كما أنهم مازالوا يتحكمون في جزء كبير من الدولة لذلك فان مهادنتهم أو الإعلان الفرح عن نهايتهم غباء كبير ولحسن الحظ فإن شعبنا لم ينسق وراء صيحات الارتياح وهاهو يقاومهم ويحاصرهم ويمنعهم من إعادة التموقع داخل المجتمع ليثبت مرة أخرى أن حركة الشارع متقدمة ألف مرة على قياداتهم المرتعشة.

إن المعركة مع "الدساترة" لم تنته وقد لا نبالغ إذ نقول أنها ستحتدم وتتخذ أشكالا جديدة وهذه النقطة بالذات تثير أكثر من تساؤل حول نوايا هؤلاء الذين يتجاهلونهم ويصورون أن عهد "الدساترة" قد ولى.

......
*المنظمات "الجماهيرية": الجراد الجراد !

لم تكن الخلافات المزعومة مع بن علي منحسرة في تلك المكونات والأحزاب الرديئة التي شكلت جبهة 18 أكتوبر بما فيها من ذوات منتفخة وقراءات مغلوطة وتحريفات صارخة. فقد كان جزء كبير من التزييف والخداع يحصل في منظمات عريقة شاءت الظروف أن تصعد إلى قيادتها وجوه وعناصر انتهازية أفرغتها من كل محتوى نضالي.

الرابطة الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان مثلا كفت منذ زمن بعيد عن أن تكون مكسبا وطنيا يدافع حقا عن حقوق الشعب ويتصدى لأشكال الاضطهاد والقمع حيث تحولت إلى حوز خاص لأشخاص ورموز يتصرفون في مواقفها حسب ما تمليه الأهواء والعلاقات فتقيم الرابطة الدنيا ولا تقعدها عندما تتوقف سيارة بوليس بجانب أحد من أصدقائها وتصمت صمتا مشبوها إزاء المحاكمات والسجون.

لقد استهدف بن على الرابطة وحاول أن يدجنها هذا أمر لا ننكره ولكن المقرف هو تلك الفردانية التي قاد بها رموز الرابطة وخاصة رئيسها المعركة فعوض الانفتاح على جمهور الديمقراطيين الحقيقيين والمتضررين الفعليين من نظام بن علي انغلقوا على أنفسهم وحسروا المعركة في أشخاصهم وذواتهم فأبّدوا الأزمة وتمعشوا منها. وبهذا السلوك الفرداني ساهموا كما فعل النظام تماما في خنق الرابطة وإضعاف إمكانياتها. لقد أساءوا التقدير وتصرفوا بفردية مقيتة وانخرطوا في منظومة كاملة تقدم نفسها على أساس أنها بديل ديمقراطي واختزلوا الصراع الديمقراطي في أشخاصهم وانتصبوا وكلاء يتحدثون باسم حركة ديمقراطية هم أول من خربها.

إن التصدي لانقلاب "الدساترة" ومحاولة التدجين يتحول إلى انتهازية مقيتة إذا ما حدنا بالصراع عن جوهره الديمقراطي.

وفي سياق الحديث عن المنظمات الجماهيرية لا يجب أن نغفل عن دور اتحاد الشغل وقياداته على وجه الخصوص في معاداة حركة الاحتجاج والاصطفاف وراء بن على لآخر لحظة. نحن نذكر جيدا كيف تهجم الأمين العام على الحشود من النقابيين الصادقين والعناصر الشبابية والطلابية التي تجمهرت في ساحة محمد علي لمساندة التحركات وللتنديد بجرائم النظام بل ادعى رأس البيروقراطية أن الطلاب هم من استولوا على ساحة محمد على وأن اتحاد الشغل لا علاقة له بالشعارات التي رفعت آنذاك. والحقيقة أن الأمين العام ليس معزولا بل يعمل في إطار منظومة كاملة من البيروقراطية ترتبط مصالحها ارتباطا وثيقا بنظام الحكم والبرجوازية المتعفنة وقد سهلت هذه البيروقراطية ابتزاز العمال واستغلالهم حتى أن بعض الأعضاء المتنفذين يمتلكون شركات للمناولة تستغل العمال أبشع استغلال. فقد جعلت البيروقراطية النقابية اتحاد الشغل رافدا من روافد الحكم وركيزة أساسية للنظام وكانت هذه البيروقراطية قد سحبت الغطاء النقابي عن مناضلي الحوض المنجمي وتآمرت عليهم بما سهل محاكمتهم وعجل بالانقضاض على حركة الاحتجاج وقمعها سنة 2008 وهاهي الآن تتشدق بانحيازها الكاذب لحركة الشارع مدعية مساهمتها الفاعلة في الحراك الثوري.

وللتذكير فان اتحاد الشغل قد ساند وأطر القصبة 1 و2 ووفر لها كل الإمكانيات وكان هدفه من صناعة حركة الاحتجاج تلك تأجيل المحاسبة حتى يتمكن من ترتيب أوضاعه وإزالة آثار الفساد. لذلك نجده قد سارع إلى مباركة حكومة السبسي والدعوة إلى عدم إزعاجها بالاحتجاجات فكانت كل مواقفه مطأطئة متخاذلة حاصرت كل الاحتجاجات. وإن كنا نعلم أن النقابيين قد ساندوا أفرادا أو هياكل قاعدية حركة الاحتجاج فإن الموقف العام لاتحاد الشغل كان متذبذبا رديئا أربك حركة الشارع.

إننا إذ نناصب العداء لكل هذه الأحزاب والمنظمات والظواهر الإعلامية ونعمل على فضحهم فذلك لأننا نعلم تماما أن تغيرا حقيقيا يعيد للشعب سيادته وينهي مع منظومة الاستبداد ويقضي على الاستغلال الطبقي ممكن تماما بشرط أن يصنعه ويقوده مناضلون حقيقيون تربوا في مجرى النضال اليومي على مبادئ العدالة الاجتماعية والحرية الديمقراطية وينكرون ذواتهم وبشرط أن لا يساهم في البناء الديمقراطي الحقيقي كل تلك القوى التي دافعت عن ذواتها واختزلت نضال شعبنا في تجاربها الخاصة.

لا يبدو من الحكمة إذا الاعتقاد بأن كل هؤلاء ومن خلفهم الولايات المتحدة الأمريكية أصدقاء للشعب التونسي ويفرحون لانتصاره. إنه فرح مزيف لانتصار مزيف لا يمكن لأي عاقل تصديقه.

.....
*الإعلام: «معيز ولو طاروا»

كان للإعلام المحلي والدولي دور عميق في الترويج لمقولة "الثورة" والفرح الزائف بها. وإعتقد القائمون على الإعلام أن الترويج للثورة والفرحة الزائفة بها ستحجب عنا جوهر الإعلام الرجعي الذي طالما ساند الدكتاتورية وبرر لها وجرم معارضتها. أو سيحجب عنا تلك الرداءات والثقافة المبتذلة التي طالما روجوا لها. وهاهم الآن يحاولون في الصحف والإذاعات والفضائيات أن يقنعونا بأن زمن الإعلام الفاسد قد ولى وأن المشكلة كانت في ذلك النظام الدكتاتوري الذي يملي مقولاته وشروطه على عمل الإعلام. وهذا الادعاء عار من كل صحة فها قد رحل بن علي واتسع المجال حسب ادعائهم لإعلام حر ونزيه فإذا بنا نجد تحاليل فارغة وبحثا عن الإثارة مقابل إهمال شرح الواقع الجديد وتناقضاته ومراكز النفوذ الجديدة وتجاهل مقصود لإيضاح الصورة فضلا عن كل تلك العبارات المشينة التي غطت ضعف النقد في إعلامنا.

فالحقيقة إذا لا تكمن فقط في دور الدكتاتورية في خنق الإعلام وتدجينه بل وفي مدى استعداد القائمين عليه الجدد منهم والقدامى في جعل هذا القطاع الهام في خدمة الشعب،. ثم إن من استساغ على امتداد عقود تطبيق أوامر السلطة مقابل الغرق في الإشهار لن يستطيع أن يقنعنا بأنه سيصبح الآن سيد قراره وأنه سيضرب عرض الحائط بتعليمات السلطة الجديدة.

فالمطروح إذا إعادة هيكلة هذا القطاع وفصله عن دوائر القرار وهي مهمة جسيمة نعتقد أن الصحفيين وخاصة منهم الشبان قادرون على إنجازها.

........
*يسار الرّدة

من المنطقي جدا أن يصرخ أعداء الشعب من الليبراليين "تحيى الثورة" فلا يمثل لهم ذلك أدنى إحراج مقابل ما ستدره عليهم هاته العبارة من غنائم ومكاسب لما يطرب الشارع لانتصار وهمي ابتدعه له أعداءه ولمّا تتوقف الاحتجاجات عند مرحلة رحيل بن علي، ساعتها ينتهي دور الشعب المكافح وينطلق دور كل هذه القوى المعادية له في التآمر عليه وإعادة بناء النظام أمام عينيه وبمباركته ليستيقظ بعد أشهر طويلة من حلم الانتصار الذي أوهموه بأنه صاحبه.

أمّا أن يهلل أدعياء الانتماء إلى اليسار وثوريو آخر زمن مع جملة المهللين وأن يسهلوا التآمر خيانة يجب التوقف عندها وشرحها وقد لا نبالغ بالقول أنها السبب الأصلي لكتابة هذا الكراس.

لن نفرق بين مختلف التشكيلات الحزبية والحلقية التافهة التي تدعي الانتماء للماركسية ما دامت قد اجتمعت بكل انتهازية حول مقولة "ثورة لم تنجز".

إن كتاباتهم القليلة المقززة وشعاراتهم المقرفة حول "استكمال مهام الثورة" والتمترس خلف شعار "الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي" ثرثرة غبية لا يمكن أن تحجب عنا مطلقا الجوهر الانتهازي لممارساتهم المصطفة خلف الليبراليين والنظام الحاكم في انتظار فتات من غنيمة المجلس التأسيسي.

إن السعي المحموم وراء مقاعد داخل المجلس التأسيسي لا يخدم مطلقا مصالح الطبقة العاملة وإن كان من سيجلس في مقاعد هذه الهيئة البرلمانية البرجوازية شيوعيون حقيقيون فما بالك والحال أن هؤلاء الشيوعيون الجدد على اختلاف قراءاتهم وتشكيلاتهم لا ينتمون للعمال والفلاحين ولمصالحهم من قريب أو من بعيد.

".... ترون أن عمل الدولة الحقيقي يجري وراء الكواليس وتنفذه الدواوين والمكاتب وهيئات الأركان. ففي البرلمانات يكتفون بالهذر بقصد معين هو خداع العامة. " .

إن هذا الحكم واضح لا لبس فيه ولا يترك مجالا لليساريين الانتهازيين كي يحرفوه أو يقنعونا بجدوى أن يكون للماركسيين وجود داخل قاعات الثرثرة إلا في إطار ثوري وضحه الرفيق لينين ألا وهو الإعداد للثورة الاشتراكية وتسهيل "إزالة" هذه البرلمانات المعادية لمصالح الطبقة العاملة والتي لا تمثلها في شيء غير أن هذا السند الثوري لا يمثل منطلق اليساريين الجدد خاصة وأنهم سيكونون في أفضل الأحوال أقلية مضطهدة لا تغير في مجرى النقاش شيئا. فأي معنى إذا للشعار السخيف "من اجل استكمال مهام الثورة" ثم المشاركة في انتخابات معروفة النتائج؟ وأي وقاحة تجعل البعض يتهم بالخيانة كل مشكك في أن ما حصل في تونس ثورة؟

إن رفع شعار "استكمال مهام الثورة" يعني في كل الأحوال: لقد حصلت ثورة وعلينا استكمال مهامها كي نحقق واقعا من الديمقراطية والحرية نؤسس خلاله حزبا يقود الطبقة العاملة نحو ثورة أي أن تصبح الثورة منطلق للثورة أي "سيّب في الماء وقول فلتت" أي طرح هذا وأي غبي يريد أن يمرر هذا الخطاب؟

أما الوجه الآخر للخطاب التعيس يظهر بوضوح في مقولة "الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي" فأصحاب هذه المقولة أخرجوها تماما من سياقها التاريخي واستعملوها بسذاجة أينما اتفق لتبرير فشلهم. يقول هؤلاء في منطق لا يختلف عن زملائهم في الانتهازية إننا بصدد ثورة تقطع مع الاستعمار والدكتاتورية ستؤسس لمرحلة تصبح فيها الظروف الموضوعية أكثر نضجا للقيام بالثورة الاشتراكية.

إن هذا الشعار ليس في الحقيقة سوى عنوان لتغطية الانتهازية ذلك أنه يمكن أن نلاحظ بكل يسر إن الامبريالية تتحكم بشكل كبير في المسار الاقتصادي والسياسي التونسي بما يدحض فكرة إن الثورة قطعت مع الاستعمار كما أن سلوك النظام وخاصة قدرته العجيبة على إعادة السيطرة على مفاصل الدولة يؤشر بوضوح على عودة وشيكة للقمع بما يعري تماما المكاسب الديمقراطية المزعومة.

يبدو إذا أن التشدق بعبارة الثورة اصطفاف وراء البرجوازية وإلهاء للبروليتاريا عن مهامها الأصلية المباشرة إبان لحظة ثورية حقيقية.

نعم لقد كان انطلاق الاحتجاجات لحظات ثورية كان من الممكن قنصها والاستفادة منها في رص صفوف الطبقة العاملة وحلفائها قصد الإطاحة بالنظام غير أن أدعياء الثورية انساقوا بكل سذاجة وراء حركة الشارع وعجزوا عن صياغة خطة ثورية فكانوا يلاحقون مطالب الشارع ويقولبون مطالب تافهة من قبيل "منحة بطالة " وإطلاق سراح المساجين الذي مثل مطلب السلطة آنذاك والطلب الساذج بالكف عن القتل بنفس نغمة النظام، ليقفزوا بعد ذلك بشكل بهلواني إلى مطلب إسقاط النظام بعد أن سقط فعلا وبعد أن انقضت البرجوازية ومن وراءها كل أجهزة الاستخبارات على جمهور غير مسلح ببرنامج ثوري. ثم يعود هؤلاء الماركسيون الأفذاذ إلى رفع شعار "استكمال مهام الثورة" بعد أن حازت البرجوازية وأجهزة النظام على مبتغاها وهاهم الآن يزعجوننا بصراخهم الليبرالي عن ثورة مزعومة.

إن التحريف والخيانة لا يتوقفان فقط عند التسليم بمقولة الثورة وترتيلها بل يتجاوز ذلك إلى إهمالهم الواضح لدور العمال والفلاحين في تحقيق الثورة. هناك رؤيتان ممكنتان لدور الطبقة العاملة في المسألة الديمقراطية فإما أن ينظر للعامل بوصفه متضررا كباقي المتضررين من قمع البرجوازية وإما أن ينظر إليه باعتباره طليعة القوى الثورية التي يمكنها وحدها دون سوها أن تقود النضال من أجل تحررها وتحرر باقي الطبقات. وحيث نلاحظ الغياب المفزع للعمال والفلاحين في هيكلة ورؤى وتصورات هؤلاء الماركسيين عدى الادعاء الكاذب بالدفاع عن العمال والبروليتاريا في برامج حزبية أعدت على عجل فإن محاميي الشعب المزعومين يتعرون تماما من كل دفاع عن الطبقة العاملة.

"إن الشيوعيين ليسوا حزبا منفصلا في مواجهة الأحزاب العمالية الأخرى وليست لهم مصالح منفصلة عن مصالح عموم البروليتاريا. وهم لا يطرحون مبادئ خاصة ويريدون قولبة الحركة البروليتارية بقالبها... إذا الشيوعيون عمليا هم الفريق الأكثر حزما من الأحزاب العمالية في جميع البلدان والدافع دوما إلى الأمام، ونظريا هم متميزون عن سائر جموع البروليتاريا بالتبصر في وضع الحركة البروليتارية وفي مسيرتها ونتائجها العامة" .

إن هذا التعريف الواضح للشيوعيين ومهماتهم يزيل كل قناع يريد الماركسيون الجدد وضعه، والتظاهر بالدفاع عن الماركسية اللينينية ويبدو أن هؤلاء الماركسيين الذين لبسوا جبة الماركسية طوال عقود يخجلون الآن من نزعها ويخشون افتقاد هذه الهوية التي تجلب التعاطف أينما حلت. غير أنهم نسوا أن الماركسية اللينينية ليست مجرد شعارات ترفع لتغطية ممارسات رجعية إنما هي نضال يومي يزيل كل الورود عن قيود الطبقة العاملة ويعلمها أنها وحدها دون سواها الأجدر بقيادة المجتمع نحو التحرر والإنعتاق الكامل.

إن رفع هؤلاء للشعارات الثورية في صالونات الثرثرة العامة أو على شاشات التلفزيون وخاصة بتلك الرداءة والابتذال لا يخدم مطلقا مصلحة البروليتاريا ولا يغير في واقع الأمر شيئا فالماركسية اللينينية ليست كلمات سحرية تغير الواقع بمجرد ذكرها بل إن عظمة هذه النظرية الثورية تكمن الوسائل التي ابتدعتها لتتحول من فكرة مجردة إلى قوة مادية داخل الواقع عن طريق تسليح الجمهور ببرنامج ثوري ونفض غبار الأوهام الليبرالية عن فكره.

يا ماركسيي آخر زمن أمعنوا النظر في هذا التعريف انظروا مليا من خلال تلك الكلمات الرائعة وستجدون أنكم غير معنيون تماما بذلك التعريف وأنّ لا أمل فيكم إلا بإعادة قراءة الماركسية وتعليمها للأجيال الجديدة كما هي دون تحريف. فالنضال من أجل انتصار الطبقة العاملة لا يقاس بأعمار "المناضلين" ولا يتوقف التاريخ عند تجاربهم لذلك فإنّ تكييف الواقع حسب المزاج والمعنويات الذاتية للأشخاص أمر فادح الخطورة ذلك أن حركة التاريخ أقوى من ترتبط بتجارب أشخاص وذوات مريضة تريد للتاريخ أن يتوقف عندها.

قد يتساءل البعض ماذا نريد إذا وكيف يمكن الانحياز للبروليتاريا في صراعها المحموم ضد البرجوازية؟ سنجيبهم بكل بساطة أن الاحتجاجات التي حصلت في تونس كانت فرصة سانحة لأن تتشكل قوى ثورية حقيقية سريعة البديهة تدفع بالطبقة العاملة نحو افتكاك السلطة غير أن ضعفهم الموضوعي وتخاذلهم الذاتي جعل من الماركسيين المزيفين خارج دائرة الأحداث وهم الآن يطبلون للثورة والانتقال الديمقراطي طمعا في أن تشملهم القسمة.

أما الآن فقد تقدمت الأمور بشكل واضح وأعاد النظام ترتيب أوراقه واختار تكتيك المجلس التأسيسي (رغم الوهم الذي يحمله البعض عن كون المجلس التأسيسي قد فرض على الحكومة) فيحافظ بذلك على سلطته وسيطرته على الدولة والمجتمع مقابل تنوع سياسي شكلي. إن هذه البرجوازية تتعلم من أخطاءها لذلك فهي تسعى للقطع مع أنموذج احتكار الحياة السياسية . وفي هذا الصدد سوف لن تغير من المعطيات الاقتصادية شيئا يذكر فبالرغم من مليارات الدولارات التي ستضخها الامبريالية وما ستمثله من حلول جزئية فإن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لن تتغير بشكل جذري وذلك:

أولا لأن هذه البرجوازية الجشعة لن تقبل بفكرة اقتسام الثروة مع الفقراء والمضطهدين

وثانيا لأن تركز الإنتاج والملكية وظهور الاحتكار مسار تاريخي كامل سيظهر بشدة على وجه الخصوص في الفترة القادمة. انظروا إلى كل البلدان الرأسمالية وحتى تلك البلدان الصاعدة وستلاحظون تركز الإنتاج وانحسار الملكية في يدي عدد قليل من الأشخاص لا يتجاوز العشرات في كل بلد.

إن هذا التطور الطبيعي للاحتكارات سيزداد وضوحا في تونس ولن تكتفي البرجوازية بإقصاء الشعب والبروليتاريا على وجه الخصوص من دائرة الثروة والملكية بل إنها ستقصي أيضا جزءا كبيرا منها لينفرد عدد صغير ومحدود بالملكية لذلك نرى إن الصراع الطبقي سيحتدم في السنوات القادمة وأن كل ماصات الصدمات ستتكسر تحت وطأة ذاك الصراع.

من هذا المنطلق بالذات فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ستتجه نحو مزيد من الاختناق وسينفجر الصراع الطبقي بشكل أشد وضوحا وأكثر عنفا وهنا بالذات تكمن مهمة الثوريين الحقيقيين في تعرية كل الأوهام والعمل على رص صفوف الطبقة العاملة وتسليحها بالبرنامج كي لا تكون مجددا ثورتها فريسة سهلة في يد أعداءها.إن الثوريين الحقيقيين لا يهللون في جوقة الليبراليين وأصدقائهم من الظلاميين عن ثورة غير موجودة على أرض الواقع وإنما يدفعون باتجاهها فمن يريد الثورة عليه انجازها.

لقد انتفض الشعب ضد نظام بورقيبة في جانفي 1978 و في جانفي 1984 واهتز الشارع أيما اهتزاز في 1991 وكان النظام يفلت كل مرة ويستعيد بعد ذلك عافيته ليدخل مرحلة جديدة من القمع والدكتاتورية وابتزاز خيرات البلاد وكان القاسم المشترك في كل هذه المراحل هو غياب الطليعة الثورية التي تقود هذا الشعب المكافح بل إن النخب تنخرط في كل مرة مع النظام تحت عناوين مختلفة لتخذل الشعب ولتكون بعد ذلك أول ضحايا القمع. إننا الآن بعد 14 جانفي بصدد إعادة نفس هذه التجارب والتسويق لـ7 نوفمبر جديد وإن بدت الأمور أكثر رومانسية وجمالا والمطروح الآن وبشكل عاجل أن نؤمن دوام فسحة الديمقراطية هذه حتى نبني قوة ديمقراطية ومعارضة قوية خالية من كل الأمراض تقود هذا الشعب نحو تحرره وانعتاقه الاجتماعي.

النقابيون الراديكاليون

دائرة الإعلام

أكتوبر 2011





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,807,581
- الذكرى 41 لحركة 5 فيفري
- بوْح (1)
- صَفَحَاتٌ تُرابيّةٌ منْ مَاءٍ ونارْ (1)
- ملخّص وجيز لما حصل في تونس منذ 17 ديسمبر2010
- رُؤَى الإنْسَانْ (1)
- ذَاكِرَةُ مُسْتَقْبلِ الَبشَرْ
- ثورة شيطان والنّاسُ جياع
- كُنْ
- أاِنْتهتِ الرُّؤْيَا ؟
- تونس من انقلاب إلى انقلاب!
- تَكْوينٌ بَحْريّ
- اِرْفَعْ ممحاتك عَنّي
- قَطْرةُ دَمٍ في خَارِطتي!


المزيد.....




- ثلاثة شبان لبنانيين آثروا البحر والهجرة لقبرص على الحياة في ...
- هجوم مسلح على مفرزة أمنية ومخفر للشرطة في ريف درعا الغربي بس ...
- في حكم "تاريخي".. محكمة تدين فرنسا في قضية تتعلق ب ...
- وزير الخارجية الإماراتي يؤكد أن هناك حاجة لأدلة مقنعة بشأن ه ...
- بالفيديو: رحلة وحيد القرن من أوروبا إلى القارة الأفريقية
- في حكم "تاريخي".. محكمة تدين فرنسا في قضية تتعلق ب ...
- وزير الخارجية الإماراتي يؤكد أن هناك حاجة لأدلة مقنعة بشأن ه ...
- بعد تصريحات كوشنر في ورشة المنامة... فلسطينيون: مؤامرة أمريك ...
- إسرائيل: انقطاعات غامضة لنظام -جي.بي.إس- في المجال الجوي
- صحفي إسرائيلي يكشف كواليس إحباط تفجير طائرة كانت في طريقها إ ...


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمر بن منير بن عمر بلخشين - حول مقولة الثورة