أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - خليل كلفت - ثورة 25 يناير - مقالات النصف الثانى من 2012















المزيد.....



ثورة 25 يناير - مقالات النصف الثانى من 2012


خليل كلفت

الحوار المتمدن-العدد: 3958 - 2012 / 12 / 31 - 19:15
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    



المحتويات

1: احتمالات الصراع الحالى بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان المسلمين ......
2: قبل تشكيل حكومة هشام قنديل .....................................................
3: حدث 25 يناير 2011: ثورة أم ليست ثورة؟ (مفهوم مختلف للثورة السياسية) ............
4: سوريا: الطريق إلى الجحيم ........................................................
5: بدلا من صَوْمَلَةِ سيناء ............................................................
6: هل انتصرت الثورة المضادة فى مصر؟ .............................................
7: إلا الرسول الكريم ..................................................................
8: الاحتمال الأرجح: مفارقة انتصار الثورات والثورات المضادة فى "الربيع العربى"!.........
9: ضرورة الإطاحة بحكم الإسلام السياسى فى سبيل تفادى حرب أهلية محتملة فى مصر...
10: غزة وما بعد غزة..................................................................
11: عملية "عَمُود السحاب" وأقدار مصر وسيناء وغزة....................................
12: تحالفات الإخوان المسلمين وأوهام الديمقراطية........................................
13: يسقط حكم المرشد.. والتراجع كارثة ................................................
14: إلغاء الإعلان الدستورى.. إلغاء مشروع الدستور.. مقاطعة الاستفتاء.. وليس التصويت ﺑ "لا".. إسقاط الرئيس الحاكم بأمر المرشد....................................................
15: الثورة تتسع وتتعمَّق والحركة الجماهيرية تتجاوز قيادات جبهة الإنقاذ الوطنى..............
16: الاستفتاء مصيدة خبيثة.. مقاطعة الاستفتاء من ضرورات إنقاذ الثورة.....................
17: السلطة التشريعية فى مصر بين الأسطورة والحقيقة......................................
18: عربدة فى قمة السلطة.. الاستفتاء والدستور ومجلس الشورى ومجلس النواب..............





1
احتمالات الصراع الحالى
بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان المسلمين
1: بفوز مرشح حزب الحرية والعدالة والإخوان المسلمين الدكتور محمد مرسى برئاسة الجمهورية بالشروط التى أحاطت به يمكن القول إن جدل التعاون والصراع أو التحالف والتناقض بين المجلس الأعلى والإخوان ينتقل إلى مرحلة جديدة. ويفسر هذا الجدل المظاهر المتناقضة التى تتجلى قبل وأثناء وبعد تسليم قمة السلطة التنفيذية للرئيس الجديد. وتحيط بذات الفوز فى الانتخابات شكوك لا نعلم على وجه اليقين مدى حقيقتها: هل كان الفريق أحمد شفيق هو الفائز حقا؟ وهل ذهب الفوز إلى محمد مرسى خشية تصعيد الإسلام السياسى لمليونيته، التى كانت بالفعل فى الميدان، فى حالة عدم فوزه؟ وهل كان هذا التراجع المحتمل من جانب المجلس الأعلى أمام التهديد الإخوانى مشجِّعًا للجرأة الإخوانية عليه بعد ذلك؟ وكانت تغذى تلك الشكوك قرائن قبل إعلان النتائج بدت قرارات وإجراءات احتياطية لمواجهة رد فعل الإسلام السياسى ضد فوز شفيق، منها حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب (مع احتمال حلّ مجلس الشورى والحيلولة دون قيامه بتغيير قيادات المؤسسات الصحفية التابعة للدولة وحلّ الجمعية التأسيسية للدستور) وبتثبيت شفيق فى الترشيح للرئاسة، وقرار الضبطية القضائية، وبالأخص إصدار الإعلان الدستورى المكمل الذى يقضى فيما يتعلق بالفترة السابقة على وضع الدستور وانتخاب الپرلمان الجديد بنقل السلطة التشريعية إلى المجلس الأعلى، وبجعل هذا المجلس دولة داخل الدولة وفوقها، وبالحدّ من سلطات رئيس الجمهورية، وبالتمهيد لحلٍّ محتمل للجمعية التأسيسية للدستور.
2: وسرعان ما أكد رد فعل الإسلام السياسى والرئيس الجديد نفسه وجود خلفية بالغة الحدة من التوتر والخلاف والتصعيد ونوع من التمرد بهدف إلغاء الإعلان الدستورى المكمل وتحرير سلطات الرئيس وإعادة مجلس الشعب المنحلّ وحماية مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور. وعلى خلفية تظاهر واعتصام مليونية الحشد الجماهيرى للإسلام السياسى المتمرد، تردَّدَ مرسى فى القَسَم أمام المحكمة الدستورية العليا تطبيقا للإعلان الدستورى المكمل واضطر إلى القَسَم هناك مع القَسَم الاستعراضى قبله فى ميدان التحرير وبعده فى جامعة القاهرة، كنوع من التمرد على هذا الإعلان وكنوع من التملص منه تمهيدا لمحاولة التحرُّر منه ولتهدئة غضب الإسلام السياسى. وتواصل التصعيد الجماهيرى والإعلامى للإسلام السياسى بعد القَسَم الرئاسى. وفى هذا السياق، أصدر الرئيس قراره بعودة مجلس الشعب المنحلّ مُشْعِلًا حماس الإسلام السياسى المتمرد على المجلس الأعلى والقضاء وبالأخص المحكمة الدستورية العليا، وسط استنكار واسع النطاق من جانب المجلس الأعلى والإعلام الرسمى والمستقل ورجال القانون والقوى السياسية المدنية والثوار لبدء الرئيس الجديد عهده السعيد العتيد بالخروج على القانون والقضاء متمثلا فى قمة السلطة القضائية فى البلاد.
3: ورغم الانعقاد الفعلى للمجلس المنحلّ الذى أحال حكم المحكمة الدستورية إلى محكمة النقض بوصفها المختصة وحدها بالفصل فى صحة العضوية بالمجلس، والتى من المتوقع عدم قبولها لطلب المجلس بوصفه منعدما وغير قائم بعد حكم المحكمة الدستورية العليا بحله، ورغم استمرار التصعيد الجماهيرى من جانب الجماعة وحزبها، تراجع الرئيس أو تراجع تقريبا (إذا أخذنا فى الاعتبار حديثه عن البحث عن مخرج قانونى من "المشهد" الحالى، وفقا للتعبير الرئاسى)، عن قراره أمام الحكم الجديد للمحكمة الدستورية العليا بوقف تنفيذ قراره. ولا شك فى أن قرار الرئيس الذى كان "ضربة طائشة" ولم يكن "ضربة معلم" كما تصوَّرَ الرئيس والحزب والجماعة، قد أساء إلى الرئيس وحزبه وجماعته وإلى مجلس الشعب، لأن قرار التراجع السريع أثبت أن القرار الأصلى للرئيس كان متهورا وطائشا بعد بداية عهده بأيام قليلة. ولهذا يتواصل غضب وتمرد وتصعيد الإسلام السياسى.
4: ومن الجلىّ أننا إزاء صراع سياسى متوقع تماما بين المجلس الأعلى والإسلام السياسى بقيادة جماعة الإخوان المسلمين وحزبها ورئيسها للجمهورية، وذلك بعد تحالف اضطرارى جمع بين الطرفين منذ الثورة؛ نتيجة من جانب لحاجة هذا المجلس إلى تغطية سياسية جماهيرية يمثلها الإسلام السياسى والإخوان المسلمون على وجه الخصوص لتصفية الثورة، ونتيجة من جانب آخر لتقدير الإخوان المسلمين أنهم أمام فرصة تاريخية للقفز على السلطة. ومن الجلى أيضا أن كل طرف من هذين الطرفين كان عليه أن يدفع ثمنا باهظا للحصول على ميزة سياسية كبرى. وقد اضطر المجلس الأعلى فى سبيل التحالف مع الإخوان ضد الثورة إلى فتح الطريق أمامهم إلى التحول إلى قوة سياسية مشروعة وإلى لاعب سياسى أساسى يسيطر على مجلسىْ الشعب والشورى والجمعية التأسيسية للدستور وأخيرا على منصب رئيس الجمهورية مع الاحتياط على رأس أشياء أخرى بالإعلان الدستورى المكمل. ولا شك فى أن المجلس الأعلى يدرك حقيقة الشهية المفتوحة للإخوان، مضطرا إلى التحالف معهم، ومحتاطا لنفسه بإعلانات دستورية كمكمل قانونى لسيطرته الفعلية، ومستعدا مع ذلك لاحتمال صراع مرير مع الإسلام السياسى كثمن لا مناص من دفعه مقابل دوره "المجيد" فى تصفية الثورة.
5: ويختلف الأمر فيما يتعلق بالإسلام السياسى الذى كان مضطرا إلى التحالف الذيلى مع المجلس الأعلى بالهدف المزدوج المتمثل فى القفز على السلطة السياسية والمشاركة الفعالة فى تصفية الثورة. وكان عليه أن يدفع ثمنا باهظا يتمثل فى خسارة ثقة القوى السياسية والجماهير الشعبية. على أنه استطاع مع ذلك، بفضل استخدام مختلف وسائل تزييف إرادة الشعب بمساعدة المجلس الأعلى، السيطرة على مجلسىْ الپرلمان، والسعى إلى السيطرة على الحكومة، والجمعية التأسيسية للدستور، والصحافة الحكومية، والقفز إلى التربُّع على عرش رئاسة الجمهورية. وبهذا انهمك فى الظاهرة المسماة بالتكويش؛ أىْ السيطرة على مختلف مؤسسات الدولة. ومن الجلىّ أن هذا اتجاه طبيعى وقانونى لكل حزب إذْ يمكن أن يجمع حزب حاكم فى يده بين الأغلبية الپرلمانية، والحكومة، ورئاسة الدولة، غير أن الإسلام السياسى تجاهل الشروط السياسية الملموسة التى تحيط بتحقيق مصلحته الخاصة فتناطح فى سبيل هذا التكويش مع مختلف مؤسسات الدولة دون إجراء حسابات دقيقة لعلاقات القوة بينه وبين مختلف المؤسسات والقوى وفى مقدمتها المجلس الأعلى. وكان من شأن مثل هذا الإمعان فى التكويش أن يؤدى إلى احتمال تجريد الإسلام السياسى من معظم إنْ لم يكن من كل مكاسبه السياسية منذ الثورة.
6: وهنا نجد أنفسنا إزاء صراع سياسى يستخدم وسائل قانونية. وفى سياق تحالف العسكر والإخوان من أجل التصفية التدريجية للثورة، كان لا مناص، إلى جانب العنف الذى بلغ حد تنظيم المذابح مرارا وتكرارا دون التورط فى طريق التصفية العنيفة الحربية للثورة، من تركيز خاص على بناء مؤسسات دولة الثورة المضادة. وقد جرت وتجرى هذه العملية التشريعية القانونية المضادة للثورة بالتعاون والتحالف بين المجلس والإخوان. ومع استمرار هذه العملية والتعاون العسكرى الإسلامى فى سياقها المنطوى على التنافس، ينشأ بحكم طبيعة الأشياء صراع بين المجلس الأعلى والإسلام السياسى على السلطة. فبعد أن دأب المجلس الأعلى على تفريغ المؤسسات التى سيطر عليها الإسلام السياسى من محتواها وإصابتها بالشلل وإفشالها وحلّها عند الضرورة، كما فعل مع الپرلمان والجمعية التأسيسية الأولى للدستور وأخيرا مؤسسة الرئاسة، يستميت الإسلام الإخوانى فى محاولة تحويل السيطرة الشكلية على مؤسسات أو مناصب إلى سيطرة فعلية. وهنا أيضا يجرى الصراع السياسى على السلطة بوسائل قانونية بحثا عن الشرعية القانونية والدستورية الشكلية.
7: ولا شك فى أن القضاء يغدو الملجأ والملاذ لكل من الطرفين. ولا يمكن بالطبع الحديث فى مصر عن قضاء مستقل، فالسيطرة على القضاء تأتى من جهتين أساسيتين: الأولى هى السيطرة التشريعية المتمثلة فى القوانين التى وضعتها الپرلمانات المصرية المتعاقبة والمراسيم الرئاسية بقوة القانون، والأخرى هى سيطرة السلطة التنفيذية بقيادة رئيس الدولة على السلطتين التشريعية والقضائية، فهى التى تنظم الانتخابات الپرلمانية والرئاسية ومختلف الاستفتاءات بطريقتها الشهيرة بالتزوير بين كل أشكال تزييف إرادة الشعب، وهى التى تصادق فى شخص رأس الدولة على القوانين التى تسنُّها السلطة التشريعية، وتسيطر بالتالى على العملية التشريعية والرقابية، وهى التى تتبعها السلطة القضائية من خلال تعيينات رئيس الدولة ومن خلال التبعية لوزارة العدل على نحو يهدر استقلال القضاء، بالإضافة إلى مختلف أنواع المحاكم العسكرية والاستثنائية ومحاكم أمن الدولة.
8: وفى الصراع السياسى الحالى بين العسكر والإخوان، يستخدم المجلس الأعلى بحكم سيطرته الفعلية على السلطتين التشريعية والتنفيذية القضاء بكل مستوياته. ويساعده على هذا دخول الإخوان فى صراع مكشوف بالغ الحدة والتهور والطيش مع القضاء والإعلام والثورة والشعب والمجتمع كله. وكان القضاة ومنهم قضاة المحكمة الدستورية العليا هم الذين أشرفوا على الانتخابات الپرلمانية المزورة ضد الإخوان فى أواخر عام 2010، أىْ فى عهد مبارك، فقامت بإقصائهم تماما، وأشرفوا على الانتخابات الپرلمانية فى 2011-2012، التى منحت نفس الإخوان والإسلام السياسى أغلبية كاسحة فى مجلسىْ الپرلمان، كما أشرفوا على الانتخابات الرئاسية بجولتيها بكل مفارقاتهما. ومن وجهة نظر الإسلام السياسى تكون الانتخابات أو الإجراءات القضائية مزوَّرة عندما لا تأتى على هواه أما الانتخابات الپرلمانية والرئاسية التى جاءت لصالحه فقد جرى إعلانها انتخابات نزيهة بيضاء لا شية فيها وعُرْسا للديمقراطية. ويتعاقب مدح وهجاء القضاء من جانب الإسلام السياسى على أسس سياسية بحتة مع إلباسها ثوبا قانونيا. وباختصار فإنه لا مجال للدفاع عن قضائنا الذى يتطلع هو ذاته إلى الاستقلال والتطهير، والذى يلجأ إليه المجلس الأعلى فى صراعه السياسى ضد الحليف الإسلامى السابق. غير أن النفاق الإخوانى يتمثل فى مواقف لا يحكمها مبدأ إزاء الأحكام والإجراءات القضائية، وإذا كان الإسلام السياسى نفسه يؤكد من ناحية أن المجلس الأعلى يستخدم القضاء استخداما سياسيا، ويشكك من ناحية أخرى فى شرعية الإعلانات الدستورية المتعاقبة، فمن أين يستمد مجلسا الشعب والشورى شرعيتهما؟! ومن أين يستمد رئيس الجمهورية شرعيته؟!
9: ومن هنا فإن مسألة ما إذا كان حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون "العزل"، وقانون انتخاب مجلس الشعب، وحكمها بالتالى بحلّ مجلس الشعب ثم بوقف قرار الرئيس مرسى بعودة مجلس الشعب، يرجع إلى أسباب قانونية حقيقية أم إلى أسباب سياسية تصطنع لنفسها غطاءً قانونيا، تغدو مسألة بيزنطية فى سياق حالة القضاء فى مصر، وفى غياب معايير قانونية حقيقية فى ظل سيطرة معايير السياسة والمصلحة الخاصة بكل طرف. والحقيقة أن التلاعب بالقانون والقضاء و"مليونيات" المنصة فى مدينة نصر من ناحية المجلس الأعلى واستخدام الضغط الجماهيرى جنبا إلى جنب مع بعض الإجراءات القانونية الدفاعية أو الهجومية من ناحية الإسلام السياسى يمثلان الأداتين الرئيستين للصراع الراهن على السلطة.
10: ويروِّج الإخوان المسلمون دعاوى يبرِّرون بها شرعيتهم. وتقف دعاواهم على عكازين: دورهم فى ثورة يناير، وتضحياتهم قبل ومنذ حركة 1952. ولا حاجة بنا إلى التذكير بدورهم المزدوج فى الأسبوعين السابقين لسقوط مبارك ثم دورهم المتمثل فى التحالف الذيلى ضد الثورة مع المجلس الأعلى منذ ذلك الحين. كما أنه لا حاجة بنا إلى التذكير بأن تضحياتهم المتمثلة فى السجن والاعتقال والتعذيب وغير ذلك طوال العقود لم تكن بسبب النضال فى سبيل استقلال البلاد أو فى سبيل الديمقراطية للشعب بقدر ما كانت بسبب الصراع على السلطة، وهذا أمر لا يستحقون عليه جوائز ومكافآت.
11: وفى هذه اللحظة الخاصة من التعاون فى سياق التناقضات داخل الطبقة الرأسمالية التابعة بين الإسلام السياسى كممثل سياسى لقطاعات منها وبين المجلس الأعلى كممثل سياسى قيادى لقطاعات أخرى حاسمة من نفس الطبقة، تتناقض وتتصادم وتتناطح التاكتيكات والإستراتيچيات والأهداف المباشرة والبعيدة للفرقاء. والصراع حادّ بحكم طبيعة الحالة التى وصل إليها نتيجة رعونة كان من مصلحة الإخوان المسلمين أن يتفادوها لكى لا يخسروا الجلد والسقط، كما يقال. وكان من مصلحة المجلس العسكرى أن يواصل الإسلام السياسى تحالفه الذيلى معه قانعًا بالسيطرة الشكلية على مؤسسات ومناصب فلا يطمع فى أكثر من ذلك، مستمرا فى التحالف ضد الثورة التى يدرك الجميع أنها لم تنته، بحيث يعفيه فى الداخل والخارج من صدام حاد يعكِّر صفو عُرْس الديمقراطية المزعوم، مع تأجيل التخلص من الإسلام السياسى إلى مستقبل بعيد بقدر الإمكان. غير أن الإسلام السياسى ليس طفلا يحبو، وقد أدرك من تجربة الفترة السابقة على الأقل أن القيمة التاريخية الرمزية لوصوله إلى السيطرة على مجلسىْ الشعب والشورى وقفزه على منصب الرئاسة لا تكفى ولا يجوز الصبر عليها لأن تفريغ المؤسسات التى يسيطر عليها من محتواها يهدد بالإطاحة به ذات يوم إنْ لم يبادر هو بتحويل السيطرة الشكلية إلى سيطرة فعلية على المؤسسات الپرلمانية والرئاسية للدولة فى البلاد. ومن المنطقى أن ينطوى هذا على احتمالات الصدام رغم مخاطره على أساس حسابات تؤكد أن المجلس الأعلى لا يمكن أن يتورط فى انقلاب عسكرى مباشر فظ على الإسلام السياسى. غير أن هذا الأخير يخدعه تصوره المغرور عن قوته، هذا التصور الذى ورطه فى الدخول فى صراعات متعددة الأطراف مع مؤسسات الدولة والقوى السياسية المدنية وقوى الثورة. ويمكن أن نفهم فى هذا السياق تحركات وتخبطات رئيس الجمهورية ومجلسىْ الشعب والشورى والجمعية التأسيسية للدستور.
12: ولا يمكن بالطبع أن نتجاهل العامل الأمريكى المفترض فى هذا الصراع. وهناك اعتقاد واسع الرواج حتى بين قيادات ثورية ناضجة نسبيا بأن الولايات المتحدة وأطرافا غربية وعربية أخرى تعمل على المجيء بالإسلام السياسى السنى المعتدل إلى سلطة الدولة فى المنطقة لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: 1: المواجهة السنية لإيران الشيعية وحلفائها وجيوب نفوذها فى المنطقة، و 2: المواجهة الفعالة من موقع إسلامى معتدل للاتجاهات الإسلامية الجهادية، و 3: المواجهة السياسية والأمنية والفكرية للثورة فى مختلف بلدان المنطقة. غير أن هذا التصور لا يعدو أن يكون مبالغة فى تقدير الاتصالات الأمريكية مع أطراف الإسلام السياسى والتصريحات الأمريكية بشأن هذا الأخير. والحقيقة أن الولايات المتحدة، ومعها قوى غربية وعربية، تضع ثقتها فى المجلس الأعلى وتعتمد عليه وليس على الإسلام السياسى، وهى تدرك أن قدرة الإسلام السياسى السنى على مواجهة الإسلام السياسى الشيعى لا يفوق قدرتها هى مع حلفائها على مواجهة إيران، والإسلام السنى ضد الشيعى جاهز على كل حال بعيدا عن السياسة بالمعنى المباشر. كذلك فإن من شأن حكم إسلامى إخوانى أن يزيد من مخاطر الاتجاهات الجهادية وليس أن يقلِّل منها. ورغم الترحيب بدور الإسلام السياسى وتشجيعه ضد قوى الثورة إلى الآن وفى المستقبل فإنه لا يمثل الأداة الرئيسية المتمثلة فى المحل الأول فى المجلس الأعلى والليبرالية اليمينية على المدى الأطول.
13: وتدور فى الوقت الحالى لعبة لىّ الذراع من خلال الضغط الجماهيرى فى ميدان التحرير وقرارات الرئيس ومداولات مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور من ناحية الإسلام السياسى، والضغط الجماهيرى المعاكس فى ميدان المنصة بمدينة نصر وأحكام القضاء المتلاحقة من جانب المجلس العسكرى وأدواته. ومن المحتمل أن تتواصل أحكام القضاء بشأن دعاوى حل مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور وجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الدينية. والهدف هو تجريد الإسلام السياسى، إنْ لم يتراجع عن طموحاته بوضوح، من معظم إنْ لم يكن من كل مكاسبه السياسية المؤسسية فى الفترة السابقة. والهدف الذى يلحّ عليه الإسلام السياسى الآن هو إلغاء الإعلان الدستورى المكمل واسترداد سلطات الرئيس والحيلولة دون حل مجلس الشورى وجمعية الدستور ومواجهة دعاوى حلّ جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية. وبحكم قوة هجوم المجلس العسكرى مستخدما الضغط الجماهيرى والقضاء، يكتسب رد فعل الإسلام السياسى بدوره قوة خاصة. ويحتدم صراع لن يوقفه سوى تسوية أو صفقة على حساب الإسلام السياسى على طول الخط لكى يتفادى خسارة كاملة فى غياب قدرته على صدّ الهجوم الشامل المتواصل الذى أطلقه الإخوان المسلمون على غير مقتضيات الحكمة المتوقعة منهم. وهذه التسوية ممكنة فى حالة إدراك الإخوان المسلمين بوضوح أن علاقات القوة لم تعد لصالحهم وأنه لا مناص من أن يحنوا رأسهم للعاصفة بالعودة إلى التعاون الذيلى بلا طموحات واسعة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
14: وهناك تصورات وتوقعات واقتراحات ومطالب إسلامية معاكسة فيما يتعلق بالسلوك السياسى المتوقع للإسلام السياسى فى اللحظة الراهنة. ومن أبرز هذه التوقعات أو المطالب لجوء الرئيس مرسى إلى إلغاء الإعلان الدستورى المكمل، وحلّ المحكمة الدستورية العليا، وحلّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتشكيل مؤسسات جديدة بدلا منها، اعتمادا على شرعيته الدستورية كرئيس منتخب للجمهورية. غير أن "الشرعية" لا تكفى فى غياب قوة مادية حاسمة على الأرض. وهناك مَنْ يشبِّه موقف مرسى الآن رغم ضعفه بموقف السادات الذى انتصر رغم ضعفه فى صراع مرير ضد مراكز القوى "الناصرية". غير أن الموقفين المذكورين متباعدان حقا، حيث اعتمد السادات على الحرس الجمهورى الذى كان مواليا له فى لحظة الصدام الحاسم. وفى المقابل، يجرى تشبيه الموقف الحالى بالصدام فى 1954 بين مجلس قيادة الثورة والإخوان المسلمين. ومرة أخرى فإن هذا التشبيه أعرج لأن المرونة التى كان يملكها مجلس قيادة الثورة فى التخلص بسهولة من الإخوان المسلمين لا يملكها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حيث كان السلوك السياسى لمجلس قيادة الثورة يقوم فى ذلك الحين على الشرعية الثورية لانقلاب 1952 العسكرى على حين أن السياق الحالى للتطورات السياسية فى مصر يفرض على المجلس الأعلى سلوكا سياسيا يقوم على استخدام الشرعية الدستورية والقانون. وعلى كل حال فإن هذا المجلس يجمع بين القوة المادية العسكرية وأدوات السلطة القضائية فى سياقٍ ما يزال بعيدا عن استقلال القضاء. ومن جديد تغدو تسوية تقوم على تراجع الإسلام السياسى مخرجا ممكنا ومعقولا من هذا "المشهد"، إذا استعرنا تعبير الرئيس مرسى أو الناطق باسمه.
15: ورغم ما كنا نتوقعه من عدم دفع الإسلام السياسى التطورات إلى صدام غير معروف العواقب إدراكا منه لعلاقات القوة إلا أن صداما قد حدث بالفعل. غير أن التراجع السريع من جانب الرئيس وكذلك إحجامه عن الإقدام على قرارات حاسمة مثل حل مؤسسات كالمجلس الأعلى والمحكمة الدستورية وإلغاء الإعلان الدستورى المكمل يدلَّان على المزيد من استيعاب حسابات الصدام. والحقيقة أن الإسلام السياسى وجد نفسه فى موقف بالغ الصعوبة حيث يهدد اكتفاؤه بمواقع غير فعالة بسهولة إقصائه فى المستقبل على حين أن الانتصارات المدوية التى أوصلته إلى هذه المواقع تشحن قواعده وحتى قياداته بدوافع لا تُقاوَم ولا تسهُل السيطرة عليها من جانب الرئيس أو الحزب أو الجماعة (رغم كل ما يقال عن المبايعة على السمع والطاعة) للاندفاع إلى السيطرة هنا والآن والضرب على الحديد وهو ساخن. ومهما يكن من شيء فقد اندفعت التطورات إلى "مشهد" لا مناص من البحث عن مخرج منه. ومهما كان من الصعب إقناع الجماهير الإسلامية الغاضبة المندفعة بحسابات قد تكون رادعة للعقلاء من القيادات فإن المخرج الذى يقوم على التراجع من جانب الإسلام السياسى من شأنه أن يأتى بمزيد من إضعاف الإسلام السياسى بالخلافات الداخلية فى صفوفه.
16: ولا يمكن أن نتجاهل موقف قوى وشخصيات سياسية عديدة من الموقف من الإعلان الدستورى المكمل ومن الاستخدام السياسى للقضاء بما فى ذلك المحكمة الدستورية العليا. وقد وجدت هذه القوى والشخصيات نفسها إزاء موقف غريب. ذلك أن القوى الديمقراطية ظلت تعارض السلطات المطلقة الواسعة لرئيس الجمهورية فى الدساتير المصرية المتعاقبة. وفجأة رأينا قوى وشخصيات سياسية عديدة تعارض سحب هذه السلطات من الرئيس الجديد وفقا للإعلان الدستورى الجديد المكمل. ويكمن السبب بالطبع فى أن الكثير من تلك السلطات تم تقليصها عن طريق نقلها إلى المجلس الأعلى. ولأن هذه القوى والشخصيات السياسية تعارض ليس الإسلام السياسى وحده بل كذلك المجلس الأعلى فقد كان من المنطقى رفض تمتُّع هذا المجلس بهذه السلطات. غير أن رفض إسناد السلطات المطلقة لرئيس الجمهورية إلى المجلس الأعلى ما كان ينبغى أن يدفع إلى إقرارها للرئيس بعد ثورة ضد استبداد رئيس للجمهورية ترسَّخ بالاستناد إلى تلك السلطات. وكان الأجدر بهذه القوى والشخصيات السياسية إنكار هذه السلطات على كلا الطرفين المتصارعين والبحث عن المخرج فى إسنادها إلى هيئة ديمقراطية منتخبة مؤقتة تسلِّم السلطة التنفيذية فى المستقبل لجمهورية پرلمانية حقيقية. وقد عميت هذه القوى والشخصيات السياسية عن البحث عن حلّ ديمقراطى لأنها حصرت خيالها السياسى داخل إطار عملية بناء مؤسسات دولة الثورة المضادة، بكابوسيها البديلين الجاهزين: المجلس الأعلى والإسلام السياسى.
17: ولهذا ينبغى رفض الإعلان الدستورى المكمل ليس فى إطار منح السلطات الرئاسية المطلقة التى اغتصبها المجلس الأعلى لنفسه للرئيس الجديد بل فى إطار حلّ ديمقراطىّ حقيقى بعيدا عن كامل عملية بناء مؤسسات دولة الثورة المضادة: الپرلمان، ورئيس الجمهورية، والدستور. والحقيقة أن النظر إلى عملية بناء هذه المؤسسات على أنها قارب نجاة الثورة بدلا من إدراك أنها قارب نجاة الثورة المضادة من "وباء" الثورة يدفع الكثير من القوى والشخصيات السياسية إلى الانخراط فيها وإطلاق الأوهام العريضة حولها واعتبارها مسألة حياة أو موت، الأمر الذى يورِّطها فى فقدان بوصلة ثورية توجِّه اتخاذ المواقف إزاء المجلس الأعلى والإسلام السياسى بوصفهما قوتين سياسيتين معاديتين للثورة، وبالتالى الوقوف فى صف إحدى هاتين القوتين فى مواجهة الأخرى حسب طبيعة القضية المطروحة.
18: ولا ندرى على وجه اليقين أو حتى على وجه التقريب كيف سيكون الخروج من هذا "المشهد". غير أن التداعيات والمخاطر التى ينطوى عليها استمرار واحتدام الصدام من شأنه أن يُجبر الطرفين المعنيين على البحث عن مخرج يحفظ للإسلام السياسى ماء الوجه كحدّ أدنى ودور فى السياسة خاصة فى مواجهة الثورة كحدّ أقصى، بعيدا عن انقلاب شامل لصالحه كما يتوهم أنصاره.
13 يوليو 2012


















2
قبل تشكيل حكومة هشام قنديل
1: أمس الأول الثلاثاء، 24 يوليو 2012، اختار الرئيس المصرى الدكتور محمد مرسى لرئاسة حكومته الأولى الدكتور هشام قنديل، وهو كما يصفونه شاب فى الخمسين من عمره (من مواليد 1962)، خريج كلية الهندسة فى 1984، وحاصل فى أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات على الماچستير والدكتوراة (على الترتيب) من جامعتين بالولايات المتحدة، وقد مُنح وسام الجمهورية من الطبقة الثانية فى 1995، وعمل فى وزارة الموارد المائية والرى، وعمل خبيرا وكبيرا للخبراء فى مجال الموارد المائية بالبنك الأفريقى العربى، حتى بدايات القرن الجديد، وعمل وزيرا للموارد المائية والرى فى حكومة عصام شرف منذ 21 يوليو 2011 وحكومة كمال الجنزورى منذ تشكيلها. ومن عناصر سيرته الذاتية أنه متزوج وله خمس بنات: رقية، و فاطمة، و عائشة، و زينب، و خديجة. وجرى تداول معلومات تؤكد أنه من أسرة إسلامية متشددة إلى حد عدم دخول الميديا فى البيت. وهذه بالطبع معلومات على عهدة الرواة عن شخص ظل مجهولا تقريبا حتى منذ يومين أو ثلاثة.
2: وعلى وجه الخصوص جرى تداول معلومات عن الميول السياسية للدكتور هشام قنديل. ورغم تأكيد الرواية الرئاسية والإخوانية أن الدكتور هشام "شخصية وطنية مستقلة"، وأنه "لا ينتمى إلى أىّ فصيل أو حزب سياسى لا قبل الثورة ولا بعدها"، علاوة على أنه شخص محترم ومهذّب، إلا أن هناك تأكيدات أو تكهنات أخرى بأن "الدكتور هشام قنديل واحد من الإخوان" (حسام عيسى)، وبأنه إخوانى ولم يترك الإخوان إلا نتيجة لسفره إلى أمريكا (حسين عبد الرازق)، وبأنه يتردد أنه من أتباع الشيخ صفوت حجازى الذى رشحه لحكومة عصام شرف (بين روايات أخرى كثيرة). وهناك مزاعم بأن الدكتور هشام كان عضوا فى لجنة السياسات للحزب الوطنى المنحلّ، وهناك أيضا نفى قاطع لهذه العضوية وحتى للانتماء إلى الحزب الوطنى.
3: وبصرف النظر عن مدى صحة المعلومات المتداولة عن الميول الإخوانية لرئيس الحكومة المكلَّف فإن الحقيقة الأكيدة هى قبوله تأليف وزارة تُثْبت الأسماء المتداولة الآن أن النسبة الحاسمة فيها ستكون لجماعة الإخوان المسلمين ممن ينتمون إلى حزب الحرية والعدالة، فى جمهوريةٍ رئيسها من هذه الجماعة وهذا الحزب، بالإضافة إلى أطراف أخرى فى الإسلام السياسى، ويبدو أن التشكيل الوزارى سيكون مثل تشكيل مجلسىْ الشعب والشورى، والجمعية التأسيسية للدستور، أىْ بالأغلبية الإخوانية الساحقة. وأعتقد أن هذا القبول وهذا التشكيل يدلَّان معا على ما هو أكثر من الميول الإخوانية التى يحاول الإخوان إخفاءها.
4: وهنا تبدأ أسئلة ليست أقل أهمية من شخص أو فكر رئيس الوزراء المكلَّف. وبالطبع فإن رئيس الجمهورية ينتمى فكريا وتنظيميا إلى جماعة الإخوان المسلمين وإلى حزب الحرية والعدالة (فهو لم يستقل منه بل فقط من رئاسته) وكان مرشحهما للرئاسة، غير أن تشكيل الحكومة بأغلبية الإخوان والإسلام السياسى يفترض أن يكون الحزب المذكور حاصلا على الأغلبية أو الأكثرية فى پرلمان فعلىّ قائم وهو أمر غائب بعد حلّ مجلس الشعب وبالتالى إلغاء أحقية الإخوان المسلمين وحزبهم فى تشكيل الحكومة. لا يوجد پرلمان وبالتالى ينعدم أىّ حقٍّ لحزب كان صاحب أغلبية أو أكثرية فيه عندما كان قائما. ومن الناحية الدستورية والقانونية فى مصر بجمهوريتها الرئاسية لا تأتى الحكومة من أغلبية حزبية فى الپرلمان بل يكلف رئيس الجمهورية مَنْ يشاء بتشكيلها، ومن الجلىّ أن تكليف الرئيس يأتى فى إطار الجمهورية الرئاسية وليس على أساس الانتخابات التى جرى الحكم ببطلان قانونها. ورغم حجة حق رئيس الجمهورية الرئاسية فى تشكيل الحكومة، فقد تواتر فى مصر تشكيل الحكومة بالكامل أو بأغلبية ساحقة من الحزب الحاكم فى عهد نظام الحزب الواحد المباشر (تنظيمات هيئة التحرير والاتحاد القومى والاتحاد الاشتراكى) كما فى عهد نظام الحزب الواحد الذى يحيط نفسه بتعددية غير حقيقية (منبر ثم حزب مصر العربى الاشتراكى ثم الحزب الوطنى الديمقراطى). ويمكن القول إن رئيس الجمهورية، ربما لأول مرة فى تاريخ مصر الجمهورية، يتجه إلى تعيين حكومة ذات أكثرية من حزب قائم وهو حزبه (حزب الحرية والعدالة) دون أن يمثل أغلبية أو أكثرية فى انتخابات قانونية لپرلمان منتخب بصورة قانونية. وعلى كل حال فقد ظلت الانتخابات فى مصر تزييفا متواصلا لإرادة الشعب قبل الثورة وبعدها، رغم دعاوى أعراس الديمقراطية فى كل العهود.
5: وعلى كل حال فإنه يحق للرئيس مرسى قانونا أن يشكل الحكومة على هواه، مع أنه تجاوز الرئاسات السابقة كلها فى مصر من الناحية الشكلية بالمجيء بأكثرية حكومية بدون أكثرية انتخابية أو پرلمانية معتمدة قانونا، بحكم البطلان. وهناك اتهامات للجماعة المعنية والحزب المعنىّ بالاحتكار والاستحواذ والتكويش (السيطرة على رئاسة الجمهورية ومجلسىْ الشعب والشورى والجمعية التأسيسية للدستور وتعيين قيادات الصحافة ومحاولات السيطرة على القضاء). وهذه الاتهامات لا معنى لها فى حد ذاتها. ذلك أن كل حزب سياسى فى أىّ مكان فى البلدان الغربية المسماة بالديمقراطية يفعل الشيء ذاته، إلا فى أحوال تفرض حكومة ائتلافية أو تستدعى حكومة وحدة وطنية. وإنما تتعلق المسألة هنا بإشكالية تجاوز جماعة وحزبها لحجمهما من حيث تقديرهما لمصلحتهما فى الحفاظ على مكاسبهما بعد الثورة وتوسيعها. والحقيقة أن كل مقاييس الحجم تدلّ على أن الإخوان المسلمين يحددون سلوكهم السياسى على أساس تقديرات وحسابات خاطئة من المحتمل أن تصيبهم بخسائر فادحة. وقد شهدنا المعارك المتعددة التى دخلها مجلس الشعب ضد كل مؤسسات الدولة (المجلس الأعلى والقضاء بما فى ذلك المحكمة الدستورية العليا والقوى السياسية التقليدية والجديدة) الأمر الذى أدى إلى حلِّه باستخدام القضاء، ويواصل مجلس الشورى معركة بشأن القيادات الصحفية، كما تواصل الجمعية التأسيسية الإخوانية للدستور معركتها بشأن الدستور الإسلامى.
6: ومن حيث علاقات القوة نجد أن القوة الانتخابية للإسلام السياسى لا يتجاوز تسعة أو عشرة ملايين صوت على الأكثر، وكانت عدة ملايين من الأصوات التى فاز بها الرئيس الحالى قد جاءت ليس حبا له أو للإسلام السياسى وإنما كراهيةً ﻟ شفيق بكل ما يمثله، تماما كما ذهبت ملايين الأصوات إلى شفيق بدافع عكسىّ. والحقيقة أن علاقات القوة بين القطاعات التى يمثلها الإسلام السياسى من الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية والقطاعات الأخرى التى تقودها ليبرالية يمينية كالوفد والمصريين الأحرار وقوى سياسية أخرى إلى جانب المجلس العسكرى ما تزال من الناحية الجوهرية مماثلة لعلاقات القوة بين الإسلام السياسى ونظام مبارك الذى كانت له اليد العليا فى الصراع وفى الصفقات، رغم فوارق متعارضة ناشئة عن الثورة. فالقوة المادية العسكرية والإدارية والقضائية فى جانب المجلس الأعلى، والقوة السياسية فى جانب المثقفين والقوى السياسية التقليدية والمجتمع المدنى، كما أن الثورة التى يودّ العسكر والإخوان دفنها ما تزال مستمرة بحكم أهدافها التى لم تتحقق وبحكم نضالاتها (مثلا الإضرابات العمالية فى المحلة الكبرى وغيرها عند ملتقى شعبان ورمضان). وقد أظهرت الصدامات المتعددة الأطراف لمجلس الشعب والتى كانت نتيجتها حل المجلس حقيقة علاقات القوة بين الفرقاء، كما ظهرت نفس الحقيقة فى الحصار المفروض على رئيس الجمهورية وإجباره على التراجع غير مرة.
7: وإذا كنا على هذا النحو أمام ضربات طائشة من جانب الإخوان المسلمين رغم خوفهم المفهوم من ملاكمة الضربة القاضية وتفضيلهم المنطقى لمنطق الفوز بالنقط على مدى زمنى طويل، فإن ما يوقعهم فى الغباء السياسى وسوء التقدير من وجهة نظر فَهْم مصلحتهم ذاتها هو النظر إلى الأبواب التى فتحتها الثورة أمامهم بعد أن ظلت موصدة على مدى عقود طويلة، وربما على طول تاريخهم باستثناء صدام الخمسينات بكل نتائجه، على أنها فرصة تاريخية نادرة للقفز على السلطة، مع الانخداع بمظاهر التحالف مع العسكرى، والاستقواء بالضوء الأخضر الدولى والعربى والإسرائيلى، ومشاعر الغطرسة بالقوة الانتخابية الپرلمانية والرئاسية التى تحيط بها شكوك، والإحساس بأن عليهم أن يستخدموا كل وسائل الصراع بدلا من الاستسلام المبكر، على أساس أن الهزيمة التى يمكن أن تلحق بهم فى مجرى مواجهة محسوبة أفضل لمستقبلهم من هزيمة الاستسلام المبكر.
8: على أن من المنطقى أن تخلق أجواء كهذه التى نعيش فيها نشوء عدد هائل من "النظريات" والتصورات والرؤى. وهناك "نظرية" مؤداها أن الولايات المتحدة تعمل على تشجيع الإخوان للإيقاع بينهم وبين المجلس العسكرى بما يؤدى إلى فوضى عارمة وصدام دموى وبالتالى إلى إضعاف مصر فى مواجهة إسرائيل، وكأن مصر ليست ضعيفة بما يكفى. وهناك "نظرية" مؤداها أن الولايات المتحدة والمجلس العسكرى وعدد من دول الخليج تعمل جميعا على تسليم السلطة السياسية فى مصر للإخوان المسلمين باعتبارهم أقدر فكريا وسياسيا وجماهيريا على تصفية الثورة، مع أن المجلس العسكرى على رأس الثورة المضادة هو الذى قام بالدور الأكبر فى مجال تصفية الثورة بالدم والحديد والنار، وإنْ كان قد تحالف فى سبيل ذلك مع الإسلام السياسى بقيادة الإخوان، وباعتبارهم أقدر أيضا على كبح جماح الجماعات الإسلامية الجهادية وكأن العكس، أىْ استفحال خطر نمو مثل هذه الجماعات، ليس هو الأكثر احتمالا، وباعتبارهم أقدر كذلك على تكوين تحالف للإسلام السياسى السنى العربى لمساندة الحصار أو العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران ونفوذها فى المنطقة وكأن أمريكا أو إسرائيل توشك على ضرب إيران رغم أننا فى سنة الانتخابات الأمريكية التى يصعب تصوُّر أن يُقْدِم فيها حزب أوباما على مغامرة عسكرية يصعب حساب تداعياتها، أو كأن الإسلام السياسى وغير السياسى السنى ليس جاهزا، أو كأن تحالف الإسلام السياسى السنى العربى ضرورى إلى حد الإقدام على مثل هذه المغامرة أو المقامرة السياسية الكبرى، وباعتبارهم أقدر على كبح جماح حماس فى مواجهة إسرائيل وكأن إسرائيل تعانى إلى هذا الحد من حرب الهدنة مع حماس. وهناك بطبيعة الحال "نظرية" واسعة الانتشار تحبِّذ حكم الإخوان على أساس أن الهزيمة ستكون من نصيبهم خلال أشهر أو أعوام، باعتبار أنهم لا يحملون عصا سحرية لحلّ مشكلات مستعصية، فتنطوى صفحتهم إلى الأبد، وكأن النجاح وحده هو الذى يطيل أمد نظام. وهناك تباديل وتوافيق لهذه النظريات التى تفترض كل طبعة منها حرية منفلتة تجرؤ بلا قيود على التنظير القائم على نظرية المؤامرة.
9: ومهما تكن الدوافع والظروف والتقديرات والأوهام التى تُوقع الإخوان المسلمين فى سيناريو "استحواذى" أو "تكويشى" قد يؤدى إلى صدام قد يخسرونه بحساب ميزان القوى، وقد يكسبونه بحساب مليونيات إسلامية، أو لمعجزات مفاجئة من السماء، بدلا من رفع الرايات البيضاء بما يؤدى إلى خسارة لا بديل لها ولا مناص منها فى هذه الحالة، فإن سيناريو "التكويش" والصدام هو سيد الموقف. ويبرز فى هذا الصدام العسكر والإخوان، وتحيط بمواقف كل طرف منهما حسابات دقيقة لصعوبة وضع كل منهما فمهما كان العسكر أقوى ماديا فإنهم لا يملكون قوة جماهيرية فعالة (دون إنكار مصطفى محمود، وروكسى، والمنصة) تتحدى القوة الجماهيرية الإسلامية كما أن المجلس الأعلى ترفضه قوى الثورة بعزيمة أقوى من تذبذبات التحالف والصراع بينه وبين الإسلام السياسى.
10: فما هو المصير المحتمل للصراع الحالى؟ ما مصير الحكومة الإخوانية المقبلة؟ وما مصير قيادات الصحافة التى يفرضها مجلس الشورى؟ وما مصير وزارات التربية والتعليم والثقافة والاقتصاد المسمَّى بالإسلامىّ؟ لا شك فى أن مصير كل هذه الأشياء يظل وثيق الارتباط بمصير الجمعية التأسيسية للدستور، ومصير مجلس الشورى، ومصير الإعلان الدستورى المكمل، وربما دعاوى حل الجماعة، والأحزاب ذات المرجعية الدينية، ونتائج الانتخابات اللاحقة لإقرار الدستور، وهل ستكون انتخابات پرلمانية فقط أم ستمتدّ إلى منصب الرئيس المنتخب على أساس الإعلان الدستورى التأسيسى؟ وما مغزى كل هذه الانتخابات والاستفتاءات بالنسبة للثورة الشعبية؟
11: ويمكن القول إننا إزاء ازدواج للسلطة بين العسكر؛ والإخوان وليس بالطبع بين الثورة والنظام. ومن الجلى أن القوى الحقيقية للثورة لم تصل وما كان لها أن تصل إلى السلطة. أما السلطة فكانت مع الانقلاب العسكرى للمجلس الأعلى وذهب الإسلام السياسى لاقتسامها معه، من موقع شريك أصغر، وبالأحرى شريك ذيلى كخطوة اضطرارية للقفز على السلطة عند التمكن، قبل بداية الصدام منذ حوالى نصف عام. وهناك مَنْ يُنكرون أن ثورتنا ثورة لأنها لم تنجح فى استلام سلطة الدولة من الطبقة الرأسمالية التابعة لأنها لم تنجح فى الإطاحة بها. والحقيقة أن ثورتنا لم يكن من شأنها النجاح فى الإطاحة بالرأسمالية التابعة الحاكمة لأن هذه الإطاحة لا يمكن أن تحدث إلا نتيجةً لثورة اشتراكية وليس هذا هو الحال فى ثورتنا، أو نتيجة مواجهة عسكرية أو حرب أهلية بين الثورة والثورة المضادة وفى هذه الحالة تُسْرَق الثورة فتستلم السلطة طبقة رأسمالية تابعة جديدة (إيران، سوريا، إلخ.)، أو نتيجة انقلاب عسكرى كبير مثل حركة 1952، التى انتهت إلى إحلال طبقة بيروقراطية رأسمالية الدولة وكانت طبقة تابعة للإمپريالية محل الرأسمالية التابعة السابقة فى العهد الملكى الاستعمارى. وفى حالة الثورة الراهنة فى مصر تظل السلطة السياسية فى أيدى هذه القطاعات أو تلك من الطبقة الرأسمالية الواحدة رغم تناقضاتها الداخلية التى قد تكون كبيرة وحتى خطيرة بل يمكن أن تكون حتى حربية فى بعض الحالات بوسائل عسكرية أو غير عسكرية (ولا أقصد هنا حالتنا المصرية التى ابتعدت بحكمة عن طريق الحرب الأهلية).
12: وهنا نأتى إلى سؤال حاسم هو ما يلى: هل يمكن تفادى الحكم العسكرى فى بلادنا، وبعبارة أخرى: هل يمكن تحقيق شعار: "يسقط حكم العسكر"؟ وبالطبع فإن الإخوان المسلمين يمكن أن يزعموا أن دولتهم الدينية أو الإسلامية أو "المدنية" ذات المرجعية الدينية الإسلامية (احتراما لمقتضيات المرحلة السابقة للخلافة الإسلامية المبتغاة) ستكون دولة غير عسكرية. على أن الحكم العسكرى هو الحكم الذى يقوم على القوة العسكرية للجيش وعلى مختلف الأجهزة المخابراتية والأمنية وهذه أدوات لا غنى عنها ولا يمكن التخفيف من تأثير نفوذها وميولها على الدولة إلا فى حالة قيام دولة مدنية رغم جيشها وأجهزة مخابراتها وأمنها. فأمريكا أو فرنسا أو بريطانيا، على سبيل المثال، دول مدنية رغم جيوشها وأجهزة مخابراتها وأمنها. ففيم تتمثل مدنيتها فى المحل الأول؟ إنها تتمثل فى مؤسسات دولة تشمل سلطات متوازنة منفصلة هى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية المنتخبة والقابلة للعزل والتى تمارس وظائفها بصورة دستورية قانونية حقيقية محددة بدقة حيث يخضع المجتمع والدولة والفرد لدستور وقانون يكفلان الحريات والحقوق ويحميان الأفراد كمواطنين متساوين أمام القانون دون تمييز من أىّ نوع. ولا شك فى أننا هنا إزاء دول هى أدوات جبارة للاستغلال الطبقى، غير أنها تقوم بوظائفها بالوسائل القانونية وليس بوسائل الاستبداد المرتكز على القوة العسكرية للجيش والأمن وأجهزة المخابرات. وهى بالطبع دول علمانية تكفل حريات العقيدة الدينية وغير الدينية دون تمييز ولا تقوم على أىّ مرجعية دينية. وبالطبع فإن هذه البلدان قد تعرف رغم خطها العام المدنى عهودا من الفاشية والنازية والفالانخية والمكارثية والعنصرية والعرقية وغير ذلك بكل الميول أو السيطرة العسكرية لمثل هذه العهود، غير أن ما يميزها هو خطها المدنى العام.
13: وفى غياب هذا النظام المدنى الشامل للدولة والحكم والقانون والقضاء، نجد الحكم العسكرى المباشر لطغمة عسكرية، أو مجلس عسكرى، أو قيادة جيش باعتبار الجيش القوة الأساسية للهجوم والدفاع خارجيا والقمع الجماهيرى داخليا، رغم وجود القوات التابعة لوزارات الداخلية، ورغم وجود الدستور والقوانين والقضاء العادى، تلجأ الدولة العسكرية إلى القضاء العسكرى والاستثنائى، والاعتقالات غير القانونية، وإلى التشريعات القانونية المقيِّدة للحريات والمهدِرة للحقوق، وإلى تجريم الحريات والحقوق بالقانون إن لم يكن بالدستور. ولكنْ: هل تختلف الوسائل الدستورية والقانونية والمادية للدولة الدينية أو الإسلامية أو ذات المرجعية الإسلامية عن وسائل الدولة العسكرية أو الحكم العسكرى إنْ شئنا الدقة؟ إذا تحدثنا على أساس الدول الإسلامية الفعلية القائمة الآن وفى التاريخ فإنها لا تختلف عن الحكم العسكرى إلا بإضافة سيادة معايير دينية وتديين أو تقديس السياسة وتسييس الدين وإعلان هذا الدين أو ذاك دينا للدولة، رغم التناقض بين فضائل تدعو إليها الأديان والظلم والاستغلال والاستبداد والفساد بوصفها سمات لا فكاك منها لكل دولة. وإذا تحدثنا على أساس نظرى فإن معايير الدولة الدينية أو الثيوقراطية، أو الحكم الدينى أو الثيوقراطى، المستمدة من شريعة أو مبادئ أو نصوص أو أحكام دين بعينه هو دين أكثرية السكان فى المجتمع، فإنها تندمج بالضرورة اندماجا تاما مع الحكم العسكرى باعتبار القوة العسكرية والپوليسية والمخابراتية أدوات لا غنى عنها فى ظل قيام المعايير الدينية بطرد المعايير المدنية باعتبار الأولى معايير مقدسة معصومة واعتبار الأخرى معايير بشرية تقبل الصواب والخطأ. ولا مناص للحكم الدينى من التسلُّح بقوة إكراه ذات طابع مادى عسكرى بالإضافة إلى الإكراه الدينى، رغم النص على أنه لا إكراه فى الدين، وعلى وجه الخصوص فإن شريعة دين بعينه هى التى يجرى فرضها على الحياة العامة للسكان حتى رغم عدم تقييد الحياة الخاصة لأقسام من السكان بأحكام شريعة غير شريعتهم.
14: وهنا تتضح خطورة الوضع الذى نجد أنفسنا فيه فى عالمنا الثالث، وفى مصر. ففى ظل الحكم الدينى أو الإسلامى أو الحكم غير الدينى أو غير الإسلامى، والذى قد يتزيَّن باسم حكم مدنىّ، سنجد أنفسنا أمام الاستبداد المرتكز على القوة العسكرية والمخابراتية والأمنية، وهكذا نجد أنفسنا إزاء أحد كابوسين لا ثالث لهما، ولا مناص من أحدهما، ولا بديل عن أحدهما: كابوس الحكم العسكرى، وكابوس الحكم العسكرى الدينى (الإسلامى فى حالتنا)، فالثالث المرفوع هو الحكم الإسلامى دون أن يكون عسكريا، فى غياب الحكم المدنى أو "الديمقراطى" بالمعنى الغربى الذى يتزين باسم الديمقراطية.
15: وهناك من يتوهمون أنهم سوف يتفادون الحكم العسكرى عن طريق الحكم الإسلامى، ولهذا يتورطون فى تأييد اضطرارى لنوع أو آخر من الإسلام السياسى (للإخوان المسلمين مع محمد مرسى أو للسلفيين والوهابيين مع عبد المنعم أبو الفتوح أثناء الانتخابات الرئاسية بجولتيها). فكيف يمكن الخروج من هذه المعضلة؟ بالطبع بالحكم المدنى الحقيقى، ولكنْ كيف؟ والحقيقة أن تراثات وتقاليد وآليات العالم الثالث لا تترك مجالا لأىّ مخرج حقيقى، فلا أمل إذن إلا بالخروج من العالم الثالث وأقداره ومصيره، ولكنْ كيف؟ بالطبع بالتحول إلى بلد صناعى حديث، وكان هذا التحول استثناءً تاريخيا فى بلدان النمور الآسيوية، ويتطلب تحقيق الاستثناء بطبيعة الحال جهودا استثنائية كتلك التى بذلتها النمور أو التنانين. ولكن ما هى الطبقة المرشحة لإحداث مثل هذ التحول؟ من الجلىّ أن الطبقة الرأسمالية الريعية التابعة للإمپريالية لا تملك الخيال الخلاق ولا الإرادة السياسية المطلوبيْن لتحقيق هذا التحول، ولا أمل فى الحقيقة إلا فى ضغوط جماهيرية واعية هائلة من جانب الطبقة العاملة والطبقات الشعبية تجرى من خلالها ممارسة إكراه شامل على سير البلاد فى هذا الطريق من خلال سباق مع الزمن فى سبيل التصنيع والتحديث الشاملين. وهنا تظهر الإجابة الوحيدة على كل هذه الأسئلة: الديمقراطية الشعبية من أسفل. حيث يمكن لهذه الديمقراطية الشعبية دون غيرها أن تعمل جاهدة على تحقيق هدفيْن كبيرين: رفع مستويات معيشة ونوعية حياة الطبقات الشعبية والجماهير الكادحة فى مصر، والعمل بإرادة لا تلين على تحويل مصر وبسرعة إلى بلد صناعى بالمفهوم الصحيح لهذا التعبير، فهذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ الشعب ليس فقط من التبعية بل كذلك من المصير الكارثى للعالم الثالث.
16: ومهما يكن ما يمكن أن يقال بعد إعلان التشكيل الوزارى الجديد فإننا الآن أمام مناسبة ملائمة للحديث عن السياق العام الذى يحيط بازدواج السلطة بين العسكر والإخوان وهذا السياق العام هو الأكثر أهمية من تفاصيل كل لحظة من لحظات تطور الصراع أو التعاون بين هذين الاتجاهين العسكرى والإسلامى العسكرى المتمثلين فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية والإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى. وهنا ينبغى أن أشير من جديد إلى أن الصراع بين العسكر والإخوان يجرى فى سياق أوسع هو الصراع الكبير بين الثورة والثورة المضادة، باعتبارهما عدوَّيْن لدودين للثورة رغم ادِّعاء كل منهما بأنه حامى الثورة أو مُشعلها أو سرّ نجاحها أو حتى أنه هو الثورة. وفى فترة من الهبوط النسبى للثورة يبدو ("يبدو" فقط) أن الصراع بين المجلس الأعلى والإخوان المسلمين هو الصراع الأساسى فى مصر، غير أن صعود الثورة، كلما اتجهت إلى الصعود، تُبْرِز الصورة فى وضع مختلف، فالثورة فى صراعها ضد الثورة المضادة هى أساس التغيير على حين أن الصراع بين العسكر والإخوان لا ينطوى إلا على كابوس نظام واحد يتمثل فى حكم عسكرى أو حكم عسكرى إسلامى. وهنا يتضح خطأ تركيز القوى الحقيقية للثورة على ما يجرى فى قمة المجتمع والسلطة أىْ على بناء مؤسسات دولة الثورة المضادة، وبالتالى المشاركة فى الاستفتاءات والانتخابات الپرلمانية والرئاسية، بدلا من التركيز على ما يجرى فى أسفل المجتمع أىْ على بناء مؤسسات الديمقراطية الشعبية من أسفل.
17: ومهما كانت تفاصيل التشكيل الوزارى العتيد، أو تشكيل الفريق الرئاسى الوشيك، فإن محطات الصراعات القانونية والسياسية بين الفرقاء سوف تتعدد وتتواصل خلال الأسابيع والأشهر القادمة، وعلينا أن نحذر تكرار خطيئة تأييد المجلس الأعلى ضد الإخوان المسلمين أو العكس، وأن نكفّ عن الحديث بلا ملل عن أن وصول الإخوان إلى السلطة أو تقاسُمها بين العسكر والإخوان يعنى نهاية الثورة، وأن نكفّ أيضا عن الإحباط والأنين والانصراف المحبَط والمحبِط إلى النكات والقفشات والتعليقات والكاريكاتيرات الخفيفة الظل على كل حال بدلا من وضع لبنة مهما تكن صغيرة فى بناء مؤسسات الديمقراطية المباشرة، وبدلا من الانتقال من الوعى العفوى وتقديس العفوية إلى التحليل الواعى.
26 يوليو 2012
3
حدث 25 يناير 2011: ثورة أم ليست ثورة؟
(مفهوم مختلف للثورة السياسية)
1: تدور، منذ اندلاع ثورات ما يسمى بالربيع العربى، مناقشات لا تهدأ إلا لتتجدد خاصةً مع فترات هبوط موجات الثورة، حول طبيعة حدث 25 يناير 2011، والأحداث العربية المماثلة الأخرى، بين تأكيد أنها ثورات سياسية بامتياز وإنكار أنها كذلك. فهى ثورات عند البعض وانتفاضات أو هبَّات أو تمردات أو عصيانات أو هوجات عند غيرهم. والحقيقة أن أولئك الذين ينكرون كون هذا الحدث ثورة يجتهدون فى تدقيق تطبيق مفهومٍ للثورة "كما يقول الكِتاب"، أىْ كما جرى استخلاص مفهوم الثورة من تجربة ثورات البلدان الصناعية الحالية فى الغرب أو الشمال فى العصر الحديث. وهو مفهوم يتضمن انتقالا من نظام اجتماعى إلى آخر، على سبيل المثال من الإقطاع إلى الرأسمالية، من ناحية، وانتقالا للسلطة السياسية من طبقة تسود فى النظام الاجتماعى الانتقالى السابق على الثورة إلى طبقة تسود فى النظام الاجتماعى اللاحق، من ناحية أخرى. ورغم أن الواقع الفعلى لثوراتنا هو الأهم فإن فَهْم واقع الثورات الحالية بوضوح لن يتحقق إلا بوضوح مفهومها.
2: ومن المهم كنقطة بداية، وبقدر ما يتعلق الأمر بمفهوم الثورة السياسية، أن أستدعى هنا تمييزا ركزتُ عليه فى كثير من مقالاتى بين الثورة السياسية فى السياق التاريخى للثورة الاجتماعية فى عالم البلدان الصناعية حاليا، والثورة السياسية فى السياق التاريخى للتبعية الاستعمارية فى عالم بلدان الرأسمالية التابعة حاليا، وهو عالم المستعمرات وأشباه المستعمرات السابقة. ويمكن أن ينصبّ التركيز أيضا على جانبين أولهما هو غياب التبعية الاستعمارية فى سياق الثورة الاجتماعية بكل النتائج الإيجابية لهذا الغياب، وغياب الثورة الاجتماعية فى سياق التبعية الاستعمارية بكل النتائج السلبية لهذا الغياب. وتتمثل النتائج الإيجابية لغياب التبعية الاستعمارية فى سياق الثورة الاجتماعية فى تحرُّر الثورتين الاجتماعية والسياسية فى البلدان التى صارت صناعية من التبعية الاستعمارية الثقيلة حقا فى نضالها ضد العراقيل التى تعترض سبيلها. وتتمثل النتائج السلبية لغياب الثورة الاجتماعية فى سياق التبعية الاستعمارية فى عجز الثورة السياسية عن التحرُّر من التبعية الاستعمارية محرومةً ومجرَّدةً من الأساس المادى التاريخى الوحيد الضرورى لهذا التحرُّر، أىْ الثورة الاجتماعية، والمقصود بها هو التحول أو التطور أو التقدم الرأسمالى التدريجى التاريخى التراكمى الطويل الذى يكون قد خلق أرضية اجتماعية اقتصادية ثقافية فعلية، يمكن الانطلاق منها والبناء عليها، إذ تعنى هذه الأرضية الوجود الفعلى "على الأرض" لمرحلة متقدمة من التطور والتقدم الرأسماليين.
3: ويتمثل الجانب الثانى فى أن حدوث الثورة السياسية فى سياق بعينه يعنى الوجود السابق لهذا السياق على الثورة. وبالتالى فإن السياق المتحقق تراكميا عبر زمن طويل قد يمتد إلى قرن أو أكثر قبل الثورة، والثورة العنيفة المفاجئة التى يمكن أن تستغرق بحكم طبيعتها وقتا قصيرا قد يُحْسَب بالأعوام لا يتطابقان زمنيا مطلقا. والحقيقة أن السياق لا يسبق الثورة فقط بل يتبعها أيضا. فالثورة الاجتماعية تتواصل قرنا آخر أو قرنين بمزيد من الاندفاع بعد أن تنجح الثورة السياسية فى إزالة عراقيل وعقبات وحواجز كانت تعترض سبيل اندفاعها. وكذلك تتواصل التبعية الاستعمارية بعد الثورة السياسية العالم-الثالثية لأن هذه الثورة تعجز، إلا فى حالات استثنائية مثل تجربة النمور الآسيوية القديمة والجديدة، عن تصفية التبعية التى تقوم على اندماج قوتين جبارتين راسختين هما الإمپريالية من الخارج والطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية من الداخل. ففى سياق التبعية يغيب سياق الثورة الاجتماعية أىْ التحول الرأسمالى بكل نتائجه، ولو لم يكن غائبا لكنا إزاء مجتمع رأسمالى لا يحتاج إلى ثورة اجتماعية رأسمالية، ولكانت توجد ديمقراطية شعبية فعلية من أسفل تفترض أهداف النضالات الديمقراطية فى نطاق الرأسمالية، إلا عندما تتطور نضالات ثورية تاريخية بالشروط والظروف الموضوعية والذاتية الضرورية للاتجاه نحو ثورة اشتراكية.
4: ويؤدى عدم التطابق الزمنى بين حدث طويل الأمد بحكم طبيعته هو السياق التاريخى (الثورة الاجتماعية فى حالة والتبعية الاستعمارية فى حالة أخرى) وحدث قصير الأمد بحكم طبيعته هو الثورة السياسية، إلى حقيقة أننا لا نستطيع أن نعتبر الثورة السياسية الإنجليزية أو الأمريكية أو الفرنسية أو الروسية ثورات اجتماعية مع أنها جميعا تأتى فى سياق ثورة اجتماعية تمثل غاية الثورة السياسية فيما تمثل هذه الأخيرة وسيلتها الكبرى. ويمكن تشبيه هذه العلاقة بخط طويل ممتدّ يمثل الثورة الاجتماعية أىْ التحوُّل الرأسمالى فى العصر الحديث، ونقطة فى مكان ما على هذا الخط تمثل الثورة السياسية. ومن البديهى أن الثورة السياسية العالم-الثالثية لا تساوى التبعية الاستعمارية فهى تتفجر ضد هذه التبعية بل إن من غاياتها، التى لا تتحقق إلا فى أحوال استثنائية، القضاء على هذه التبعية. ويمكن أن نستنتج هنا فارقا مهمًّا وهو أن الثورة السياسية فى سياق الثورة الاجتماعية تعمل على تحقيق أرضيتها المتمثلة فى الثورة الاجتماعية فهى أداة من أدواتها الأساسية، على حين تعمل الثورة السياسية فى التبعية الاستعمارية، ليس على تحقيق أرضيتها، بل فى سبيل القضاء على أرضيتها المتمثلة فى التبعية الاستعمارية، أىْ فى سبيل تحقيق نقيضها الديمقراطى أو الاشتراكى.
5: والمقصود بالثورة الاجتماعية فى العصر الحديث هو الثورة الرأسمالية التى نقلت عالم البلدان الصناعية الحالية من المجتمع الإقطاعى (عندما تُطَوِّره طبقات فيه إلى حالة انتقالية) إلى المجتمع الرأسمالى. فالثورة الاجتماعية الرأسمالية إذن هى الرأسمالية منظورا إليها من زاوية عمليات تطورها التراكمى الطويل الذى يقود، على الأغلب، عند مرحلة من مراحله إلى الثورة السياسية ويستمر بعدها إلى أنْ يتمّ استقراره كمحصلة لهذه العمليات فى نظام اجتماعىّ رأسمالى متقدم. ومن الجلىّ أن هذا المفهوم عن الثورة السياسية التى تمثل وسيلة كبرى من وسائل الثورة الاجتماعية والتحول الرأسمالى التاريخى لا ينطبق على ثورات الربيع العربى. غير أننى أظن أن الإنكار المطلق الذى نلتقى به كثيرا لتعبير الثورة على ثورات الربيع العربى ينطوى على شيء من العقائدية التى يمكن أن تُجازف بتجاهل أحداث وتطورات تاريخية كبرى خاصةً فى عالم المستعمرات وأشباه المستعمرات السابقة التى يكون من الصعب أن نُطبِّق عليها مفهوم الثورة المستخلص من الثورات الاجتماعية والسياسية التى شهدتها البلدان الصناعية الحالية فى العصر الحديث فى إطار الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، غير أن من الصعب أيضا التقليل من شأنها بحصرها فى إطار مفاهيم أو تعابير مثل الانتفاضة أو الهبَّة أو العصيان أو التمرد أو الهوجة أو غير ذلك باعتبارها أقلّ من الناحية الهيراركية من الثورة أو مختلفة عنها بصورة جذرية.
6: وهنا تثور مشكلة دقيقة تتعلق بتسمية أشياء مختلفة باسم واحد. فكيف نُطْلِق اسم الثورة على الثورة الاجتماعية وفى الوقت نفسه على الثورة السياسية رغم كل الاختلاف الجوهرى القائم بينهما، بين تحوُّلٍ فى المجتمع وتحوُّلٍ فى السلطة؟ وكيف نُطْلِق اسم الثورة السياسية على تلك التى تأتى فى سياق الثورة الاجتماعية وفى الوقت نفسه على تلك التى تأتى فى سياق التبعية الاستعمارية رغم كل الاختلاف الجوهرى القائم بينهما؟ وكيف نستعمل لفظة الثورة للثورات الاجتماعية والسياسية والفكرية والجمالية والعلمية والأدبية والفنية والتكنولوچية وغيرها رغم الاختلاف الواضح بين هذه الأشياء؟ ولا شك فى أن للثورة مفهوما خاصا فى كل المجالات السابقة ومجالات عديدة أخرى، كما يتنوع عمقها وتتنوع جذريتها ومستوياتها بين مختلف الحالات والمجالات. وهناك أيضا حقائق أخرى؛ فنحن نستعمل لفظة الثورة للثورة السياسية الجماهيرية الشعبية (مثلا الثورة الفرنسية الكبرى) تماما كما نستعملها للثورة السياسية الفوقية التدريجية التراكمية التى ترافق الثورة الاجتماعية الفوقية التدريجية التراكمية فى نموذج التحول الرأسمالى الفوقى الپروسى اليونكرى كما تحقق فى الياپان بالذات وفى مثل هاتين الثورتين الاجتماعية والسياسية الفوقيتين التدريجيتين التراكميتين يتحول النظام الإقطاعى تراكميا إلى نظام رأسمالى، وتتحول الطبقة الأريستقراطية الإقطاعية تراكميا إلى طبقة رأسمالية حديثة، وتنتقل سلطة الدولة بالتدريج أيضا من الطابع الأريستقراطى السابق إلى الطابع الرأسمالى داخل نفس الطبقة الاجتماعية المتحوِّلة من داخلها، فلا نكون إزاء انتقالٍ للسلطة السياسية من أيدى طبقة إقطاعية فى مرحلة انتقالية إلى طبقة رأسمالية. وهناك أيضا حقيقة أننا نسمِّى بالثورة، الثورة الاشتراكية التى تتمثل غايتها التاريخية البعيدة فى إلغاء انقسام المجتمع إلى طبقات وخلق المجتمع اللاطبقى، والثورة العبودية التى تتمثل وظيفتها التاريخية الكبرى فى القضاء على المجتمع اللاطبقى وإقامة مجتمع طبقى عبودى. ويعنى هذا أن التغيير الاجتماعى أو السياسى أو العلمى أو الجمالى العميق هو الثورة رغم اختلاف المدى والمستوى والاتجاه. وهنا أشير على الهامش إلى أننا نسمى بالثورة كُلًّا من الثورة والثورة المضادة رغم التناقض التناحرىّ بينهما.
7: وبطبيعة الحال فإنه لا يمكن لمفكر جادّ أنْ ينكر وجود الثورة الاجتماعية طوال تاريخ البشر؛ لأن مجرد التسليم بوجود نظم اجتماعية اقتصادية متعاقبة يعنى التسليم بالانتقالات التى أوجدتْها، فهذه الانتقالات إنما هى الثورات الاجتماعية ذاتها والتى قد تحتاج (وهذا هو النموذجى فى الثورات الرأسمالية) أو لا تحتاج (وهذا هو الاستثناء) إلى لحظات أو ضربات أو ثورات سياسية عنيفة. ولاجدال فى الوقت نفسه فى أن نماذج أو أنماط أو أنواع أو أشكال الثورات الاجتماعية بالغة التنوُّع فلا سبيل إلى إنكار اختلاف الثورات العبودية عن الثورات الإقطاعية عن الثورات الرأسمالية ولا إلى إنكار اختلاف الثورات العبودية فيما بينها والإقطاعية فيما بينها والرأسمالية فيما بينها. وصحيح أن أوجه تماثل الثورات الرأسمالية فيما بينها وحتى النظم الرأسمالية فيما بينها قائمة دون شك غير أن هذه الثورات الرأسمالية والنظم الرأسمالية (المتطوِّرة: أىْ التى تستحق هذه التسمية عن جدارة) تقدِّم لنا لوحة بالغة التنوع فى أشكال وألوان وخصوصيات تحقيقها ووجودها بعيدا عن كل تطابق ولكنْ بعيدا أيضا عن الاختلاف الجوهرىّ فى الخصائص الأساسية التى تجعلها ثورات رأسمالية ورأسماليات. ولا يتَّسع المجال هنا لمقارنات بين أشكال تحقيق ثورات اجتماعية تنتمى إلى نفس النظام الاجتماعىّ الواحد (مثلا: الإقطاع اللاتينىّ-الجرمانىّ والإقطاع الشرقىّ أو العبودية الجريكو-رومانية والعبوديَّة المعمَّمة فيما يسمَّى بنمط الإنتاج الآسيوى أو الفرعونى) أو إلى نُظُم اجتماعية مختلفة (مثلا: نظام العبودية المعمَّمة الفرعونىّ أو العراقى القديم والنظام الرأسمالىّ الأمريكىّ). ومن البديهىّ أن هذه العمليات لا تتمّ فى المختبر وأنها لا تتمّ فى عزلة بل تتشابك فيها شروط وأوضاع داخلية وخارجية، بنيوية وظرفية، لأنها تجرى فى هذا البلد أو ذاك وفى الوقت نفسه فى العالم وأيضا فى التاريخ بالمكوِّنات التزامنية والتعاقبية لهذا الأخير.
8: وأعتقد أن إشكالية مفهوم الثورة السياسية بين عالم البلدان الصناعية حاليا وعالم المستعمرات وأشباه المستعمرات السابقة تتضافر مع إشكاليات تتصل بمفاهيم اجتماعية وسياسية أخرى بين هذين العالمين، مثل مفهوم الرأسمالية ومفهوم الطبقة ومفهوم الصراع الطبقى وغيرها، لتصنع معا تمايُزا عميقا بينهما. فالرأسمالية الصناعية المتقدمة تختلف عن الرأسمالية التابعة للإمپريالية، ولكننا نستعمل لهذين الشيئين المختلفين بصورة جوهرية لفظة واحدة هى الرأسمالية مع تمييز إضافى بينهما، وينطبق الشيء ذاته على الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة كما ينطبق على الصراع الطبقى بين طبقات ذات طبيعة مختلفة. ومن ناحية فإنه لا يمكن إنكار حقائق أساسية كالرأسمالية والطبقتين الرأسمالية والعاملة وغيرهما وكذلك الصراع الطبقى فى العالم الثالث، ومن ناحية أخرى فإنه لا معنى لمطابقة هذه المفاهيم وواقعها بين العالمين: الغرب والشرق أو الشمال والجنوب. ويتمثل السبب وراء هذا التمايز أو الاختلاف العميق فى انقسام العالم إلى غرب أو شمال متقدم مسيطر سائد وشرق أو جنوب متأخر وتابع ومَسُود.
9: ولا مخرج من مأزق هذه الإشكالية سوى بالنظر إلى الثورة السياسية على أنها تتمثل فى ثورة شعبية عفوية واسعة شاملة بقيادة طبقة صاعدة أو بدونها بهدف إحداث تغيير تاريخى عميق قد ينجح وقد يفشل فى نهاية المطاف، ويمكن التعبير عن هذا بطريقة مختلفة بالتمييز بين مفهوم الثورة السياسية فى سياق الثورة الاجتماعية ومفهوم الثورة السياسية العالم-الثالثية فى سياق التبعية الاستعمارية فى العالم الحديث والمعاصر. وهذا تماما كما يجرى التمييز بين مفهوم الرأسمالية الصناعية المتقدمة ومفهوم الرأسمالية المتأخرة التابعة للإمپريالية رغم استعمال نفس اللفظة: الرأسمالية.
10: ويمكن أن يُلْقِى واقع استعمال نفس لفظة الثورة لكلٍّ من الثورة الاجتماعية والثورة السياسية ضوءًا جديدا على أبعاد إشكالية مفهوم ومعانى ودلالات الثورة رغم البون الشاسع، رغم الارتباط الوثيق كقاعدة أغلبية، بين واقع الثورة الاجتماعية وواقع الثورة السياسية. فالثورة الاجتماعية، ليس فى العصر الحديث، بل فى مختلف عصور تاريخ البشر، تراكُمٌ تدريجى طويل للغاية لعناصر تكوين اجتماعى لاحق لتكوين اجتماعى قائم. و ينطبق هذا على الثورة العبودية التى أخرجت المجتمع العبودى فى العصور القديمة من المجتمع المشاعى البدائى، وعلى الثورة الإقطاعية التى أخرجت المجتمع الإقطاعى القروسطى من المجتمع العبودى القديم، وعلى الثورة الرأسمالية التى أخرجت المجتمع الرأسمالى الحديث من المجتمع الإقطاعى. وعندما يبلغ هذا التحول المادى التدريجى التراكمى الطويل إلى مرحلة بعينها من النضج من ناحية والعراقيل من ناحية أخرى تأتى ثورة سياسية تزيل تلك العراقيل وتسمح للتحول الجارى قبلها بالاستمرار بعدها فى سياق تطور مادى تراكمى تدريجى بدوره ولكنْ باندفاع أكبر إلى أن يستقر النظام الاجتماعى الجديد. ولأن الثورة الاجتماعية تتخذ شكل التراكم المادى التدريجى الطويل ولا تأتى الثورة السياسية إلا فى مرحلة ناضجة من هذا التحول فإن الثورة السياسية تتفجر فى ظل نظام انتقالى يجمع بين عناصر نظامين اجتماعيين سابق ولاحق، فلا يكون الانتقال، من خلال الثورة، من الإقطاع إلى الرأسمالية، مثلا، بل من مجتمع انتقالى بلغ مرحلة بعينها من التطور الرأسمالى إلى الرأسمالية من خلال فترة جديدة من التراكم الرأسمالى.
11: والثورة الاجتماعية ليست عاصفة عاتية تنقضّ فجأة تحت سماء صافية، كما يُقال، وليست ضربتها العنيفة المفاجئة، حسب قول شهير ﻟ ماركس فى معرض حديثه عن "عملية تحويل أسلوب الإنتاج الإقطاعىّ إلى أسلوب إنتاج رأسمالىّ"، سوى "الدَّاية" (القابلة أو المولِّدة): "العنف داية كل مجتمع قديم حامل بمجتمع جديد. وهو ذاته قوة اقتصادية" Karl Marx, Capital, Vol. I, Progress Publishers, Moscow, 703, 1974. ومن الجلىّ أن المقصود بالعنف هنا هو الثورة السياسية. وفى مدخل "ثورة" فى الترجمة العربية ﻟ "معجم الماركسية النقدى"، الصادر عن دار محمد على الحامى للنشر (صفاقس) ودار الفارابى (بيروت)، الطبعة الأولى، 2003، نقرأ، نقلا عن أعمال ماركس و إنجلس الكاملة: "كل ثورة تلغى المجتمع القديم وبهذا المعنى فهى ثورة اجتماعية، وكل ثورة تلغى السلطة القديمة ولذلك فهى ثورة سياسية". وخلاصة هذين النصين هى أن التحوُّل من "أسلوب الإنتاج الإقطاعىّ" أىْ من "مجتمع قديم" إقطاعى "حامل بمجتمع جديد" رأسمالى "إلى أسلوب إنتاج رأسمالىّ" يتمثل فى عملية تحويل أو تحوُّل اجتماعى-اقتصادى تحتاج عندما ينضج هذا الحمل وهذا الجنين إلى "العنف" أىْ إلى ثورة سياسية فهى "الداية" التى تقوم بعملية تحويل أو تحوُّل سياسى هو فى حد ذاته "قوة اقتصادية" لأنه يفتح مجالا أوسع للتحول الاجتماعى الاقتصادى. والحقيقة أن النصين يشكوان من شيء من الغموض. ويوضح النصان معًا أن الثورة السياسية تأتى عندما يغدو المجتمع القديم الإقطاعى حاملا بالفعل بالمجتمع الجديد الرأسمالى. فالتمييز قائم إذن بين الثورة الاجتماعية "الرأسمالية" المتمثلة فى الحمل المادى الفعلى بالرأسمالية والثورة السياسية "الداية" التى تقوم بعملية التوليد. ومن الجلىّ أيضا أن النص الأول يقدم الثورة الاجتماعية كعملية تدريجية طويلة لأن حمل المجتمع القديم بمجتمع جديد يحتاج إلى الزمن الكافى للتطور التدريجى الطويل، كما يقدم الثورة السياسية أو "العنف" أو "الداية" بوصفها حدثا عنيفا غير تدريجى يأتى فى سياق التطور التدريجى للثورة الاجتماعية. ويأتى الغموض من النص الثانى. فرغم أنه يوضح أن "الثورة الاجتماعية" هى التى تُلغى "المجتمع القديم" (فتأتى بمجتمع جديد يحلّ محله) وأن "الثورة السياسية" هى التى تلغى "السلطة القديمة"، وهذا تمييز يوضِّح ويعمِّق ويُثرى النص الأول، إلا أن حديثه عن أن "كل ثورة" تلغى "المجتمع القديم" وتلغى "السلطة القديمة" قد يوحى بأن كل ثورة تندمج فيها الثورتان الاجتماعية والسياسية معًا وبهذا يعانى من الدمج الذى نشكو منه اليوم عندما يجرى النظر إلى الثورة السياسية على أنها ثورة اجتماعية، رغم أنها فى الحقيقة لحظة سياسية عنيفة فى سياق ثورة اجتماعية تسبقها بزمن طويل قد يمتد قرنا أو أكثر وتستمر بعدها باندفاع أقوى زمنا طويلا قد يمتد قرنا أو أكثر إلى أن يستقر النظام الاجتماعى الرأسمالى الجديد.
12: ويركِّز المؤرخ الأمريكىّ للثورة الفرنسية كرين برينتون Crane Brenton فى كتابه المهم "تشريح الثورة" The Anatomy of Revolution, Vintage Books, New York, 1965، على التماثلات أو أوجه التماثل uniformities بين أربع ثورات كبرى فى العصر الحديث: الثورة الإنجليزية (1688)، والثورة الأمريكية (فى ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر)، والثورة الفرنسية (1789)، وثورة أكتوبر الروسية (1917). ولا يقول هذا المؤلف بوجود أىّ تطابق فما يطرحه هو التماثل مع أخذ التنوُّع فى الاعتبار، ومتأثرا بعمق بكتاب توكڤيل، "النظام القديم والثورة [الفرنسية]"، يجعل هذا المؤلف "الثورة" امتدادا لما قبلها. ويقول برينتون: "منذ وقت طويل أوضح توكڤيل أن الثورة الفرنسية جاءت لتكمل عمل صف طويل من ملوك فرنسا، لجعل السلطة الممركزة [أو: المركزية] فى فرنسا فعالة ومكتملة" (page 239). ويجعل هذا المؤلف بعض التعابير التى نشأتْ فى سياق بعض الثورات قابلة للامتداد إلى ثورات أخرى (مثلا: تعبير "النظام القديم" و "التيرميدور")، وينقل تعبير "النظام القديم" من الثورة الفرنسية إلى غيرها من الثورات بلفظه ومحتواه: "من فرنسا جاءت عبارة ’النظام القديم‘. وهى تشير، عند تطبيقها على تاريخ فرنسا، إلى طريقة حياة ثلاثة أو أربعة أجيال سابقة لثورة 1789. ولعلّ مما يحقّ لنا أنْ نَمُدّ استعمالها لِنَصِفَ بها المجتمعات المتنوعة التى نشأتْ منها ثوراتنا" (page 27). على أن أىّ استعادة لاحقة للنظام الملكىّ لم تكن تعنى مطلقا استعادة ما دمرتْه ثورة 1789 من ذلك "النظام القديم" السابق عليها، ويستشهد بقول مأثور فرنسىّ: "Toute restauration est révolution" [كل استعادة ثورة]، (page 225).
13: وينتج عما سبق بصورة منطقية تماما، وهذه فكرة أصيلة فى الماركسية، أن الثورة الاجتماعية الرأسمالية ليست شيئا آخر سوى تشكُّل ونموّ وتطوُّر وتكوُّن أسلوب الإنتاج الرأسمالىّ، وقد تأتى الثورة السياسية مبكرا وقد تأتى بعد تقدُّم ونضج هذه العملية الرأسمالية. وإذا نظرنا إلى الثورة السياسية على أنها قد تتكون من أكثر من حلقة فإنه يمكن القول إن الحلقة الرئيسية للثورة السياسية (مثلا، ثورة 1789 الكبرى) قد تسبقها حلقة مهمة (مثلا، المركزة الإدارية التى أدخلتها الملكية المطلقة قبل 1789 بأكثر من مائة عام منذ عصر لويس الثالث عشر). وقد لا تأتى الثورة السياسية بمعنى الثورة الشعبية الجماهيرية مطلقا؛ وهنا يتحقق التحوُّل من خلال ثورة اجتماعية تدريجية فوقية، وفى نهاية المطاف نجد أنفسنا وجها لوجه أمام نظام رأسمالىّ مستقر فى ظل السلطة السياسية الأرستقراطية التى قادت الثورة الاجتماعية من فوق، كما حدث فى نموذج الثورة الإجتماعية التى قادتها حركة الميچى فى الياپان والذى كان أكمل نموذج للثورة الاجتماعية الفوقية (الطريق اليونكرى الپروسى للتطور الرأسمالى)، حيث تتحول السلطة السياسية الإقطاعية الأرستقراطية بصورة تدريجية فوقية إلى شكل من أشكال الديمقراطية الپرچوازية وهى فى الحقيقة شكل من أشكال الديكتاتورية الپرچوازية. على أن النظام الرأسمالىّ الذى كان محصلةً لذلك التطور الطويل الأمد لا ينغلق باكتماله ونضجه واستقراره، ولا ينكفئ على نفسه، بل تتمّ داخل نطاقه تطورات وثورات علمية ومعرفية وتقنية وتكنولوچية وتحديثية وغيرها بكل نتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبكل هذه الأشياء يعيش النظام الرأسمالى "حياته الطبيعية"، على أن تناقضاته لا تكفّ بدورها عن النموّ والتفاقم مما يقودها فى الأمد الطويل على طريق الركود المزمن والتفسُّخ والانهيار والموت أمام احتمالين كبيرين متناقضين: الاشتراكية أو البربرية. على أن تشكُّل وتكوين وتطوُّر النظام الاجتماعىّ الاشتراكىّ داخل نطاق هذه الرأسمالية هى الأشياء التى من شأنها أن تنقذ البشر من الهلاك وتهزم البربرية وتبنى الاشتراكية وليس أطيافها وأوهامها الجميلة كما فعلتْ الثورات المسماة بالاشتراكية التى شهد القرن العشرون لحظة ميلاد ولحظة موت كل منها.
14: على أن الحلقة الرئيسية للثورة السياسية قد تتبعها تطورات وحتى ثورات سياسية بالغة الأهمية تقوم بوظائف سياسية متنوعة وحتى متناقضة لصالح الرأسمالية أو على النقيض لصالح الشعب. وهنا يمكن أن نتذكر تطورات سياسية مهمة تتمثل فى تحوُّل الملكية فى فرنسا فى سياق الثورة عبر الجمهورية إلى إمپراطورية وإلى استعادة ملكية البوربون ثم الأورليان ثم الجمهورية أخيرا وكذلك ثورات 1830 و 1848 وكومونة پاريس فى 1871 وثورة الشباب فى 1968. ويجب أنْ يكون واضحا أن الحديث عن عنف الثورات ووحشيتها لا ينبغى أن يحجب عنا حقيقة أن ثورات التطورات التدريجية لا تجهل العنف فهى بدورها وربما بصورة أكبر ثورات دامية من خلال أشكال وأنواع من التراكم البدائى والحروب الداخلية والخارجية. والعنف ضرورىّ بنفس القدر للنظام الاجتماعىّ الراسخ المستقرّ: أليست حوليات تاريخ العالم مكتوبة بالدم والحديد والنار وفقا لقول شهير! وهناك مَنْ يُدينون الثورات بصورة مطلقة كما تفعل الفيلسوفة السياسية حنة أرندت لأنها لا تحقق الحرية ولا تمحو الفقر والعنصرية فيما يمجِّد ماركس الثورة الاجتماعية ويُدين العبوديات الاستغلالية المتعاقبة الناشئة عنها وعن الاستبداد الناشئ عن الثورات السياسية باستثناء الثورة الاشتراكية، كما كان يفترض أو يأمل، وكما نظلّ نفترض ونأمل فيما يتعلق بالمستقبل.
15: وقبل أن نواصل مناقشتنا أتوقف هنا قليلا عند مسألة "الثنائية" فى السياقين التاريخيين للثورة السياسية؛ سياق الثورة الاجتماعية، وسياق التبعية الاستعمارية. فلماذا لا توجد سياقات أكثر رغم وجود تنويعات بالغة التعقيد لكلٍّ من هذين السياقين؟ السبب ببساطة هو انقسام العالم إلى عالميْن اثنيْن لا ثالث لهما. وكما حدث طوال التاريخ (وحتى قبل التاريخ) كانت تتطور وتتقدم بعض مناطق الكرة الأرضية على حين تبقى مناطق أخرى متأخرة فتنشأ علاقات الغزو والفتح والسيطرة ويحدث قيام وانهيار الإمپراطوريات، ولأن الأيام بالتالى "دُوَل"، كما يقال، نشأ العالم الحديث منقسما فقد تطورت الرأسمالية بكل ما تعنيه من قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية وثقافية وعلمية وتكنولوچية فى أوروپا الغربية ولحقت بها بلدان ومناطق فى أوروپا وقارات أخرى فيما عُرف بالغرب ثم الشمال، وصار الغرب أو الشمال يسيطر على باقى العالم من خلال الفتوحات الاستعمارية الإمپريالية. وهكذا صار التقدم والسيطرة سمة الغرب والشمال والتأخر والتبعية مصير وقدر المستعمرات وأشباه المستعمرات التى صارت تسمَّى العالم الثالث. وهنا نجد بلدانا تجسِّد الثورة الرأسمالية والحضارة الرأسمالية وبلدانا تجسَّد على النقيض الخضوع والتبعية لتكون أفنية خلفية للرأسمالية العالمية. وصارت قسمة البلدان المستعمَرة وشبه المستعمَرة تتمثل فى معادلة "ثورة سكانية بدون ثورة صناعية". وفى ظل التبعية الاستعمارية صار التطور الرأسمالى الحقيقى الجذرى مستحيلا تقريبا فى العالم المسمى بالثالث فلم يكسر القفص الحديدى للتبعية للانطلاق إلى الأمام سوى بلدان قليلة كاستثناءات تُثْبِت القاعدة بحكم الطريق الذى تطورت من خلاله. وعندما تحدث ثورات سياسية فى بلد من بلدان العالم الثالث أو منطقة من مناطقه علينا، لكى نفهم طبيعة هذه الثورة السياسية، أن ننظر إلى الأرضية الاجتماعية الاقتصادية الثقافية التاريخية الفعلية القائمة فى ذلك البلد أو تلك المنطقة. وهنا نكون إزاء وجود أو عدم وجود تحوُّل رأسمالى عميق فى البلد الذى يشهد ثورة سياسية. على أنه فى ضوء انتشار الرأسمالية فى كل بقاع العالم، ووجود "حالة" (سائدة أو مَسُودة) تسمى الرأسمالية، يغدو من المهم التمييز بين رأسمالية ورأسمالية، بين رأسمالية متقدمة ورأسمالية تابعة. وعندما تتفجر ثورة سياسية عالم-ثالثية فى بلد أو مجموعة من البلدان فى منطقة فإنه لا غنى عن معرفة مغزى غياب الرأسمالية المتقدمة فى هذا البلد أو هذه البلدان. وهذا الغياب وهو بعبارة أخرى غياب الثورة الاجتماعية يعنى أن البلد المعنىّ تغيب فيه ثمار الثورة الرأسمالية اقتصاديا وثقافيا وعلميا وتكنولوچيًّا، تلك الثمار التى كان يمكن الانطلاق منها إلى الأمام. ويمكن أن يفسِّر لنا إدراك هذا الغياب لماذا كان محكوما على العالم الثالث بأن يبقى فى إسار التأخر والتخلف والتبعية والتراجع التاريخى إلى الوراء بدلا من التقدم إلى الأمام إلا فى حالات استثنائية لها دلالتها مع ذلك. إن الثورة السياسية هنا تتفجر فى خرائب اجتماعية اقتصادية نشأت عن التبعية الاستعمارية الأمر الذى يحكم عليها فى أغلب الحالات بطريق مسدود ليس فقط نتيجة لتراكم السيطرة الاستعمارية فى السابق بل كذلك أيضا نتيجة العمل الجديد المباشر من جانب الرأسمالية الإمپريالية العالمية والطبقة الرأسمالية العالم-الثالثية الريعية التابعة فى سياق تحالفهما التاريخى.
16: وهكذا فإنه، نتيجة، من جهة، لتأخر باقى بلدان العالم عن اللحاق برأسمالية الغرب وبانتشارها ممتدة إلى مناطق أخرى فى العالم فى "الشمال"، ونتيجة، من جهة أخرى، لنشأة وتطور عالم البلدان التى صارت بلدانا صناعية رأسمالية متقدمة فى السياق التاريخى للثورة الاجتماعية الرأسمالية وأداتها المتمثلة فى الثورة السياسية أىْ نتيجة لسيطرة البلدان الصناعية التى صارت إمپريالية على باقى العالم، والسيطرة بالتالى على سيرورتها وصيرورتها، نشأ عالم المستعمرات وأشباه المستعمرات الذى سُمِّىَ عند بلوغ العالم مرحلة بعينها انقسم فيها، أو بدا أنه انقسم فيها، إلى ثلاثة عوالم تحمل أرقام الأول والثانى والثالث، بتسمية العالم الثالث التى ما تزال تلتصق به رغم الأوضاع المتغيِّرة. وشهد هذا العالم الثالث بدوره ثورات يمكن وصفها بالثورات السياسية لأنها رغم عدم مساسها بصورة جوهرية بالتبعية الاستعمارية وعدم نقلها للسلطة من طبقة اجتماعية إلى طبقة اجتماعية أخرى كانت تدور مع هذا حول أهداف كبرى تتعلق بالاستقلال الوطنى والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وقد حالف النجاح الساحق بعض هذه الثورات فيما انكفأت أخرى فلم تحقق أهدافها إلا بصورة جزئية ومؤقتة فى أفضل الحالات. وعلى سبيل المثال نجحت الثورة السياسية الشعبية الكبرى فى الصين فى تحويل الصين الشعبية إلى بلد صناعى رأسمالى متقدم، فى ظل أوضاع محلية وعالمية خاصة، رغم مشكلات عميقة ما تزال قائمة فى صميم البنية الاجتماعية الصينية، وحققت استقلالها الوطنى فى هذا السياق ولم يُقَدَّر لقضية الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية أن تنجح إلا بصورة جزئية ومؤقتة فى سياق الشعارات الاشتراكية والشيوعية على سطح عملية تحوُّل رأسمالى. وفى المقابل انكفأت الثورة السياسية الشعبية الإيرانية على نفسها وغرقت فى مستنقع الدولة الدينية الاستبدادية والتبعية الاستعمارية اقتصاديا والتضخم والبطالة والإفقار رغم ما سمحت به الثروة النفطية من تقدُّم فى بعض المجالات التى يأتى فى مقدمتها مجال السلاح، ورغم العداء المستحكم بينها وبين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروپى وإسرائيل وبلدان رأسمالية وإمپريالية أخرى سياسيا وبالأخص فيما يتعلق بمشروعها النووى. وهناك بالطبع انقلابات عسكرية تطلعت أحيانا إلى ما تطلعت إليه الثورات السياسية فصارت انقلابات عسكرية أيدها الشعب وصارت بنعمة الرب ثورات نموذجها الأكمل انقلاب يوليو 1952. وكما هو متوقع فى ثورات العالم الثالث كقاعدة تجيئ الثورات وتذهب وتبقى التبعية الاستعمارية والرأسمالية المحلية التابعة وديكتاتوريتها حيث تتواصل التبعية الاستعمارية فى مصر على سبيل المثال بعد ثورة 1919، وانقلاب 1952 العسكرى، ومن المتوقع بالطبع أن تستمر بعد ثورة 25 يناير 2011. وقد جاءت ثورة 1919 بالديمقراطية الشعبية من أسفل، وعصف بها الانقلاب العسكرى فى يوليو 1952 لأنه انقلاب عسكرى ليس من المفترض أن يتهادن مع ديمقراطية شعبية قائمة وناهيك بأن يسمح بقيام ديمقراطية جديدة، ومن المأمول أن تنجح الثورات الراهنة فى أن تتمثل محصلتها فى الديمقراطية الشعبية من أسفل فهى الثمرة الناضجة الحلوة الوحيدة التى تخرج بها الشعوب من ثوراتها السياسية المماثلة وهى تمثل تغيُّرا تاريخيا فى حالة المجتمع ليس فقط من حيث الحريات والحقوق الديمقراطية بل من حيث تحوُّل شامل فى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للطبقات العاملة والشعبية والفقيرة.
17: وكما تأتى الثورات السياسية فى العالم الثالث فى سياق النظام المستقر للتبعية الاستعمارية بوصفها كذلك، تأتى الثورات السياسية كذلك فى سياق نظام رأسمالى مستقر فتنجح أو تفشل إستراتيچيًّا رغم نجاحات جزئية مهمة. وكانت ثورة الشباب فى 1968 فى أوروپا ثورة سياسية هزت فرنسا بالذات ومناطق أخرى فى أوروپا فى سياق نظام رأسمالى مستقر وكانت نجاحاتها جزئية فلم تحقق أهدافا لاسلطوية كبرى، على حين أن الثورات السياسية فى "الكتلة الشرقية" وبالأخص فى نموذجها الأكثر أهمية أىْ روسيا كانت ثورات سياسية ناجحة بامتياز فقد حققت فى سياق نظام رأسمالى قائم فى بلد صناعى كبير ودولة من الدول العظمى أهدافا كبرى تتمثل فى تحويل الاقتصاد الرأسمالى للبلاد من شكل رأسمالية الدولة إلى شكل الرأسمالية من الطراز الغربى النموذجى تحت لافتة اشتراكية السوق بالإضافة إلى نشأة ونموّ الديمقراطية الشعبية من أسفل. وبالطبع فإن ثورات أوروپا الشرقية والجنوبية تتنوع ومنها ثورات سياسية حدثت فى سياق رأسمالية صناعية متقدمة فى روسيا وبعض البلدان القليلة الأخرى فيما حدثت ثورات سياسية أخرى فى سياق أشبه بسياق الرأسمالية التابعة فى العالم الثالث فى بلدان أخرى فى أوروپا الشرقية والجنوبية وفى أغلب دول الكومنولث التى استقلت بمفهوم القانون الدولى فقط عن تبعيتها السابقة للاتحاد السوڤييتى السابق، وعن تبعيتها الراهنة لروسيا والرأسمالية العالمية.
18: وهناك نوع من التفكير لا يستهان بمدى انتشاره حتى بين المثقفين مؤداه أن الثورة لا تكون ثورة إلا عندما تنجح فى تحقيق أهدافها. والحقيقة أن الثورة تكون أو لا تكون ثورة بحكم وقوعها أو عدم وقوعها بالسمات السابقة الذكر. فإذا استنتجنا أننا إزاء ثورات سياسية شعبية كما سبق القول فإنه لا مناص من استنتاج أن الثورة يمكن أن تنجح كما يمكن أن تفشل وبالتالى فإن النجاح وإنْ كان الهدف الطبيعى لثورة ليس بحال من الأحوال معيار تصنيفها كثورة. وكانت الثورة الفرنسية الكبرى ثورة ليس فقط لأنها نجحت فى تحقيق هدفها الموضوعى أىْ تحقيق النظام الرأسمالى بل بحكم معايير التصنيف التى سبقت الإشارة إليها، وكانت الثورة الصينية العظمى ثورة بنفس المعايير رغم أنها فشلت فى تحقيق هدف إقامة نظام اشتراكى كما أراد الحزب الشيوعى الذى قاد تلك الثورة دون أن يدرك هدفها الموضوعى الحقيقى الذى نجحت الثورة فى تحقيقه وهو النظام الرأسمالى الراهن فى الصين "الشيوعية". ومن ناحية أخرى فإن النجاح بدوره ينبغى أن يقاس بمعايير سليمة حيث يخطئ من يقيس نجاح ثورة سياسية من ثورات العالم الثالث كما هو الحال بالنسبة لثوراتنا الراهنة بمعايير الثورة الاشتراكية أو بمعايير الثورة الرأسمالية (البرچوازية)، فنحن إذْ نفترض أهدافا وهمية زائفة لثورة إنما نفقد كل أساس لمعرفة طبيعة نجاحاتها وإخفاقاتها. وبطبيعة الحال فإن التقدير السليم لأهداف ثورة ولمعايير النجاح والفشل فى تحقيقها أمر يرتبط بصورة كاملة بالفهم الصحيح لطبيعة الثورة وهذا بدوره يتوقف على الإدراك الواضح لكل سمات وخصائص وأبعاد السياق التاريخى للثورة المعنية.
19: وإذا كانت الثورة الراهنة شعبية ولا جدال فى أنها شعبية بحكم النضال الثورى المتواصل للملايين وعشرات الملايين من الجماهير العاملة والشعبية فإن الحديث عن كونها ثورة سياسية يثير الجدال من جديد. فالثورة السياسية، وفقا لمفهوم بعينه كما رأينا أعلاه، تنقل السلطة من طبقة إلى طبقة متناقضة جذريا معها على حين أن من المستبعد تماما أن تقوم ثوراتنا الراهنة بهذا. فلأسباب يطول شرحها، ستظل السلطة فى البلدان العربية المعنية فى أيدى الطبقة الرأسمالية التابعة حتى بعد النجاح الكامل لهذه الثورات فى إحداث تغيير تاريخى لمجتمعاتنا بتحقيق الديمقراطية الشعبية من أسفل. فكيف نكون إزاء ثورة سياسية مع أن مفهوم الثورة السياسية يتمثل فى نقل السلطة من طبقة إلى طبقة متناقضة جذريا معها: من طبقة إقطاعية إلى طبقة رأسمالية أو من طبقة رأسمالية إلى الطبقة العاملة؟ ولأن من العبث أن نسمى ثورتنا ثورة سياسية بهذا المعنى فإنها ثورة سياسية وفقا لمفهوم الثورة السياسية العالم-الثالثية، أىْ ثورة سياسية فى غياب السياق التاريخى للتحول الرأسمالى حيث لا يحل نمط إنتاج أو نظام اجتماعى-اقتصادى محلّ آخر، ولا تنتقل السلطة من طبقة إلى أخرى، بل تبقى الرأسمالية التابعة وتبقى طبقتها التى تحتفظ بسلطتها، فهى بالتالى ثورة بمعنى متواضع نسبيا وإنْ كانت كفيلة بإحداث تغيير سياسى واجتماعى تاريخى فى بلدان الثورة كما سبق القول!
20: ويمكن بطبيعة الحال أن تحدث الثورة السياسية فى سياقات تاريخية مختلفة اختلافا جوهريا بحيث تكون لدينا أنواع من الثورة السياسية وبحيث تكون لكل نوع تنويعاته المتباينة أو المتقاربة. وإذا ركزنا الحديث عن ثورات العصر الحديث يمكن القول إن الثورة السياسية تأتى فى سياق ثورة اجتماعية كما حدث تاريخيا بالفعل (الثورات السياسية الرأسمالية أو البرچوازية فى سياق الثورة الاجتماعية الرأسمالية التى تنقل المجتمع من نمط الإنتاج الإقطاعى إلى نمط الإنتاج الرأسمالى) وقد تتخذ شكل الثورة السياسية الجماهيرية (ثورة 1789 الفرنسية على سبيل المثال) كما أنها قد تتخذ شكل الثورة السياسية الفوقية التى تُحْدِثها فى سياقها التاريخى ثورة اجتماعية رأسمالية فوقية فى شكلها اليونكرى الپروسى ونموذجها الأنقى ثورة أريستقراطية الميچى فى الياپان. وقد أدت هذه الثورات الاجتماعية التى هى ثورات التحول الرأسمالى وأدواتها السياسية المتمثلة فى الثورات السياسية عند مستويات بعينها من تطورها إلى نشأة وتطور ونضج رأسماليات البلدان التى صارت بلدانا رأسمالية صناعية متقدمة رغم تنوُّع مستويات تقدُّمها وخصوصية تركيبة كل بلد منها. وتنتمى إلى هذه الثورات تلك الثورات السياسية المسماة بالاشتراكية التى حدثت فى سياق التحول إلى الرأسمالية أىْ فى سياق الثورة الاجتماعية الرأسمالية فأدت رغم فكر وإخلاص قياداتها الماركسية إلى بلدان صناعية رأسمالية عبر رأسمالية الدولة والبيروقراطية ونموذجها الأمثل ثورة أكتوبر 1917 البلشڤية فى روسيا.
21: ولأن السياقات التاريخية للثورات السياسية تختلف وتتنوع إلى هذا الحد، يغدو من الضرورى أن ندرك بوضوح السياق التاريخى لثوراتنا العربية وبالتالى طبيعة هذه الثورات والأهداف النابعة من هذه الطبيعة. وإذا كان العالم الحديث والمعاصر قد انقسم إلى عالمين العالم الصناعى الرأسمالى الإمپريالى وعالم الرأسمالية التابعة فيما يسمى بالعالم الثالث (وسبب الانقسام هو سيطرة العالم الأول على العالم الثالث أو الثانى بالأحرى)، كما رأينا أعلاه، فقد صار للثورة السياسية سياقان تاريخيان: سياق الثورة الاجتماعية وسياق التبعية الاستعمارية. وقد شرحت هذين السياقين فى عدد من مقالاتى، ويمكن أن أكرر هنا أننا لسنا إزاء السياق التاريخى لثورة اشتراكية ببداهة غياب شروط هذه الثورة فى الوقت الحالى ليس عندنا فقط بل فى العالم كله بلا استثناء، كما أننا لسنا إزاء السياق التاريخى لثورة رأسمالية بحكم واقع التبعية الاقتصادية والسيطرة الاستعمارية؛ هذا الواقع الذى قطع طريق تطور الرأسمالية الصناعية فى بلدان العالم الثالث كله ومنها بلدان عالمنا العربى. ومعنى هذا أنه ليس من المفترض أن تحقق هذه الثورات السياسية تحولا اجتماعيا تاريخيا إلى رأسمالية صناعية متطورة تضع حدا للتبعية الاستعمارية لأن مثل هذا التحول يفترض تطورا اجتماعيا اقتصاديا صناعيا طويل الأمد قبل الثورة يكون نموه التراكمى قد أحدث التحول الفعلى قبل انفجار الثورة السياسية التى تنقل إلى طبقته القيادية أىْ الطبقة الرأسمالية الصناعية سلطة الدولة. وعلى أساس إدراك واضح لطبيعة الثورة تتحدد الأهداف النابعة منها ويمكن تلخيصها جميعا كما سبق القول فى هدف واحد واضح هو الديمقراطية الشعبية من أسفل. ومن مثل هذا الهدف المحدد يمكن أن تنبع الإستراتيچيات والتاكتيكات الملائمة لتحقيقه بدلا من متاهات يلقى بنا إليها غياب رؤية واضحة.
22: ونقف قليلا عند نقطة تمييز إضافى يبدو لى مهمًّا بين ما يمكن أن تحققه الثورة السياسية فى سياق الثورة الاجتماعية وما يمكن أن تحققه الثورة السياسية فى سياق التبعية الاستعمارية، من وجهة نظر كل من الطبقتين الرأسمالية والعاملة. وفى الحالة الأولى (الثورة السياسية فى سياق الثورة الاجتماعية فى البلدان الصناعية الحالية) تتحقق لكل سكان البلد المعنىّ ولكل طبقات المجتمع خطوة تاريخية كبرى إلى الأمام، إلى الرأسمالية المتطورة التى تنقل حياة السكان بأسرهم إلى مستوى حضارى جديد رغم الاستغلال الرأسمالى وديكتاتوريته الطبقية، وتتحقق للطبقة الرأسمالية انتقال السلطة السياسية إليها وإزالة العراقيل التى تعترض طريق اندفاع تطور اقتصادها، بما فى ذلك سيطرتها على بلادها وعلى مناطق أخرى فى العالم، وتتحقق للطبقة العاملة والجماهير الشعبية الديمقراطية الشعبية من أسفل والتى تعنى مستويات معيشية جديدة وكذلك الحقوق والحريات النضالية والحياتية. وينبغى أن يكون واضحا جدا أن كل هذا لا يتحقق بفضل الثورة السياسية بل بفضل الثورة الاجتماعية التى تمثل الثورة السياسية لحظة تاريخية من لحظاتها وأداة تاريخية من أدواتها، على أن الديمقراطية الشعبية من أسفل لا يجرى الظفر بها إلا بانتزاعها ثوريا وترسيخها وحمايتها بعد ذلك بالنضالات الاقتصادية والسياسية المتواصلة. فماذا تحقق الثورة السياسية فى سياق التبعية الاستعمارية (كما حدثت طوال أكثر من قرن فى العالم الثالث)؟ الحقيقة أن هذه التبعية الاستعمارية تحكم على الثورة السياسية بحدود وقيود. وهنا يمكن القول إن الطبقة الرأسمالية التابعة لا تكسب شيئا سوى الاحتفاظ ببقائها رغم خسارتها الأكيدة نتيجةً لكل مكسب للطبقة العاملة والشعب. وبالطبع فإن للاستقلال السياسى الدستورى مكاسبه للطبقة الرأسمالية التابعة غير أن هذا الاستقلال لا يتحقق عن طريق الثورة السياسية الشعبية فى كل تجاربه وحالاته بل فقط فى حالات بعينها. فماذا تكسب الطبقة العاملة وجماهير الطبقات الشعبية بصورة جوهرية من الثورات السياسية الشعبية؟ وبالطبع فإن التبعية الاستعمارية مع التخلص من الاحتلال الأجنبى الاستعمارى تمثل خطوة لا يمكن إنكارها بالمقارنة مع التبعية الاستعمارية فى ظل مثل ذلك الاحتلال، حيث تقدم فُرَصا جديدة خاصةً فى العقود الأولى التالية للاستقلال الدستورى أىْ الاستقلال وفقا لمفهوم القانون الدولى بعيدا عن الاستقلال الحقيقى الذى لا يتحقق إلا بالتحرر من التبعية، هذا التحرر الذى يفترض بالضرورة التحول إلى بلد صناعى. على أن الطبقة العاملة وجماهير الطبقات الشعبية يمكن أن تحقق بالثورة السياسية حريات وحقوق ومستويات معيشة الديمقراطية الشعبية من أسفل، ويتحدد مصير هذه الديمقراطية بالصراعات الطبقية التى يمكن أن تنجح بسرعة أو على مدى أطول فى تصفية هذه الديمقراطية أو تفشل فى القضاء التام على كل ركائز وأدوات ومؤسسات هذه الديمقراطية الشعبية. وإذا نظرنا إلى التاريخ المعاصر لبلدان العالم الثالث فإننا سنجد أن تصفية الديمقراطية الشعبية هى القاعدة رغم استمرارها بعناد فى عدد من الحالات. وهنا وهناك فى العالم الثالث نلتقى بأشكال من التعددية النقابية والحزبية والثقافية وقدرة الطبقة العاملة والطبقات الشعبية على مقاومة العدوان المتواصل على مكاسبها وحقوقها وحرياتها ومستويات معيشتها. وتتعدد وتتنوع أشكال هذه التعددية من الهند إلى البرازيل إلى بلدان أخرى فى العالم الثالث. وهنا لا نكون إزاء بلدان ديمقراطية بل فقط إزاء أشكال من الديمقراطية من أسفل رغم بؤس شعوب هذه البلدان ورغم عجزها عن التقدم الاجتماعى-الاقتصادى. وعلى هذا النحو أدت الثورة السياسية الشعبية الغاندية فى الهند (وما أدراك ما الهند التى يُضرب المثل بديمقراطيتها المزعومة) إلى استمرار أشكال لهذه الديمقراطية بأحزابها ونقاباتها فى حياة سياسية تسيطر عليها الأحزاب والقوى الرأسمالية التابعة فى سياق من بؤس الشعب وسيطرة الجهل والفقر والمرض. وقد رأينا مصير الثورة السياسية الإيرانية من هذه الناحية، ولو تجوَّل ديوچينيز الكلبى بمصباحه الشهير فى أراضى ومناطق وبلدان وأقطار العالم الثالث بحثا عن الديمقراطية الشعبية الباقية من الثورات أو من نضالات الشعوب ما كان بوسعه أن يخرج إلا باكتشافات محدودة لآثارها.
23: على أن المكاسب الحقيقية لشعوبنا من ثوراتها السياسية تظل تتمثل فى الديمقراطية الشعبية من أسفل ولا يمكن التطلع إلى أهداف سياسية أبعد منها كالاستقلال الحقيقى القائم على التحول إلى بلد صناعى إلا فى حالة الظفر بها أولا. وأنقل هنا فقرة من مقال سابق لى عن الديمقراطية الشعبية من أسفل: فما هى هذه الديمقراطية من أسفل؟ والحقيقة أنها لا تعنى أن المجتمع أو البلد قد صار ديمقراطيا أو أن "الدولة" بمعناها فى القانون الدولى (ودعك من المفهوم العلمى الاجتماعى للدولة ووظيفتها فى مجال العلاقة بين طبقات المجتمع) قد صارت ديمقراطية. فالمجتمع الطبقى لا يكون ديمقراطيا كما أن الدولة التى هى أداة فى أيدى الطبقة الاستغلالية الحاكمة لا يمكن أن تكون ديمقراطية، بل لا مناص من أن يكون هذا المجتمع ديكتاتوريا ولا مناص من أن تكون هذه الدولة ديكتاتورية. وتعنى الديمقراطية من أسفل أو الديمقراطية ببساطة أدوات النضال التى صار الشعب يمتلكها، والحقوق والحريات التى انتزعها وصار يمارسها، والإطار العام الديمقراطى الذى صار يفرضه على الطبقة الحاكمة ودولتها ونظامها وتنظيمها للمجتمع. وتتمثل مكوِّنات الديمقراطية من أسفل فى الأحزاب المتعددة المستقلة عن سلطة ونظام ودولة الطبقة الحاكمة، هذه الأحزاب التى تفرض التعددية الحقيقية على البلاد، وتتمثل فى النقابات العمالية والمهنية المستقلة التى تدافع بفعالية عن حقوق وحريات الطبقات الشعبية فلا تمثل نفوذ السلطة الحاكمة على هذه الطبقات، وتتمثل فى مختلف أشكال جمعيات المنتجين الصغار واتحادات المستهلكين، وتتمثل فى الصحافة الحرة التابعة للأحزاب والنقابات ومختلف الجماعات التى تنتمى إلى الطبقات الشعبية من العمال والفلاحين وفقراء الريف والمدينة، وتتمثل فى استقلال القضاء والتحقيق الفعلى لكل المطالب العادلة للقضاء الجالس والقضاء الواقف وتمتُّع المواطنين جميعا بالتقاضى أمام قاضيهم الطبيعى بعيدا عن القضاء الاستثنائى والعسكرى، وتتمثل فى انتزاع مكاسب عينية كبرى مثل التحقيق الفعلى للحد الأدنى العادل للأجور المربوطة بتطور الأسعار وتحسين شروط العمل وبدلات البطالة للعمال ولكل العاملين، ومثل التحقيق الفعلى لمطالب الفلاحين المتعلقة بالجوع إلى الأرض وبالأسعار المجزية وبمختلف صور تطوير نوعية حياة الفلاحين، ومثل التحقيق الفعلى للرعاية الصحية المتكاملة والشاملة والتأمين الشامل وتطوير المستشفيات والحل الجذرى لمشكلات الأطباء وباقى العاملين فى المجال الطبى والصحى من حيث الأجور وتحسين شروط وأوضاع العمل، وتتمثل مكوِّنات الديمقراطية من أسفل فى التطوير الجذرى للتعليم بكل مراحله وتحقيق مجانيته الكاملة وإنصاف المعلمين بمرتبات مجزية مربوطة مثل كل أجور العاملين فى البلاد بالأسعار، وتقتضى الديمقراطية من أسفل التحقيق الدستورى والفعلى للمساواة بين المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو المعتقد أو اللون أو الإثنية، وكذلك التحقيق الفعلى لتضمين كل الحقوق والحريات المنتزعة فى الدستور بصياغات واضحة قاطعة حاسمة لا يجرى تقييدها بقوانين، مع إعادة صياغة القوانين كإطار عام يعكس قدرة الديمقراطية من أسفل، عن طريق نضالاتها المتواصلة، على فرض السيادة الفعلية للقانون. وبالطبع فإن مهام خلق وحراسة الديمقراطية من أسفل ضخمة هائلة وهى تحتاج إلى كل طاقات الثورة التى لا ينبغى تبديدها فى سبيل پرلمانات ورئاسات عبثية أصلا ولا طائل تحتها. ومن البديهى أنه بقدر ما يتم النجاح فى إجبار السلطات المعنية الحالية والقادمة على التحقيق الفعلى لمطالب الثورة سيجرى تأمين أن تسير الحياة الطبيعية وكذلك الإنتاج وإعادة البناء بصورة طبيعية جنبا إلى جنب مع تطورات الثورة التى لا تريد الفوضى ولا تعمل على تعطيل الحياة بكل مقتضياتها وضروراتها بل تعمل على إنصاف الشعب من خلال انتزاع حقوقه وحرياته وأدوات نضاله فى سبيل التطلع ليس فقط إلى حياة كريمة بل كذلك إلى تصنيع البلاد وتحديثها على قدم وساق كشرط لإنقاذها من المصير البائس الذى ظلت تتجه إليه، مع العالم الثالث كله، بسرعة مخيفة وللتحقيق الفعلى للاستقلال الذى هو نقيض التبعية الحالية للرأسمالية العالمية.
24: ويتصور مناضلون أن النضال فى الثورة الراهنة ومن خلال الفعل الثورى فى سبيل الديمقراطية الشعبية تعنى النضال فى سبيل "سلطة" الديمقراطية الشعبية. وفيما يتعلق بى فإننى لا أتحدث عن هذه "السلطة" التى لا يمكن إلا أن تكون "من أعلى" بل أتحدث عن الديمقراطية الشعبية "من أسفل". وينظر مناضلون إلى أن "سلطة الديمقراطية الشعبية" ينبغى أن تكون الشعار الدعائى الناظم لنضالاتنا فى الثورة، أما أنا فأرى أن "الديمقراطية الشعبية" وليس "سلطتها" هى الشعار الدعائى الناظم. فالسلطة حتى كشعار دعائى تعنى هدفا قريبا نسبيا وهى تفترض قوة سياسية مادية منظمة تنمو بسرعة على الأرض، أما الحديث عن "السلطة" فى غياب ذلك فإنه يضعنا أمام شعار شعبوى مضلل يكتفى بترديد جملة ثورية هائمة فى عالم الأحلام. والحقيقة أن مثل هذا الشعار ضارّ بالثورة التى ينبغى أن تركز على التحقيق الفعلى لأهداف حقيقية تشير إليها نضالات فعلية راهنة وعلى الشعارات التى تسير بنا فى اتجاهها. إن السلطة قضية عسكرية وحربية تدخل فى مواجهة مع الطبقة الحاكمة أو تجبرها على الاستسلام حتى بدون الاستخدام الفعلى المباشر لهذه القوة. ولنفترض أن ثورة سياسية شعبية عفوية كثورتنا المصرية أو ثوراتنا العربية الراهنة استطاعت "بقدرة قادر" استلام السلطة السياسية فإن السؤال هو: ماذا ستصنع بها غير إعادة إنتاج نفس النظام الاستغلالى الفاسد الذى لا تدمره إلا الثورة الاشتراكية. وتمنعنا شوڤينية مستحكمة من إدراك أن قوانين الثورة فى سياق التبعية الاستعمارية فى العالم الثالث تنطبق على الثورة المصرية وكل الثورات العربية الراهنة. فأين فى العالم الثالث طوال تاريخه رأينا بلدا يشهد "سلطة الديمقراطية الشعبية" هذه؟! والحقيقة أننا أمام أحد أمرين: إما النضال المباشر من أجل أهدااف حقيقية مثل الديمقراطية الشعبية من أسفل حتى وإنْ عجزنا عن ترسيخها على المدى المتوسط والبعيد وعن البناء اللاحق على منجزاتها، وإما الترديد الشعبوى العفوى لشعارات فارغة جوفاء لكىْ لا يتهمنا أحد باليمينية بدلا من أن نتمتَّع بالنظر إلى أنفسنا كثوريين! وبطبيعة الحال فإن تقدير أهداف الثورة بصور مبالغ فيها، وتعجُّل نتائجها، والإحباط فى لحظات هبوطها، والدوران حول الصراعات التى تدور بين قطاعات مختلفة للرأسمالية من أعلى بالمشاركة فيها بطريقة أو أخرى بدلا من التركيز على الفعل الثورى، وكذلك الحيرة أمام مشهد احتمال لا مبرر للمبالغة فيه وكأنه قدر محتوم وهو أن تؤدى هذه الجهود النضالية الخارقة للشعوب العربية فى بلدان الثورة ومعاناتها الهائلة إلى قيام جمهوريات عربية إسلامية ستكون بالضرورة أنظمة استغلالية فاسدة وديكتاتورية وعسكرية أكثر عتوًّا وجبروتا، تقود فى كثير من الأحيان إلى الاتجاه إلى ملاذات الشعارات الشعبوية دون التفكير حتى فى التحليل الملموس للوقائع المحدَّدة التى ترتكز عليها.
28 يوليو 2012






4
سوريا: الطريق إلى الجحيم
1: تواجهنا تطورات الصراع المرير بين الثورة والثورة المضادة فى سوريا بمشكلات معقدة ومخاوف مفزعة. فقد تداخلت عوامل لا حصر لها لتحاصر كل محاولة للتنبؤ بهدف تحديد السلوك السياسى المتوقع أو المطلوب بتحديات كبيرة. كذلك فإن اتساع نطاق اشتباكات الحرب الأهلية، واستخدام الأسلحة البرية والجوية من دبابات وطائرات وصواريخ، والتهديد باستخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية فى حالة بعينها، وتعقيد بنية المعارضة المسلحة بانضمام مسلحين إسلاميين متنوعين إليها من داخل وخارج سوريا، وبروز احتمالات أشكال من التدخلات العسكرية الخارجية المباشرة، بعد حشود تركيا، وتهديدات إسرائيل، وتحذيرات أمريكا وأوروپا، تطورات تجعل الاحتمالات القريبة والبعيدة كئيبة للغاية فى كل الأحوال.
2: ومن الجلىّ أن ما يسود هناك هو الجنون كما سبق أن شهدنا فى ليبيا، وكما سبق وما نزال نشهد فى اليمن. وكان جنون معمر القذافى لا يحتاج بحكم طبيعته الشخصية إلى أىّ عوامل مساعدة وإنْ كان قد تشجَّع أيضا بأوهام مواقف روسيا والصين والهند (وتركيا فى البداية). ويساعد على استفحال الجنون فى سوريا واقع أنه توجد عوامل "مشجعة" تتمثل فى المواقف الخارجية المؤيدة للنظام مثل مواقف إيران والعراق وروسيا والصين. ومن الجنون بالطبع أن يحلم بشار الأسد بأن يستمر فى حكمه للشعب السورى بعد أن قتل أكثر من عشرين ألفا من بناته وأبنائه بالإضافة إلى مئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين والمفقودين واللاجئين وبعد أن دمَّرَ الوطن ذاته بمدنه وقراه بمبانيها ومرافقها واقتصادها. ولا شك فى أن استمرار الصراع طوال أكثر من ستة عشر شهرا إلى الآن يُجْبِر بشار الأسد على إدراك استحالة استمرار نظامه بعد كل جرائمه ونظرا لقوة وصلابة الثورة التى لم يَعُدْ هناك مجال للتقليل من شأنها باتهامات لا تُجْدِى للثورة والثوار. ويمكن القول إنه يقاتل الآن، كما فعل القذافى، وظهره إلى الحائط بلا بصيص أمل. والسبب البسيط هو أنه لا ملاذ له ولا ملاذ بوجه خاص للقادة العسكريين والمدنيين للدولة والنظام وحزب البعث الحاكم، لأنه ليس هناك فى العالم مَنْ يمنح هؤلاء جميعا ملاذا آمنا. ولأن العدو أمامهم والبحر وراءهم فإنهم جميعا مجبرون على الجنون!
3: وتدور الآن معارك طاحنة فى حلب، كبرى مدن سوريا (2132100 نسمة) وعاصمتها الاقتصادية، بعد معارك ضارية مهمة إستراتيچيًّا فى دمشق ثانى كبرى مدن سوريا (1711000 نسمة) فى قلب دمشق وفى ريفها. ومع عجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرار مؤثِّر، والتهديد السورى باستعمال أسلحة الدمار الشامل عند أىّ تدخُّل خارجى، بدأت بالفعل تهديدات وتحركات وتحذيرات مضادة فى اتجاه تدخلات خارجية لا يمكن استبعادها على كل حال. ويستطيع الڤيتو الصينى أو الروسى بالطبع إصابة مجلس الأمن بالشلل، غير أن الموقف الروسى-الصينى المشترك يقوم بوظيفة تشجيع سوريا والمزيد من توريطها بالتالى فى الحرب الأهلية والتدخلات المحتملة دون أن يكون لدى روسيا والصين أىّ قدرة على الحيلولة دون تدخلات عسكرية غربية أو إقليمية خارج نطاق مجلس الأمن تماما كما حدث فى ليبيا، وقبل ليبيا مع يوجوسلاڤيا السابقة من جانب روسيا وكذلك مع صدام حسين من جانب روسيا أيضا. ويتمثل الغباء السياسى لروسيا والصين فى توريط النظام السورى فى الحرب الأهلية أو حروب التدخل الخارجى وبالتالى ضربه بدعوى الدفاع عنه وعلى أمل حمايته، أضفْ إلى هذا ما هو أهم وهو أن روسيا والصين تقامران بتدمير علاقاتهما مع سوريا ما بعد بشار الأسد فى مستقبل قد يكون قريبا. وبالطبع فإن الأمر الذى يدفع روسيا إلى السير فى هذا الاتجاه المناقض لمصلحتها هو تركيزها الأنانى على مصلحة واحدة من مصالحها مع أهميتها البالغة وتتمثل فى تفادى امتداد الثورة العربية (والإسلامية فى جانب بارز منها) إلى داخل روسيا وإلى بلدان مجاورة لها. ومن الجلىّ أن إيران تفعل الشيء ذاته، غير أن موقفها مفهوم تماما فى ضوء الخسارة الفادحة التى ستُمْنَى بها عند الانهيار النهائى للنظام السورى الحالى.
4: وقد بدأت تركيا فى بناء حشود عسكرية وإجراء مناورات على بُعْد كيلومترين من حدودها مع سوريا، وموقفها منطقى تماما من وجهة نظر حساباتها لمصالحها، فالحرب تدور الآن فى حلب أىْ قرب الحدود مع تركيا، مع احتمالات لا يمكن استبعادها لاستخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية، ومع احتمالات زيادة تدفُّق اللاجئين السوريين إلى تركيا بأعداد تفوق طاقتها على الاستيعاب، ومع احتمالات تهديدات مباشرة لتركيا من جانب حزب العمال الديمقراطى الكردستانى أو القاعدة فى شمال شرق سوريا وعلى طول الحدود بين البلدين. وقد سمعنا تحذيرات إيران لتركيا بردّ فعل قاسٍ فى حالة تدخل عسكرى تركى فى سوريا. وبالطبع فإن تركيا بالإضافة إلى قوتها العسكرية دولة عضو فى حلف الأطلنطى، وهذان أمران يجعلان التحذيرات الإيرانية تورِّط سوريا أكثر دون أن تكون قادرة على أن تُنْقِذها. وتهدِّد إسرائيل مباشرة بالتدخل فى حالة خروج الأسلحة الكيماوية والجرثومية من سيطرة النظام السورى أو فى حالة نقلها إلى حزب الله، حليف إيران والنظام السورى والعدوّ اللدود لإسرائيل. وهناك بالطبع التهديدات الأمريكية والأوروپية خاصة فى حالة استخدام النظام السورى لأسلحة الدمار الشامل.
5: وهناك مخاوف تتعلق بما بعد سقوط نظام الأسد. وهناك بالأخص مخاوف من تحوُّل "الصراع" الحالى إلى حرب أهلية، وهذه صيغة تتوهم أن الصراع الذى يجرى فى سوريا الآن ليس حربا أهلية، ويمكن أن يتحول إليها الصراع الحالى فى مرحلة تالية من تفاقمه أو بمجرد سقوط نظام الأسد فى ضوء أننا إزاء بلد متعدد الإثنيات والعشائر والثقافات والأديان والمذاهب واللغات دون أن يكون بلدا تعدُّديا يقوم بصورة حقيقية على المواطنة، خاصة نظرا لاعتماد النظام السورى على سيطرة أبناء طائفة مذهبية بعينها هى طائفة الشيعة العلويين على السلطة والجيش.
6: وواقع أن سوريا متعددة الإثنيات والعشائر والثقافات والديانات والمذاهب واللغات دون أن تكون تعددية تنطوى فى حد ذاتها على خطر سواء فى حالة تصاعد الصراع مع نظام بشار الأسد أو فى حالة ما بعد انهيار هذا النظام. ويبلغ عدد سكان سوريا أكثر من 22.5 مليون نسمة (تقدير: يوليو 2012)، وتبلغ نسبة السوريين العرب قرابة 90 فى المائة من السكان، ونسبة السوريين المسلمين من كل الإثنيات 87 فى المائة. ونسبة السُّنَّة 74 فى المائة من السكان، ويبلغ عدد العرب السُّنَّة حوالى 13 مليون نسمة بنسبة حوالى 78 فى المائة من إجمالى السكان السُّنَّة، وعدد الأكراد السُّنَّة 2 مليون نسمة يعيش معظمهم فى شمال شرق سوريا بنسبة 9 فى المائة من السكان، والشركس السُّنَّة مائة ألف، وعدد التركمان السُّنَّة من 750 ألف إلى 1.5 مليون نسمة يعيش معظمهم فى حلب ودمشق واللاذقية. وتبلغ نسبة الشيعة العلويين والاثنى عشريين والإسماعيليين 12 فى المائة من إجمالى السكان. وتبلغ نسبة المسيحيين 12 فى المائة من إجمالى سكان سوريا، 45 فى المائة منهم من الروم الأرثوذكس، و 16 فى المائة من الكاثوليك، و27 فى المائة من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشركسية، و 8 فى المائة من أتباع الكنيسة الرسولية الأرمنية، ومنهم عرب، وأشوريون، وأرمن، ويتراوح عدد الأشوريين بين 877 ألف و 1.2 مليون نسمة، ويعيشون فى شمال وشمال شرق سوريا (حمص والقامشلى والحسكة) ويتكلمون بالسوريانية والآرامية، ويبلغ عدد الأرمن 190 ألف نسمة. وعدد الدروز 500 ألف بنسبة 3 فى المائة من إجمالى السكان ويعيشون فى جبل الدروز فى الجنوب. أضفْ إلى هذا تلك الخريطة اللغوية المتعددة وفقا لتعدد الإثنيات، والعربية هى اللغة الرسمية لسوريا، والكردية الكورمانچية هى لغة الأكراد، والأرمنية هى لغة الأرمن، والتركمانية هى لغة التركمان، والآرامية هى لغة الأشوريين، والآرامية الغربية الجديدة هى لغة قرية معلولا وقريتين مجاورتين على بعد 56 كيلومترا شمال شرق دمشق.
7: ورغم كل هذا التعدد تنعدم التعددية فى بلد يسيطر العلويون الذين يشكلون مع غيرهم من الشيعة الإثنى عشرية والإسماعيليين 12 فى المائة من إجمالى السكان على سلطته وإدارته وحزبه الحاكم "البعث" وجيشه وأجهزته المخابراتية والأمنية وأقسام من اقتصاده. كما نلاحظ ذلك التفاوت الكبير لتقديرين للسكان التركمان بين 750 ألف ومليون و500 ألف نسمة، ولتقديرين للسكان الأشوريين بين 877 ألف ومليون و 200 ألف نسمة، بطريقة تذكِّرنا بدوافع التقديرات المتباينة لعدد المسيحيين فى مصر، ولا مجال هنا بالطبع لبحث مختلف نواحى التمييز الإثنى والدينى والمذهبى فى سوريا.
8: وتتعدد الأحزاب السياسية دون تعددية. وتشكل عدة أحزاب مع حزب البعث العربى الاشتراكى السورى الائتلاف الحاكم الذى يتمثل فى الجبهة الوطنية التقدمية ويرأس الأمين العام لحزب البعث وهو نفسه رئيس الجمهورية هذه الجبهة التى يمكن النظر إليها على أنها مجرد ديكور ساخر للديمقراطية التى يعلنها نظام ديكتاتورى فاشى فى عهدىْ كلٍّ من الرئيس الأب ووريثه الرئيس الابن. وهناك أحزاب جديدة مع قانون الأحزاب الجديد والانتخابات الپرلمانية بعد الثورة، وأحزاب كردية وغير كردية غير مشروعة. والإذاعة والتليڤزيون ملك للدولة وكذلك معظم الصحف، وقد ظل العمل بقانون الطوارئ مفروضا فى سوريا منذ 1963 وحتى 2011.
9: والاقتصاد السورى الذى يتجه الآن إلى الانهيار هو اقتصاد دولة متوسطة الدخل يقوم على الزراعة، والنفط، والصناعة، والسياحة، وعلى قطاع عام يشرف على القطاعات الإستراتيچية الرئيسية وقطاعين خاص ومشترك. ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى (حسب القدرة الشرائية) أكثر من 5000 ليرة سورية، و (حسب القيمة الاسمية) 2800 ليرة سورية حسب تقديرات 2010، أىْ حوالى 106 دولار و 60 دولارا على الترتيب بحساب الدولار الواحد 47 ليرة سورية فى 2010. ويبلغ حجم الدين الخارجى 8 مليارات دولار فى 31 ديسمبر 2011. ورغم الحجم الكبير للقطاع العام فإنه واقع فى ظل رأسمالية الدولة تحت السيطرة الفعلية لبيروقراطية الدولة، كما تقوم فى القطاع الخاص إمپراطوريات اقتصادية يملكها قادة النظام. والعمودان الأساسيان لهذا الاقتصاد هما الزراعة والنفط. وقد تطور الرقم القياسى للتضخم إلى من 100 فى 2000 إلى 122 فى 2005. ويبلغ نصيب القطاع الصناعى الذى يشمل التعدين والصناعة التحويلية والتشييد والنفط أىْ الصناعات الاستخراجية والاستهلاكية 27.3 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى فى 2010، والزراعة 17.7 فى المائة، والسياحة 6 فى المائة، والخدمات 45.3 فى 2009. وفيما يتعلق بقوة العمل فإن معدل النمو السكانى يبلغ 2.37 فى المائة سنويا، و65 فى المائة من السكان تحت سن 35، وأكثر من 40 فى المائة تحت سن 15، وتقدر قوة العمل السورية فى 2010 بإجمالى حوالى 5.5 مليون فرد، يعمل 67 فى المائة منهم فى قطاع الخدمات بما فى ذلك الحكومة، وتستخدم الحكومة والقطاع العام 30 فى المائة من إجمالى قوة العمل بمرتبات وأجور متدنية، و 17 فى المائة فى قطاع الزراعة، و 16 فى المائة فى الصناعة، فى 2008. ووفقا للإحصائيات الرسمية بلغ معدل البطالة 12.6 فى 2009، وتقدره مصادر أدقّ ﺑ 20 فى المائة، ويكسب حوالى 70 فى المائة من قوة العمل أقل من 300 دولار أمريكى فى الشهر، وكانت 70 ألف أسرة (3.5 مليون فرد) بدون دخل فى 2009، ويعتبر 30 فى المائة من سكان سوريا فى 2005 فقراء و 11.4 فى المائة تحت خط الكفاف. وفى حالةٍ من عزلة النظام، والفساد، وضخامة الإنفاق العسكرى رغم التخلِّى الفعلى عن تحرير الجولان، ينخفض معدل الاستثمار وتنخفض مستويات الإنتاجية فى الصناعة والزراعة. وتعتمد سوريا كثيرا على المِنَح السعودية والكويتية خاصة بعد اشتراكها فى حرب تحرير الكويت، وعلى الدعم الذى تتلقاه من إيران وروسيا، وعلى إعفاءات من الدين الخارجى. وتستضيف سوريا إلى جانب أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطينى أعدادا من المهاجرين العراقيين بلغت مليونا و300 ألف نسمة يعود كثيرون منهم إلى بلادهم فى الوقت الحالى.
10: ورغم الحجم الهائل لضحايا الاشتباكات الضارية الواسعة النطاق والدمار الواسع الذى لا يكاد يستثنى مدينة أو ريفا أو قرية فى سوريا من حلب والحدود مع تركيا شمالا إلى درعا والحدود مع إسرائيل والأردن جنوبا ومن ساحل المتوسط والحدود مع لبنان غربا إلى بو كمال والحدود مع العراق شرقا، هناك حتى فى بيانات مختلف الدول والهيئات الدولية تحذيرات عن احتمالات انزلاق سوريا إلى حرب أهلية فى مرحلة تالية وبالأخص فى حالة سقوط نظام بشار الأسد، وكأن ما تشهده سوريا الآن ومنذ بدايات الصراع المسلح هناك ليس حربا أهلية. وينطلق مثل هذا الإنكار لواقع الحرب الأهلية فى سوريا من مفهوم يقصرها على الصراع المسلح داخل بلد بين جماعات أو طوائف إثنية أو قومية أو قَبَلِية أو عشائرية أو ثقافية أو دينية أو مذهبية دينية. ويأتى غموض هذا المفهوم من عدم وجود تعريف واضح له فى اتفاقيات چنيڤ أو أىّ وثائق دولية. غير أن تعريفاتٍ لعلماء السياسة للحرب الأهلية تنظر إليه على أنه صراع عنيف مسلح متواصل بين مجموعات منظمة بحيث تشمل القوات المسلحة النظامية، ويكون أحد طرفيها الدولة، وتُوقِع أكثر من ألف من الضحايا (وهناك تقديرات تهبط بهذه الأعداد حتى إلى مائة فى بعض التعريفات). ومن الجلىّ أن القمع العسكرى للثورة فى سوريا قد تحوَّل منذ وقت طويل إلى حرب أهلية لا تنقصها سمة من سماتها النموذجية فالقوات المسلحة النظامية والدولة هما الطرف الأساسى فيها وبلغت أعداد القتلى أكثر من عشرين ألفا وبلغت أعداد الجرحى والمعتقلين والمفقودين واللاجئين مئات الآلاف وعمَّ البلاد من أقصاها إلى أقصاها دمار شامل. وبطبيعة الحال فإنه لا مجال فى سياق نظام طائفى يسيطر عليه العلويون استبعاد أن تتخذ الحرب الأهلية فى مرحلة تالية قبل و/أو بعد السقوط النهائى للنظام شكل الحرب الأهلية الطائفية أيضا خاصةً نظرا للتعقيد المتزايد لبنية المعارضة المسلحة: الجيش الحر، والإخوان المسلمون، والقوى الليبرالية والمدنية، والجماعت الإسلامية الجهادية التى تتدفق الآن عبر الحدود مع تركيا والعراق ولبنان وربما غيرها، ونظرا للدور المعادى للشعب السورى الذى تورطت فيه وانزلقت إليه أقسام كبيرة من الطائفة العلوية قبل وبعد الثورة، و ونظرا لاحتمال حروب بالوكالة لتضارب المصالح الخارجية التى صارت تلعب دورا كبيرا فى التطورات السورية (إيران، العراق، دول الخليج، تركيا مع النظام أو ضده، والولايات المتحدة وأوروپا وإسرائيل، مع الثورة أو ضدها).
11: ولا شك فى أن البُعْد الطائفى ماثل فى الطريق الذى سارت فيه القيادة السورية فى مجال تصفية الثورة. ومن الملاحظ أنه يوجد فى بلدان ثورات ما يسمَّى بالربيع العربى (تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا) طريقان لتصفية الثورة: طريق التصفية التدريجية للثورة كما فى مصر وتونس وطريق التصفية الحربية العنيفة للثورة كما فى ليبيا واليمن وسوريا. وقد أوضحتُ فى مقالات سابقة أن أوضاعا بذاتها هى التى تحسم خيار طريق تصفية الثورة. ولا شك فى أن "حكم الشخص" فى هذه البلدان جميعا جعل من العلاقة الفعلية لرأس النظام مع بقية مؤسسات الدولة وأجهزتها المخابراتية والأمنية عاملا حاسما فى قدرة هذا "الشخص القائد" على جرّ كل القيادة والنظام ومؤسسات الدولة وراءه على الطريق إلى الحجيم. ويمكن القول إنه كان هناك تماسُك كبير فى قمة النظام السورى، رغم انشقاقاتٍ (رفعت الأسد، عبد الحليم خدام) لم تمزِّق هذا التماسك، بحيث كانت لدى القيادة السورية ثقة زائدة بالقدرة على سحق الثورة بسرعة، الأمر الذى ورَّطها بحيث صار من المستحيل عند مرحلة بعينها أن تتراجع هذه القيادة فتتجه إلى إصلاحات ذات شأن فى محاولة لتهدئة الثورة فى سياق تصفيتها. وقد تمثَّلَ أحد عوامل ثقة النظام السورى بنفسه وبالتالى انزلاقه بسهولة فى طريق التصفية العنيفة الحربية للثورة فى واقع استناده الطائفى المذهبى إلى الشيعة العلويين، وذلك بالإضافة إلى استناده إلى حزب له تاريخ طويل فى القمع الأيديولوچى والأمنى وحتى العسكرى (مجزرة حماة فى 1982) هو حزب البعث العربى الاشتراكى السورى. ولا شك فى أن مخاوف العلويين والبعثيين والأجهزة المخابراتية والأمنية من العواقب الوخيمة عليهم جميعا فى حالة انتصار الثورة قد جعلت الاستماتة فى الدفاع عن النظام السورى مسألة حياة أو موت. وبالطبع فقد كانت مواقف إيران وروسيا والصين والعراق عوامل مشجِّعة حاسمة فى خيار الطريق إلى الجحيم.
12: وقبل وبعد السقوط المحتمل للنظام تتصارع على أرض سوريا مصالح خارجية متضاربة تضيف إلى الحرب الأهلية احتمالات اكتساب ملامح من الحروب بالوكالة. وتمثل جمهورية إيران الإسلامية لاعبا أساسيا، بحكم تحالفها القوى مع نظام الأسد، وهو تحالف لا يمكن فهمه فى إطار القربى المذهبية الشيعية-العلوية، رغم أهميتها. ذلك أنه لا شك فى أن إيران الجمهورية الإسلامية قد اكتسبت قوة مضافة كبرى إلى قوتها الاقتصادية ومكانتها السياسية من تحالفها مع سوريا وحزب الله وحركة حماس، بالإضافة إلى الحكام الحاليين للعراق. ومن المؤكد أن سقوط نظام الأسد سوف يعنى انهيار نفوذها السياسى فى المنطقة العربية المجاورة لإسرائيل، وانهيار قوة حليفها المتمثل فى حزب الله، وكذلك نفوذها لدى حركة حماس. ويعنى هذا إحكام عزلة إيران التى تعانى العزلة أصلا طوال عقود وبالأخص منذ تفجُّر المشكلة النووية. ويمكن أن يشكل هذا أيضا ضربة للتوازنات التى تعتمد عليها كحامية للأقليات الشيعية فى بلدان عربية عديدة والأغلبية الشيعية فى العراق. ولهذا سارعت إيران إلى تحذير تركيا من الرد القاسى على تدخل عسكرى محتمل من جانبها فى سوريا، مع إدراكها التام لحقيقة أن تركيا مدفوعة إلى إجهاض تهديدات محتملة بشدة لمصالحها من خلال سيطرة محتملة لحزب العمال الديمقراطى الكردستانى على حدودها مع سوريا ومخاوف ارتفاع أعداد اللاجئين السوريين إليها، ومع هذا فإن التحذيرات الإيرانية يمكن أن تكون نباحا وليس عضًّا وتهويشا وليس استعدادا حقيقيا لمواجهة مع تركيا الأطلنطية دفاعا عن سوريا.
13: وتتداخل مع صدامات المصالح هذه مواجهةٌ سياسية وقتال بالوكالة فى سوريا بين إيران ودول الخليج. وفى هذه المرة أيضا تقف دول الخليج وبالأخص قطر والسعودية والإمارات إلى جانب ثورة من الثورات العربية الراهنة بعد تونس ومصر وليبيا رغم وقوفها الحاسم مع الثورة المضادة فى اليمن والبحرين. ويمكن أن نفهم موقف دول الخليج فى المحطات الأساسية للثورة العربية إلى جانب الثورة ضد النظام وثورته المضادة فى إطار الموقف المزدوج من جانب دول الخليج التى تحارب الثورة وتخشى امتدادها إليها فهى بالتالى فى صف الثورة المضادة ولا يمكن أن تكون فى صف الثورة. ويتمثل الموقف المنافق المعادى للثورة لدول الخليج فى وقوفها مع الثورة المضادة ضد الثورة باعتبار أن قوى الثورة المضادة هى الثورة. وفى حالة سقوط رأس النظام بسرعة فى كل من تونس ومصر فى فترة لا تتجاوز أسابيع قليلة وقفت بعض هذه الدول مع المعارضات التى بدت بمظهر الثورة خلال تلك الأسابيع وواصلت دعم تلك المعارضات بعد أن حسمت موقفها بسرعة مع النظام ضد الثورة كما حدث فى مصر خاصةً من جانب الإسلام السياسى بقيادة الإخوان المسلمين فى مصر. وفى حالة التصفية العنيفة الحربية للثورة، واستمرار الصراع المسلح المرير بين النظام والشعب، كان لا مناص من وقوف هذه الدول إلى جانب الثورة القابلة للتحول مستقبلا إلى ثورة مضادة، وإلى نظام جديد للرأسمالية التابعة، بهدف منع انتشار الثورة، وإدراكا لحقيقة أن من المستحيل أن يستمر معمر القذافى أو بشار الأسد فى حكم الشعب المعنىّ بعد ذبح بناته وأبنائه وتدمير وطنه، وإدراكا منها أيضا لحقيقة أخرى أهم وهى أن هذه القوة الثائرة ستكون قادرة على إخضاع الثورة مستقبلا بالاستناد إلى أسطورة أنها هى الثورة. وإذا تركنا جانبا دولة قطر التى قامت بدور بارز فى هذه الثورات جميعا حتى قبل انفجار الثورات بوقت طويل، فى سياق بحثها عن مكان تحت الشمس سياسيا واقتصاديا متسلحة بقناة الجزيرة والإنفاق الواسع على دول وحركات وثورات، ربما فى إطار تحالف دولى يهدف إلى المساعدة على تغيير الخيول فى المنطقة فى سياق الثورة، فإن قطر والسعودية والإمارات مجتمعةً، وهى من أقطاب الثورة المضادة دون شك، تقف إلى جانب الثورة السورية إدراكا منها لطابعها المزدوج، باعتبارها ثورة وثورة مضادة متداخلتين فى هذه الثورات جميعا. وكان التخلص من نظام القذافى يفتح، عاجلا أم آجلا، بابًا إلى احتمال حكم حلفاء إسلاميين محتملين فى ليبيا. وما دامت الثورات قد تفجرت، وشاركت فيها قوى للإسلام السياسى، فقد صار من المأمول أن تنتصر الثورة المضادة ببقاء الرأسمالية التابعة فى هذه البلدان على أيدى العسكر و/أو الإخوان المسلمين، والحيلولة دون امتداد المدّ الثورى إلى دول الخليج التى كانت مؤهلة بحكم أوضاعها كبلدان نفطية غنية لتفادى الثورة وسحق بداياتها وإرهاصاتها. وتعمل دول الخليج أيضا على إطفاء نار الصراع المسلح بين الثورة والثورة المضادة لأن استمراره يعنى احتمال امتداده إليها، ولأن انتصار الثورات والأنظمة الناشئة عنها يقوِّى نفوذها على هذه البلدان وتحالفها معها، ولأن هذه البلدان تقاوم النفوذ الإيرانى فى المنطقة من خلال سوريا وحزب الله وحماس والجهاد فى غزة، بهدف إحكام العزلة والحصار على إيران لإضعافها فى مواجهة هجوم أمريكى و/أو إسرائيلى ضدها، وبالتالى بهدف التخلص من الضغوط الإيرانية عليها وتشجيعها لأقسام متمردة من شعوبها فى مواجهة التمييز المذهبى ضدها.
14: ورغم أن النظام السورى كان يقف مكتوف اليدين إزاء قضية تحرير الجولان المحتلة خشية سقوطه كنتيجة طبيعية لهزيمة عسكرية تحتمها علاقات القوة العسكرية بينها وبين إسرائيل، فإن دوره فى دعم حزب الله وفى تعميق نفوذ إيران فى المنطقة العربية من خلال سوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية فى غزة، كان يجعل التخلص منه ضرورة أمريكية وإسرائيلية وخليجية فى سبيل عزل إيران تمهيدا لتوجيه ضربة غير مستبعدة فى لحظة مواتية إلى قدرتها النووية، وإضعاف حزب الله وحركتىْ حماس والجهاد. وصار التخلص من النظام السورى هدفا عمليا واقعيا بعد تفجر الثورة السورية. ولو كانت الثورة السورية ثورة استقلالية حقيقية وديمقراطية حقيقية دون أىّ أبعاد أخرى لما قامت دول الخليج وحلفاؤها الدوليون بتأييد ودعم الثورة، غير أن هذه الثورة كانت ثورة وثورة مضادة فى الوقت ذاته، بحكم حركة شدّ الحبل المتوقعة بين القوى الديمقراطية والقوى الإسلامية الإخوانية بالذات وقيادات الجيش السورى الحر، كما هو الحال أيضا بالنسبة للثورة المصرية وغيرها أيضا. ولأن الثورات العربية ليست ناشئة فى المحل الأول عن نضالات ديمقراطية أو استقلالية أو اشتراكية منظمة واسعة طويلة بل تفجرت نتيجة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية إلى حد البؤس فى هذه البلدان مع تراجع تاريخى للقوى الليبرالية واليسارية ونمو منظم كبير للإسلام السياسى بوجه عام والإخوان المسلمين بوجه خاص، بمستويات متفاوتة بالطبع، فقد كان انفجار هذه الثورات يعنى صعود مختلف قوى المعارضة السياسية بأحجامها الحقيقية إلى السطح. ومهما كان موقف هذه المعارضات ضد الأنظمة الحاكمة قبل الثورة فإن هذا الموقف لم يكن ليعنى أنها جميعا معارضات ثورية، وذلك لأن قطاعات حاسمة من هذه المعارضات كانت فى الوقت ذاته قطاعات مهمة لا يمكن الاستهانة بها من الطبقة الرأسمالية التابعة الحاكمة، وينطبق هذا فى المحل الأول على الإخوان المسلمين والسلفيين والوهابيين والجهاديين وكذلك على الليبراليين اليمينيين. وهذه المعارضات إذن معارضة للنظام المعنىّ وموالية للطبقة المالكة، ومن هنا طبيعتها المزدوجة التى تقدمها فى البدايات الأولى للثورة كمعارَضة وثوار وقوى ثائرة قبل أن تتضح طبيعتها المعادية للثورة بأقصى سرعة من خلال تحالفها ضد الثورة مع النظام عند سقوط رأسه وعناصر من قمته، وهو ما حدث بصورة نموذجية فى مصر بالذات، وهو بحكم طبيعته تحالف مع الرأسمالية التابعة الحاكمة فى بلدان الثورة وتحالف مع الإمپريالية العالمية بقيادة الولايات الدولية وإسرائيل إقليميا. ومن هنا يمكن القول إن مواقف وجهود وأموال وربما أسلحة دول الخليج التى دعمت الثورة إنما تصبّ فى مصلحة الثورة المضادة سواء فى حالة استمرار نفس النظام ونفس الطبقة المالكة فى الاقتصاد والسلطة كما هو الحال فى مصر وتونس، أم فى حالة سقوط الطبقة الرأسمالية التابعة ذاتها، مع النظام، ومع رأس النظام، لصالح إعادة تشكيل الطبقة الرأسمالية التابعة ذاتها بأفراد ورجال أعمال جدد ومجموعات وشركات جديدة فى حالة التصفية العنيفة للثورة عن طريق الحرب الأهلية كما يحدث الآن فى ليبيا، وكما يحتمل أن يحدث فى سوريا، إذا تركنا جانبا التجربة اليمنية التى يقوم فيها النظام القبلى الأكثر قوة ورسوخا بالمقارنة بالوضع القبلى فى ليبيا وسوريا بفرض "سقف" حديدى على الصراع بين الثورة والثورة المضادة هناك.
15: وتدقّ إسرائيل طبول الحرب ضد إيران تمهيدا لهجوم إسرائيلى محتمل رغم صعوبته فى عام الانتخابات الأمريكية، أو لردع إيران عن القيام بأىّ مغامرة مباشرة أو بالوكالة فى سوريا. كما تتواصل تهديدات وتحذيرات إسرائيل للنظام السورى بالحرب فى حالة تحقُّق مخاوف إسرائيلية أكيدة منها قيامه بنقل أسلحة كيماوية وجرثومية أو أسلحة صاروخية متقدمة إلى حزب الله، أو فقدانه السيطرة على هذه الأسلحة وانتقالها بالتالى إلى قوى أو جماعات معادية لإسرائيل، أو أىّ تفكير محتمل من جانب النظام السورى فى أن يلعب اللعبة الوطنية القومية بالدخول فى حرب ضد إسرائيل بهدف إنقاذ نفسه رغم روادع علاقات القوة العسكرية بين إسرائيل وسوريا.
16: وتتواصل التهديدات والتحذيرات الأمريكية والأوروپية للنظام السورى لمنع استخدام أو نقل الأسلحة الكيماوية والجرثومية. وترتفع أصوات للعمل خارج نطاق مجلس الأمن تفاديا للڤيتو الروسى الصينى الجاهز هناك، ويتنامى اتجاه إلى إقرار تسليح المعارضة السورية المسلحة والجيش السورى الحر، ويستقيل كوفى أنان من مهمته كموفد عربى ودولى. ولا يمكن بالطبع استبعاد احتمال أن تؤدى الحرب الأهلية التى تدور فى سوريا، بين الشعب ونظام الأسد، إلى التدخل العسكرى الخارجى أيضا رغم صعوبته "الحربية" بالمقارنة مع ليبيا. وكانت الحرب فى ليبيا فى الحقيقة حربا أهلية بين الشعب الليبى ونظام القذافى جرَّتْ إلى حرب تدخل خارجى قام به حلف الناتو ضد نظام القذافى. غير أن هناك بالطبع مصالح أمريكية وإسرائيلية وأوروپية إستراتيچية مهمة للغاية سبقت الإشارة إليها تربط القضاء على نظام الأسد بتوجيه ضربة كبرى للنفوذ الإيرانى فى المنطقة (سوريا، حزب الله، غزة). وإذا كان خيار طريق الحرب الأهلية لتصفية الثورة مشتركا بين النظامين الليبى والسورى فقد كانت هناك اختلافات كبيرة بين البلدين فى خصائص الحرب الأهلية الدائرة فيهما. والفارق الجغرافى الحاسم بين سوريا وليبيا واضح جلىّ. ففى سوريا تتواجد مدن وأرياف البلاد متصلة على الأرض ومتداخلة ومتشابكة على العكس تماما من ليبيا التى تتناثر فوق صحاريها المترامية مدن وواحات متباعدة قد تصل المسافة بين إحداها والأخرى أحيانا إلى مئات الكيلومترات، وكان هذا مفيدا عسكريا لكلٍّ من نظام القذافى وقوى وقوات الثورة فى آن معا. فقد أتاح الفاصل الجغرافى الطبيعى لكلٍّ من الطرفين التمركز والتطور بعيدا عن هجوم الطرف الآخر استعدادا لزحف كلٍّ منهما على الآخر فى مراحل لاحقة. ويختلف هذا عن الاتصال الجغرافى الذى سمح للجيش السورى القوىّ للغاية نسبيا بالانتشار السريع بدباباته ومدافعه وشبِّيحته فى كل نقطة فى البلاد فى ظرف كان فى البداية بعيدا عن أن يكون مواتيا لقوى الثورة وقوات الجيش الحر التى ظلت تقاتل ببسالة وصارت الآن قوة عسكرية يُحسب حسابها كما تجلَّى أمس فى دشق واليوم فى حلب. وهناك فارق آخر بالغ الأهمية يتمثل فى طول فترة الحرب الأهلية بالمقارنة مع ليبيا. كما أن هناك أيضا فارق الجوار الجغرافى-السياسى فى سوريا على العكس من ليبيا، ففى مقابل فتح الحدود الليبية مع تونس ومصر المنكفئتين على ذاتهما للأجانب المغادرين، فيما بقى الليبيون المقيمون بالداخل والقادمون من الخارج فى بلدهم، كان هناك ملاذ آمن لأعداد هائلة من اللاجئين السوريِّين فى تركيا ولبنان والأردن. وكانت وما تزال هناك بالطبع ضغوط ومساعدات تأتى من هذا الجوار الذى يشمل أيضا إسرائيل والعراق وإيران عبْرَ العراق، بالإضافة إلى الدعم السياسى والدپلوماسى وقَدْرٍ من الدعم العسكرى من روسيا، وربما من إيران والعراق وحزب الله لدعم نظام بشار الأسد، وربما من سُنَّة العراق ولبنان وتركيا لدعم الثوار. وبالطبع فإن وجود سوريا فى قلب الشرق الأوسط جعل ويجعل الاهتمام بها كبيرا فى المنطقة وفى العالم غير أن تدخُّل العالم أمر بالغ الصعوبة وخاصةً بالمقارنة بالسهولة النسبية للتدخل فى ليبيا بسبب تداخُل وتشابُك جماهير الثورة والقوات السورية المسلحة.
17: ومع كل هذا فإن احتمالات دفاع نظام الأسد عن بقائه بكل وسيلة متاحة واحتمالات ردود الفعل التى يمكن أن تدفع إليها من جانب تركيا أو إسرائيل، أو فى أشكال متصاعدة للدعم العسكرى للثورة من جانب تركيا ودول الخليج، وخيارات إقرار ورفع درجة تسليح الجيش الحر وحتى التدخل العسكرى الجراحى ضد القيادة السياسية والعسكرية فى حالة حدوث تطورات بعينها من جانب أمريكا وأوروپا، تطورات محتملة يمكن أن تعجِّل بانهيار النظام السورى إنْ لم يأتِ هذا الانهيار سريعا من الداخل. وهنا تتجه الأنظار إلى استشراف الأنواع المحتملة للنظام أو الفوضى أو الحرب الأهلية عند انهيار النظام. وتأتى الأخطار كما فى كل ثوراتنا العربية الراهنة من جانب الإسلام السياسى وميول الحكم العسكرى لدى قيادات الجيش الحر رغم دوره الحالى فى حماية الشعب وثورته وفى الصراع العسكرى ببسالة وعناد فى سبيل إسقاط النظام. ورغم الضربات القاصمة التى كان قد وجهها الأسد الأب إلى الإخوان المسلمين، والحصار اللاحق من جانب نظام الأسد الابن وحزب البعث، واتساع نطاق المهجر الإخوانى بالتالى، فإن الوضع السورى يختلف كثيرا عن ليبيا. وهناك العامل السياسى المهم من الزاوية التى نهتم بها هنا وهو أن الزمن الممتد نسبيا للثورة أتاح للإخوان المسلمين السوريِّين فى داخل وخارج البلاد أن يشاركوا بصورة مكثفة فى الاحتجاجات السلمية وربما فى الاشتباكات العسكرية بصورة تؤهلهم لأن يكونوا شريكا مهما فى تقاسُم السلطة فى سوريا ما بعد بشار الأسد. وكما سبق القول فإن طريق الحرب الأهلية فى تصفية الثورة كما حدث فى ليبيا وسوريا يؤدى على الأرجح إلى انهيار النظام والدولة والطبقة فاتحا الباب أمام احتمال السيطرة الاقتصادية والسياسية للإخوان المسلمين وقيادات الجيش الحر. وبين واقع التعدد الإثنى والعشائرى والدينى والمذهبى البالغ التعقيد والغياب الفعلى لمنطق التعددية يقع الظل الثقيل لكل مخاوف الفوضى والحرب الأهلية الوحشية وللأمل فى قيام نظام جديد تعددى بفضل تنوع القوى السياسية المشاركة فى الثورة بعيدا عن نزوع تحالف محتمل بين قيادة الجيش الحر والإسلام السياسى بقيادة الإخوان المسلمين إلى احتكار السيطرة الاقتصادية والعسكرية لإعادة إنتاج نظام من الديكتاتورية والفساد واللصوصية الاستثنائية.
18: وكلما تجسدت أمام بصائرنا رؤى مصائر بالغة الكآبة للثورة السورية اهتزت فكرة دعم الثورة بعد أن اتضح أن ثوراتنا جميعا إنما هى ثورة وثورة مضادة بحكم ضخامة وزن قوى أصيلة فى معاداتها للثورة فى هذه الثورات جميعا، وهما تبدوان فى فترة ما، خاصة فى البداية، كأنهما داخل بوتقة واحدة لكنهما كالزيت والماء لا يمتزجان. غير أن دعم الثورة الشعبية، رغم المشاركة فى عملياتها السياسية والعسكرية لقوى مضادة للثورة استعمارية عالمية ورجعية عربية ورجعية إسلامية وعناصر عسكرية محلية، موقف يُمليه مبدأ أعلى لا يعلوه مبدأ وهو بقاء الشعب السورى بدلا من إبادته وهلاكه وفنائه، ثم قدرة قواه الحية على مقاومة النظام التابع القادم أو الفوضى والحرب الأهلية غير المستبعدتين بعد انهيار نظام بشار الأسد.
3 أغسطس 2012















5
بدلا من صَوْمَلَةِ سيناء
1: من جديد، أظهر الاعتداء الأخير على الجنود المصريِّين على حدودنا مع فلسطين المحتلة، مع غزة وإسرائيل، مدى خطورة الوضع فى سيناء. ورغم خطورة الحدث فى حد ذاته، يتمثل الأمر الأكثر أهمية فى الأخطار التى تُحْدِق بمستقبل سيناء ، وليس الحدود فقط بل كل أرض سيناء، وأهالى سيناء.
2: وهذه بيانات عامة أولية تشير إلى أهمية سيناء وإمكاناتها الحالية والمحتملة: تبلغ مساحة شبه جزيرة سيناء 60,088 كم2 وتمثل 6% من مساحة مصر الاجمالية، ويسكنها وفقا لتقديرات 2005 حوالى 380 ألف نسمة (ربما نصف مليون نسمة فى الوقت الحالى)، منهم 314 ألف فى محافظة شمال سيناء (وعاصمتها مدينة العريش)، و 66.5 ألفا فى محافظة جنوب سيناء (وعاصمتها مدينة الطور)، ومنهم 60 فى المائة من البدو، و 40 فى المائة من المنتقلين من وادى النيل والدلتا إلى هناك للعمل فى مجال السياحة. وتقع أجزاء من سيناء فى نطاق محافظات القنال الثلاثة: السويس فى الجنوب، والإسماعيلية فى الوسط ، وپورسعيد فى الشمال. وتمثل الزراعة (والرعى والصيد) النشاط الاقتصادى الأساسى. ويبلغ إجمالى المساحات المنزرعة 175 ألف فدان، منها 173.5 ألف فدان فى محافظة شمال سيناء، و 1.5 ألف فدان فقط فى محافظة جنوب سيناء. وتنتج هذه المساحة المنزرعة بكاملها 160 ألف طن من الخضر والفاكهة و 410 ألف أردب من الحبوب. وتقدَّر الثروة الحيوانية ﺑ 265 ألف رأس من الأغنام والماعز والجمال وبعض الأبقار والجاموس، وتعتمد فى معظمها على المراعى الطبيعية. وتعتمد الزراعة بشكل أساسى على الأمطار والسيول والمياه الجوفية. ويقوم اقتصاد سيناء إلى جانب الزراعة على السياحة والسياحة الدينية والسياحة العلاجية. وتشمل الصناعة فى محافظة جنوب سيناء مجالات التعدين، والصناعات الاستخراجية، والمحاجر: الپترول، والنحاس، والفوسفات، والحديد، والمنجنيز، واليورانيوم، والفلسپار، والفحم، والطفلة الكربونية، وأجود أنواع الفيروز فى العالم. وفيما يتعلق بالپترول، تنتج مواقع بحرية فى خليج السويس وحدها حوالى ثلث إنتاج مصر بالإضافة إلى حقول پترول أبو رديس ورأس سدر، وهناك شركات تعمل فى مجال التعدين، منها مصنع جبس، ومصنع لكلسنة الجبس، ومصنع الفيرومنجنيز، ومصنع پتروجاس، وفى مجال الصناعات الاستخراجية تعمل شركات منها شركة پترول بلاعيم، وشركة السويس للزيت، والشركة العامة للپترول، ويوجد فى مجال المحاجر بالمحافظة 20 محجرا، وفى مجال الصناعات الغذائية 22 مخبزا، ومزارع دواجن وتسمين. وتتمثل مرافق النقل والمواصلات فى مجموعة مهمة من الطرق والكبارى والموانئ والمطارات: منها موانئ العريش، وشرم الشيخ، والطور، وشرق بورسعيد، ومطارات شرم الشيخ الدولى، والعريش الدولى، والطور، وسانت كاترين الدولى، وطابا الدولى، وترتبط سيناء بالقاهرة وباقى البلاد بكوبرى السلام، وكوبرى الفردان، ونفق أحمد حمدى (الويكيپيديا).
3: ويبدو أن الاعتداء على حياة جنودنا على حدودنا قد تمَّ على أيدى عناصر مصرية وفلسطينية وربما مع جنسيات أخرى، يبلغ عددها 35 عنصرا، يُعتقد أن عناصر منها جاءت عبر الأنفاق من قطاع غزة بالتنسيق مع عناصر من داخل حدود مصر، وكان هناك تدخُّل عسكرى إسرائيلى سريع. وهكذا تعددت الجهات المسئولة المفترضة، وتعددت التفسيرات ووجهات النظر، وحسب الجهة أو الجهات المفترضة تعددت التكهنات بشأن الدوافع والمصالح والجهات المستفيدة. وتتجه أقوى الشكوك فيما يبدو إلى جهة أو جهات جهادية فلسطينية فى غزة لا تتبع حماس مع أخذ سيطرة حماس على الأنفاق فى الاعتبار بالتنسيق مع عناصر من جماعات جهادية مصرية هجرت مناطق فى مصر إلى سيناء، أو عناصر من أبناء القبائل السيناوية البدوية صارت تتبنى أيديولوچيات جهادية متطرفة، مع احتمال أن العملية كانت موجهة ضد إسرائيل مع ضربة خداعية للتضليل ضد جنودنا. وهناك فرضية إسرائيل بدوافع بعينها منها إثارة القلاقل فى مصر وإضعاف مركز الحكم الإخوانى الناشئ والإيقاع بين المجلس العسكرى والإخوان المسلمين. وهناك فرضية إيران بدافع تخفيف الضغط الواقع على سوريا. وامتدت شكوك الخيال السياسى الشعبى حتى إلى الإخوان المسلمين كضربة ضد المجلس العسكرى وإلى هذا الأخير كضربة ضد الرئيس مرسى ومن ورائه حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين. وبدأت وتواصلت عملية النسر بهدف تطهير سيناء من المجموعات الجهادية المتطرفة. وتعقدت المسألة عندما غاب الرئيس الإخوانى عن المأتم والجنازة العسكرية ورئيس الوزراء الإخوانى عن الجنازة العسكرية بالإضافة إلى قيادات إخوانية بارزة. ومن الجلى أن غياب الرئيس وقيادات الإخوان كان يرجع إلى الاتهامات الموجهة من جانب جماهير مشاركة فى الجنازة ضد مرسى والإخوان إلى حد المطالبة بإسقاط حكمه، وكانت الاتهامات ذاتها تأتى من دوائر تصرّ على استغلال المناسبة سياسيًّا ضد الرئيس مرسى باعتباره المسئول الأول عما حدث، ليس فقط بصفته، بل فى المحل الأول لأن حركة حماس الإخوانية تحكم غزة مثلما تحكم جماعة الإخوان المسلمين مصر، ولأن حماس تسيطر على أنفاق غزة وهى بالتالى مشاركة بدور ما فيما حدث، وذلك بعد زيارة كل من خالد مشعل و إسماعيل هنية للرئيس المصرى الإخوانى، بالإضافة إلى مجموعة من التصريحات التى أطلقها الرئيس مرسى بما يوحى باعتبار غزة أولوية من أولويات رئاسته، بطريقة استفزت مشاعر جمهور لا يرضيه ألَّا يحتل عند رئيسه مركز الأولوية. كما ذهبت تكهنات أخرى فى الاتجاه المعاكس باعتبار أن المجلس العسكرى أو اللهو الخفى المرتبط به وبما يسمى بالفلول خطط ونفذ بهدف القيام بانقلاب عسكرى ضد الرئيس والإخوان المسلمين! والمهم أن الرئيس مرسى صار بطريقة ما "فى وِشّ المدفع" فصار موضوعا للاتهامات مرتين: مرة لإسهامه فى العملية بحكم علاقته الوثيقة بحماس التى فتح أمامها معبر رفح، والمتهمة فى كل الأحوال على الأقل بإغماض العين، ومرة أخرى لغيابه عن العزاء والجنازة لأسباب تتعلق بأمنه رغم حضور القيادات العسكرية وغيرها فى ظل نفس الشروط الأمنية. وتعقدت المسألة أكثر عندما وجد الرئيس ومستشاروه وناصحوه ومرشدوه فى الحزب والجماعة فى حالة لا يُحْسَدون عليها باعتبار أنه تعمَّد الغياب عن عزاء وجنازة الشهداء مع أنه رئيس البلاد، فجاءت قراراته الدراماتيكية المفاجئة التى اتخذها بصورة فردية أو بالتنسيق مع المجلس العسكرى بإعفاء مسئولين بارزين من مناصبهم الكبيرة: مدير المخابرات العامة، وقائد الحرس الجمهورى، وغيرهما. ومن جديد اشتعلت التكهنات عن علاقة هذه الإجراءات بالصراع السياسى، وبالتالى عن الخطوات المحتملة فى سياق هذا الصراع الذى جاء فى سياق صراع سياسى أوسع وأعمق على قمة السلطة.
4: وهذا الصراع الذى يتخذ أشكالا عديدة ويستخدم وسائل متعددة يتركز فى هذه اللحظة على الجمعية التأسيسية للدستور وسباقها مع الزمن لإعداد دستور إخوانى قبل صدور أحكام قضائية متوقعة، كأساس لجمهورية إسلامية، ولأخونة السلطة والنظام والدولة، ضمن محاولات قانونية وإدارية متنوعة، لاستعادة كل السلطات المطلقة لرئيس الجمهورية، وإخضاع السلطة القضائية لأجهزة دولة الجمهورية الثانية المزعومة، ويتركز كذلك على مأساة التعيينات الصحفية التى فرضها مجلس الشورى الإخوانى على الصحف المسماة بالقومية. على أن هناك ما لا يقلّ أهمية وهو تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة هشام قنديل، فهى حكومة إخوانية تمثل خطرا جسيما وهجوما ضاريا على الأقل على عدد من المجالات الأساسية لحياة الشعب وحرياته ونضاله. ويزعم رئيس الحكومة أن حكومته تكنوقراطية، غير أن الحكومة لا تكون تكنوقراطية حتى إذا كان كل وزرائها من التكنوقراط ما دام التكنوقراط الذين يمثلون حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين سياسيِّين بطبيعتهم، بينما الوزراء الآخرون غير سياسيِّين، أو من تكنوقراط "الفلول" الخاضعين لبرنامج حكومى إخوانى. ولا يقتصر الطابع الإخوانى وطابع الأخونة على وجود خمسة وزراء من الإخوان أو عدد يصل إلى تسعة من الإسلام السياسى ككل، إذْ إننا نجد أنفسنا إزاء واقع أن رئيس الحكومة وثيق الصلة بالإخوان المسلمين و خيرت الشاطر بالذات، وفقا لبعض التأكيدات، كما تؤكد مصادر مهمة، وهذا فى وضع يتولى فيه السلطة الرئيس الإخوانى محمد مرسى، الذى يُفترض أن تتمثل مهمة الحكومة فى تطبيق برنامجه، وفى وضع يعمل فيه مجلس الشورى على إحكام تبعية المؤسسات الصحفية المسماة بالقومية للحكومة ورئاسة الجمهورية. وبالإضافة إلى وزراء الحرية والعدالة الخمسة هناك وزير من حزب الوسط ووزير من حزب النهضة، بالإضافة إلى الوزيرين الإسلامييْن أحمد مكى و طلعت عفيفى. ولا يمكن بالطبع إنكار أن المجلس العسكرى فرض وزراء منهم سبعة من حكومة الجنزورى ومنهم عسكر وتكنوقراط وفلول، وأنه احتفظ بعيدا عن الإخوان بالوزارات المسماة بالسيادية. ويبرز فى هذا السياق واقع سيطرة الإخوان على قطاعات حكومية جماهيرية حاسمة منها وزارات الإعلام (صلاح عبد المقصود)، والقوى العاملة (خالد محمود الأزهرى)، والشباب (أسامة ياسين)، والتعليم العالى (مصطفى مسعد)، والإسكان (طارق وفيق)، ويتولى طلعت عفيفى وزارة الأوقاف التى تشتمل على قطاع الأئمة والدعاة والوُعَّاظ أىْ قطاع السيطرة الأيديولوچية الدينية، كما يتولى الإسلامى المستشار أحمد مكى وزارة العدل الوثيقة الصلة بقضية استقلال القضاء، وأنواع المحاكم والمحاكمات، والحريات الديمقراطية الوثيقة الارتباط بكل ذلك، ولا ننسى محمد محسوب وزير الشئون الپرلمانية، وهو من حزب الوسط الإسلامى. وهكذا، وفى ضربة واحدة، وقعت جماهير الشباب، والعمال والعاملين، وطلبة الجامعات، ورجال الصحافة والإعلام، وأئمة ودعاة ووُعَّاظ مساجد وزارة الأوقاف، تحت سيطرة الأجهزة الحكومية الإخوانية المباشرة التى ستُباشر مهمة تنظيم تشكيل عقول السكان جميعا.
5: وبعيدا عن استغلال مختلف أطراف الصراع السياسى على قمة السلطة سياسيًّا، بصورة صريحة أو مكتومة، للتقصير الخطير فى سيناء بإلقاء المسئولية من جانب طرف على الطرف الآخر، وبالعكس، فإن التحدِّى الذى يواجه جميع الأطراف، وأهالى سيناء، ومصر كلها، يتمثل فى غياب بديل عملى عن التدهور المتواصل فى وضع سيناء، وما من تدهور يقف من تلقاء نفسه عند حد! فالوضع فى سيناء بالغ التعقيد حقا، سواء من حيث العلاقة مع غزة، أو العلاقة مع إسرائيل، أو بين أجهزة الدولة المصرية مع المواطنين فى سيناء التى يتواصل تدهور أوضاعها ويتواصل بالتالى تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لسكانها. والحقيقة أن المشكلة أكبر من مجاملات الرئيس الإخوانى مرسى لإخوان غزة، ومن تقصير الجيش المصرى والمخابرات المصرية والأمن المصرى فى حماية جنودنا فى مواجهة جماعات جهادية غزاوية أو مصرية، ومن أىّ احتمال آخر عن الفاعل الأصلى الداخلى أو الخارجى، فمثل هذه الأحداث قابلة على كل حال للوقوع فى أىّ مكان فى العالم.
6: ومن الجلى أن وضع غزة، منذ حرب 1967، شأنها فى هذا شأن الضفة الغربية لنهر الأردن، مسئولية مصرية، فقد أضاعت مصر عن طريق تلك الحرب ليس فقط سيناء بل كذلك أيضا الضفة والقطاع الفلسطينييْن وهضبة الجولان السورية، لأن مصر هى التى جرَّت الأردن وسوريا إلى مغامرة الحرب، التى لم تكن قد استعدت لها. وفوق هذا كانت غزة قد صارت، عند قيام دولة إسرائيل فى 1948، وديعة عند مصر وتحت الحكم المصرى عندما تم إلحاقها بها بترتيبات بعينها ولكنْ بحدود مفتوحة.
7: وبقدر ما يتعلق الأمر بهذه الجبهة فقد كان من نتائج حرب وهزيمة 1967 ضياع غزة وسيناء كلتيهما، وانتهت عملية السلام بين مصر وإسرائيل بعد حرب أكتوبر 1973 ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل فى 1979 إلى ضياع غزة وبقائها تحت الاحتلال الإسرائيلى وإخضاع سيناء لترتيبات أمنية صارمة حوَّلَتْها من الناحية الجوهرية إلى منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل القصد منها حماية حدود إسرائيل وأمنها. ولا شك فى أن احتمال أن تشكل غزة تحت الحكم المصرى الملكى ثم الجمهورى خطرا على حدود وأمن إسرائيل كان ضئيلا نسبيا، كما كان الحال مع الضفة الغربية التى كانت وديعة عند الأردن تحت الحكم الأردنى فكانت بدورها بترتيبات بعينها ولكنْ بحدود مفتوحة. على أن الكفاح الفلسطينى المسلح ضد إسرائيل بدأ منذ يناير 1965 على يد "فتح"، ولم تجد البداية وقتا للتطور إلى ظاهرة كبيرة تؤدى إلى صدام كبير، فبعد ذلك التاريخ بأقل من عامين ونصف اندلعت حرب يونيو 1967 بنتائجها المتمثلة فى الاحتلال الإسرائيلى الواسع النطاق على جبهة سيناء وغزة وكذلك على الجبهتين الأردنية والسورية.
8: وعندما تمت التسوية المنفردة وتم عقد معاهدة السلام، تخلَّتْ مصر عن كل الأراضى العربية التى كانت هى السبب فى احتلالها، وكان من السهل أن تتخلى عن أراضى غيرها ما دامت قد تخلت عن سيادتها على سيناء المصرية ذاتها، وارتضت تحويل سيناء إلى منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل. ومهما كانت المسئولية المادية والأخلاقية لمصر فى إضاعة هذه الأراضى المصرية والعربية فإن الأخلاق لم تكن، بطبيعة الحال، معيار عملية التسوية وعقد المعاهدة. بل كان الأساس والمعيار يتمثلان فى إدراك واضح لعلاقات القوة بين إسرائيل وحلفائها العاقدى العزم على إعادة مصر إلى الحظيرة الاستعمارية من ناحية ومصر وحلفائها غير المرغوب فيهم أصلا من الناحية الأخرى. وإذا كانت مصر قد ذهبت إلى حد القيام بمغامرة غير محسوبة بالانزلاق إلى الحرب والهزيمة فقد كان عليها أن تعود، مهما كانت الوسائل، إلى مقتضيات الإدراك الواضح من جانب انقلاب 1952 لحقائق علاقات القوة مع إسرائيل، وإنْ كانت قد تحدَّت تلك الحقائق فى حروب 1956، و 1967، و 1973، وتمثلت نتائج تلك الحروب فى الانتصار السياسى فى 1956 على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل رغم الهزيمة العسكرية، والهزيمة الكاملة فى 1967، وتحريك عملية السلام بفضل حرب اللانصر واللاهزيمة التى كانت عنوانا فى الصحافة شبه الرسمية على حرب أكتوبر 1973، فى أعقاب تلك الحرب.
***
[كتبتُ ما سبق فى 11 أغسطس 2012 ثم جاء اليوم التالى 12 أغسطس 2012، بصورة مفاجئة للجميع ومتناقضة مع التوقعات المباشرة لكثيرين منهم كاتب هذه السطور، بقرارات للرئيس محمد مرسى شملت إلغاء الإعلان الدستورى المكمل وإحالة المشير طنطاوى والفريق سامى عنان إلى التقاعد وتعيين عسكرييْن آخرين مكانهما، بالإضافة إلى تعيينات جديدة شملت تعيين نائب لرئيس الجمهورية، فى سياق ثورة تصحيحية إخوانية تذكِّرنا، رغم اختلافات متنوعة، بثورة السادات التصحيحية فى مايو 1971. ويبدو أننا هنا أيضا أمام قوة مطلقة وجهل مطبق لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية كما كانت لدى رجال عبد الناصر أمام ثورة السادات التصحيحية قبل واحد وأربعين سنة، إلا إذا كانت هناك صفقة برعاية أمريكية كما تؤكد بعض التقديرات، وهناك على الأقل تأكيدات بأن الولايات المتحدة كانت على علم بالخطوة التى اتخذها الرئيس مرسى، بالإضافة إلى تأكيدات أمريكية باستمرار علاقات وزارة الدفاع الأمريكية مع الجيش المصرى، وأعتقد أن إجراءات مرسى لا ترقى إلى مستوى أن تكون إطاحةً بقيادة المؤسسة العسكرية ككل أو أن تكون قد زعزعت المكانة الحاسمة لهذه المؤسسة فى الاقتصاد والسياسة، وربما يكون الإخوان المسلمون قد انتقلوا بهذه الخطوة من موقع التحالف الذيلى مع العسكر إلى معادلة جديدة مختلفة إلى حد كبير معهم لفترة تطول أو تقصر وفقا لاتجاه ونتائج التطورات المحتملة. على أنه لم تتضح بعدُ أبعاد وحقائق ودلالات هذا الحدث، خاصة من حيث احتمالات تطورات لاحقة فى سياق مبادرات مرسى ومواقف الجيش والقوى السياسية والثورة فى مواجهتها، غير أننى أظن أن ارتباطه بعملية سيناء ليس بالقوة التى يتصورها البعض رغم استغلاله سياسيا من جانب طرفىْ الصراع: العسكر والإخوان، وأظن بالأخص أن تدهور أوضاع سيناء متواصل سواء أكانت مصر تحت حكم الإخوان المسلمين أو تحت حكم العسكر، بكل النتائج الخطيرة لهذا التدهور. ولهذا فإننى سأتابع فقرات مقالى بشأن سيناء]
9: وبادئ ذى بدء فإن الصوملة هى قَدَر كل منطقة أو دولة ساحلية فاشلة تعانى الفقر والتهميش والتدهور بما يؤدى إلى حرب أهلية طويلة و/أو سيطرة جماعات يقوم اقتصادها بصورة اضطرارية على قطع الطرق البحرية وخطف الرهائن المادية والبشرية للحصول على الفدية. ولهذا تحوم مخاوف الصوملة وترتفع أصوات تعبِّر عنها حول اليمن وغرب أفريقيا ومناطق أخرى نتيجة لذات العوامل التى ألقت بالصومال إلى هذا المصير، ومن الجلى أن الصوملة والأعراض الصومالية تؤدى إذا استمرت إلى نتائج أفظع من الصوملة فى حدّ ذاتها فى الطريق إلى جحيم التدخلات العسكرية الأجنبية بسبب تأثيرها على التجارة العالمية بل حتى إلى جحيم هلاك الشعوب ذاتها. والحقيقة أن مناطق ساحلية وغير ساحلية فى عالمنا المسمى بالثالث تتعرض للإفقار والتهميش والتدهور بصورة متواصلة لتنتهى إلى نفس المصير المرعب. وإذا كانت الصوملة ترتبط بالمناطق الساحلية فإن جوهرها أوسع انتشارا ويشمل مناطق غير ساحلية. وتعانى سيناء من التدهور الاقتصادى والاجتماعى كما أنها شبه جزيرة وبالتالى منطقة ساحلية تشمل سواحلها البحرين الأبيض والأحمر وبالتالى خليج السويس وقناة السويس وخليج العقبة، وتمثل قلب عبور التجارة العالمية.
10: وتكمن مشكلة سيناء فى أن تعميرها وتطويرها وتصنيعها تعترضها مشكلات كبرى بالإضافة إلى التبعية الاقتصادية الاستعمارية التى تشمل باقى مصر بالعجز المنطقى لبلد غير صناعى عن تطوير اقتصاده، من صناعة وزراعة وبنية أساسية وخدمات وسياحة، بحكم تدهور وتخلُّف اقتصاده. وترتبط هذه المشكلات الكبرى قبل كل شيء بواقع أن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل حوَّلت سيناء من الناحية الجوهرية إلى منطقة عازلة بين الدولتين. صحيح أن سيناء ظلت، حتى قبل قيام دولة إسرائيل، فى تخلُّفها الاقتصادى والاجتماعى مثل باقى مصر، وأكثر من باقى مصر شأنها فى ذلك شأن المناطق البعيدة عن القاهرة والإسكندرية والدلتا، مثل كل المناطق الحدودية والصعيد، وتواصَلَ تخلُّفها بعد ذلك حتى معاهدة السلام فى فترة استمرت قرابة عشرين عاما (1948-1967) تخللتها حرب فى 1956 ثم خلال فترة 1967-1979، التى كانت فترة حرب وحالة حرب. غير أن العامل الإضافى الجديد وراء عرقلة تطوير سيناء يتمثل فى تحوُّلها، طوال الفترة 1979-2012، إلى منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل بموجب المعاهدة. وإذا كان من غير المنطقى أن نتصور تطوير وتصنيع سيناء بدون تطوير وتصنيع مصر كلها فإن من الجلىّ أن تطوير سيناء تعترضه هذه العقبة الكبرى الجديدة التى جاءت بها معاهدة السلام وأضافتها إلى العقبات الأصلية المستمرة التى تشكلها التبعية أمام تطوير وتصنيع مصر.
11: وبطبيعة الحال فإن من المستبعد تماما أن يتم فى ظل النظام الرأسمالى التابع الحالى، العسكرى، أو الإخوانى، أو العسكرى-الإخوانى، تطوير وتصنيع مصر، ويعنى هذا أن من المستبعد تماما أيضا تعمير وتطوير وتصنيع مصر. وحتى إذا افترضنا جدلا تطوير وتصنيع مصر فإن عقبة تحويل سيناء إلى منطقة عازلة سوف تَحُول دون تصنيعها أو تطويرها أو حتى تعميرها. وفى أعقاب معاهدة السلام وحتى قبل عقد تلك المعاهدة بل حتى قبل مبادرة السادات فى 1977 ظهرت نظريات الجمع بين العبقرية اليهودية والمال العربى والعمالة المصرية لتعمير وتطوير سيناء اقتصاديا، وظهرت فيما بعد مشاريع أخرى، غير أن شيئا من هذا لم يحدث طوال الثلاثة والثلاثين عاما الماضية وذلك بسبب العقبتين الكبيرتين المشار إليهما: عقبة التبعية وعقبة المنطقة العازلة. وتتمثل عقبة المنطقة العازلة ببساطة فى أن الرأسمال، سواء أكان رأسمال الدولة أو الرأسمال الخاص، المحلى أو الأجنبى، جبان بطبعه فلا يمكن أن يجازف بالملايين والمليارات فى تطوير منطقة كانت منطقة حروب مع إسرائيل طوال عقود منذ قيامها وستظل مرشحة لحرب أو حروب جديدة فى سياقات مختلفة يصعب التنبؤ بها، سواء بسبب التطورات المصرية أو بسبب تطور الأطماع الإسرائيلية فى غزة أو سيناء ذاتها، أو بسبب تطورات فى أوضاع غزة على الحدود بين البلدين.
12: وتتمثل عقبة غزة فى مقتضيات الحصار الإسرائيلى الحديدى لها الآن وفى المستقبل. وتحيط بغزة سبعة معابر تسيطر إسرائيل سيطرة كاملة على خمسة منها معبر المنطار (إسرائيليا: معبر كارنى) وهو أهم المعابر في القطاع وأكبرها من حيث عبور السلع التجارية بين القطاع وإسرائيل وإنْ كان من أكثر المعابر إغلاقا فلم يفتح إلا 150 يوما طوال سنة 2007. ويجرى تنظيم فتح معابر قطاع غزة وفقا لاتفاقية المعابر الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية فى نوڤمبر 2005. ولا مناص من أن يتنقل المواطنون الفلسطينيون الغزاويون بين مصر وغزة فى الاتجاهين عبْرَ معبر رفح. والسيطرة على معبر رفح فلسطينية بالتنسيق مع مصر وبمراقبة الاتحاد الأوروپى، وقد تعطلت هذه الترتيبات منذ عام 2007 مع الانقسام الفلسطينى بين حركتىْ فتح وحماس، وبالتالى رفض حماس لدور منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى هذا صارت التفاهمات الإسرائيلية المصرية هى السبيل الوحيد لفتح معبر رفح لفترات تطول أو تقصر. وبين مصر وغزة يقع، بالقرب من معبر رفح، معبر كرم أبو سالم، والسيطرة عليه إسرائيلية بتنسيق مع مصر، وهذا المعبر مخصص للحركة التجارية بين القطاع وبين إسرائيل، ويستخدم أحيانا لعبور المساعدات إلى القطاع، كما يمر منه بعض الفلسطينيين حين يتعذر عليهم استعمال معبر رفح القريب منه (موقع الجزيرة نت). ولأن الانتقال بين غزة ومصر عبر معبر رفح يشمل الأفراد والسلع مع احتمال عبور أفراد غير مرغوب إسرائيليًّا فى عبورهم بالإضافة إلى احتمال عبور أسلحة، فإن إسرائيل ترى أن إحكام الحصار يقتضى تطبيق الترتيبات المتفق عليها، وتعتمد مضطرة إلى رقابة مصر على السلع العابرة والأفراد العابرين كما تمارس ضغوطها الناجحة كقاعدة عامة لإغلاق هذا المعبر، ولهذا صار من المستحيل فتح معبر رفح بصورة دائمة.
13: ومن الصعب بطبيعة الحال أن نتصور وضعا يتم فيه التخلُّص من مقتضيات الحصار الإسرائيلى لغزة فى إطار تسوية ما. ومن الصعب هضم الفكرة الإسرائيلية التى طالبت بالفصل بين إسرائيل وغزة. ذلك أنه لم يَعُدْ الاعتماد على مصر فى حكم غزة كما كان الأمر فى إطار الهدنة عند قيام دولة إسرائيل مقبولا لا من جانب إسرائيل ولا من جانب مصر. فقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ ذلك التاريخ وبالأخص فإنه بدلا من الهدنة التى فرضتها النكبة نشأت وتطورت حركة المقاومة الفلسطينية بمختلف فصائلها وصارت حالة الحرب قائمة وقابلة للانفجار مهما تكررت ترتيبات الهدنة بين هذه الفصائل وإسرائيل. ولأن فى مصر شعبًا فإن أىّ نظام مصرى لن يقبل القيام بتولَّى مسئولية حصار غزة بدلا من إسرائيل عن طريق حكمها حتى إذا كان قادرا عسكريا على ذلك. كما يمكن أن تَحُول أطماع إسرائيل فى غزة أو سيناء بما يؤدى إلى الترحيل (الترانسفير) إلى سيناء إلى إعادة غزة إلى حكم مصر أو سيطرتها. ومن ناحية أخرى فإنه لا يمكن تصوُّر أن تترك إسرائيل غزة وشأنها برفع الحصار البرى والبحرى والجوى عنها لأن إسرائيل ستتعرض، مهما كانت شروط عقد تسوية بينها وبين الفلسطينيِّين أو بينها وبين غزة بصورة منفردة، لهجمات لا يمكن تفاديها وارتفاع خطورتها مع عبور الأفراد والأسلحة عبْرَ حدود برية وبحرية وجوية مفتوحة بين غزة والعالم. ومن هنا فإنه لا ينبغى أن يحلم أحدٌ بكسر الحصار وناهيك عن رفع الحصار إلا فى حالة واحدة هى تدمير دولة إسرائيل كدولة وهى حالة غير واردة فى المدى المرئىّ. وما دام رفع الحصار بل حتى تخفيفه غير وارد فإن حالة غزة ستظل قائمة بكل الاحتمالات التى يمكن أن تنشأ عنها.
14: ونعود إلى غزة للوقوف على الحالة الراهنة التى نشأت نتيجةً لحاجة سكان غزة إلى العبور فى الاتجاهين بين مصر وغزة بصورة أكثر تحررا من قيود معبر رفح حتى فى حالة فتحه بصورة دائمة. وفى ظل الأوضاع المتدهورة لسيناء ورفح المصرية، وفى ظل رغبة جهات عديدة فى القطاع فى أن تفتح العبور على مصراعيه للأفراد بما فيهم الجهاديِّين وللسلع لتشمل ليس فقط ضروريات الحياة والمعيشة وحدها بل أيضا السلع الترفية كالسيارات الفارهة ومختلف أنواع الكماليات وقبل كل شيء تهريب المخدرات والأسلحة، وفى ظل التقاء كل هذا بفساد مستفحل لدى مسئولين أمنيِّين وإداريِّين مصريِّين ومواطنين مصريِّين سيناويِّين وغير سيناويِّين، نشأت وتطورت الأنفاق بين مصر وغزة ليصل عددها الآن إلى حوالى 1200 نفق، وصارت مصدر ثراء فاحش لكثير من المصريِّين الغزاويَّين وغير الغزاويَّين. وبحكم تكاثر الجماعات الجهادية فى كل من غزة وسيناء تفاقمت حالة خروج سيناء عن السيطرة وانتشار الانفلات شبه المطلق فيها. ويشكل هذا بطبيعة الحال خطرا على وضع الأمن فى مصر كلها وليس فى سيناء وحدها، كما أنه يفاقم دور عقبة المنطقة العازلة. وحتى فى حالة التدمير الكامل للأنفاق الحالية ولأىّ أنفاق محتملة فى المستقبل وحصر عبور الأفراد والسلع فى معبر رفح (ومعبر كفر أبو سالم) بعيدا عن فوضى الأنفاق وبعيدا عن انفلات الفساد المصرى الفلسطينى من خلالها فى الوقت الحالى، ومهما تواصلت الحملات والتجريدات العسكرية والأمنية على الجماعات الجهادية فى سيناء فإن هذا لن يقضى على نموّ وتفاقم هذه الجماعات هناك فى ظل الفقر والجهل والمرض وغياب التطوير، وفى ظل غياب الحريات الديمقراطية والاعتماد على الحل الأمنى، ومعنى هذا هو استمرار التدهور والتهميش والسير فى الطريق إلى جحيم الصوملة. وكما شهد عهد السادات وعهد مبارك فقد نشأ وتفاقم جوهر الصوملة فى صعيد مصر، وبين سكان العشوائيات والمقابر والأزقة الضيقة القذرة فى المدن الكبرى وبالأخص العاصمة وفى الأرياف الفقيرة المتدهورة بعيدا عن دعاوى التطوير والرخاء وآخر الحروب مع عهد ألفىّ سعيد من السلام المصرى مع إسرائيل. ووفقا لقاعدة النجيل الجديد الذى ينبت مكان كلّ نجيل يجرى حَشُّهُ فإن أجيال الجماعات الجهادية والإرهابية والمُصَوْمَلَة والمتصوملة سوف تتوالى إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.
15: ويبقى احتمال تعديل المعاهدة بما يؤدى إلى ارتفاع كبير فى عدد وعُدَّة القوات المسلحة المصرية بحيث تكون قادرة على الضبط الصارم للحدود فى مواجهة سيطرة المنظمات والمجموعات الجهادية المصرية فى سيناء، وكذلك احتمال إلغاء معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وإزالة عقبة المنطقة العازلة أمام تطوير سيناء، ووضع حد للتدهور الاجتماعى الاقتصادى المؤدى إلى الصوملة، بفضل وجود الجيش المصرى والأمن المصرى بكامل قوتهما فى كل شبر من سيناء، مع تفادى الحرب مع إسرائيل رغم إلغاء المعاهدة ما دامت علاقات القوة العسكرية باقية على حالها. وهذه بطبيعة الحال مهمة بالغة التعقيد والصعوبة نظرا للحالة العامة فى مصر. ذلك أن كل هذا يتوقف بالكامل على التصنيع والتحديث الجذرييْن والسريعيْن اللذين من شأنهما أن يؤدِّيا إلى التحرر من التبعية الاستعمارية فى مصر ككل. ولأن مصر ظلت عاجزة عن التصنيع الحقيقى والتحرر من التبعية الاقتصادية كأساس للتبعيات الأخرى فى عهد جمهوريتها الأولى طوال ستين عاما، وستظل عاجزة كذلك عن ذلك فى عهد جمهوريتها الثانية الإخوانية المحتملة التى لم يَعُدْ من الممكن استبعاد قيامها فى حالة استمرار المنعطف الجديد للتطورات السياسية فى مصر. ومع استحالة قيام الرأسمالية الكبيرة التابعة بهذه المهمة التاريخية حقا، يبقى الأمل معقودا على القدرة المحتملة للديمقراطية الشعبية من أسفل على إكراه الرأسمالية التابعة على السير فى هذا الطريق كما فعلت رأسماليات تابعة أخرى فى تجربة النمور الآسيوية الأصلية بالذات.
16: وبالطبع فإنه ينبغى، دون أن نطفئ نور كل أمل، أن نبتعد عن كل تفاؤل شعبوىّ لا يُجدى فتيلا بحتمية أن تسير مصر الرأسمالية التابعة بقيادة نفس الطبقة والسلطة والنظام فى طريق التصنيع والتحديث السريعيْن للتحرر من التبعية الاستعمارية مع احتمال تحقيق ديمقراطية شعبية قادرة على ممارسة دور حاسم فى تطور مصر فى مستقبل الأجل القريب والمتوسط. غير أن المعادلة التى نتحدث عنها هنا هى أن مصر مهدَّدة فى وجودها كشعب وبلد ما لم تكن قادرة على السير الجاد والحثيث فى طريق التحرر من التبعية. وبافتراض أن مصر استطاعت أن تسير فى طريق إزالة عقبة التبعية فإنها ستجد نفسها فى سيناء أمام التحدى الكبير الذى تمثله عقبة المنطقة العازلة.
17: وتفاديا للكتابة من جديد، أنقل فيما يلى قسما من فقرة من مقال لى بعنوان "الثورة المصرية الراهنة وأسئلة طبيعتها وآفاقها" (20 سپتمبر 2011)، وكانت هذه الفقرة بدورها فى أعقاب اعتداء إسرائيلى أدى إلى مقتل عدد من جنودنا داخل حدودنا:
[نصَّت المعاهدة التى قايضت الأرض بالسلام على أساس قرارىْ مجلس الأمن 242 (22 نوڤمبر 1967) و 338 (22 أكتوبر 1973) على الاعتراف المتبادل وإنهاء حالة الحرب والحدود الآمنة والعلاقات الطبيعية مقابل الانسحاب الإسرائيلى على مراحل بالإضافة إلى قيود ثقيلة (وفقا للمادة الرابعة التى تجيز تعديل ترتيبات أمنية وردت فى الفقرتين 1 و2 منها) على الوجود العسكرى والأمنى المصرى فى سيناء باعتبار سيناء بكاملها منطقة عازلة لحماية إسرائيل مع فتح قناة السويس ومضيق تيران وخليج العقبة أمام مرور السفن الإسرائيلية، ومع اشتراط موافقة مجلس الأمن بشرط إجماع الدول الخمس ذات العضوية الدائمة من خلال التصويت "الإيجابى" وبالطبع مع تمركز قوات ومراقبين من الأمم المتحدة فى سيناء، بالإضافة إلى حظر توقيع أىّ اتفاقية تتناقض مع هذه المعاهدة. ويدور الجدال الآن حول المفاضلة بين تعديل المعاهدة وإلغائها كليًّا. ويعنى ما سبق ضآلة ما يجوز تعديله وتفاهته وصعوبته وفقا للمادة الرابعة من المعاهدة. غير أن التخلص النهائى من هذه المعاهدة المشينة المفروضة على مصر بإلغائها النهائى هو الهدف الإستراتيچى للشعب المصرى، وعلى هذا الشعب أن يقوم بهذا دون إبطاء حالما تسمح به الظروف التى قد لا تتكرر فى مستقبل قريب. والحقيقة أن المعاهدة كانت قد فُرضت على مصر فى ظل أوضاع سياسية وإستراتيچية كانت قائمة فى مصر والعالم. كان هناك انسحاب مطلوب لا يمكن أن يتم بدون معاهدة "الأرض مقابل السلام"، وكان هناك تنافس إستراتيچى أمريكى سوڤييتى على المنطقة وقد انتهى الآن، والأهم أن إسرائيل كانت تُحارب بالأصالة وبالوكالة لإعادة دول المنطقة إلى الحظيرة الأمريكية وقد تحقق هذا الهدف بالفعل، ولم تَعُدْ الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة احتلال إسرائيل لسيناء لإعادة مصر إلى حظيرتها، فقد أُعِيدت مصر بالذات إلى تلك الحظيرة منذ وقت طويل، ومعنى هذا أن الولايات المتحدة التى لن تتخلى مطلقا عن إسرائيل وتوسُّعها لأنها الأكثر ضمانا من باقى دول المنطقة، لن تؤيد مع ذلك أىّ احتلال إسرائيلى جديد لسيناء ولا أىّ حرب جديدة تشنها إسرائيل على مصر، رغم أن خطاب الرئيس الأمريكى إلى رئيس الوزراء الإسرائيلى والمرفق بالمعاهدة يجيز لإسرائيل إعادة احتلال سيناء بمساعدة عسكرية أمريكية. وأعتقد أن رد فعل إسرائيل على إلغاء المعاهدة لن يتجاوز شن حملة دعائية واسعة ضد مصر مع مقاضاتها دوليًّا، خاصة وأنها تدرس عن كثب الحروب الأمريكية فى أفغانستان والعراق والأزمة مع إيران وحربها على لبنان وعلى غزة مع أىّ احتمالات لا يمكن استبعادها مع سوريا وتستخلص منها العِبَر الرادعة بالفعل. هذا تقديرى، غير أن خطورة وحساسية هذه المسألة تدعو إلى فتح مناقشة واسعة فى مصر ولفترة كافية حول مختلف التقديرات قبل اتخاذ أىّ قرار بإلغاء المعاهدة. فنحن لا ندعو إلى مغامرة مثل مغامرة عبد الناصر فى 1967 بل ندعو إلى التخلص من العواقب الوخيمة لتلك الحرب التى كانت هذه المعاهدة من نتائجها. على أنه ينبغى أن يكون واضحا أن أىّ قرار بإلغاء المعاهدة لن تتخذه الدولة المصرية دون ضغط شعبى هائل ومتواصل يجبرها على ذلك. وهناك بالطبع مَنْ يرون أن الثورة ينبغى أن تركِّز على تطوراتها وعملياتها الخاصة فلا ينبغى أن تشتت جهودها فى اتجاهات شتى لتحقيق أهداف يمكن تحقيقها بعد عدة سنوات، ويبدو أن مثل هذا الرأى ينطلق من تصوُّر مؤداه أن الثورة سوف تسيطر فى نهاية المطاف على السلطة فى مصر فى أجل قريب، غير أن هذا قد يكون أملا بعيد المنال. وقد يقول قائل إن إصرارى على المناقشة الواسعة والعميقة لمختلف التقديرات الخاصة برد الفعل الإسرائيلى والأمريكى قبل اتخاذ قرار بإلغاء معاهدة السلام يعنى أننى أضحِّى على المستوى النظرى بالموقف المبدئى ضد حق إسرائيل فى الوجود فى حالة وجود احتمال حرب إسرائيلية أمريكية جديدة ضد مصر بدلا من إلغائها فى كل الأحوال. وردِّى هو أن "ثورة" 1952 قد خلقت أمرا واقعًا جديدا بهزيمة 1967 والمعاهدة التى ترتبت عليها ولا يمكن التحرُّر من هذا الأمر الواقع عن طريق حرب تقود إلى هزيمة جديدة بالنظر إلى موازين القوة. ويقتضى هذا التحرُّر أحد أمرين إما انتهاز فرصة تاريخية كهذه التى أراها الآن بإلغاء المعاهدة على أساس هذا التقدير بأن هذا الإلغاء لن يؤدى إلى الحرب وإما الانتظار إلى أن تختلف موازين القوة لأنه لا ينبغى الذهاب إلى حرب بحثا عن هزيمة كما فعلت مصر فى 1967. على أننى لا أضحِّى بأىّ موقف مبدئى فمن الواضح أننى أدعو هنا على العكس إلى إلغاء المعاهدة على أساس تقدير محدَّد].
وكنتُ قد مهَّدتُ لذلك، فى نفس الفقرة من المقال المذكور، بما يلى:
[الحقيقة أن الموقف المبدئى من المعاهدة لا يحتاج إلى نقاش، ذلك أنه ينطبق على معاهدتنا مع إسرائيل المبدأ الذى نشأنا على ترديده بخصوص وعد بلفور "مَنْ لا يملك أعطى لمن لا يستحق"، فليس من حق مصر الاعتراف بقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين التى لا تملكها مصر بالطبع، غير أن الموقف العملى اللاأخلاقى الذى قاد إلى عقد تلك المعاهدة كان يتمثل فى العجز عن مواجهة إسرائيل عسكريا وفى الضرورات الاقتصادية والاجتماعية التى دفعتْ السادات إلى الارتماء فى أحضان الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص والغرب بوجه عام بالإضافة إلى الميل الطبيعى لدى الرأسمالية التابعة المصرية للتعاون والتحالف وحتى التكامل فى نهاية المطاف مع الرأسمالية العالمية وإسرائيل. وكان السادات يسير فى هذا المجال على طريق عبد الناصر الذى كان قد وافق على قرار مجلس الأمن رقم 242 وعلى وقف إطلاق النار على أساس مبادرة روچرز، وكان موقف كلٍّ من عبد الناصر و السادات و مبارك من بعدهما استمرارًا لموقف حركة 1952 إزاء إسرائيل. ذلك أنه كان هناك إدراك كامل لعجز النظام المصرى عن مواجهة عسكرية بهدف القضاء على إسرائيل وذلك لأسباب تتعلق ليس فقط بالقدرة العسكرية بل كذلك بالحاجة إلى أمريكا والغرب سياسيا واقتصاديا ولهذا تقرر عدم التفكير فى تحرير فلسطين جريا وراء الشعارات السائدة فى المنطقة آنذاك].
18: ولا شك بالطبع فى أن عقبة التبعية الاستعمارية أهمّ من عقبة المنطقة العازلة، بل إن العقبة الأولى هى التى جعلت العقبة الثانية ممكنة. ولا شك فى أن مصر كلها مهدَّدة بالمحتوى الجوهرى للصوملة والتَّصَوْمُل والويل والثبور وعظائم الأمور، ولا يمكن تفادى هذا المصير إلا بالتحوُّل الحثيث إلى بلد صناعى متقدم بالمعنى الحقيقى. وتتمثل العقبة الكأداء أمام هذا التحوُّل فى الطبقة الرأسمالية التابعة تحت سيطرة العسكر وتحت سيطرة الإخوان المسلمين. وبهذا ترتبط إزالة عقبة المنطقة العازلة بإزالة عقبة التبعية، أما نحن المصريِّين فإننا غارقون فى أوهام المناقشات البيزنطية حول انتخابات پرلمانية ورئاسية معروفة النتائج سلفًا، من الناحية الجوهرية بوصفها لصالح هذا الطرف أو ذاك من أطراف الثورة المضادة، وحول إعداد دستور جديد بوصفه قضية القضايا، وحول أسطورة أن إعداد الدستور أولا كان سينقذنا مما نعانيه الآن، مع أن الدستور سيكون فى الحاليْن أسوأ من أىّ دستور سابق فى تاريخ مصر بحكم سيطرة الثورة المضادة من أعلى على التطورات الدستورية والقانونية كجزء لا يتجزأ من التصفية التدريجية للثورة. وكل هذا بدلا من تطوير الديمقراطية الشعبية من أسفل فى مجرى نضال لا هوادة فيه ضد كل مبادرات ومشاريع وإجراءات العسكر والإخوان على رأس الثورة المضادة، فى سبيل تفادى صوملة مصر بكاملها وليس سيناء وحدها.
14 أغسطس 2012










6
هل انتصرت الثورة المضادة فى مصر؟
1: تدفع الحالة الراهنة لعلاقات القوة بين الثورة والثورة المضادة فى مصر، وغيرها من بلدان ما يسمَّى بالربيع العربى، إلى حالة من القلق الشديد على مصير الثورة. فقد اصطدمت ثورة التوقعات التى أطلقتها الثورة بنظام حاكم تتربع على عرشه قوة سياسية أو قوتان أو أكثر تنتمى جميعا على كل حال إلى الثورة المضادة رغم ادعاء كل قوة منها أنها هى الثورة بشحمها ولحمها. ولا اختلاف فى هذا الادعاء بين العسكر والإسلام السياسى. فبعد أن حكمنا العسكر بصورة مباشرة متحالفين مع الإسلام السياسى زمنا باسم الثورة، يعمل الإسلام السياسى بقيادة الإخوان المسلمين على أن يصير حاكما مطلقا باسم الثورة. وإذا كان العسكر لم ينزلوا إلى الشارع ثوارا بل قامعين للثورة والثوار وادَّعُوا مع هذا أنهم حموا الثورة وأنهم هم الثورة، فإن الإسلام السياسى ينطلق فى ادعاء أنه هو الثورة من واقع نزوله الجماهيرى إلى الشارع على مدى قرابة أسبوعين فى يناير وفبراير 2011. وعلى كل حال صار العسكر و"الفلول" والإخوان المسلمون والسلفيون والليبراليون اليمينيون يتغنون ليل نهار بالثورة. ومن المنطقى بطبيعة الحال أن يفرض ذلك الحدث الكبير نفسه على الجميع وأن يكون ادعاء الثورة أمضى سلاح فى يد مختلف قوى الثورة المضادة فى مجرى عملها على قدم وساق على تصفية الثورة، وصدق مَنْ قال إن "الحرب خدعة". ومن المنطقى بمعيار أنانية أو حتى نرجسية كل قوة سياسية أن يقوم سلوك الإسلام السياسى على أساس اعتقاده الجازم بأن الثورة لم تكن لتنجح لولا الدور الذى لعبه الإخوان المسلمون أثناء الأسبوعين الأولين للثورة. ولن تحول أنانية أو نرجسية مضادة من جانبنا دون الاعتراف بدور لعبه الإسلام السياسى كقوة من قوى الثورة فى البداية (رغم الطابع المزدوج لهذا الدور) مع إدراك دوره كقوة من قوى الثورة المضادة بصورة خالصة بعد ذلك. والإسلام السياسى ثورة مضادة بحكم طبيعته الطبقية وبحكم الأيديولوچيا التى تمثل مرجعيته ولهذا فإنه لا يمكن تفادى استنتاج الطابع المزدوج الذى اتصف به الإسلام الإخوانى السلفى حتى فى بداية الثورة حيث كان يمثل قوة من قوى الثورة دون أن يكون لذلك قوة ثورية، فقد كان الدافع الكبير لمشاركة الإسلام السياسى فى الثورة هدفا معاديا للثورة هو الوصول إلى السلطة السياسية عن طريق استغلال الثورة، كمجرد أداة، واستغلال حاجة العسكر إلى التحالف معه من أجل التغطية السياسية الجماهيرية لحكمهم كخيار لا مناص منه فى مجال تصفية الثورة.
2: وأعقب ذلك تحالف سياسى مضاد للثورة بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية والإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى استمر بسلاسة وبلا منغصات تقريبا حتى أواخر 2011، وكانت تلك فترة من التحالف الذيلى من جانب الإسلام السياسى الذى ظل يقف موقف التأييد إزاء المجلس الأعلى والمعاداة الفاضحة إزاء كل مبادرة نضالية للقوى الثورية. غير أن الصراع بدأ يبرز فى أعقاب انتخاب مجلسىْ الشعب والشورى. وتمثلت المعادلة السياسية المسيطرة على الصراع بين قوى الثورة المضادة فى ذلك الحين فى اختلاف وجهة نظر كل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجماعة الإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى فيما يتعلق بالاستحقاقات المتبادلة الناشئة عن التحالف السياسى بينهما ضد الثورة. وكان من استحقاقات الإسلام السياسى على المجلس الأعلى أن يدفع هذا الأخير ثمن التحالف، وبسخاء فيما بدا لهذا الإسلام السياسى، مقابل مواصلة التحالف ضد الثورة بشرط ألَّا يخرج الإخوان والسلفيون عن النص. وتم دفع الثمن بالفعل، وبكل سخاء أيضا، فى صورة الأكثرية للإخوان فى مجلس الشعب والأغلبية الساحقة للإخوان فى مجلس الشورى. غير أن هذا الوضع الجديد المتمثل فى السيطرة على الپرلمان بمجلسيه أغرى الإخوان والسلفيِّين بإثبات قوتهم حتى إزاء المجلس الأعلى وإزاء مختلف القوى السياسية بصورة تنمّ عن التخطيط المباشر للقفز على السلطة من خلال احتكار صياغة الدستور والتقدم بمرشح بل مرشحيْن للإخوان لرئاسة الجمهورية واستخدام الپرلمان والتحرك الجماهيرى معا ولهذا اتسع نطاق الصراع مع المجلس الأعلى ومع القوى السياسية الليبرالية ومع القضاء وبالأخص مع المحكمة الدستورية العليا ومع الإعلام والصحافة وقد انتهى هذا إلى احتدام الصراع مع المجلس الأعلى الذى استخدم القضاء سياسيا فى إفشال وحل مجلس الشعب واستبعاد مرشح رئاسى أساسى للإخوان المسلمين (خيرت الشاطر)، وإحاطة النجاح الملغز للمرشح الإخوانى الاحتياطى (محمد مرسى) لرئاسة الجمهورية بقيود الإعلان الدستورى المكمل على منصب الرئيس، وحصار الرئيس بالإعلام والقضاء والتحرك الجماهيرى، وقد تواصل هذا الصراع حتى اللحظة الأخيرة التى ما يزال الغموض يكتنف أحداثها: لحظة الإطاحة بقرارات من رئيس الجمهورية بالإعلان الدستورى المكمل والمشير طنطاوى والفريق سامى عنان وآخرين قبلهما وبعدهما.
3: ورغم استغلال أحداث سيناء سياسيا من جانب كلٍّ من العسكر والإخوان فى مجرى الصراع بينهما فإن من الصعب اعتبار تلك الأحداث سببا لقرارات رئيس الجمهورية، كعقاب مثلا لقيادة الجيش على تقصير، فمثل هذه الأحداث تقع فى كل مكان مهما كانت يقظة الأمن، كما أن رئيس الجمهورية، وحتى آخر لحظة، لم يكن فى وضع يسمح له باتخاذ مثل هذه القرارات. ولا يزال الغموض يحيط بحدث 12 أغسطس 2012 (قرارات الإطاحة) بشأن طبيعة الصفقة التى من المحتمل أنه جرى عقدها بين عناصر داخل وخارج مصر. وتكثر التفسيرات التى تنطلق من تصورات ورؤى متعددة للوضع الحالى برمته، ولا يمكن تجاهل مثل هذه التفسيرات والتصورات والرؤى لأن توقعات تطورات المستقبل القريب تتوقف إلى حد كبير على طبيعة تفسير ما حدث فى سياق أبعد ما يكون عن الشفافية.
4: وفيما يتعلق بمدى المشروعية القانونية والدستورية لقيام رئيس الجمهورية بإلغاء الإعلان الدستورى المكمل وإعادة تشكيل المجلس الأعلى فإن من الجلى أن الإعلان الدستورى التأسيسى الذى كان الأساس الدستورى لكل الاستفتاءات والانتخابات الپرلمانية والرئاسية بعد الثورة لم يمنح الرئيس سلطة إلغاء الإعلان الدستورى المكمل ولا التدخل فى تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، وكانت قرارات 12 أغسطس أكبر خروج على ذلك النص الدستورى على أساس الحق الطبيعى لرئيس الجمهورية وفقا لتراثنا الدستورى الرئاسى منذ قيام الجمهورية فى مصر واستنادا إلى الشرعية الثورية التى اغتصبها الإخوان المسلمون من القوى الثورية التى تستحقها بحكم ثورتها. على أنه فى السياق الذى لم يلتزم فيه المجلس العسكرى بالمراعاة الدقيقة لنصوص إعلاناته الدستورية، ولا يقف فيه القفز على السلطة كثيرا عند "الشكليات الدستورية"، يتعلق السؤال الحقيقى بالقوة المادية التى سمحت بهذه القرارات الرئاسية من جانب رئاسة ضعيفة مقيدة موضوعة تحت السيطرة الفعلية للمجلس الأعلى. ذلك أن من الصعب تصديق أن رئيس الجمهورية رأى فى المنام، مثلا، أن عليه أن يحرر منصبه من القيود الدستورية ومن استبداد المجلس الأعلى وأنه عندما استيقظ فى الصباح اتخذ قراراته فخضعت لها القيادة العسكرية على الفور ودون أىّ اعتراض من أىّ نوع احتراما للمكانة السامية لرئيس الجمهورية، رغم الصراع المحتدم الذى كثرت دلائله حتى عشية تلك القرارات (إفشال وحل مجلس الشعب وإبطال قرار الرئيس بعودته، محاصرة الرئيس بالإعلان الدستورى المكمل منذ يوم انتخابه وكذلك بالقضاء والإعلام وحتى بتحريك جماهير).
5: ولأن السيطرة الفعلية كانت للمجلس الأعلى فإن الاستنتاج المنطقى هو أن القوة المادية التى تقف وراء القرارات الرئاسية جاءت من داخل المجلس الأعلى مع استغلال منصب رئيس الجمهورية الذى استغل بدوره هذا التطور داخل القيادة العسكرية. والاسم الوحيد لهذا الاستغلال السياسى المتبادل بين المجلس الأعلى ورئيس الجمهورية هو الصفقة السياسية. ولم تكن الصفقة هى تلك التى جرى الحديث عنها وقتا طويلا والتى تتلخص فى الخروج الآمن للمشير طنطاوى والمجلس الأعلى. والحقيقة أن الدخول "غير الآمن" للجيش بفرض سلطته على مبارك عن طريق انقلاب قصر عليه لم يكن لتأمين امتيازات قيادات الجيش، ودولتهم داخل الدولة، بل كان الهدف أكبر من ذلك كثيرا حيث كان الانقلاب العسكرى لحماية النظام الحاكم كله والطبقة المالكة كلها من الثورة، ولم يكن المجلس العسكرى يبحث فى الفترة السابقة عن خروج آمن لنفسه بل كان يواصل حماية النظام ضد الثورة بالتعاون مع الإخوان المسلمين والسلفيِّين. ولم يكن من الممكن أصلا تدبير خروج آمن لقيادة الجيش (أىْ بتأمين امتيازات ضباط الجيش ودولتهم داخل الدولة ودون محاكمة لها على جرائمها قبل الثورة وبعدها) إلا بتأمين النظام ذاته من الثورة وكذلك من انفراد للإخوان والإسلام السياسى بالسلطة حيث إنه ليس هناك ما يُجبر الإخوان المسلمين على مواصلة الاحترام الكامل لشروط صفقة تمنع من الهجوم على امتيازات الجيش وعلى تحصين قيادته من كل مساءلة، فى حالة وجود تمكين كامل لهم وسيطرة شاملة لهم على السلطة السياسية. والدليل هو المقاومة المتواصلة من جانب النظام والدولة وقطاعات حاسمة من الطبقة الرأسمالية التابعة وقوى سياسية متنوعة لسلطة الإخوان المسلمين. وكان العمل بالإعلان الدستورى المكمل سينتهى على كل حال قريبا، كما أن الإعلان الدستورى الرئاسى الذى حل محل الإعلان الدستورى المكمل قد التزم بما قرره هذا الأخير بشأن انتخابات پرلمانية خلال فترة لا تتجاوز ستة شهور على أساس دستور جديد. ورغم أن القرارات الرئاسية وضعت فى يد رئيس الجمهورية السلطتين التشريعية والتنفيذية، بالإضافة إلى السيطرة الإدارية لرئيس الجمهورية على السلطة القضائية، وتمتُّع الرئيس، بالتالى، بسلطة فرعونية فإن الرئيس مقيَّد من الناحية الفعلية فى استخدام سلطته التشريعية. على أن أخونة أو أسلمة الحياة السياسية والمجتمع والدولة تجرى على قدم وساق بالاعتماد على السلطة التنفيذية للرئيس وحكومته الإخوانية والانتماء السياسى الإخوانى لوزرائه الأكثر أهمية ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية والمجلسى النيابى الوحيد القائم الآن، وعلى استخدام هذا المجلس (مجلس الشورى) فى أخونة قيادة الصحافة والمجلس الأعلى للصحافة واحتضان الجمعية التأسيسية الإخوانية للدستور التى كان قد عيَّنها مجلس الشعب المنحل، مع الاحتفاظ بحق رئيس الجمهورية فى تعيين جمعية جديدة فى حالة فشل الجمعية الحالية التى تقوم بإعداد دستور إخوانى لدولة دينية إسلامية وبالتالى طائفية.
6: ورغم أن الإمپراطورية الأخطبوطية للولايات المتحدة الأمريكية لا تكون مطلقا بعيدة عن مثل هذه التطورات فإن النظرية القائلة بأن الإملاءات الأمريكية كانت وراء قرارات 12 أغسطس أو على الأقل وراء الصفقة التى أدت إليها تنطوى على مجموعة من المبالغات السخيفة حقا. ويجرى تفسير الإملاءات الأمريكية برغبة الولايات المتحدة فى حكم الإسلام السياسى وبالأخص الإخوان المسلمين للعالم العربى وأسلمة ثورات الربيع العربى لتنشأ دولة دينية فى البلدان المعنية. ومن المفهوم بالطبع أن الولايات المتحدة مستعدة دائما تقريبا للتعامل مع أىّ قوة سياسية تصعد إلى السلطة فى بلد ما، وأنها مستعدة دائما تقريبا لعقد شبكة واسعة من العلاقات مع مختلف القوى السياسية التى قد تصل بها تطورات بعينها إلى السلطة، وأنها مستعدة دائما تقريبا للتخلى عن أىّ حليف تغدو خسارته للسلطة أمرا واقعا. ولكنْ لماذا يمكن أن ترغب الولايات المتحدة فى حكم الإخوان المسلمين فتفضِّله على أىّ حكم آخر لرأسمالية تابعة فى بلد من البلدان؟ ومع التسليم من جانب كثيرين بهذه الرغبة تختلف التفسيرات التى تسيطر على سوق التحليل السياسى عندنا. وهناك بالطبع كشرط مسبق لعلاقة جيدة ممكنة بين الأمريكان والإخوان طمأنة هؤلاء الأخيرين لأمريكا وإسرائيل فيما يتعلق بالالتزام الكامل بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية التى يُقصد بها فى المحل الأول معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية بكل ما ترتَّب ويترتب عليها من علاقات واتفاقات وتفاهمات. ويركِّز تفسيرٌ على رغبة أمريكا فى قيام تحالف إسلام سياسى سنى عربى وتركى وپاكستانى للاعتماد عليه فى الحصار الأمريكى والغربى والإسرائيلى لإيران ونفوذها فى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن والبحرين وحتى السعودية وكذلك فى توجيه ضربة عسكرية لإيران. وأعتقد أن أمريكا وإسرائيل لا تحتاجان إلى هذا الحد لحكم إخوانى بالذات لضرب إيران، لأن التحالف الإسلامى السنى مع أمريكا قائم فى المنطقة على كل حال بالإخوان المسلمين وبدون الإخوان المسلمين. وهناك تفسير يقوم على أن الولايات المتحدة صارت تفضل الاعتماد فى حكم هذه المنطقة من العالم على القوة السياسية الجماهيرية للإخوان المسلمين فى ضوء إفلاس الأنظمة الاستبدادية الفاسدة مثل نظام حسنى مبارك، وفى ضوء اليأس من صعود قوى رأسمالية ليبرالية من شأن حكمها تأمين استمرار التحالف مع الغرب على أسس راسخة بدلا من هشاشة مثل هذه الأنظمة وانهيارها الذى لم يكن بعيد الاحتمال، وذلك بافتراض أن الإخوان يمكنهم تأمين أنظمة أكثر استقرارا مع قدرتهم على لجم قوى الإسلام السياسى الجهادى وجماعاته المتطرفة. ومن الصعب أن نتصور أن تغامر الولايات المتحدة خاصة بعد 11 سپتمبر 2001 بتشجيع قوى سياسية دينية لم تجرِّب حكمها من قبل، ولا يمكن ضمان قدرتها على لجم الجماعات الجهادية المتطرفة التى قد تكون قدرتها على النمو فى كنف الحكم الإخوانى أكبر من قدرتها على النمو فى ظل أنظمة مبارك أو القذافى أو الأسد أو زين العابدين بن على، أو على عبد الله صالح، أو غيرهم. وهناك تفسير يؤكد أن الحكم العسكرى المباشر فى مصر بعد الثورة لم يثبت كفاءة مطمئنة على نظام مصرى مستقر وحليف للغرب فى غياب بديل ليبرالى ولا يبرر هذا أيضا تفسير الاعتماد الأمريكى على الإسلام الإخوانى الذى ينطوى بدوره على استفحال الخطر الجهادى والصراع الدينى وبالتالى عدم الاستقرار بكل مخاطره على التحالف مع الغرب علنا والتعاون مع إسرائيل سرا. وتذهب تفسيرات أخرى إلى أن أمريكا ترغب فى تأجيج حرب أهلية فى مصر لإضعافها فى مواجهة إسرائيل رغم أن ضعف مصر العسكرى بالمقارنة مع إسرائيل واستبعاد صراع عسكرى معها يجردان مثل هذا التفسير من كل قدرة على الإقناع كما أن مثل هذا الخيار لإضعاف مصر أمر بعيد الاحتمال ولا يمكن تفضيله على خيارات أخرى. ومن ناحية أخرى فإنه لا يمكن تجاهل كثرة أدوات النفوذ والضغط والتأثير فى السياسة المصرية فى أيدى الولايات المتحدة غير أن من الخطأ اعتقاد أنها تملك تغيير الحكم فى مصر بطريقة كُنْ فيكون، وبالأخص فإنها حتى بافتراض امتلاكها لوسائل أقوى لا تستطيع أن تأمر حاكما مثل مبارك أو المشير طنطاوى والمجلس الأعلى بترك الحكم، والحقيقة أن أمريكا حتى حيثما كان نفوذها أوسع بما لا يقاس لم تكن تملك عند تغيير الخيول بالتغيير بأوامر انصراف الحاكم الوثيق التحالف لأنه ببساطة لن ينفذ بل كانت تلجأ إلى الانقلابات العسكرية الدموية. وغاية ما ينبغى أن يقف عنده التفسير الأمريكى لقرارات 12 أغسطس نوع من رعاية صفقة تسعى إليها بالفعل أطراف محلية متصارعة.
7: وبالتالى فإن قرارات الرئيس محمد مرسى بالإطاحة بالإعلان الدستورى المكمل وبالمشير طنطاوى والفريق سامى عنان وضباط كبار كثيرين آخرين قبلهما وبعدهما داخل المجلس العسكرى وخارجه تظل بحاجة إلى تفسير إذا استبعدنا هبوط ملائكة من السماء لمساعدة الإسلام السياسى. فهل تخلَّى المجلس الأعلى عن صراعه مع الإخوان المسلمين بهدف الإطاحة بهم بعد أن كان قد جاء بهم إلى الحكم بشيء من واجب مكافأتهم على تحالفهم الذيلى معه ضد الثورة وبشيء من الاضطرار والانزلاق والارتباك تحت وطأة ضغوط من التطورات المرتبطة مثلا بتقديرات خاطئة تبناها المجلس الأعلى قبل أن يدرك بعد فوات الأوان استحالة الاستمرار فى تبنيها، وربما كان المثل الأبرز هو وقوف المجلس الأعلى مع المرشح الرئاسى أحمد شفيق فى مجرى صراع حاد مع الإخوان المسلمين ثم اضطراره فى اللحظة الأخيرة إلى الإصغاء لنصائح داخلية وربما خارجية وبالأخص أمريكية بالتخلى عن مرشحه ربما بعد إنجاحه فى انتخابات غريبة ونتائج أغرب حتى من حيث إخراجها، وذلك خشية أن يؤدى فوز هذا المرشح إلى تفجير ثورة غضب عارمة ليس فقط من جانب الإخوان والسلفيِّين بل أساسا من جانب القوى الحقيقية للثورة، أىْ الجماهير الشعبية التى ثارت على نظام مبارك الذى كان أحمد شفيق من أبرز رجاله.
8: وجاءت نتيجة ما تزال ملغزة بالرئيس محمد مرسى رغم استمرار عمل المجلس الأعلى على قدم وساق بوسائل قانونية وإعلامية وجماهيرية وإدارية لا حصر لها على إفشال رئاسته حتى اللحظة الأخيرة السابقة مباشرة للقرارات الرئاسية كما رأينا فى الجنازة العسكرية للجنود شهداء الجماعات الإسلامية الجهادية فى سيناء. فكيف انقلب الأمر فجأة من حال إلى حال؟ من الصراع الحاد المتواصل بصخب إلى الإطاحة الهادئة السلسة بالقيادة العليا للمجلس الأعلى وبإعلانه الدستورى المكمل؟ من جبروت المجلس المستبد إلى إذعانه ورضوخه واستكانته؟ لا تفسير لهذا سوى فى التقاء إرادتين احتاجت كل منهما إلى الأخرى لإحداث تغيير تطمح كل إرادة منهما إلى تحقيقه دون مضاعفات أىّ بديل آخر. ولا يخفى أن المشير طنطاوى قد تقدم به العمر (من مواليد أكتوبر 1935، أىْ 77 عاما فى أكتوبر القادم) بقدر ما يرتبط العمر برجل عسكرى ما دام ولى نعمته أىْ مبارك قد ذهب إلى حيث ألقت. وكانت "استراحة المحارب"، كما عبرت الوزيرة كلينتون فيما نُسب إليها فى لقاء مع المشير، مرغوبة وكانت تلتقى حتى برغبة المشير ذاته، كما كان من المطلوب بشدة تجديد الدماء فى جيش مهما كانت حالته الفعلية كجيش، وتتواتر إشارات إلى اختلافات وخلافات كانت قائمة داخل المجلس الأعلى، وكان منطقيا بالتالى أن تتبلور داخل المجلس المذكور إرادة التغيير والتجديد بقيادة اللواء مدير للمخابرات الحربية والاستطلاع الذى كان أصغر عضو فى المجلس الأعلى فى 12 أغسطس (من مواليد نوڤمبر 1954، أىْ 58 عاما فى نوڤمبر القادم) وهو وزير الدفاع الحالى الفريق أول عبد الفتاح السيسى. ومن المحتمل أن تراضيًا على تقاعد المشير وآخرين قد تم داخل المجلس أولا، وإنْ كان أسلوب الإقالة أو الإحالة إلى التقاعد بدلا من الاستقالة يحيط هذا التراضى بكثير من الشك ويدفع إلى التفكير فى احتمال أن خلافا تفجَّر أو تطوَّر منتهيا إلى صيغة صفقة مع المشير وآخرين بالإطاحة به بطريقة أقل فظاظة بقليل، وكان تفادى اىّ صراع أو اضطراب محتمل فى الجيش يقتضى اتخاذ قرارات رئاسية بإحالة المشير وآخرين إلى التقاعد، وربما اشترط الرئيس بدوره شروطا أهمها تحريره من الإعلان الدستورى المكمل موسِّعا نطاق الصفقة لصالح سلطاته بما فى ذلك اغتصابه للسلطة التشريعية التى كان يغتصبها المجلس الأعلى من قبل، مع إدراك ضرورة أن يكون استخدامها على نطاق ضيق وبالأخص إصدار إعلان دستورى يلغى الإعلان الدستورى المكمل.
9: ومع السلطة الفرعونية لرئيس الجمهورية وإنْ كان جانبها التشريعى مقيدا للغاية، جرى تشغيل المجلس النيابى الوحيد القائم بعد إفشال محاولة الرئيس إعادة مجلس الشعب بقرار منه. وبالاستناد إلى السلامة الدستورية لتشكيل الجمعية التأسيسية للدستور بعد حل مجلس الشعب الذى قام بتشكيلها، رغم بطلان قانون انتخابه، وشمول هذا البطلان أدبيا لانتخاب مجلس الشورى. ويبدو أن مشروع الدستور فى طريقه إلى الاكتمال حيث يجرى طبخه بسرعة وطبخ الاستفتاء عليه فى أواخر الشهر القادم (أكتوبر) كما قيل. وصارت مؤسسات الرئاسة الإخوانية والحكومة الإخوانية ومجلس الشورى الإخوانى ومعها حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الحليفة والشخصيات الانتهازية من كل لون تعمل معا على قدم وساق على تغيير كل ما يمكن تغييره والإعداد لإقرار دستور جديد إخوانى وپرلمان جديد إخوانى مع استمرار ولاية رئيس الجمهورية الإخوانى رغم تغيير الدستور فى سبيل السيطرة على كل مؤسسات الدولة دون إبطاء. وفى هذا السياق جرى تعيين طاقم جديد للصحافة والإعلام لخدمة المسيرة الإخوانية الكبرى، بالإضافة إلى مزيد من السيطرة من خلال حركة المحافظين، وتوسيع ما يسمى بالفريق الرئاسى، وتعجل وزير العدل فى سن قانون جديد للطوارئ ليس لتخفيف بل لتجديد الطابع الاستبدادى لقانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 الصادر فى عهد عبد الناصر، وظلت حالة الطوارئ مفروضة على أساسه منذ 1967 إلى وقت قريب باستثناء فترة عام ونصف فى أواخر عهد السادات.
10: ويؤدى التعاظم التدريجى، المتسارع للغاية مع ذلك، للسيطرة الإخوانية وما يسمى بأخونة الدولة، بكثيرين إلى الإحباط وربما إلى اليأس دافعا كثيرين إلى الاعتقاد بأن استلام الإخوان المسلمين للسلطة يساوى هزيمة الثورة وانتصار الثورة المضادة. وفى "غياب" المجلس العسكرى، الذى ظل يناوئ السيطرة الإخوانية رغم مكافأتهم على التحالف معه فى فترة سابقة حاسمة، يبدو على السطح أن الإخوان المسلمين صاروا منفردين بالسلطة. وبالطبع فإن التناقضات فى صفوف الثورة المضادة، وبالأخص بين المجلس الأعلى والإخوان المسلمين، باعتبارهما القوتين السياسيتين الرئيسيتين للثورة المضادة، مهمة للغاية وإضافة صافية إلى قوة الثورة بينما يُعتبر التحالف الوثيق بينهما خصما كبيرا على الفرص المتاحة أمام الثورة. غير أن ما يدور فى الأعماق يختلف كثيرا عما يطفو على سطح المسرح السياسى. ذلك أن من الصعب أن نتصور أن المجلس الأعلى قد ذاب فى الهواء أو اندمج تماما فى السلطة الإخوانية. ومن الجلى أن المؤسسة العسكرية كانت وستظل خطا أحمر يستعصى تحديه على أىّ رئيس للجمهورية من عبد الناصر إلى محمد مرسى مرورا ﺑ السادات و حسنى مبارك. إنها دولة داخل الدولة ولم تكن تبحث عما يسمَّى بالخروج الآمن بل كانت وما تزال غايتها حماية النظام والدولة (العميقة وغير العميقة إذا استعرنا التعبير التركى) والطبقة الرأسمالية التابعة وتعبيراتها السياسية الجديدة وبالأخص الأحزاب الليبرالية اليمينية. ومن الجلى أن الطبقة الرأسمالية التى عانت من حكم الشخص فى عهود الرئاسات السابقة وبالأخص فى عهد مبارك لا يمكن أن ترحِّب بحكم عسكرى طويل رغم دور الجيش فى حمايتها ضد الثورة ولا يمكن أن ترحَّب بالقفص الحديدى الإسلامى الإخوانى السلفى بل تتطلع بدلا من كل هذا إلى أن تحكم كطبقة بنوع من الحكم الحزبى الپرلمانى بعد أن ظلت طويلا طبقة رأسمالية مالكة دون أن تكون طبقة رأسمالية حاكمة فكانت مصالحها الجماعية والفردية ترزح تحت الوطأة الثقيلة لحكم الشخص وعصابته. ولا شك فى أن الخيار الطبيعى للمؤسسة العسكرية هو حماية الطبقة المالكة بعيدا عن الإخوان المسلمين بحكم قرابة ستين عاما من الصراع الفكرى والسياسى والأمنى معهم بحيث لا يمكن أن تأمن هذه المؤسسة جانبهم. وهنا يظهر بوضوح خطأ تقديرات سياسية ترى فيما وراء التحالف الاضطرارى بين الجيش والإخوان اتجاها للمؤسسة العسكرية إلى تسليم السلطة خالصة للإخوان المسلمين برعاية أمريكية، فى سياق اتجاه أمريكى جديد مزعوم نحو حكم للإسلام السياسى للمنطقة.
11: أما النظر إلى نجاح الإخوان المسلمين فى تولى رئاسة الجمهورية والسيطرة على مؤسسات أخرى على أنه يساوى فشلا نهائيا للثورة ونهاية كئيبة لها فإنه يقوم على قياس نجاح أو فشل الثورة ليس بالمقياس الصحيح المتمثل فى حالة الثورة ذاتها بل بمقياس تولى قوة سياسية كالمجلس الأعلى للقوات المسلحة أو الإخوان المسلمين لسلطة الدولة حتى بسلطات رسمية فرعونية فى الحالتين. ويكمن الخطأ الرئيسى هنا فى تصوُّر أن القوى الحقيقية لثورة مثل ثورتنا يمكن أن تستولى على السلطة السياسية وكان السلوك المبنىّ على مثل هذا التصور سببا مباشرا لانحراف لا تخطئه عين وقعت فيه قوى الثورة التى تصورت حتى أقسام طليعية منها أن نجاحها يعنى استيلاءها على السلطة بدلا من إدراك أن الهدف الطبيعى لمثل هذه الثورة يتمثل فى قيام ديمقراطية شعبية من أسفل وأن تحقيق هذه الديمقراطية هو المقياس الحقيقى لنجاح الثورة حتى فى ظل حكم العسكر، أو الإخوان المسلمين و/أو السلفيِّين، أو الليبرالية اليمينية. والحقيقة أن الثورة لا يمكن أن تحقق مثل هذا الهدف الكبير المتمثل فى الديمقراطية الشعبية من أسفل فى غمضة عين بل كثمرة ناضجة لنضال شعبى جماهيرى، إضرابى وحزبى ونقابى مستقل، قد يمتد سنوات طويلة. ومن الصعب أن نتصور أن الجماهير العاملة والشعبية التى دفعتها أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية إلى ثورة 25 يناير ستعود إلى الاستكانة فى مآويها الفقيرة والعشوائية والمقابرية بعد أن حررت الثورة الشعب المصرى من الخوف والغفلة والاستكانة. ومن الجلى أن الإخوان المسلمين أو العسكر أو الليبرالية اليمينية وكل التعابير السياسية عن الطبقة الرأسمالية التابعة لا تملك حلا سحريا يحقق شعار "عيش وحرية وعدالة اجتماعية". وليست حقيقة أن الثورة مستمرة مجرد استنتاج من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للشعب بل هى وصف مباشر للحركة الاحتجاجية المتواصلة الواسعة النطاق، وإذا كان العسكر والإخوان قد ظلوا يزعمون أن من المستحيل أن تسمح حالة الاقتصاد المصرى فى الوقت الحالى بأىّ تحسين لأوضاع الجماهير الشعبية فإن هذه الجماهير تتحدَّى المستحيل لإجبار الحكام الجدد على تحقيق مطالب الشعب بوسائل يملكونها بالفعل رغم مزاعمهم، إذا اعتمدوا سياسة عادلة تستعيد ما يفى بالمطالب الملحة لجماهير العمال والعاملين من الثروات المتضخمة التى تراكمت باللصوصية والنهب لدى الطبقة المالكة بأقسامها الإسلامية وغير الإسلامية.
12: ويتجه الحكم الإخوانى بالبلاد فى الوقت الحالى، كما سبق القول، إلى أخونة الدستور والاستفتاء عليه وإجراء انتخابات على أساسه فى ظل الحكومة الإخوانية والإعلام الإخوانى والرئيس الإخوانى، فى وقت تأخرت فيه قوى الليبرالية اليمينية طويلا عن الاستعداد للتحدى الكبير المتمثل فى التنافس غير المتكافئ مع الإسلام السياسى، رغم الجهود المتأخرة جدا المتمثلة فى قيام حزب الدستور بزعامة محمد البرادعى واندماج عدد كبير من الأحزاب فى "تكتل" حزب المؤتمر المصرى تحت التأسيس بزعامة عمرو موسى. ومهما تكن نتائج الانتخابات القادمة فإن مقاومة الثورة سوف تتواصل لأىّ حكم قادم كما أن مقاومة الدولة والمجتمع والمثقفين سوف تتواصل فى حالة استمرار الإخوان المسلمين فى حكم مصر، كما ينبغى أن نتوقع مقاومة الإخوان المسلمين لأىّ احتمال مختلف، وتظل أهمية التناقضات فى صفوف قوى الثورة المضادة لصالح الثورة متواصلة فى الحالتين. والأهم بالطبع هو استمرار الثورة وسلوكها السياسى فى الفترة القادمة على أساس مواصلة التركيز على الفعل الثورى على أوسع نطاق بعيدا عن الأوهام المتجددة عن تحقيق مكاسب من خلال المشاركة فى الاستفتاءات والانتخابات على أساس الدستور الذى سيكون خطوة إلى الوراء حتى بالمقارنة مع دستور السادات بتعديلات مبارك.
19 سپتمبر 2012












7
إلا الرسول الكريم
1: تحت هذا الشعار عبَّر آلاف وعشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من المسلمين وغيرهم من المتضامنين معهم من المسيحيِّين وغيرهم، فى بلدان عربية وإسلامية عديدة، عن غضبهم العارم إزاء الفيلم المسيئ والرسوم المسيئة بعد ذلك، وما يزال الغضب يشتعل والاحتجاجات من مظاهرات واعتصامات وغيرها تتفجر وتتواصل والقتلى والجرحى يسقطون! وقد تكرر كثيرا هذا النوع من الاحتجاج على إساءات إلى رسول الإسلام كما نعلم جميعا فلم تكن الاحتجاجات الأخيرة هى الأولى ولن تكون الأخيرة، لأن الإساءات لن تتوقف ولأن المحتجِّين من مسلمين وغيرهم لن يتعظوا!
2: ولا شك فى أن من المتوقع أن يغضب ويحتج كل صاحب معتقد غيرةً على معتقده عند أىّ إهانة أو إساءة أو ازدراء، وينطبق هذا بوجه خاص على المعتقد الدينى وبوجه أخص على أىّ معتقد دينى فى العالم الثالث كالإسلام أو غيره لم يمرّ بعهد من النقد الفكرى والفلسفى والأنثروپولوچى والسياسى والعلمانى للدين كما حدث مع الدين المسيحى فى الغرب فى العصر الحديث. ولا شك فى أن من المتوقع أن ينطبق هذا على وجه الخصوص على بلدان العالم الثالث التى لم تكن من فاعلى الحضارة الرأسمالية الحديثة بل كانت من مفاعيلها وأفاعيلها ومستفعلاتها وباختصار من توابعها وضحاياها والتى قامت تلك الحضارة بإعادة خلقها على صورتها كأفنية وزرائب خلفية لها، فلم تبق كما كانت فى العهد ما قبل الكولونيالى ولكنها ظلت تتخبط داخل القفص الحديدى للمعادلة التى فُرضت عليها وهى المتمثلة فى "ثورة سكانية بدون ثورة صناعية"، محرومة من الثورة الاجتماعية ومحرومة بالتالى من الثورة الفكرية والفلسفية والعلمية والعلمانية التى لم تكن تريد، ولا كانت تستطيع، أن تقضى على الأديان أو "الوثنيات" فى البلدان التى شهدتها، وهى البلدان الصناعية المتقدمة فى عالم اليوم فى مناطق بعينها فى قارات بعينها. ولهذا فإنه ليس من المدهش أن تندمج جماهير العالم الثالث بمختلف ثقافاتها ودياناتها فى هوياتها القومية الدينية أو الثقافية أو القبلية وأن تغضب وتثور عندما يمس غريب أو قريب هذه الهوية المنغلقة على ذاتها بدلا من الهوية المركَّبة للإنسان الذى يتعرِّف على نفسه فى انتماءات وهويات متعددة ومتداخلة ومتشابكة ومندمجة تبدأ من الانتماء الأشد محلية وخصوصية إلى الانتماء الأرحب عالمية وعمومية وانفتاحا على الإنسانية جمعاء فى كل مكان وزمان. وبالطبع فإن الحضارة الرأسمالية الحديثة لا تخلق لا فى مراكزها ولا فى توابعها مثل هذا الإنسان الذى تحتضن هويته المركَّبة مختلف ثقافات وهويات العالم جميعا، بل تخلق فى كل مكان هويات منغلقة على نفسها تقوم على ازدراء ورفض الآخر، بدلا من احترامه وقبوله، وذلك كغطاء أيديولوچى للاستغلال الطبقى والاضطهاد الطبقى على النطاق المحلى والعالمى.
3: ويتوطن الفقر والجهل والمرض وكل الآفات المادية والروحية فى بلدان العالم الثالث بمستويات أعلى بما لا يقاس من مستويات العالم الأول، الرأسمالى، فى مراكزه فى الشمال. وربما كان يجدر بنا أن نسمى العالم الثالث، بعد اختفاء العالم الثانى أىْ ما كان يسمَّى بالمعسكر الاشتراكى، بالعالم الثانى، أو بالأحرى، بالعالم الآخر؛ بكل الإيحاءات السلبية لمثل هذا التعبير. وليس من المدهش أن يكون هذا العالم الآخر مركز وموطن الأيديولوچيات الدينية السياسية وفى مقدمتها الإسلام السياسى بقيادة ما يسمى بالتنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين، وبرعاية وتمويل دول الخليج العربى-الفارسى ودول استعمارية عند الحاجة (مثلا فى الحرب الأفغانية ضد احتلال الاتحاد السوڤييتى السابق). ولدينا هنا بالطبع أمران مختلفان تماما غير أنهما متلازمان ومندمجان عندما نكون إزاء أحوال تتميز بتديين أو تقديس السياسة وتسييس الدين أو المقدس. فالدين شيء والأيديولوچيا الدينية السياسية شيء آخر، والإسلام شيء والإسلام السياسى شيء آخر، غير أن ظهور الإسلام السياسى يجعل هذين الشيئين المختلفين متلازمين ومندمجين. ذلك أن حالة الفقر المادى والروحى والعقلى لجماهير عالمنا هذا الآخر هى الأرضية الخصبة لانتشار وتوطيد كل أيديولوچيا دينية سياسية بصورة لم تَعُدْ تعرفها شعوب وأمم بلدان العالم الصناعى المتقدم رغم ماضيها السحيق والعتيق والقديم والقروسطى، الوثنى والدينى، فى توثين أو تديين الحياة السياسة والفكرية والاجتماعية والاقتصادية وتسييس الديانات والوثنيات. ولهذا فإن تاريخنا القديم والقروسطى والحديث (بحكم الزمن وليس بفضل المحتوى)، منذ زمن تأليه الفرعون وحتى قبل ذلك إلى يومنا هذا، حافل بتسييس الأديان المسماة بالوثنيات وتلك المسماة بالأديان السماوية (فكلها أديان ... و... "لكم دينكم ولى دين"!).
4: ومن المنطقى بالطبع أن يتفاقم ويستفحل، مع تدهور العالم الثالث وتراجعه التاريخى وانتقاله من التهميش إلى الاتجاه العام إلى التدهور والانهيار، أمر مزدوج يتمثل من ناحية فى تشكُّل البيئة الاجتماعية والعقلية الملائمة تماما للأيديولوچيات الدينية السياسية وإعلان الإسلام أو غيره دينا للدولة أو المناداة بالحكم بالشريعة الإسلامية أو غير الإسلامية، و يتمثل من ناحية أخرى فى نمو هذه الأيديولوچيات ومنها الإسلام السياسى والأصوليات الدينية (المسماة بالسماوية أو المسماة بالوثنية) السائدة اليوم فى عالمنا الثالث أو الثانى أو الآخر. وقد ظهرت أشكال متنوعة لا تُحصى ولا تُعَدّ من الدين السياسى فى سياقات تاريخية فى مختلف العصور وكانت منها سياقات اجتماعية اقتصادية تطورية ومندفعة إلى الأمام وبالتالى كانت مستويات تديين السياسة والمجتمع فيها رقيقة نسبيا وفى حد أدنى من الاستبداد والانغلاق والتعصب بحكم مقتضيات السياق الاجتماعى التاريخى ذاته وليس بفضل تديين السياسة، أو بعبارة أخرى: بفضل تخفيف تديين السياسة وليس بفضل تكثيف تديين السياسة. كما كانت هناك بالطبع وبصورة أطول وأعمق عهود نموذجية لاستبداد وطغيان السلطة السياسية التى تجعل الإسلام أو غيره دينا للدولة، وحاكمية لله يمارسها البشر وفقا للشروط الاجتماعية الاقتصادية والقانونية السائدة فى كل مكان فى العالم ولكنْ بجبروت وطغيان ادِّعاء طابع إلهى لممارستها البشرية واللاإنسانية.
5: أما فى عصرنا الحديث (زمنا وليس محتوى) فقد نشأت فى عالمنا الآخر حركات تقوم على تديين السياسة وكانت أنجحها بأسوأ معانى كلمة النجاح قيام دولة پاكستان على أساس الإسلام ودولة إسرائيل الصهيونية على أساس اليهودية فى زمن واحد تقريبا وقيام جمهورية إيران الإسلامية بعد ذلك بحوالى ثلاثين عاما، وقبلها جميعا الرسالة الحضارية التبشيرية المسيحية فى أربعة أركان الأرض. وحتى فى العصر الحديث (من حيث الزمن وليس من حيث المحتوى) قامت دولة الخلافة الإسلامية العثمانية التى أوقفت نمو منطقتنا وبالأخص مصر منذ فتحها فى عهد سليم الأول وكذلك قامت دولة دينية إسلامية فى السعودية (على يد حركة إسلامية سلفية حربية بقيادة محمد بن عبد الوهاب و محمد بن سعود) حبست السعودية داخل قفص حديدى متسلِّحةً ومتزينةً بادِّعاء الفضائل التى ينادى بها الإسلام وكل الديانات والوثنيات والفلسفات على حين تمارس نوعا من الدنيوية الأكثر تطرفا فى استغلالها وفسادها واستبدادها وظلمها، فارضةً بذاتها ونفوذها على شبه الجزيرة أن تظل دولة قروسطية ظالمة خارج التاريخ كحالة خصوصية من الحالة العامة لعالمنا الآخر. وكانت كلها دولا استغلالية واستبدادية وظالمة بحكم كونها دولا ولكنْ بمستويات استثنائية بحكم كونها إسلامية يحكم فيها البشر حكمهم الظالم باسم الله العادل. أما الآن، فى عصر التراجع التاريخى لعالمنا الثالث أو الآخر، فإن الطابع الأكثر رجعية لأىّ جمهورية إسلامية سيأتى من أنها ستقوم على تأليه للبشر بوصفهم دولة تحكم بالشريعة الإسلامية مع أن محتواها الحقيقى سيكون التبعية فى زمن التراجع التاريخى والاتجاه إلى الانهيار. وبالطبع فإن ما يمكن أن ينقذ من هذا المصير ليس مجرد حكم ليبرالى مثلا أو وطنى أو ديمقراطى أو ثورى بمعنى ما فى ظل نفس الرأسمالية التابعة، فمثل هذا الحكم لن يكون المنقذ الضرورى الذى يقوم بتحويل مصر أو غيرها إلى بلد صناعى وتحديثه اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا بسرعة صاروخية، على حين أن البرامج الاقتصادية الرأسمالية الليبرالية المتوحشة التى تتبناها برامج الإسلام السياسى لا تبشر إلا بالخراب العاجل عبر تعميق التبعية الاستعمارية بكل تبعاتها وتوابعها وعواقبها الوخيمة.
6: وهكذا فإن الحكم الإسلامى المحتمل فى بلدان الربيع العربى (إنْ لم ننجح فى مقاومتها) يأتى فى السياق التاريخى الأسوأ. ذلك أننا لسنا إزاء بلدان متخلفة ولكنْ مستقلة كما كان الحال فى فترات سابقة شهدت قيام وازدهار وتدهور وانهيار دول إسلامية عديدة بل نحن إزاء بلدان قبل-صناعية متخلفة وتابعة وتقف الرأسمالية الإمپريالية العالمية عقبة كأداء عنيدة تحُول عن عمد وإصرار وترصُّد دون تقدمها، فلا يأتى حكم الإسلام السياسى والحالة هذه سوى بالخراب العاجل، أىْ خلال أعوام بدلا من تدهور بطيئ نسبيا يستغرق عقودا.
7: ولأن الإسلام السياسى يعمل بكل اندفاع فى سبيل إقامة دول إسلامية فى بيئة ملائمة أصلا من حيث الحالة المادية والروحية والفكرية للجماهير الشعبية، وغير ملائمة لأنها جماهير فى حالة ثورة، أىْ جماهير حررتها الثورة من الخوف واللاتسييس كما أنها تريد "هنا والآن" إحداث تقدم تاريخى فى مستويات معيشتها ونوعية حياتها، وغير ملائمة لأن عناصر مهمة للغاية فى الدولة والمجتمع والثقافة تقاومها بجرأة وصلابة وعناد، ولكثرة التناقضات فى صفوف الثورة المضادة التى يعبِّر الإسلام السياسى عن أقسام منها وليس عن كل أقسامها، فإنه يلجأ إلى كل الوسائل المتاحة لتعبئة هذه الجماهير من خلال إلهاب وإشعال هويتها القومية العربية الإسلامية، المنغلقة والمتوجسة إزاء الآخر، من خلال التطورات التى من قبيل الفيلم المسيئ أو الرسوم المسيئة، ومن قبلُ من خلال الرواية المسيئة للرسول الكريم ولآية الله روح الله الخمينى بوجه خاص؛ أعنى "آيات شيطانية" المحكوم على مبدعها سلمان رشدى إيرانيًّا بالإعدام مع رصد مكافأة مالية إيرانية ضخمة مشجعة حقا لقاتل "من آحاد الناس" بغير حق لذلك المبدع الكبير البريئ حقا إلا من تهمة الإساءة إلى آية الله الخمينى، وهى تهمة كفيلة إيرانيًّا، إنْ صح أنها تهمة، بقتل أعداد لا تحصى ولا تُعَدّ من أهل السنة والجماعة أنفسهم، وتوجد الآن بالمناسبة مكافآت مجزية لمن يقتل صانع الفيلم المسيئ تم فتح مزادها بالفعل من پاكستان بمائة ألف دولار. ومن الجلى أن الإسلام السياسى يقوم بصورة منهجية بالاستغلال التعبوى السياسى للإساءة الحقيقية أو المزعومة إلى الإسلام أو رسوله الكريم، ويتحقق المكسب السياسى للإسلام السياسى على كل حال لأنه مكسب تعبوى لجماهير الأصوليات الإسلامية، حتى إنْ أدت ردود الفعل العنيفة المتواصلة إلى الإساءة أكثر من أىّ شيء آخر إلى الإسلام والمسلمين، بالإضافة فوق البيعة إلى سقوط قتلى وجرحى.
8: وبالطبع فإن تعدد معتقدات البشر، منذ أقدم الوثنيات البدائية، إلى الأديان المسماة بالوثنية وتلك المسماة بالسماوية الأحدث عهدا، إلى النظريات والفلسفات القديمة والحديثة، يؤدى بالضرورة إلى التعصب الذى يؤدى إلى إخراج مثل هذا الفيلم (الذى يؤكد الجميع طابعه التافه الرخيص والازدرائى بقصد الإساءة) أو مثل رد الفعل العنيف المنفلت الذى شهدناه والذى انطوى على جرائم قتل ليس ضد الديپلوماسيِّين الأمريكيِّين وحدهم بل كذلك ضد المحتجِّين العرب المسلمين الغيورين على دينهم وهويتهم. والحقيقة أن الكفّ عن إنتاج روايات مثل "آيات شيطانية" أو أفلام مثل هذا الأخير أو رسوم مثل الرسوم الدنماركية أو الفرنسية أو كتابات مثل أعمال الشهيد فرج فودة أو نصر حامد أبو زيد، المفكر الراحل شهيدا للغربة التى فرضها عليه الإسلام السياسى فى مصر عن وطنه، لن يتحقق لا بالوعظ والإرشاد والمناداة بمكارم الأخلاق ولا بالدساتير والقوانين أو الحلول الأمنية، بل سيستمر هذا النوع من الفعل وهذا النوع من رد الفعل إلى أن نقيم لمعتنقى مختلف المعتقدات لدينا حياة يسودها الاعتدال والتسامح بدلا من التعصب الأعمى، وبالطبع فإن مثل هذا التطور يظل مستبعدا وفى حكم المستحيل فى ظل استمرار نفس البنية الاجتماعية الاقتصادية الثقافية الراهنة، بفقرها المادى والروحى الذى يحوِّل الضحية إلى جلاد أيضا. وليس معنى هذا ألَّا نقاوم التعصب والتعبئة السياسية الدينية الإخوانية السلفية للجماهير بهدف مبيَّت لاستنفارها من خلال أفعال أو ردود فعل هوجاء وغوغائية إزاء تطورات حقيقية أو مفتعلة، بالصراع الفكرى الواعى النشيط، بل كل ما هنالك ضرورة أن ندرك جيدا أنه توجد، بعيدا عن الوعظ غير المجدى، شروط اجتماعية اقتصادية ثقافية لقيام مجتمع يسود حياته التسامح والمحبة والتوادّ والتراحم بدلا من التعصب الأعمى ضد الآخر على أساس اختلاف الأديان أو المذاهب أو الثقافات أو المعتقدات غير الدينية أو القوميات أو القبائل والعشائر أو الألوان.
9: ولأن المعتقدات الوثنية والدينية والفلسفية متضاربة فى كثير من العناصر العقيدية وغير العقيدية فإن لآداب التعامل بين معتنقيها مقتضيات من الضرورى مجتمعيا وسياسيا مراعاتها جميعا. فالمؤمن بدين والمؤمن بدين آخر لا ينبغى أن يزدرى أحدهما بدين الآخر، كما أن المؤمن والملحد لا ينبغى أن يزدرى أحدهما بدين ومعتقد الآخر. غير أنه لا مناص من أن يؤدى تضارب هذه المعتقدات فى بيئات موبوءة تأوى جماهير شعبية فقيرة متخلفة إلى صراعات وفتن تجعل من الازدراء المتبادل كامتداد لصراعات طائفية أمرا لا يمكن تفاديه. وهنا لا يفيد الوعظ والإرشاد ولا الحلول الأمنية. ومن ناحية أخرى تؤدى الاختلافات والخلافات والتناقضات بين مختلف الأديان والمذاهب والعقائد والمعتقدات إلى النقد العلمى والعقيدى والفكرى، للنفس وللآخر، والذى يغدو سلاحا لا غنى عنه للتماسك الداخلى للجماعة صاحبة المعتقد الواحد من خلال دحض المعتقدات الأخرى، حيث يقوم تماسك جماعة عقيدية على دحض معتقدات كل جماعة أخرى حتى تتميز عنها فلا تندمج فى عقيدتها، وهذا بعيدا عن الانتقال الحر والمرن والسلس بين المعتقدات، ومع أن مثل هذا الانتقال مرن نسبيا فى المعتقدات والمذاهب غير الدينية فإنه بالغ الصعوبة فى الدين (بين الإسلام والمسيحية مثلا) أو المذهب الدينى (بين السنة والشيعة مثلا). ولا حل بالطبع لمشكلة احتدام الخلاف الفكرى الدينى وغير الدينى إلَّا بأعلى قدر من التسامح المتبادل الذى يقتضى شروطا اجتماعية واقتصادية وثقافية لا سبيل إلى تجاهل أوليتها وأسبقيتها رغم حقيقة كونها مراوغة ونادرة كالخلّ الوفىّ بل فى الحقيقة فى حكم المستحيل.
10: وبالطبع فإننا إزاء مسألة شائكة. والحقيقة أن المقتضيات الاجتماعية للحياة المشتركة محليا وإقليميا وعالميا تقدم جانبا من الحلول غير أنها لا تقدم كل الحلول لكل المشكلات التى ينطوى عليها تجاور وصراع المعتقدات. ولا يمكن للمسلم والهندوسى مثلا (الرئيس محمد مرسى ورئيس وزراء الهند، على سبيل المثال) مهما كان مستوى تديُّن كل منهما إلا أن يعامل كل منهما الآخر بكل احترام متجاهلا الاختلاف الدينى (حتى إنْ كان اللى فى القلب فى القلب) مركِّزا على المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية المتبادلة. وإلى جانب هذا النوع من العلاقة التى لا يمكن تفاديها بين الدول والمؤسسات والشخصيات التى تمثلها، لا مناص من أن يجعل الأفراد بدورهم مثلهم الأعلى هذا التجاهل للاختلاف الدينى مع عمل كل فرد على فهم دين الآخر أو ثقافته إلى أقصى حد ممكن ليستوعب تكوينه الداخلى ويتعامل معه بسهولة وفهم لروحه وعقليته ويتبادل معه حتى الثراء العقيدى والروحى والفكرى. وتختلف المسألة بالنسبة للمعتقدات غير الدينية عن الدينية حيث لا تتخذ المعتقدات الفلسفية والنظرية والعلمية والفكرية تلك القداسة الحصرية التى يزعمها كل دين لنفسه، ويكون التفاعل أو النقد المتبادل أو حتى العلاقات المتعادية بين المعتقدات غير المقدسة ممارسات متحررة نسبيا فى أغلب الأحوال من الحساسيات المتطرفة التى تميز الدين. كذلك فإنه لا مناص من أن تنتقد الأديان الفلسفات والفلسفات الأديان بعيدا عن سخافات الازدراء المتبادل ولغة التباغض، ولا ينبغى بحال من الأحوال التسليم بوضع قيود على حرية البحث العلمى والفكرى والفلسفى بما فى ذلك نقد الأديان وبحثها أنثروپولوچيًّا بصورة علمية موضوعية. أىْ أن حرية النقد المتبادل بين الدين والعلم الطبيعى والإنسانى ينبغى أن تكون مكفولة بحيث لا ينظر المتدين إلى كل بحث علمى يتناول الدين بعين الشك والتوجس والعدوانية واعتبار النقد نوعا من الازدراء أو التسفيه أو السبّ أو الغمز واللمز. وكل هذا لا ينفى التوتر بين المعتقدات الدينية فيما بينها وبين هذه المعتقدات الدينية من جانب والعلم والفكر والفلسفة من جانب آخر وإنما ينبغى التركيز على ضروة التعايش بينها جميعا بأفق رحب. وبالطبع فإن الأديان والوثنيات فى العالم الثالث لم تعرف، بصورة حقيقية، الصراع الفكرى الحر بين المعتقدات الدينية وغير الدينية بل امتدّ التقديس حتى إلى غير المقدس فعُوملت علوم ومعارف غير دينية وكأنها مقدسة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد العلمى الموضوعى ولهذا فإن معتنقى هذه المعتقدات لم يعرفوا التعايش فيما بينهم وفيما بينها.
11: ومن الجلى أن الجماهير العاملة والشعبية فى مصر وفى عالمنا هذا الآخر باختلاف أديانها وثقافاتها والأيديولوچيات والتعليم والإعلام التى تتأثر بها إلى هذا أو ذاك لا تتورط فى مثل ردود الأفعال هذه الجماعية العنيفة التى تحتج بغوغائية على مثل هذه الإساءات إلى معتقداتهم الدينية وغير الدينية. فهذه الجماهير تتجاهل أو تغضب بهدوء أو تزدان بالصبر الجميل. وإنما يحتكر رد الفعل الغوغائى فى مواجهة مثل هذه الأفعال المسيئة جماهير مختلف الأصوليات الإسلامية المتطرفة والإسلام السياسى فى كل مكان فى البلدان العربية والإسلامية فى سياق التعبئة السياسية الإسلامية لدى هذه الجماهير أو فى سياق استجابة مباشرة لتحريض هذه الأصوليات السياسية كما حدث فى مصر وغيرها. وبالتالى فإن رد الفعل العنيف على إساءات أو على ما يتم تصويره وتصنيفه واتهامه بدون وجه حق على أنه ينطوى على إساءات إلى الإسلام وعلى رسول الإسلام يأتى ليس من مسلمى العالم الثالث ككل ولا من جماهيره الشعبية ككل بل، على وجه التحديد، من جماهير الأصوليات الإسلامية المنظمة فى العديد من الأحزاب والحركات والجماعات الحاكمة أو غير الحاكمة. إنه بالتالى رد فعل سياسى فى المحل الأول، فى التحليل الأخير، وإنْ كان يرتدى عباءة الإسلام ويتسربل بسرباله ويستغل التدين الذى يتخذ صورة متطرفة لدى مثل هذه الجماهير دون غيرها.
12: ويتخذ رد الفعل السياسى الإسلامى أشكالا عنيفة تدمِّر وتحرق وتقتل بصورة تسيئ إلى الإسلام ورسوله أكثر من مختلف الأفلام والرسوم والإبداعات المسيئة أو التى يجرى تصويرها على أنها كذلك. والمتَّهم الرئيسى والمباشر إذن هو الإسلام السياسى وقياداته وجماهيره التى يجرى تحريضها وتعبئتها واستنفارها فى هذا الاتجاه. وبالطبع فإن ردّ الفعل ردٌّ على فعل. ولهذا "يبدو" الإسلام السياسى مضطرا إلى ردّ الفعل على فعل عدوانى ويصور نفسه على أنه المعتدى عليه والضحية والمدافع عن النفس والهوية والبقاء. على أن هذا الفعل العدوانى ذاته يحتاج إلى تحليل. فلماذا كان هذا الفعل العدوانى نفسه ضد الإسلام أو رسوله أو ضد المسلمين؟ ويمكن القول إن هذا الفعل بجانبه الأكبر ردٌّ فعل بدوره! ولا يمكن بالطبع استبعاد عامل التآمر ضد مصر من جهات خارجية وداخلية، غير أن هذا عامل بين عوامل. وعندما يقوم أفراد ومجموعات بمثل هذه الإساءات فمن الواضح أن فعلها العدوانى ينطلق من مشاعر ضد المسلمين. ولكنْ لماذا تكون هناك مشاعر وأفكار وتوجُّهات فى الغرب أو الشرق ضد المسلمين المسالمين بغالبيتهم الساحقة؟ لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد؟ فى الحقيقة لا يمكن اتهام المسلمين بأنهم السبب وراء تهجمات تأتى من أفراد ومجموعات غير مسلمة على الإسلام أو رسوله أو على المسلمين جميعا. وهناك بالطبع الإسلاموفوبيا أو كراهية أو معاداة الإسلام، ويتهم الإسلاميون السياسيون كل من يسيئ إلى الإسلام فى الغرب بالذات بكل امتداداته فى العالم بالانطلاق من هذه النزعة البغيضة المقيتة بل يتهمون بذلك أحيانا شعوب وأمم الغرب كلها أو أقساما واسعة منها. وهناك توجٌّس وخوف وحتى عداء واسع النطاق ولكنه غير شامل بالطبع فى الغرب ضد المسلمين وبالتالى ضد الإسلام ورسوله وقرآنه. غير أن "فعل" أصوليات الإسلام السياسى عامل من العوامل الرئيسية وراء هذا التوجس والخوف والعداء. وإذا فهمنا هذا الخوف الغربى من الإسلام والمسلمون على أنه مرض لا مبرر له لدى المسلمين، كما يصور الإسلام السياسى هذا الأمر، فإنه يكون مفهوما عدوانيًّا من جانبنا. غير أن علينا أن نفهمه على أنه خوف له ما يبرره حيث يمكن إرجاعه إلى "فعل" الإسلام السياسى، أىْ يرجع، على وجه التحديد، إلى إرهاب الإسلام السياسى، الذى نشأ فى بيئات متخلفة مهما كان بدوره، فى جانب كبير منه، ردّ فعل على ما فعلته وتفعله بنا الإمپريالية من الخارج والرأسمالية التابعة من الداخل. على أن المشكلة ليست فى رد الفعل ضد الغرب أو الشمال بل ضد طبيعة وشكل ردّ الفعل الذى تتبناه أصوليات الإسلام السياسى، بالإضافة إلى الأزمات التى يفتعلها فى بلدان الغرب بمنطق فتحها وجعلها ديار إسلام.
13: ولاستكمال عناصر فى النقطة السابقة، أورد هنا سطورا سبق نشرها تعليقا منى على افتتاحية حميد زناز الباحث والمفكر الجزائرى لحوار مفتوح معه على صفحات الحوار المتمدن فى مايو الماضى، حول الإسلاموفوبيا:
ضوء ساطع يُلْقِيه حميد زناز على الإسلاموفوبيا
شكرا جزيلا للمفكر الجزائرى الأستاذ حميد زناز فقد استفدتُ كثيرا من افتتاحيته وتعليقاته فى الحوار المفتوح (الحوار المتمدن) فيما يتعلق بالإسلاموفوبيا. وينبغى الاعتراف بأن هذه الكلمة المنحوتة (من الإسلام والخوف أو الخوف المرضىّ) تدخل فى رؤوسنا بصورة عفوية مغلَّفة بالإبهام والغموض فتُحْدِث لدينا مشاعر مختلطة تنطوى على الكثير من التشوُّش لأنه لن يكون بوسع كل شخص منا أن يمحِّص بنفسه كل ظاهرة وكل نظرية ليس فقط بسبب الوقت الذى لا يتسع للتركيز على كل شيء بل فى المحل الأول لأن التمحيص يحتاج إلى العلم والخبرة فيما يتعلق بالمسألة المعنية بحيث نحتاج دوما إلى مَنْ يكون لديه العلم والخبرة لنفهم منه فَهْمًا يحرِّرنا من التشوُّش. وقد ركَّز الأستاذ حميد على زاوية كانت تحتاج إلى قلمه والخلاصة: الإسلام السياسى هو الذى نحت هذا التعبير وأراد بذلك أن يحرق روح المجتمعات الغربية متَّهما إياها باضطهاد المسلمين بوصفهم مسلمين لابتزاز الدول والشعوب باستغلال عقدة الذنب الناشئة عن الماضى الاستعمارى لتلك البلدان وذلك لفتح مجال أوسع فأوسع أمام الغزو أو الفتح الإسلامى الأصولى للغرب. ويمثل إبراز هذه الظاهرة بهذه الطريقة المتبلورة شيئا جديدا بالنسبة لى على الأقل رغم أننى لا أجهل تماما ما تفعله الأصولية الإسلامية بالغرب فى الغرب. ويهمنا هنا أن ندرك جيدا أن الشعوب بغالبيتها بريئة من كراهية المسلمين لأنهم مسلمون وهذا شرط مهم من شروط تفاعلنا الصحى مع هذه الشعوب ثقافيا وإنسانيا وسياسيا؛ كما يهمنا إدراك أن الدول الغربية الاستعمارية لا ترسم سياساتها تجاهنا وتجاه غيرنا على أساس الأديان بل على أساس المصالح الاقتصادية والسياسية والإستراتيچية لأن هذا الإدراك ضرورى لتحديد سياساتنا ومواقفنا وردود أفعالنا على أساس الحقائق وليس على أساس الأوهام. ومن خصائص الأيديولوچيا القائمة على مفهوم الإسلاموفوبيا أنها يمكن – فى ارتباطها الوثيق بأقوال وأفعال الأصوليات الإسلامية – أن تخلق نوعا من الكراهية خلقا كرد فعل يمكن فهمه وتفهمه، وفى هذه الحالة لا ينقلب السحر على الساحر أىْ الأصولية والأصوليِّين فقط بل يمتد إلى الإسلام والمسلمين بوجه عام. ويزيد الطين بلة بوجه خاص فى هذا السياق ما ترتكبه أصوليات إسلامية متنوعة من أعمال العنف والإرهاب على أوسع نطاق؛ الأمر الذى يقوم بتوليد مشاعر وأفكار سلبية ومعادية لا يقصرها الجمهور الغربى على تلك الأصوليات لأن ذلك الجمهور لا يتألف من علماء اجتماع بل يمكن أن يمتد العداء وسوء التفاهم إلى الإسلام والمسلمين بوجه عام. وهنا يتصايح الأصوليون متهِمين بعد أن قاموا بأنفسهم بإخراج الجنى من القمقم. وبهذا يصبّ الاختراع الأصولى المتمثل فى مفهوم الإسلاموفوبيا فى التيار العام للزينوفوبيا (الخوف من الأجانب) فى الغرب. ولهذه الأخيرة بالطبع مصادر كثيرة لا تقتصر على المسلمين ولم تبدأ بهم. فهناك دور العمل الرخيص المهاجر إلى الغرب ويزاحم جماهير عاملة محلية تعانى أصلا من البطالة والإفقار النسبى والمطلق وقد يكون هذا العامل الأجنبى المنافس لعمال الغرب فى عقر دارهم مسلما أو مسيحيا أو بوذيا أو غير ذلك. وهناك بالطبع تراث فكرى عنصرى فى الغرب لا يجوز إغفاله ومن الصعوبة بمكان إرجاع كل المشاعر والأفكار المعادية للآخر غير الغربى إلى الأصوليات الإسلامية. فهناك التراث الاستعمارى والقومى والشوڤينى والفاشى والنازى واليمينى الذى يتغذى عليه إحياء وصعود التيارات والمنظمات اليمينية والفاشية فى الغرب فى العقود الأخيرة. ومعنى هذا أننا لا نتعامل مع مجتمعات لا وجود فيها للشر إلا كردّ فعل على السلوك الفكرى والإرهابى الأصولى الذى يعيث فى الغرب فسادا، فهى مجتمعات الاستغلال الرأسمالى والفساد المالى والاستبداد المتسلح بالتكنولوچيات الحديثة، مجتمعات استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وحرب الكل ضد الكل، مجتمعات أساطير الأيديولوچيات الاستعمارية التى لم تبرأ منها الشعوب الغربية بعد. ودون أن نتصور أن الشعوب الغربية تتألف من فلاسفة أو ملائكة متسامحين ينبغى أن ندرك أن الأصوليات الإسلامية تساهم بسلوكها الذى يقوم على النظر إلى البلدان الغربية التى نذهب إليها باحثين عن العمل أو الأمان على أنها ساحة مفتوحة لفتوحات أو غزوات إسلامية جديدة، وطالما استمر هذا السلوك الإسلامى الأصولى القائم على مفهوم الإسلاموفوبيا فإن كوارث رد فعله (بين أشياء أخرى) لن تقتصر على الإسلام السياسى أو الإسلام أو المسلمين بل ستمتدّ إلى المجتمعات الغربية من خلال تطور الاتجاهات اليمينية والفاشية كما نرى بوضوح فى الانتخابات الپرلمانية والرئاسية فى الغرب أو الشمال. وتبقى نقطة تثيرها افتتاحية الأستاذ حميد زناز: تقييم رد فعل المجتمعات الغربية على سلوك الإسلام السياسى فى بلدانها بروح الغزو والفتح (وبالطبع كرد فعل على قوة العمل الأجنبية المنافسة فى سوق العمل)؛ فهل يجوز أن نعتبر هذا خوفا مرضيا، ومرضا نفسيا، ومجرد استحواذ للأوهام على العقول فى الغرب كما يوحى مفهوم إسلاموفوبيا كما تطرحه الأصوليات الإسلامية أم هو رد فعل طبيعى بريئ من المرض والوهم على فتح إسلامى جديد للغرب؟ وهنا ينبغى أن نضع كلمة زينوفوبيا إلى جانب إسلاموفوبيا؛ فهاتان الكلمتان المنحوتتان المعجونتان بالخوف إحداهما من الإسلام والأخرى من الأجانب تنطويان على الخوف كرد فعل مرة إزاء تأثير الأصولية الإسلامية ومرة أخرى إزاء تأثير الأجانب على المجتمعات الغربية والأفراد الغربيِّين. فهل هذا الخوف مرضىّ؟ وإذا كان هذا رفضا فى الحالتين فلماذا نسمِّى الرفض الذى يملك مبرراته العقلانية خوفا بما يُوحى بأننا إزاء مشاعر يحملها مجتمع مريض بالوهم؟ وبالطبع فإن الرفض لن يبقى مجرد رفض عقلانى موضوعىّ إلى الأبد بل سيتحول إلى معطًى أيديولوچى تمتزج فيه وتنصهر الأفكار والمشاعر. والمرجو أن يمحِّص لنا الأستاذ حميد زناز بعلمه وخبرته هذه المسائل التى ربما وافقنى على أنها ما تزال تحتاج إلى مزيد من القول. (12 مايو 2012)
14: ومهما كانت جنسية أو أهداف أصحاب الفيلم المسيئ فقد تجاوز الإسلام السياسى حدود ردّ الفعل المنطقى المقبول إلى العنف والتدمير والقتل (قتل الديپلوماسيِّين الأمريكيِّين أو المحتجِّين أىْ "المسلمين") وإلى إلهاب المشاعر التى تغذِّى الصراع الطائفى ضد المسيحيِّين فى مصر. وإذا كان بعض أقباط المهجر الأمريكى قد شاركوا فإن سلوكهم المرفوض إنما يرجع إلى تطرفهم المتعصب كردّ فعل على "فعل" الإسلام السياسى المتعصب والعدائى والعدوانى ضد المسيحيِّين فى مصر وكثير من البلدان الأخرى فى العالم العربى. وهو "فعل" وصل إلى حدّ إجبار كثير من المسيحيِّين فى مصر والعالم العربى على الهجرة الخارجية والداخلية. والعجيب أن يُفلت الإسلام السياسى دون عقاب على جريمة تسبُّبه من خلال رد الفعل العنيف المدمر الذى حرض عليه جماهيره فى تشويه صورة المصريِّين والعرب والإسلام والمسلمين، وإلى الإساءة إلى الأقباط والمسيحيِّين والإنجيل والمسيحية، وإلى سقوط عدد من القتلى وكثير من الجرحى، رغم أن عددا من رموز وممثلى الإسلام السياسى قادوا بنشاط مسعور هذه الفتنة. وعجيب أيضا أن يقف الرئيس محمد مرسى خطيبا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم متحدثا، بلغة طائفية، عن المصريِّين، باسم المصريِّين، بوصفهم "المسلمين وغير المسلمين". وكيف لا يكون الأمر كذلك والدستور المصرى يبدأ بتقسيم الشعب المصرى على أساس طائفى يقوم على التمييز الدينى بين المواطنين على طريق مسيرة طويلة بدأت بفرض الإسلام دينا للدولة، منذ دستور 23، إلى "دساتير" عهد عبد الناصر، إلى دستور السادات بتعديلاته هو ثم مبارك، إلى دستور المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرى، أعنى الإعلان الدستورى التأسيسى والإعلانات الدستورية التى أضافت إليه أو حذفت منه، إلى الدستور الإخوانى المحتمل فى عهد محمد مرسى فى حالة عدم الحل القضائى للجمعية التأسيسية للدستور وإجراء استفتاء يزيِّف إرادة الشعب المصرى وإجراء انتخابات پرلمانية (وربما رئاسية؟) على أساسه.
23 سپتمبر 2012














8
الاحتمال الأرجح: مفارقة انتصار
الثورات والثورات المضادة فى "الربيع العربى"!
بقلم: خليل كلفت
عندما تُكْمِل كل ثورة من ثورات ما يسمى بالربيع العربى عامها الثانى فى تونس فى 18 ديسمبر 2012، وفى مصر فى 25 يناير 2013، وفى اليمن فى 3 فبراير 2013، وفى البحرين فى 14 فبراير 2013، وفى ليبيا فى 15 أو 17 فبراير 2013، وفى سوريا فى 15 مارس 2013، وفى بلدان عربية أخرى فى أوقات أخرى متقاربة، تتأكد حقيقة أننا إزاء زمن ممتدّ إلى الآن ولأعوام أخرى من الثورة والثورة المضادة مادامت الثورة ما تزال بعيدة عن تحقيق أهدافها الأساسية ومادامت الثورة المضادة بدورها لم تصل بعدُ إلى تحقيق وترسيخ استقرارها الرجعى. ومن الجلىّ أن الثورة والثورة المضادة تحتاجان إلى زمن كافٍ وغير قصير لتحقيق الأهداف الأساسية لكلٍّ منهما.
وفى سياق جدل الصراع بين الثورة والثورة المضادة، يقفز سؤال منطقى: مادامت الثورة قد حققت بالفعل منجزات كبيرة وكذلك فعلت الثورة المضادة: ما هى احتمالات تطور هذه المنجزات على الجانبين؟
والحقيقة أن الثورة لها مسار منطقى ناشئ من طبيعتها وللثورة المضادة بدورها مسارها المنطقى، ولا شك فى أن مصير المساريْن إنما يحسمه الصراع العينىّ السابق والحالى واللاحق بينهما. ومن المفارقات أن من المحتمل وربما من المرجح أن يحقق كلا المساريْن نجاحات متصلة تؤدى بكل منهما إلى النجاح. وهذه المفارقة بحاجة إلى تفسير. والحقيقة أنه لا تناقض كما يبدو على السطح، بل ربما كان نجاحهما معا على مدى الأعوام القادمة هو المسار المنطقى والوحيد الملائم لطبيعة الأشياء، وهو الاستنتاج الذى يمكن استخلاصه من ثورات العصر الحديث.
ويعنى نجاح الثورات تحقيق أهدافها الأساسية: ليس تلك الأهداف التى توهَّمتْها الشعوب والثوار وحتى المناضلون الثوريون الأعمق فكرا ووعيا ونضجا وعِلْما فى كل ثورة طوال التاريخ قديمه وحديثه. فالشعوب فى حالة نجاح ثوراتها تخلق أُسُسًا وأدوات جديدة تاريخية لحياتها ونضالها ولتطور التاريخ والحضارة ولكنها لا تصل مطلقا إلى سلطة الدولة. وقد تصل حركات ثورية إلى السلطة مع إلحاق هزيمة ساحقة ماحقة بالثورة المضادة غير أن هذا لا يعنى وصول الشعوب أو الطبقات العاملة والشعبية والفقيرة العمالية والفلاحية إلى السلطة بصورة إستراتيچية. ذلك أنه سرعان ما ينتهى تطور التناقضات فى صفوف حركات وقوى الثورة بعد وصولها الجماعى إلى سلطة الدولة فى ظاهر الأمر إلى تبلور ونشوء واستقرار وترسيخ طبقة استغلالية جديدة.
والحقيقة أننا إزاء ثورات سياسية فى سياق التبعية الاستعمارية وليس فى سياق ثورات اجتماعية كما كانت ثورات البلدان الصناعية المتقدمة؛ وهى بالتالى ثورات سياسية عالم-ثالثية لا تحقق بحكم طبيعتها سوى تطور تاريخى محدَّد فى حياة ونضال الشعوب، واسمه، فى كل مكان، الديمقراطية الشعبية من أسفل، أو الديمقراطية من أسفل (وأسفل هنا يعنى الشعب)، أو الديمقراطية ببساطة (فالجزء الأول من تعبير الديمقراطية مشتق من لفظة يونانية تعنى الشعب رغم الاشتقاق الخادع للجزء الثانى من هذا التعبير من اللفظة اليونانية التى تعنى السلطة أو الحكم)، وذلك مع بقاء الاقتصاد والسلطة فى أيدى الرأسمالية التابعة فى ظل نظام عسكرى و/أو إخوانى و/أو ليبرالى. وقد قطعت الشعوب خطوات على طريق تحقيق نوع من الديمقراطية الشعبية التى سيكون عليها أن تستكمل انتزاع وجودها وممارساتها وحقوقها وأدوات نضالها ضد الرأسمالية التابعة فى سبيل توسيع وتعميق الديمقراطية من أسفل فى المدى المباشر والقريب والمتوسط وفى سبيل الثورة الشيوعية الماركسية فى المدى التاريخى البعيد.
انتزعت الثورة، إذن، حرية سياسية لم يسبق لها مثيل (رغم الدستور الاستبدادى السابق والحالى واللاحق وقوانين دولة الظلم الاجتماعى) منذ ثورة 1919 والحريات النسبية التى تحققت بفضل تلك الثورة فى ظل دستور 1923، دستور الرأسمالية التابعة مع ذلك فى عهد الاحتلال البريطانى والملك، تلك الحريات النسبية التى دمَّرها انقلاب 23 يوليو 1952 بدعوى إقامة "حياة ديمقراطية سليمة"! كما حققت الثورة انتزاع الخوف من القلوب فانتزعت الحرية والمبادرة النضالية والممارسة العملية الثورية بالوسائل الثورية، وتناضل فى سبيل انتزاع وترسيخ الأحزاب المستقلة والنقابات المستقلة واستقلال الصحافة واستقلال القضاء، وفى سبيل انتزاع حقوق وحريات وممارسات مختلف أشكال الاحتجاجات الشعبية من تظاهر واعتصام وإضراب وغيرها، وفى سبيل انتزاع عدالة توزيع الثروة ورفع مستويات المعيشة وتأمين الأجور العادلة المربوطة بمؤشرات التضخم وتغيُّر الأسعار، وفى سبيل انتزاع تأمين صحى جيد وتعليم حكومى جيد. وقد حققت نضالات الثورة مكاسب أولى فعلية فى كثير من المجالات والمواقع والقطاعات الاقتصادية والإدارية والفئات الاجتماعية بفضل نضالاتها الإضرابية واحتجاجاتها العامة وتلك المسماة بالفئوية.
وما تزال الثورة تُثْبِتُ كل يوم أنها مستمرة بحيوية بالغة لتحقق أهدافها الأساسية النبيلة للطبقات العاملة والشعبية والفقيرة. ولا شك فى أن الديمقراطية الشعبية من أسفل كانت قد حققت فى البلدان الصناعية مكاسب أوسع وأعمق وبالأخص قابلة للصمود والاستمرار والرسوخ عبر القرون على حين تواجه الديمقراطية الشعبية العالم-الثالثية من أسفل صعوبات أكبر بما لا يقاس بحكم تخلف وتبعية اقتصادات وسياسات الرأسمالية التابعة.
وتتحقق مكاسب الثورة بوضوح أكبر فى مصر بالذات إلى الآن رغم أن الاقتصاد والسلطة باقيان، وسيبقيان، فى أيدى الممثلين السياسيِّين لمختلف أقسام وقطاعات الرأسمالية التابعة من عسكر وإخوان وغيرهم. وما تزال مكاسب هذه الديمقراطية من أسفل فى بدايات طريق شاق للغاية وطويل للغاية حتى بعد انتهاء الثورة "بوصفها ثورة". ولا شك فى أن العامل الأساسى الذى يغذى الثورة ويضمن استمرارها يتمثل بصورة مزدوجة فى الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية للطبقة العاملة والجماهير الشعبية والفقيرة والمزيد من نضج العناصر والقوى الثورية الحقيقية المخلصة إلى النهاية، مع الاستفادة من التناقضات والصراعات فى صفوف الثورة المضادة، فهى إضافة صافية إلى قوة الثورة لا ينبغى أن تستهين بها القوى الثورية الواعية.
الثورة الشعبية، إذن، مستمرة. ورغم منجزاتها فى كل ثورات "الربيع العربى" فإنها ما تزال فى البداية. فهل تنجح فى تحقيق أهدافها الأساسية؟ وبالطبع فإن معايير نجاح الثورات وثيقة الصلة بطبيعتها. ومن الخطأ الجسيم قياس نجاح ثورة سياسية عالم-ثالثية بمعايير ثورة "اشتراكية" مثلا أو حتى بمعايير ثورة برچوازية ديمقراطية. وقد بالغ كثيرون فى ثورتنا ورأوا فيها ثورة اجتماعية كاملة الأوصاف، وربما ثورة "اشتراكية"، ولم يفهموا مطلقا طبيعتها الأقل شأنا بضيق أفق نموذجى، بل زيَّنتْ الشوڤينية العربية والشوڤينية المصرية لأصحابها "الثوريِّين الرومانسيِّين" أوهاما فحواها أن ثورتنا سوف تُغيِّر العالم كله! ولأن الطبقة العاملة لا يمكن أن تصل إلى السلطة إلا من خلال ثورة اشتراكية (بمعنى: شيوعية) فإن تصوُّر وصول ثوراتنا إلى سلطة الدولة إنما يعكس موقفا نظريا يمينيا لأنه يريد سلطة پروليتارية فى خدمة ثورة برچوازية (رأسمالية)، أىْ: فى خدمة الرأسمالية التابعة للإمپريالية العالمية والإمپراطورية الأمريكية!
هناك بالطبع استثناء فى تاريخ النضال الاشتراكى يتمثل فى "شعار" قيادة وسلطة الطبقة العاملة فى الثورة الديمقراطية أىْ الثورة البرچوازية أو الرأسمالية منذ زمن ثورة 1905 فصاعدا. ولم يتحقق هذا الشعار فى روسيا قبل ثورة أكتوبر 1917 البلشڤية. ذلك أن ما تحقق بالفعل فى تلك الثورة ليس سوى ذلك الشعار القديم أىْ قيادة وسلطة الپروليتاريا أو ممثليها الماركسيِّين الثوريِّين فى ثورة برچوازية رأسمالية، مع تقييم طبيعتها على أنها ثورة اشتراكية. ولكن الثورة الروسية كانت ثورة سياسية فى سياق ثورة اجتماعية برچوازية رأسمالية. وما حدث فى روسيا تكرر فى بلدان أخرى أهمها الصين. وكان المصير النهائى فى كل الأحوال هو النظام الرأسمالى الحالى فى هذين البلدين وغيرهما عَبْرَ رأسمالية الدولة فيهما كليهما. ورغم الإيمان بالمصير الشيوعى المنشود للبشرية كلها فى مستقبل ما يزال بعيدا فإن من السذاجة والصبيانية أن نتوهم فى كل ثورة، مهما كانت طبيعتها العينية المحددة ومهما كانت الشروط الموضوعية والذاتية التى تحيط بها، ثورة شيوعية أو اشتراكية تؤدى إلى استيلاء الثورة على سلطة الدولة.
وإذا كانت الثورة فى منتصف الطريق، إنْ لم تكن فى أول الطريق، فإن الثورة المضادة لم تنجح، رغم مكاسبها ومنجزاتها الفعلية، فى تحقيق أهدافها الأساسية الشريرة.
ويتمثل الهدف الكبير للثورة المضادة فى إلحاق الهزيمة بالثورة وبالتالى الاستقرار الراسخ لنظام الرأسمالية التابعة. ومن الجلى أن الطبقة الرأسمالية التابعة والقوى والأحزاب والحركات التى تُمثل مختلف قطاعاتها سياسيا ما تزال بعيدة عن تحقيق هدفها الكبير بشقيْه: الهزيمة الإستراتيجية للثورة، والاستقرار الجوهرى للنظام الجديد القديم.
وكما رأينا عند الحديث عن الثورة فإنها مستمرة بحيوية هائلة بعيدا عن أن تكون فى ذمة التاريخ أو مهزومة، فالثورة المضادة لم تنجح فى هزيمة الثورة بل تقض هذه الأخيرة مضاجع الطبقة الرأسمالية التابعة وممثليها السياسيِّين من عسكر وإخوان وسلفيِّين وليبرالية يمينية متوحشة.
والاشتباك على أشدِّه فى سوريا ويعتقد أغلب المحللين السياسيِّين أن إسقاط النظام السورى صار مسألة وقت، وأنه إذا كان النظام يدمر المدن والقرى على رؤوس بنات وأبناء الشعب السورى وأطفاله وشيوخه فإن هذا الشعب يوشك على أن يدفنه.
وتجرى فى ليبيا بداية عملية تشكُّل طبقة جديدة سوف تستغرق زمنا غير قصير بحكم أن نظام القذافى ذاب تقريبا فى الهواء؛ لأنه لم يكن يقوم على طبقة رأسمالية مالكة بل على مجموعات وعصابات ومافيات وميليشيات أحاطت بحُكم الشخص وتبخَّرت معه دون أن تترك بقايا طبقية متبلورة ومترابطة وناضجة.
وفى تونس صراع على أشدِّه بين أطراف عديدة منها الإسلام السياسى لحزب النهضة، والإسلام السلفى، والقوى المدنية والعلمانية المتنوعة ومنها رئيس الجمهورية ، والقوى اليسارية والعمالية.
وتُراوح الثورة والثورة المضادة مكانهما فى اليمن دون نتائج حاسمة فى عهد خلفاء على عبد الله صالح حيث تفرض التكوينات القَبَلِيَّة منطقها على الثورة والثورة المضادة، مع دور سعودى وأمريكى حاسم تتحداه ثورة شبابية وشعبية عنيدة.
وهناك البحرين والأردن كمثليْن بارزيْن لبلديْن يحتدم فيهما صراع كبير، وهناك أيضا إرهاصات واحتمالات موريتانيا والمغرب والسودان ولبنان ما بعد نظام بشار الأسد.
وبالطبع فإن شقَّىْ الهدف الكبير للثورة المضادة متلازمان وممتزجان ومندمجان وبالتالى فإن الثورات المضادة المعنية ما تزال فى منتصف الطريق أو دون ذلك بكثير، بعيدةً تماما عن الاستقرار المنشود بل فى خضم أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية خانقة تدل على اشتداد الأزمة الثورية فى بلدان "الربيع العربى" جميعا.
وإذا انتقلنا إلى مصر باعتبارها حالة بالغة الأهمية فى المشهد العربى الراهن بحكم وزنها السكانى وبحكم نضجها النسبى، الطبقى العمالى والرأسمالى التابع، وكذلك بحكم طريق التصفية التدريجية للثورة الذى سلكته الثورة المضادة الحاكمة؛ ببُعْد نظر آثر عدم التورط فى حرب أهلية شاملة كما فعلت العصابات الحاكمة فى ليبيا وسوريا واليمن، وذلك بفضل إدراك واضح لحقيقة أن طريق الحرب الأهلية هو أقصر طريق إلى إسقاط وتدمير وتمزيق الطبقة الحاكمة ودولتها وسلطتها ونظامها وإحلال طبقة رأسمالية تابعة جديدة محلها كما شهد التاريخ المعاصر للثورة والثورة المضادة وحتى انقلابات عسكرية مهمة غير مرة. ورغم كل جرائم قتل بنات وأبناء الشعب المصرى وثورته على نطاق واسع فقد نجحت الثورة المضادة الحاكمة فى مصر فى إنقاذ نفسها (إلى الآن) من مصير مدمر فى حالة تطور عنفها إلى حرب أهلية لا تُبْقِى ولا تذر.
وعندما تحولت الثورة الشبابية فى مصر إلى ثورة سياسية شعبية بفضل انضمام الجماهير العاملة والشعبية والفقيرة المدينية إليها بعشرات الملايين، وفى غياب ثورة ريفية فلاحية بالطبع، أجبرت الثورة الشعبية المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية على البحث عن طريقة فعالة للالتفاف حول مطلبها الأساسى المتمثل فى إسقاط النظام بالبدء بالإطاحة بالرئيس مبارك عن طريق انقلاب عسكرى يستمدّ شرعيته من تفويض من نفس الرئيس الذى كان يجرى خلعه فى لحظة خلعه!، فكان انقلاب قصر ناجحا أرجع الثوار إلى منازلهم فى تلك اللحظة الفارقة. وبعد الأيام القليلة الأولى للثورة دخل الإسلام السياسى بقيادة الإخوان المسلمين على الخط. وقد انضموا إلى المظاهرات والاعتصامات عندما اطمأنوا إلى أنهم إزاء ثورة شعبية كبرى تستطيع حمايتهم. وقبل تنحية الرئيس مبارك دخلوا فى مفاوضات معه من خلال مدير مخابراته عمر سليمان تحددت من خلالها أسس تحالفهم اللاحق (القائم إلى الآن والذى لم يستبعد صراعا لاحقا رغم التحالف) مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وبفضل هذا التحالف تحقق (منذ التعديلات الدستورية والإعلان الدستورى التأسيسى) الأساس الدستورى القانونى التشريعى لشرعية حكم المجلس الأعلى، وشرعية الاستفتاءات والانتخابات الپرلمانية والرئاسية، وشرعية الرئيس الإخوانى الحالى التابع لجماعة الإخوان المسلمين ومرشدها تبعية السَّمع والطاعة، كما تم توجيه الضربات ضد قوى الثورة وقد شملت مذابح مروِّعة واستخدام أساليب جهنمية ستبقى عارا على النظام المصرى القائم إلى الآن بشقَّيْه العسكرىّ والدينىّ الإسلامىّ الإخوانى. ورغم ما يبدو على سطح قرارات رئيس الجمهورية فى 12 سپتمبر 2012 والإطاحة بقمة قيادة المجلس الأعلى وبالإعلان الدستورى المكمل فإن السيطرة الفعلية باقية لهذا المجلس، ما لم تتحول مصر، لا قدَّر الله، إلى دولة دينية وهذا احتمال ما تزال تقاومه الثورة.
ذلك أن الإخوان المسلمين وحلفاءهم السلفيّين والوهابيِّين نجحوا، كما نجح العسكر من قبلهم، بالترويع والمذابح بمباركة الإخوان المسلمين والإسلام السياسى ككل، فى كسب عداء الشعب، والمجتمع، والقوى السياسية، والمثقفين، والصحافة، والإعلام، والقضاء بمختلف مستوياته وعلى رأسها المحكمة الدستورية العليا، وكذلك فئات حاسمة فى المجتمع كالموظفين والأطباء والمعلمين والمحامين وغيرهم، وبالأخص عداء القوة الحاسمة فى الثورة: الطبقة العاملة والجماهير الشعبية والفقيرة. ذلك أن الثورة إنما هى ثورتها بحكم أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية المتردية بصورة لا توصف؛ ليس بوصفها طبقة عاملة لذاتها، ومتحررة من سيطرة الأيديولوچيا الإسلامية السياسية، وتناضل فى سبيل ثورة شيوعية فى بلد يحمل فى رحمه جنين مجتمع جديد شيوعى، بل بوصفها طبقة فى ذاتها تعانى الاستغلال الوحشى، وتقع فريسة متلازمة الفقر والجهل والمرض. ولا ينبغى أن يتصور أحد أن الطبقة العاملة والجماهير الشعبية والفقيرة سوف تتخلى عن أهدافها ومطالبها التى تلخصها شعارات الثورة: "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية".
وتتمثل سمة اللحظة السياسية الراهنة من جهة فى أن الثورة لم تُهزَم بل حققت منجزات كبيرة على طريق انتصار الثورة لكنها لم تنتصر بعدُ بصورة راسخة، وتتمثل من جهة أخرى فى أن الثورة المضادة حققت، رغم فشلها فى القضاء على نضالات الثورة المستمرة، منجزات مهمة على طريق إنقاذ النظام الرأسمالى التابع بصورة مستقرة وراسخة، لكنها لم تنجح بعدُ فى الخروج الآمن من "أزمة" الثورة، بسبب الطاقات الكبرى المتواصلة التجدُّد للثورة السياسية الشعبية، عاجزة عن تلبية أىّ قدر مهم من أهداف الثورة فى العدالة الاجتماعية والحرية، فى إطار اقتصاد رأسمالى تابع للإمپريالية وخاضع لإملاءاتها ويعانى بالتبعية من الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التى تمسك بخناق مراكز الرأسمالية العالمية.
وإذا أدركنا أننا لسنا إزاء ثورة عمالية شيوعية أو حتى ثورة برچوازية ديمقراطية بالمعنى الحقيقى وهى الثورة التى تحقق الاقتصاد وسلطة الدولة للبرچوازية (فى إطار نظام رأسمالى)، وتحقق الديمقراطية من أسفل للطبقة العاملة والجماهير الشعبية والقوى الثقافية والفكرية والعلمية الحية الخلاقة فى المجتمع (كما كانت الثورة الفرنسية الكبرى)، بل إزاء ثورة شعبية سياسية ديمقراطية عالم-ثالثية لا تحقق بحكم طبيعتها سوى الديمقراطية الشعبية من أسفل رغم بقاء الاقتصاد والسلطة فى أيدى الرأسمالية التابعة للإمپريالية وممثليها السياسيِّين، مع إبقاء آفاق مفتوحة أمام تطورات مستقبلية تاريخية قد تجلبها معها تطورات محلية، وإقليمية، و – بالأخص – عالمية تاريخية غير مرئية فى الوقت الحالى.
وهنا سرٌّ مهم من أسرار الثورات: عندما تتفجر ثورة سياسية شعبية ديمقراطية (وليست ثورة شيوعية ناضجة فى شروطها الموضوعية والذاتية) فى بلد رأسمالى متقدم مستقر بوصفه كذلك أو فى بلد رأسمالى تابع مستقر بوصفه كذلك أيضا، فإن الثورة يمكن أن تنجح (وتنجح بالفعل على الأرجح) فى تحقيق وحماية وتطوير وتوسيع الديمقراطية من أسفل غير أن النظام الاجتماعى الاقتصادى يبقى فى الاقتصاد والسلطة كما كان مهما قدَّم من تنازلات أمام الثورة. والحقيقة أنه لا وجود فى التاريخ الطبقى للبشرية كلها شيء من قبيل الديمقراطية من أعلى ممثلة فى صميم البنيان السياسى للدولة التى هى بطبيعتها النقيض المباشر للديمقراطية. وتتمثل الديمقراطية الوحيدة فى كل مكان فى الديمقراطية الشعبية من أسفل.
والحقيقة أن انتقال سلطة الدولة إلى طبقة جديدة يرتبط ارتباطا وثيقا لا ينفصم بوجود ثورة سياسية فى سياق ثورة اجتماعية تحقق إما نقل السلطة إلى هذه الطبقة التى كان المجتمع القديم حاملا بها وبالرأسمالية التى تطورت معها فى إطار مجتمع انتقالى (الثورة الفرنسية مثلا)، وإما قيام السلطة الجديدة بتشكيل طبقة جديدة استغلالية تسيطر فى النهاية على الاقتصاد والسلطة (كما حدث فى روسيا والصين). كما أن استيلاء قوى جديدة على سلطة الدولة فى بلد من البلدان يشترط ثورة سياسية أو انقلابا عسكريا كبيرا، وفى الحالتين يكون الاستيلاء على السلطة مسألة مادية عسكرية سواء فى حالة ثورة سياسية شعبية كبرى تهزم الطبقة الحاكمة ودولتها وقواتها ونظامها(الثورة الفرنسية مثلا مرة أخرى)، أو فى حالة انقلاب عسكرى كبير تتمثل فيه بحكم طبيعته ذاتها القوة المادية العسكرية اللازمة للاستيلاء على السلطة، حيث تقوم تلك القوة المادية العسكرية بتكوين طبقة استغلالية جديدة (كما شهدت مصر من خلال انقلاب 1952 العسكرى).
ولكل هذا فإن الاحتمال الأرجح يتمثل فى أن تتحقق مفارقة انتصار الثورة بنجاحها فى تحقيق وترسيخ الديمقراطية الشعبية من أسفل، وانتصار الثورة المضادة فى إنقاذ نظامها الرأسمالى التابع للإمپريالية وللإمپراطورية، ويتمثل، بعبارة واحدة، فى ألَّا تهزم الثورة نفسها بالسير وراء أحزاب وحركات ممثِّلة سياسيا لأقسام عسكرية أو إسلامية أو ليبرالية من نفس الطبقة الرأسمالية التابعة، وفى ألَّا تنجح الثورة المضادة بطبقتها ودولتها ونظامها وأحزابها الليبرالية اليمينية، وبمهادنة قوًى يسارية، وبحلفائها المحليِّين والإقليميِّين والعالميِّين، فى سحق الثورة الشعبية وحرمانها من تحقيق كل أو معظم أهدافها الأساسية!
3 نوڤمبر 2112











9
ضرورة الإطاحة بحكم الإسلام السياسى
فى سبيل تفادى حرب أهلية محتملة فى مصر
1: تجرى على قدم وساق فى الجمعية التأسيسية للدستور، فى سباق محموم مع الزمن، عملية تهدف إلى استكمال طبْخ أو سلْق دستور للاستفتاء عليه وانتخاب الپرلمان على أساسه استباقا لقرارات قضائية محتملة بحلِّها وربما بقبول طعون تؤدى إلى حلّ مجلس الشورى، وحلّ جماعة الإخوان المسلمين، وحلّ الأحزاب المخالفة للدستور (الإعلان الدستورى التأسيسى) لقيامها على أساس الدين (المرجعية الإسلامية)، ولتأمين استمرار رئيس الجمهورية فى الحكم بعد إصدار دستور لم يتم انتخابه على أساسه. ورغم الرفض الواسع النطاق من جانب القوى السياسية والثورية لتشكيلها المخالف للدستور وللعديد من المقترحات المعلنة بمواد دستورية، تُواصل الأغلبية الإسلامية-السياسية الإخوانية السلفية المسيطرة على الجمعية (هذه الأغلبية التى تكوَّنت - بصورة تخالف المعايير الدستورية والقانونية بما يؤدِّى إلى بطلان الجمعية – حيث تضم مجموعة كبيرة من أعضاء من مجلس الشعب المنحل ومجلس الشورى القائم) عملها المحموم بكل العناد والتحدِّى والبلطجة وكأنها فوق الدستور والقانون. وقد ساعدتها عناصر سياسية ومجتمعية من موقع الأقلية داخل الجمعية بانضمامهم إلى جمعية غير دستورية وغير قانونية وخارجة حتى على دستور النظام الحالى ذاته وقانونه، رغم تذبذبات بين الانسحاب والعودة، ورغم فضح كثيرين من هذه الأقلية لتشكيل الجمعية وطريقة عملها والمقترحات التى تركِّز الأغلبية المهيمنة عليها بقوة لفرضها، بدلا من المقاطعة الكاملة لهذه الجمعية الخارجة على القانون.
2: ولا شك بطبيعة الحال فى أن قوى سياسية متنوعة ومنها قوى ثورية وتقدمية ومدنية وعلمانية متذبذبة ومترددة تجعل من الدستور والاستفتاء عليه والانتخابات على أساسه بقرة مقدَّسة. وتتوهَّم هذه القوى المتنوعة أن الدستور الجديد يمكن أن يشكِّل خطوة كبرى إلى الأمام، وأنه ضرورى لبناء مؤسسات الدولة على أساسه، بل تبنَّت هذه القوى فى وقت من الأوقات شعار الدستور أولا، وتتوهَّم أن إصدار دستور جديد قبل الانتخابات الپرلمانية والرئاسية التى جرت منذ الثورة كان من شأنه أن يسير بالبلاد فى مسار إيجابى. وينطوى كل هذا على مغالطات فظة. فالدستور قبل أو بعد الانتخابات إنما تتحدَّد طبيعته بطبيعة القوى الاجتماعية-السياسية التى تسيطر على عملية إعداده. وربما كان سيأتى دستورٌ مبكرٌ فى الشهور الأولى بعد الثورة (أىْ فى زمن شهر العسل بين الإخوان المسلمين والمجلس الأعلى للقوات المسلحة) مثل (أو أسوأ من) الدستور الذى يعمل الإسلام السياسى على تمريره وفرضه الآن. وقد شهدت تلك الفترة إعداد التعديلات الدستورية وإجراء الاستفتاء عليها وإصدار الإعلان الدستورى التأسيسى الذى يمثل المصدر التشريعى الأساسى للانتخابات السابقة واللاحقة ولمجلس الشعب قبل حله ولمجلس الشورى إلى الآن وللجمعية التأسيسية ولرئيس الجمهورية ولسلطاته الفرعونية من الناحية الرسمية.
3: وقد منحت القوى السياسية والثورية الدستور كل هذه الأهمية لأنها افترضت أن يكون زمن الثورة عاملا أساسيا فى صياغة دستور أفضل من دستور 1971 الدائم، جاهلة أو متجاهلة لحقيقة أن الثورة المضادة من العسكر والإسلام السياسى هى المهيمنة على سير عمل جمعية الدستور والانتخابات، فلا يجوز أن نتوقع أن يأتى دستورها صالحا كدستور جيد لمصر الشعب. وينطبق الشيء ذاته على ما يسمَّى ببناء مؤسسات الدولة. ذلك أنه تماما كما أن الدستور الممكن فى ظل سيطرة الثورة المضادة سيكون دستور الثورة المضادة فإن ما يجرى بناؤه إنما يتمثل فى بناء مؤسسات دولة الثورة المضادة. ولهذا كانت مقاطعة مختلف الجوانب الدستورية والتشريعية والانتخابية والمؤسسية التى تشرف عليها الثورة المضادة الحاكمة تمثل الموقف الثورى البديل المتماسك بعيدا عن المشاركة على أساس الحصول على بعض المقاعد الپرلمانية أو القيام بنشاط دعائى حول الانتخابات وبحجة عدم ترك الساحة مفتوحة لاحتكار العسكر والإسلام السياسى. ولا تعنى المقاطعة أن نترك الثورة المضادة فى سلام وهدوء لتقوم بتمرير وفرض دستورها وإجراء استفتاءاتها وانتخاباتها الپرلمانية والرئاسية بل تعنى عرقلتها من خلال الفعل الثورى المتواصل فى الميدان لرفض وإفشال فرض الدستور الإسلامى الاستبدادى ومؤسسات دولة الثورة المضادة العسكرية والإسلامية والليبرالية التى تُكرِّس المسار التشريعى والقانونى لتصفية الثورة. ذلك أن العملية الدستورية والمؤسسية الجارية ليست فقط لبناء دولة الثورة المضادة بل هى أيضا لتدمير وتصفية مؤسسات وأدوات وروح الثورة الشعبية وديمقراطيتها الوليدة من أسفل.
4: فكيف يمكن قبول ذلك؟ وهل نعيش بدون دستور ومؤسسات دولة؟ هل نعيش فى غابة؟ والحقيقة أننا عشنا طوال عقود طويلة وإلى الآن فى غابة حقيقية؛ فى ظل دستور لا يستحق هذا الاسم وفى ظل مؤسسات استبدادية حيث لا وجود لأحزاب حقيقية ولا لپرلمان حقيقى، بل عشنا فى ظل الدولة الپوليسية والعسكرية والمخابراتية، فى ظل دول أجهزة ما يسمَّى بالدولة العميقة (وفقا لتعبير سياسى مستورد من تركيا) داخل الدولة. ولم يشفع أو ينفع دستورٌ ولم تشفع أو تنفع دولة أو مؤسساتها. ولكنْ مرة أخرى: هل نعيش دون دستور ودون مؤسسات دولة؟ ولكن كل مَنْ تحدثوا عن "الدستور أولا"، ويستعجلون إصدار دستور جديد، تجاهلوا ويتجاهلون أنه يوجد دستور بالفعل، هناك دستور معطَّل فى سياق التفافٍ من جانب العسكر على شعار دستور جديد ديمقراطى طالبت به الثورة، وهناك دستور يتمثل فى الإعلان الدستورى التأسيسى المستخرج بركاكة فظة من الدستور الدائم المعطَّل، وتجاهلوا ويتجاهلون أن الدستور المتوقع سيكون دون شك أسوأ من الدستور المعطل وأسوأ حتى من الإعلان الدستورى التأسيسى مادام يجرى طبخه بسرعة محمومة بمعرفة العسكر وجماعة الإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى، على حين أن إعداد الدستور الذى يمكن أن يمثل مصلحة شعبية حقيقية يحتاج ليس فقط إلى وقت طويل بل فى المحلّ الأول إلى مزيد من تطور الديمقراطية الشعبية بما يتيح، إلى جانب الإطاحة بالحكم العسكرى الدينى الحالى، فرض إرادة الشعب وديمقراطيته الشعبية إلى أقصى حد ممكن على صياغة الدستور الجدير بوصف الجديد والذى يمكن أن يكون إطارا ملائما لتطور هذه الديمقراطية الشعبية من أسفل. والحقيقة أن المبالغة فى أهمية إصدار الدستور فى أسرع وقت ممكن لا مبرر لها فلن يكون لنا بهذه الطريقة دستور أفضل من دستور السادات بتعديلات مبارك ثم المجلس الأعلى. بل لدينا دستور ولدينا مؤسسات دولة ينبغى إحلالها من خلال حركة ديمقراطية حقا. ولا ترمى المحاولات المحمومة الحالية من جانب الإسلام السياسى إلا إلى الانتزاع الخاطف، من خلال غزوة أو حرب خاطفة، لدستور إخوانى سلفى ولمؤسسات تشريعية (پرلمانية)، و(تنفيذية) رئاسية، وقضائية خاضعة للسلطة التنفيذية، بدعاوى عريضة حول دستور ومؤسسات لإقامة دولة الثورة والديمقراطية والحرية والعدالة أو ما شئتَ أو شئتِ من تسميات وأوصاف. إن ما يجرى الآن هو العمل على توطيد وترسيخ نظام الإسلام السياسى تحت سيطرة قيادة القوات المسلحة "من داخل ثكناتها"، ولا مصلحة للشعب فى المساعدة بالمشاركة فى صُنْع قيوده وأغلاله الدستورية والمؤسسية بيديه.
5: وبدلا من التركيز على الاستقلال الواسع النطاق عن النظام الحالى والحكم الحالى، على استقلال الأحزاب والنقابات والروابط والاتحادات والحركات والقضاء والصحافة وغيرها من خلال الفعل الثورى والديمقراطى وحتى الليبرالى يجرى التركيز على الإصلاح ليس فقط من خلال المشاركة بل حتى من خلال أشكال من التحالفات والائتلافات الانتخابية مع الإسلام السياسى من جانب القوى السياسية وحتى الثورية، إنْ جاز القول، كما رأينا فى الانتخابات الپرلمانية والرئاسية المنصرمة. غير أن السؤال يبقى معلَّقا: هل نعيش بدون دستور ومؤسسات دولة؟ ولكننا مرة أخرى كنا وما نزال نعيش فى ظل دساتير ومؤسسات؛ فلماذا لا نريد تجديدها بهذه الطريقة وبهذه السرعة؟ وتتمثل الإجابة البديهية فى أن لدينا بالفعل دستورا ودولة فهل من العقل أن نستميت فى سبيل الحصول على دستور أسوأ وعلى مؤسسات دولة "أنْيَل"؟ ما المصلحة فى هذا الآن؟ ما مصلحتنا فى إصدار دستور إخوانى سلفى يحكمنا وفى انتخاب مجلس شعب إخوانى سلفى يشرِّع لنا قوانين جديدة تقوم على شريعة دين الدولة بدلا من السلطة التشريعية التى يتمتع أو يشقى بها الآن الرئيس الإخوانى "المنتخب" الحالى الذى سوف يبقى معنا حتى بعد الدستور الجديد والپرلمان الجديد، أىْ حتى بعد "التمكين" المنشود إخوانيًّا؟
6: ولكنْ ألن تؤدى مقاطعتنا للمسار الذى تعمل الثورة المضادة العسكرية-الإسلامية على فرضه على الشعب إلى مساعدة مسار "تمكين" الاستقرار الاستبدادى الاستغلالى الرجعى الجديد؟ غير أن مقاطعتنا ليست مقاطعة اللامبالاة والتجاهل إزاء إصدار الدستور الإسلامى وبناء مؤسسات الدولة على أساسه بل هى مقاطعة تسمح لنا بالتركيز على الفعل الثورى الذى يسمح لنا جانب مهمّ من جوانبه المتعددة بالاستماتة فى عرقلة هذه العملية الدستورية السلطوية الفوقية الجارية بكل الوسائل الثورية السلمية وهى مقاومة أثبتت إلى الآن، رغم كل شيء، أنها فعالة للغاية. ولا تقوم بهذه المقاومة قوى الثورة وحدها بل تعمل لصالحها التناقضات والصراعات التى لا يمكن إنكارها بين النظام الحالى والقوى السياسية التقليدية بكل تعقيدات تلاوين أحزابها وتياراتها وحركاتها وفصائلها.
7: فهل يعنى كل هذا باختصار تسليمنا باستمرار حُكْم الإعلان الدستورى التأسيسى والرئيس محمد مرسى زمنا أطول قد يسمح للنظام الحالى بصقل وترسيخ أسسه وآلياته ودستوره ومؤسساته؟ ذلك أن عدم إصدار دستور يعنى استمرار "الدستور" الحالى والرئيس الحالى الذى يملك سلطة التشريع أيضا كما يعنى غياب الپرلمان (غياب مجلس الشعب بالذات) وكذلك استمرار التناطح المتصاعد الذى ينطوى على أخطار مفزعة بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية. على أن مشاركتنا فى هذا المسار المضلل لن تنقذ من هذه الأوضاع والأخطار. وإنما يتمثل الشيء الوحيد الجدير بالنضال فى سبيله فى دستور مختلف تماما عن هذا الذى يقوم ترزية الدساتير والقوانين بتفصيله، ومن المستحيل أن يكون الدستور المنشود محصلة للجهود التآمرية الشريرة الحالية. ويقتضى الواجب الثورى مجابهة الحكم الحالى والعمل على إسقاطه وتطوير مؤسسات الديمقراطية الشعبية من أسفل إلى مستوًى يجعل بمستطاعها فرض الإرادة السياسية والاجتماعية الشعبية على الدستور القادم والمؤسسات القادمة.
8: ولكن كيف ولماذا تورطت قوى الثورة فى الانزلاق والانسياق والانجراف وراء سرابات إصدار دستور جديد وبناء مؤسسات جديدة للدولة والتركيز على هذه السرابات الخادعة؟ وتكمن الإجابة فى تصور قوى الثورة عن طبيعتها ومهامها بوجه عام وعن معنى الديمقراطية بوجه خاص. فقد تصور الثوار أنه يوجد شيء اسمه الديمقراطية كبنيان فى صميم الدولة واندفعوا فى اتجاه التحقيق والتحقيق العاجل لهذا البنيان الديمقراطى للدولة. ولم يدركوا أن هذا من رابع المستحيلات؛ لماذا؟ لأن الدولة إنما هى نقيض الديمقراطية، ولأن الديمقراطية إنما هى نقيض الدولة.
9: وقد عاشت البشرية (قبل وأثناء ومنذ الديمقراطية الأثينية إلى الآن) فى كل مكان، وبالأخص فى مراكز حضارتها، تاريخيْن متناقضيْن للديمقراطية: التاريخ الأسطورى ("الوهمى المضلل") الذى أطلق على دول بعينها وبالأخص فى الغرب اسم الديمقراطية، ويعلم الجميع أن ما يسمى بالديمقراطية البرچوازية ليست سوى شكل من أشكال ديكتاتورية رأس المال. أما التاريخ الفعلى الحقيقى للديمقراطية فقد تمثل دائما فى نضالات وحركات ومؤسسات وأدوات كفاح الشعوب فيما يسمَّى بالديمقراطية من أسفل. ونجد فى كل بلد من البلدان المسماة بالديمقراطية ازدواجا بين واقعيْن اجتماعييْن متناقضيْن ومتصارعيْن: الديكتاتورية الرأسمالية لرأس المال ودولته من أعلى، والديمقراطية الشعبية من أسفل. ويتواصل، أمس واليوم، هذا الازدواج المنطوى على مستويات من الصراع تشهد الصعود والهبوط والركود والتفجُّر.
10: وهذان المساران المتوازيان الماثلان فى كل مجتمع طبقى لا تنطبق عليهما القاعدة الهندسية المتمثلة فى أن الخطين المتوازييْن لا يلتقيان فالخطوط الهندسية المتوازية يمكن أن تواصل مسيرتها الأبدية إلى ما لانهاية لأنه لا يجمع بينها شيء مشترك، أما المساران المتوازيان لطبقتيْن متصارعتيْن على المصالح فإن الشيء المشترك بينهما هو الاشتباك العدائى فى علاقات إنتاج استغلالية وبالتالى استبدادية وبالتالى فإنهما يلتقيان التقاء الصراع المتواصل اليومى والتاريخى، التاكتيكى والإستراتيچى. وفى سياق الثورة تعرف الثورة المضادة مسارها جيدا بفضل احتكارها للمعرفة بمختلف جوانبها وبفضل ثروتها التى تدافع عنها وتعمل على توسيعها وتُنفق منها على قمع الثورة بهدف تصفيتها. أما الثورة العفوية التلقائية الجنينية الوعى والمعرفة فإنها يمكن أن تضلّ الطريق وأن تتخبط فى متاهات وأن تغوص فى نفق مظلم وذلك بفضل افتقارها إلى المعرفة وحرمانها من الوعى والتنظيم. ولهذا تسير الثورة المضادة (ومن المنطقى أن تسير) فى مسار بناء مؤسسات دولتها وديكتاتوريتها على أساس دستورها، فيما تسير الثورة (ومن المنطقى أن تسير) فى مسار الديمقراطية الشعبية. وحتى عندما تنتهى الثورة كثورة يبقى هذان الواقعان المتوازيان اللذان يعمل كل منهما على توطيد أُسُسه فى سياق من الكر والفر، والدفاع والهجوم.
11: ومن الخير أن تعى ثورتنا حقائق الثورات والثورات المضادة وأن تسترشد بدروسها. إن ما يطور الثورة بديمقراطيتها الشعبية ويوسع ويرسِّخ مكاسبها ومنجزاتها لا يتمثل فى مشاركة الثورة المضادة فى إنجاز دستورها ومؤسسات دولتها بل يتمثل فى تطوير مستويات معيشتها ونوعية حياتها وأدوات نضالها فيما يُعرف بالديمقراطية الشعبية. والاشتباك قائم بين هذين المسارين المستقليْن المتوازييْن ولكنْ المتقاطعيْن عند ألف نقطة ونقطة. ذلك أن الثورة والثورة المضادة تعملان كل واحدة منهما من ناحيتها على توطيد نفسها وإضعاف وإفشال خصمها (أىْ عدوها الطبقى).
12: وإذا كان هذا يتفق مع طبيعة الأشياء فإن الثورة مادامت تقوم بتطوير نضالاتها ومكاسبها لن يضيرها أن يستمر لمزيد من الوقت إعلان دستورى تأسيسى استبدادى ولن ينفعها إصدار دستور إسلامى إخوانى سلفى، ولن تتحرر منهما لصالح دستور ديمقراطى حقا إلا عندما يكون بمستطاع الديمقراطية الشعبية أن تمثل "رقما صعبا"، كما يقال، فى صياغة الدستور المنشود. ونعود إلى سؤال السبب فى تورط قوى الثورة فى مسار الإلحاح على إصدار الدستور وإنهاء الحكم العسكرى وبناء مؤسسات الدولة. وكل هذا مطلوب ومنشود بطبيعة الحال أما ما يثير الدهشة فإنه تجنيد الثورة لطاقات كبرى ليس لتطوير الثورة وترسيخ الديمقراطية من أسفل بل للتغيير السريع لبنيان الدولة وفقا لرؤية مضللة فحواها إنهاء الحكم العسكرى حتى إنْ تمثَّل البديل فى الحكم الإخوانى السلفى، وإجراء انتخابات مجلسىْ الشعب والشورى، والانتخابات الرئاسية فى سبيل تسليم السلطة مهما كان البديل. أضفْ إلى ذلك أن هذه الرؤية الثوروية لم تدرك أن الإطاحة بالحكم العسكرى مهمة كبرى وأن التسليم الشكلى للسلطة لرئيس منتخب ليس من شأنه إنهاء السيطرة الفعلية لقيادة الجيش على السلطة من وراء الكواليس ومن داخل الثكنات! وبنفس المنطق يخشى الكثيرون أن تقع مصر فى وضع الفراغ الدستورى فى حالة العجز عن إصدار الدستور والاستفتاء عليه وإقراره وإجراء الانتخابات الپرلمانية على أساسه فى التوقيت الذى قرَّره الإعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس محمد مرسى. والحقيقة أن فزاعة الفراغ الدستورى لا ينبغى أن تُفزعنا فقد اعتدنا على دساتير ووعود وعهود وساعات صفرية تلاعب ويتلاعب بها حكامنا ويجدون مخارج آمنة يتعللون بها بعيدا عن احترام موعد أو مراعاة الوفاء بوعد.
13: والحقيقة أن بنيان الدولة غير قابل لأن يكون ديمقراطيا فى صميم تكوينها والمطلوب محاصرة استبدادها واستغلالها بالديمقراطية الشعبية. والحقيقة أن ثورتنا بدأت بتحقيق خطوة جبارة حيث أطاحت فى خطوة واحدة كبرى بحكم الطاغية حسنى مبارك، الأمر الذى جعل قوى الثورة تتصور أنه لا يوجد سقف لمطالبها وأهدافها وأحلامها بحكم طبيعة الثورة ذاتها، وكأننا قمنا بثورة شيوعية ماركسية وكأن هذه الأخيرة ممكنة محليا مهما كانت طبيعة العصر مواتية أو غير مواتية على المستوى العالمى فمن البديهى أن الثورة الشيوعية الماركسية أممية بطبيعتها؛ وكان من المنطقى أن يقترن هذا بالمبالغة المنفلتة الساخنة الرأس فى مغزى حركة "احتلُّوا وول إستريت".
14: ويعتقد كثيرون أن ثورة 25 يناير 2012 قضت نهائيا أو ستقضى نهائيا على حكم العسكر الذى استمر فى مصر قرابة ستين سنة منذ انقلاب 23 يوليو 1952 العسكرى. وكنا قبل ذلك فى الحقيقة تحت الحكم العسكرى البريطانى مع الملوك التابعين للاستعمار، ونحن الآن تحت حكم العسكر المحليِّين التابعين (من داخل ثكنات الجيش) بالتحالف مع الحكم الإسلامى الإخوانى السلفى التابع. ولا يمكن القضاء، مهما كانت التضحيات، على الحكم العسكرى قبل إعداد البديل المتمثل فى رأسمالية تابعة تحكم بوسائل ليبرالية مع رسوخ أقدام الديمقراطية الشعبية الوليدة من أسفل.
15: والدرس البالغ الأهمية هو تركيز الفعل الثورى الجبار على توطيد الديمقراطية الشعبية من ناحية والعمل من ناحية أخرى على الإطاحة بحكم العسكر والإخوان المسلمين والسلفيِّين، وإفشال مخططات إصدار الدستور الإسلامى الاستبدادى وكذلك العملية الجارية لبناء مؤسسات دولة الثورة المضادة؛ بعيدا تماما عن المشاركة فى هذه العملية المشئومة. وبعبارة أخرى فإن الدرس المستخلص من التاريخ والنظرية ومن تجربتنا الخاصة منذ قرابة عاميْن يتمثل فى مقاومة دستور الثورة المضادة من خارج جمعيته وإفشال بناء مؤسسات الثورة المضادة من خارج استفتاءاته وانتخاباته ومختلف تدابيره وإجراءاته. ويعنى هذا: المقاومة والإفشال والإطاحة بالمقاطعة وليس بالمشاركة، بالفعل الثورى وليس بالانتهازية والذيلية إزاء الإسلام السياسى الذى يطفو على واجهة النظام. ومن الواجب أن تنتبه القوى السياسية والثورية إلى أن ميولها نحو التوافقية والمهادنة وكل هذه السخافات هى التى تُضعف موقفها وفاعليتها فيما تقوم بتقوية وفرعنة الإخوان المسلمين والسلفيِّين الذين يمثلون واجهة الحكم العسكرى. والتصعيد فى العمل والخطاب هو الوحيد الكفيل بتقوية هذه القوى السياسية بدلا من المهادنة التى أدت حتى بثوريِّين وتقدُّميِّين كثيرين إلى التحالف الذيلى مع الحملة الانتخابية للإخوان المسلمين والحملة الانتخابية الإخوانية المنشقة بزعامة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. وفى حالة استمرار الخطاب السياسى الفاتر والمواقف التوافقية والذيلية من جانب القوى السياسية إزاء الإسلام السياسى فإن هزيمتها ستكون مضمونة من جديد.
16: على أن هناك ما يخيف حقا فى التطورات السياسية الجارية فى مصر فى الوقت الحالى. هناك استقطاب حاد بين قوى الإسلام السياسى (رغم تناقضاتها الداخلية) والقوى السياسية المتنوعة المناوئة لهذا الإسلام السياسى والتى تعبر عن مجموعة واسعة متناقضة المصالح بدورها من الطبقات الاجتماعية. وفى هذا السياق يسلك الإخوان المسلمون سلوكَ مُحْدَثى النعمة فيعملون على سرعة الاستيلاء على كل شيء تمهيدا "للتمكين" ويعتمدون خطابا مليئا بالتحدى والازدراء والصلف والمشى فى الأرض مرحا مع أنهم لن يخرقوا الأرض ولن يبلغوا الجبال طولا. ولهذا دخلت جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها وحزب حريتها وعدالتها ورئيس جمهوريتها فى صراع عدائى متعدد الأطراف بصورة شاملة. خصومة حادة مع الثقافة والصحافة والإعلام، مع القضاء بمختلف مستوياته بما فى ذلك المحكمة الدستورية العليا والنائب العام، مع الأزهر، مع المسيحيِّين"، مع المدنيين والعلمانيِّين واليساريِّين، مع المهنيِّين من معلمين وأطباء وغيرهم متجاهلين مطالبهم، ومع أقوى قوة وهى تلك التى تتمثل فى الطبقة العاملة والجماهير الشعبية والفقيرة متجاهلين مطالبها العادلة، مع شن حملة افتراء وتشويه واسعة ضد الجميع. ولا يسلك مثل هذا السلوك سوى قوة سياسية مستعدة للذهاب إلى الحرب بصورة لاواعية وهم لا يشعرون. وهناك السلفيون الذين تجاوزوا كل الخطوط الحمراء فى علاقاتهم بغير حلفائهم الإخوان المسلمين. وتمارس هذه السلفية المتعددة الفصائل والأطياف غزوات المليونيات للترويع، وتعلن رموزٌ من رموزها نواياها بوضوح مفزع. فإذا لم يأت الدستور منسجما مع مطالبهم المتعلقة بمكانة الشريعة الإسلامية فإنهم مستعدون، كما يعلنون، للقتال والتضحية بأرواحهم، ويتخذون موقفا عدائيا تكفيريا إزاء القوى المدنية والعلمانية وحتى إزاء الآثار الفرعونية التى يعلنون نوايا هدمها بصراحة صاعقة، ويتخذون موقفا عدائيا وعدوانيا وهجوميا إزاء المسيحيِّين ويرتكبون جرائم ضد الأقباط وغيرهم من المسيحيِّين، وحتى ضد أقليات دينية صغيرة مثل المصريِّين الشيعة أو ميكروسكوپية مثل المصريِّين البهائيِّين. ويتوالى اكتشاف مخازن أسلحة متطورة بالمقارنة بأسلحة فترات الإرهاب السابقة، وبدأت معركة صوملة سيناء عندما وصل تهميشها وإفقارها وما يلازمهما عند درجة بعينها من نشاط الجماعات الجهادية، وتتواتر تقارير عن نشاط واسع لتنظيم القاعدة فى سيناء وباقى مصر.
17: وهكذا تتجمع فوق أرض مصر غيوم قاتمة، وتوشك قوى ظلامية غاشمة أن تنزلق بالبلاد إلى مالا يُحْمَد عقباه. فكيف نتفادى أخشى ما نخشاه، أىْ الانزلاق إلى حرب أهلية طاحنة لا تُبقى ولا تذر؟ والحقيقة أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية واجه الثورة بالالتفاف حول شعار إسقاط النظام بالإطاحة فى انقلاب عسكرى بالرئيس حسنى مبارك، فاستطاع بذلك تفادى الانزلاق إلى حرب أهلية مثل ليبيا أمس وسوريا إلى اليوم. وبهذا سارت مصر فى طريق التصفية التدريجية (رغم المذابح البشعة المتعددة) بعيدا عن طريق الحرب الأهلية. ولا شك فى أن الجنون المتوقع فى مواجهة ثورة من جانب رئيس الجمهورية فى سياق ما يسمَّى بحكم الشخص يمكن أن يورط النظام والشعب فى حرب أهلية جنونية مجنونة ما لم يكن وضعه داخل النظام ضعيفا ومزعزعا نتيجة لبعض العوامل وهذا ما يمكن أن يؤدى إلى عجزه عن تسخير مقدرات وأجهزة النظام لحماية نظامه ويؤدى بالتالى إلى تخلُّص مؤسسات النظام منه لإنقاذ النظام. ولم يكن وضع مبارك داخل عصابته قويا مثل وضع الأسد داخل عصابته أو القذافى داخل عصابته. ولهذا كان هذان الأخيران قادريْن على شن الحرب الأهلية حتى النهاية التى حدثت فى ليبيا وتوشك على الحدوث فى سوريا، على حين أن محاولة مبارك لشن الحرب على الشعب باستخدام قوات وأجهزة وزارة الداخلية انتهت بهزيمة تلك الوزارة، واستطاع الجيش بفضل اهتزاز وضع مبارك أن يقوم بانقلابه متفاديا بذلك الحرب الأهلية ومدشِّنا طريق التصفية التدريجية. وعندما يعجز جنون الحاكم الطاغية عن مواصلة السيطرة على قوى وأجهزة نظامه فإن الطريق يصير مفتوحا إلى التخلص منه. والحقيقة أن خيار تفادى الحرب هو الخيار المنطقى من جانب نظام ما لم يسيطر تماما الجنون الأنانى للحاكم المطلق. فلماذا لا يفكِّر جيش عاقل فى شن حرب خاطفة حاسمة بأقوى أسلحته لاستعادة النظام؟ والإجابة: لأن خيار الحرب جنون، فهى لا تكون خاطفة (إلا إذا انتصر الشعب على الجيش بسرعة كما كان الأمر فى إيران)، ولا تكون لصالح الجيش، بل لا مناص من أن تؤدى حرب أهلية بين نظام وشعب إلى تدمير البلاد ومعها الطبقة الحاكمة ودولتها وسلطتها ونظامها لصالح تكوين طبقة رأسمالية جديدة تماما.
18: وبفضل استيعاب سريع لهذا الدرس من تاريخ الثورات بفضل دهاء من جانب قادة جيشنا، أو من جانب حلفائهم الأمريكيِّين، كان خيار الانقلاب على مبارك بعد تورطه الفعلى الجنونى فى طريق الحرب الأهلية هو الخيار الأمثل للنظام ولكنْ أيضا للشعب والثورة اللذين لا يمكن أن تكون لهما مصلحة فى الحرب الأهلية وأهوالها وفظائعها ولا يمكن أن تجلب لهما حربٌ كهذه ميزة من أىّ نوع كالوصول إلى السلطة مثلا. وهناك مَنْ يشكر للرئيس المخلوع استقالته بدلا من الحرب الأهلية ضد شعبه؛ وهذا تجاهُل لحقيقة أن مبارك كان قد بدأ الحرب باستخدام وزارة الداخلية التى هزمتها وكسرتها الثورة الشعبية السلمية كما أن إيقاف جنونه كان نتيجةً لدخول الجيش على الخط بتصوُّر مختلف تماما فارضا عليه الاستقالة. وهناك من يشكر للجيش تفاديه للحرب الأهلية غير أن هذا الموقف من جانب قيادة الجيش لم يكن بدافع حبها للشعب بل كان على وجه التحديد لإدراكها بفضل دهاء محلى أو مستورد أن الحرب الأهلية خطيرة على النظام قبل أن تكون خطيرة على الشعب والثورة، مع احتمالات انقسامات وانشقاقات فى الجيش فى حالة استمرار الحرب الأهلية. ورغم المذابح والجرائم المروعة التى ارتكبها المجلس الأعلى للقوات المسلحة مدعوما بالموقف الداعم من جانب الإسلام السياسى، استطاع هذا المجلس مواصلة تفادى الحرب الأهلية، غير أنه قام، بفضل جهله وسوء أدائه، وبتحالفه مع الإسلام السياسى مسترشدا بالرؤية الأمريكية، بخلق البيئة الملائمة تماما للانزلاق على أيدى الإخوان المسلمين والسلفيِّين والجهاديٍّين والقاعدة إلى حرب أهلية صارت محتملة ما لم تنجح المقاومة السلمية للثورة، ولكل القوى السياسية التى تُدرك الوجود الفعلى لخطر الحرب الأهلية، فى الإطاحة بأقصى سرعة ممكنة بالحكم الإخوانى السلفى. ومن الجلىّ من ناحية أن السلفيِّين والجهاديِّين والقاعديِّين لا يدركون أن نار الحرب الأهلية سوف تحرقهم أيضا فيمن تحرق، ولا يشعرون بأىّ مسئولية إزاء سلامة الشعب أو الوطن، وردُّهم على كل سؤال هو شرع الله، ولهذا فإن جماعاتهم وأحزابهم تنطوى على خطر الخراب العاجل، ولا يبدو أن الإخوان المسلمين يستطيعون أو يريدون السيطرة على تأمين تفادى الحرب الأهلية تأمينا حتى لنظامهم.
19: ومن الضرورى أن تبتعد القوى السياسية والتقدمية واليسارية والديمقراطية والمدنية والعلمانية وقوى الثورة الشعبية عن التركيز على أكذوبة الدستور ومؤسسات الدولة، وأن تركز على العكس من ذلك على سرعة إفشال العملية الدستورية الانتخابية برمتها، وعلى الإطاحة بالرئيس غير الشرعى، وبمجلس الشورى، وبالأحزاب الإسلامية غير المشروعة وفقا لدستورهم، وبالطبع بالجمعية التأسيسية للدستور، وبالطبع بجماعة الإخوان المسلمين وبالجماعات الإسلامية الأخرى. ومن الجلىّ أن جريمة العسكر فى هذا الشأن تتمثل فى أن تحالفهم مع الإخوان المسلمين والسلفيِّين قد جعل التخلص من قوى الإسلام السياسى صعبا للغاية. وكان إيقافهم بعيدا عن الحكم وبناء مؤسسات الثورة المضادة ممكنا بعد الثورة لولا رؤية العسكر والأمريكان التى اعتبرت التحالف معهم ضد الثورة ضرورة لا طريقة لتفاديها وتفادِى مقتضياتها مهما كان الثمن. والحقيقة أن ثورة التطلعات والتوقعات التى فُتحت أمام الإخوان المسلمين والإسلام السياسى من خلال تحوُّلهم ليس فقط إلى أحزاب مشروعة بل إلى السيطرة الپرلمانية الساحقة وإلى الصعود إلى رئاسة الجمهورية بسلطات فرعونية من الناحية الرسمية (وإنْ كان كل هذا تحت السيطرة الفعلية لقيادة الجيش) تجعل إيقاظهم من واقع وحلم اليقظة أمرا ينطوى على خطر الانفجار. وكيف نتصور غير هذا؟ كيف نتصور أن من الممكن أن تتخلَّى جماعة الإخوان المسلمين بسهولة عن سلطة الدولة التى استولت عليها للمرة الأولى بعد أكثر من ثمانية عقود؟!
20: والحقيقة أن مصر الآن أشبه بقطار فقد سائقُهُ السيطرة على قيادته بكل ما ينطوى عليه ذلك من أخطار وأهوال، وفى غياب قوى تقدمية كبيرة ومنظمة وواعية صار من الضرورى تطوير الثورة وقواها بسرعة بعيدا عن المؤامرة الدستورية (وبالطبع مع مقاومتها باستماتة) وعقد تحالفات على أساس تفادى الحرب الأهلية من خلال الإطاحة بالنظام العسكرى الإسلامى الحالى بين القوى السياسية الثورية والتقدمية والعمالية والمهنية والقضائية وأنواع يسارية أو تقدمية من الليبرالية، هذه القوى التى يمكن أن تشارك بقوة فى تحقيق مهمة تفادى الحرب الأهلية عن طريق الإطاحة السلمية بحكم الإخوان المسلمين والإسلام السياسى.
21: ويقتضى نجاح هذه المعركة السياسية السلمية الالتزام المطلق من جانب كل القوى المشاركة فيها بطابعها السياسى السلمى على طول الخط. ذلك أن من المنطقى تماما أن يبتعد كل مَنْ يريد تفادى الحرب الأهلية عن الانزلاق إلى أىّ ميول إلى العنف يساعد على صبّ الزيت على النار وإشعال حريق مدمر للجميع. وقد يتصور أحدٌ، على النقيض من ذلك، أن من الذكاء والدهاء والسلوك السياسى المتزن أن تختار القوى الثورية موقف تفادى الحرب عن طريق ترك الإخوان والسلفيِّين يفعلون ما يشاءون بدلا من الصدام معهم بما يؤدى بالضرورة إلى العنف المتبادل القابل للتحوُّل شيئا فشيئا إلى حرب أهلية. والحقيقة أن ما هو غير منطقى فى هذا المنطق يتمثل فى أنه أقصر طريق إلى إقامة الدولة الدينية الإسلامية وتمكين ديكتاتوريتها البشعة ككل حكم دينى، إسلامى أو غير إسلامى طوال التاريخ، وإلى تكاثُر الاتجاهات الجهادية الأكثر تطرفا فى هذه البيئة الحاضنة المواتية، ... هذه الاتجاهات التى يمكن أن تنزلق بالبلاد فى اتجاه حرب أهلية جرى توهُّم تفاديها بالتراجع أمام قوى الإسلام السياسى، مع أن من شأن السلوك السياسى العنيف لهذه الاتجاهات الجهادية المتطرفة، كما نرى كل يوم، ينطوى فى حد ذاته على خطر فرض حالة من الإرهاب الواسع النطاق بدعوى تطبيق الشريعة الإسلامية ومن السهل أن تنزلق هذه الحالة إلى حرب أهلية فى سياق دولة تغوص أقدامها فى صَوْملة شاملة ليس للمناطق الحدودية وحدها، كما يحدث الآن فى سيناء، بل حتى لعُمْق العاصمة.
12 نوڤمبر 2012












10
غزة وما بعد غزة
1: بدأت إسرائيل أمس حربا مكثفة، جوية وبحرية مع احتمال كبير لتطورها إلى اجتياح برى، ضد قطاع غزة، وسط استعدادات واسعة حول غزة والضفة الغربية، مع إعلان نوايا التوسيع، رغم إعلان إسرائيل على لسان رئيس وزرائها ووزير دفاعها فى مؤتمر صحفى بعد بدء العملية العسكرية بساعات معدودة أن هذه العملية قد حققت معظم أهدافها المتمثلة فى تدمير البنية التحتية للقدرات الصاروخية لحماس والفصائل الأخرى، واستهداف حياة أحمد الجعبرى القائد العسكرى لكتائب القسام وغيره من الشهداء ومنهم مدنيون وحتى طفلان. ومن ناحية فصائل المقاومة فى غزة فقد تم إعلان "فتح أبواب الجحيم" على إسرائيل (كتائب القسام)، وتتواتر أنباء عن قيام فصائل المقاومة فى غزة بمواصلة قصف مناطق فى إسرائيل منها تل أبيب بصواريخها، بالإضافة إلى قصف الزوارق والبوارج الإسرائيلية وإصابة بارجة منها، وتتواتر أنباء عن سقوط قتلى وجرحى إسرائيليِّين.
2: وتتوالى ردود الأفعال العربية التى من المنطقى ألَّا تتجاوز الإدانة والشجب واستدعاء السفير للتشاور أو حتى سحبه وطلب اجتماع مجلس الأمن وكذلك اجتماع الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، وكل هذا دون تأثير يُذكر مطلقا على التطورات على الأرض. لماذا؟ ليس فقط بسبب اختلال علاقات القوة العسكرية بين إسرائيل والعرب منفردين ومجتمعين، وليس لانشغال البلدان العربية المسماة بدول الطوق (أىْ الدول المحيطة جغرافيا بإسرائيل دون أن تشكِّل أىّ طوق سياسى أو عسكرى) بأزماتها وصراعاتها وحروبها الداخلية، بل لأن حكام البلدان العربية جميعا، ودون تمييز، ملتحقون كذيول بالتحالف الأمريكى الإسرائيلى، فحليف أمريكا إنما هو أيضا حليف لإسرائيل، حتى رغم أنفه. وهذا يعنى أن التحالف الطبقى العالمى الذى يجمع فى صفوفه الإمپرياليات والبلدان التابعة لها بقيادة الإمپراطورية الأمريكية، رغم أىّ تناقضات أو صراعات أو خروج على النص، هو الذى يقف وراء موقف مصر أو غيرها، ويأتى هذا الموقف الإستراتيچى التابع قبل اعتبارات علاقات القوة العسكرية بين مصر وإسرائيل، وكذلك قبل الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل مصر. أما موقف الإدارة الأمريكية فإنه قاطع الوضوح: إدانة إطلاق صواريخ حماس وتأييد حق إسرائيل فى الدفاع عن النفس!
3: ومن المنطقى بالطبع أن تخرق إسرائيل من وقت لآخر الهدنة المعقودة بينها وبين فصائل المقاومة الفلسطينية لتدمير قدرات صاروخية تتراكم لديها ولتختبر قُبِّتَها الحديدية وباقى أسلحتها الجديدة، الهجومية والدفاعية. ومنذ حربها على غزة، فى 2008، أىْ منذ أربع سنوات، لم توجِّه إسرائيل ضربة إستراتيچية بهذا الحجم إلى غزة، فمن المنطقى أن تقوم بمثل هذه الضربة الجديدة. غير أن مسألة التوقيت تظل مُثارة. وهناك تفسير للتوقيت بالانتخابات الپرلمانية الإسرائيلية الوشيكة حيث من المحتمل أن تصبّ فى مصلحة تحالف نتانياهو-ليبرمان وفى مصلحة إيهود باراك، الذى تدهور موقفه الانتخابى تماما، رغم أن هذا ليس مضمونا تماما كما تدلّ تجارب سابقة خسر فيها الحزب الحاكم فى إسرائيل الانتخابات الپرلمانية بعد "حرب انتخابية". غير أن هناك تفسيرات أخرى منها التحرُّك الفلسطينى الوشيك فى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على عضوية فلسطين فيها، فيما تهدِّد إسرائيل بإسقاط محمود عباس فى حالة إصراره على هذا التحرُّك، ومنها وجود مؤامرة إيرانية سورية لإشعال حريق جديد لتخفيف الضغط العربى والإقليمى والدولى عن سوريا، ومنها رغبة إسرائيل فى اختبار السلوك السياسى لدول "الربيع العربى" وبالأخص مصر، ومنها إضعاف الحكم الإخوانى وإفهامه حدوده فى سياق ترويضه وأمركته وصهينته. ومنها تفسير يذهب إلى حد وجود مؤامرة إسرائيلية أمريكية حماسية إخوانية تهدف إلى تحقيق ترانسفير فلسطينى من غزة إلى سيناء وترانسفير فلسطينى آخر من الضفة الغربية إلى الأردن فى حالة نجاح تطورات الثورة الشعبية الأردنية فى الإطاحة بالنظام الملكى هناك. ولما كان من الصعب إقرار أىّ تفسير للتوقيت دون دليل قاطع فإننا نكتفى بالإشارة إليها بعناصرها الحقيقية والوهمية، وبالإشارة إلى أن النتائج الفعلية للحرب الجديدة قد تتفق مع تفسيرات مزعومة؛ وعلى سبيل المثال فإن حرب غزة يمكن بلا جدال أن تسرق الضوء من الصراع الدموى فى سوريا. ومهما يكن من شيء فإن ردود الفعل العربية بالغة الهزال كعادتها، وتهلِّل جماعة الإخوان المسلمين للرئيس محمد مرسى بوصفه صلاح الدين الأيوبى الجديد لأنه استدعى السفير، وهو أمر فعله الرئيس المخلوع مبارك قبله غير مرة، ولم يقل أحد إنه صلاح الدين الأيوبى بل كثرت مزايدات جماعة الإخوان المسلمين عليه فى ذلك الحين. ودعت مصر، وغيرها إلى انعقاد مجلس الأمن مع أنه كان من المعروف مسبقا أن الڤيتو الأمريكى جاهز هناك، وإلى انعقاد الجامعة العربية على مستوى الوزراء ربما لإثراء الخُطَب العنترية التى لا ينافسنا فيها أحد. والحقيقة أن مبارك قام أيضا بفتح معبر رفح وسمح هذا بفرار معظم سكان قطاع غزة، وربما قياداتهم السياسية والعسكرية فيما يقال، إلى سيناء. ومن المحتمل أن يتكرر نفس السيناريو فقد فتح مرسى ذلك المعبر كما فعل مبارك من قبل، وعلى كل حال فإن هذا هو "سقف" حكام مصر من مبارك إلى مرسى؛ على طريق مبارك. على أن السلطات المصرية قامت بإغلاق معبر رفح البرى فى أعقاب قيام قوات الاحتلال الإسرائيلى باستهداف الجانب الفلسطينى من ناحية المعبر بصاروخين انفجرا بجواره مساء اليوم.

4: وتأتى الحرب الجديدة على غزة وسط تطورات عديدة تسهِّل على إسرائيل مهمتها العدوانية: فقد جعلت الثورة المضادة فى بلدان "الربيع العربى" الدم العربى رخيصا للغاية عالميا وإقليميا وحتى عربيا، بل سيكون الدم الفلسطينى المسفوك فى مثل هذه الحرب أقل غزارة دون شك بالمقارنة مع ما حدث ويحدث فى ليبيا وسوريا؛ حتى كنسبة وتناسُب، كما يُقال. وهناك تطورات كبيرة للثورة الشعبية فى الأردن قد تغرق فى الدم دفاعا عن العرش الذى ظل يحميه تاريخ من العنف الدموى الإجرامى عند الضرورة. ورغم دور الإخوان المسلمين فى قيادة تلك التطورات فإنه لا ينبغى أن ننسى أن ثورة رفع أسعار المشتقات النفطية ليست سوى موجة من موجات من ثورة شعبية أدت إليها الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية فى الأردن كما حدث فى غير الأردن. وهناك توتُّر سورى إسرائيلى فى هضبة الچولان ما تزال أبعاده غامضة وبالأخص من حيث احتمال دخول إسرائيل على الخط "على هامش" التطورات فى سوريا. وهناك، على وجه الخصوص، الموقف فى سيناء.
5: وقد تعددت الاعتداءات الإسرائيلية على جنودنا فى سيناء، كما تشهد سيناء تحوُّلا سريعا إلى منطقة تَجَمُّع إستراتيچى لجماعات سلفية وجهادية مسلحة متطرفة وهناك وجود متعاظم حتى لتنظيم القاعدة، فى سياق حرمان وإفقار و"صوملة" سيناء، وقد شهدنا فى أغسطس الماضى اعتداءً على حياة جنودنا هناك راح ضحيته كثيرون فى عملية يُعتقد أنها تمَّتْ على أيدى عناصر مصرية وفلسطينية وربما مع جنسيات أخرى، بلغ عددها 35 عنصرا، كما قيل، ويُعتقد أن عناصر منها جاءت عبر الأنفاق من قطاع غزة بالتنسيق مع عناصر من داخل حدود مصر، وكان هناك تدخُّل عسكرى إسرائيلى سريع حاسم، كما تمَّ مؤخرا إطلاق صواريخ على إسرائيل من سيناء، بالطبع على أيدى إحدى هذه المجموعات المسلحة. وقد ارتفعت أصوات فى إسرائيل تدعو إلى احتلال شريط حدودى فى سيناء لتطهيرها من الجماعات المسلحة، غير أن مصر تنفى هذه التأكيدات الإسرائيلية. على أن صلة مصر بالحرب على غزة بالغة التعقيد والحساسية والدقة. ونشير قبل كل شيء إلى دقة موقف الرئاسة المصرية (التى لا تكاد تُحِسُّ بشيء على كل حال على طريقة "وِدْن من طين ووِدْن من عجين") بسبب صلتها المباشرة فى هذه الحرب، فقد قامت إسرائيل بتوظيف الرئاسة المصرية فى طمأنة ما يُسمَّى بحكومة حماس المُقالة على تراجُع إسرائيل عن ضرب غزة وكانت الرئاسة المصرية هى التى نقلت هذه الرسالة التى خدعت حماس والفصائل الأخرى بحيث لم تتخذ أىّ إجراءات أمنية مناسبة لتأمين قياداتها وصواريخها وتحذير سكانها. كما أن غزة تقع على الحدود المصرية مع فلسطين المحتلة، ومسئولية مصر عنها (وعن باقى الأراضى العربية المحتلة) كبيرة لأنها كانت قبل حرب 1967 (التى أضاعتها مع غيرها) وديعة لدى مصر، ويمكن لأىّ حرب إسرائيلية على غزة أن تتحول إلى تهديد لما يسمَّى بالأمن القومى المصرى، ومع أن هذه العبارة ظلت بلا معنى فى عهود جميع الرئاسات المصرية المتعاقبة منذ انقلاب 1952 العسكرى، فإن الجانب العملى الآن هو احتمال اشتباكات إسرائيلية مع الجماعات المسلحة فى سيناء داخل الأراضى المصرية فى حالة قيامها بأىّ تحرُّك ضد إسرائيل؛ ولا شك فى أن التعزيزات العسكرية والحدودية التى وجَّهتها مصر إلى هناك ذهبت فى المحل الأول لمنع أىّ تحرُّك يستفزّ العدوانية الإسرائيلية ضد سيناء بصورة مُحْرِجة لمصر التى ستقف عاجزة أيضا حتى فى هذه الحالة عجزا مُخزيا. ولا تشفع ولا تنفع بهلوانيات الرئاسة المصرية التى قررت إرسال هشام قنديل رئيس مجلس الوزراء على رأس وفد رفيع المستوى للتضامن مع أهالى غزة.
6: فماذا تملك فصائل المقاومة فى غزة، وماذا يملك أهالى غزة، لمواجهة العدوان الإسرائيلى الذى لم يَعُدْ يوجد مجال لتفاديه والذى يتواصل وسيتواصل إلى أن تنتهى كل عناصر المهمة المقدَّرة لها من جانب إسرائيل؟ ويجبرنا الميزان العسكرى المعروف بين الطرفيْن المتحاربيْن إلى أن نستنتج سلفا أن نفاد ما بقى من صواريخ غزة بإطلاقها أو ضربها سيعنى الشلل التام من جانب فصائل المقاومة فى غزة، ولهذا فإنها ليست حربا بين إسرائيل وغزة بل هى حرب إسرائيلية على غزة. ولا تملك الدول العربية، ولا تملك مصر المعنية مباشرة بالحرب على حدودها، سوى الخُطَب العنترية. ولا تملك منظمة التحرير سوى المناشدات، ولا تملك تركيا سوى عبارات نارية وعلى الأكثر إجراءات غير مؤثرة، كما أن إيران التى تتباهى بقدرتها على محو إسرائيل من الوجود، بينما تمتنع عن ذلك بدلا من أن تفعل وتُريحنا من إسرائيل نهائيًّا، وهو الأمر الذى له دلالته، لا تملك سوى الشجب والإدانة، وناهيك بحزب الله (سبحانه وتعالى) الذى أبلى بلاء حسنا فى حرب 2006 (رغم إقدامه على مغامرة كانت بالغة الضرر على لبنان الذى صار مقيَّدا باتفاقية دولية نتيجةً لتلك الحرب التى قال الشيخ حسن نصر الله بعدها ما مؤدَّاه أنه لم يكن ليخطف الجنود الإسرائيليِّين لو توقَّع رد فعل إسرائيلى على هذا المستوى الحربى الواسع النطاق) والذى يعلن أنه قادر على تدمير إسرائيل دون أن يفعل ليُرِيحنا منها؛ ولا شماتة بالطبع فقد أوصلتنا الإمپرياليات والرأسماليات التابعة إلى هذا الدرك الأسفل على سُلَّم التقدم، من الناحية المادية ومن ناحية العقلية. وباختصار فإن الحرب ستؤدى (بعد أن تضع أوزارها) إلى إجبار فصائل المقاومة الفلسطينية على عقد هدنة جديدة بشروط أقسى. والحقيقة أن الشعب الفلسطينى (وكذلك المقاومة الفلسطينية) صار يعيش معركة مجرد البقاء فى انتظار أهوال الترانسفير القادم لا محالة، مع اتجاه القضية الفلسطينية (رغم كل عدالتها ونبلها) إلى التحوُّل إلى مجرد قضية إنسانية، فيما يجرى إغراق مصر فى بحر قضايا أكثر جدية مثل زواج البنت فى التاسعة وحتى فى السادسة، ومضاجعة الفراق، وحكم الشريعة بكل أحكامها وحدودها (بما فى ذلك قطع اليد اليمنى للسارق الصغير أسوة بالمملكة العربية السعودية).
7: وقد جرى بالفعل استدعاء السفير المصرى لدى إسرائيل احتجاجا، كما غادر السفير الإسرائيلى مصر بعد تسليمه رسالة احتجاج من الخارجية المصرية، وطلبت مصر عقد اجتماع لمجلس الأمن، وجرى حديث بين أوباما وكلٍّ من رئيس الوزراء الإسرائيلى والرئيس المصرى، وأعلن البيت الأبيض أنه فى سياق حديث أوباما-مرسى التليفونى اتفق الرئيسان، المتبوع والتابع، على العمل على منع تصعيد الموقف فى غزة، وفى السياق نفسه أدان أوباما إطلاق الصواريخ من غزة، ودافع عن حق إسرائيل فى الدفاع عن النفس، ولم نعرف ما إذا كان رئيسنا، حفظه الله، تمتم موافقا أم برطم متلعثما بتحفُّظ ما، أم لاذ على الأرجح بالصمت الرهيبِ، بالصمت الرهيبِ، رغم الحريق الذى شبَّ فى صدره أو شاخ. وجلب تقييم بعض قيادات الإخوان المسلمين لاستدعاء مرسى للسفير على رئيسنا المفدَّى تشبيها مستحقًّا دون شك ﺑ صلاح الدين الأيوبى. الأمر الذى يمكن أن يدفعنا بالمقابل إلى تشبيه نتنياهو ﺑ ريتشارد قلب الأسد! وهذا بالطبع هو "السقف" الذى لا يستطيع الرئيس مرسى أن يتجاوزه. لماذا؟ للأسباب المعروفة التى أشرنا إليها أعلاه.
8: ولا نستطيع إلا أن نعذر الرئيس وحزبه وجماعته على هذا التقصير، غير أن من الواجب تذكيرهم بمزايدات وقيادات جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأسهم مرشدهم السابق على تقصير مبارك أثناء عملية الرصاص المصبوب فى 2008. فلماذا نعذره؟ بالطبع نعذره فى شيء واحد وهو أنه لا يستطيع (وبالطبع لا يريد) القيام بمواجهة عسكرية مع إسرائيل، ولكننا لا نعذره مطلقا، كما لم نعذر مَنْ سبقوه، على التحالف الذيلى مع التحالف الأمريكى الإسرائيلىّ الذى يردعهم عن اتخاذ خطوة إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل (1979)، ليس دفاعا عن غزة بل قبل كل شيء دفاعا عن مصر والمنطقة ودفاعا بالطبع عن المناطق الفلسطينية المحتلة فى 1967 حيث تتحمل مصر بالذات مسئولية ضياع غزة التى كانت وديعة لدى مصر والضفة الغربية التى كانت وديعة لدى الأردن، لأن مصر انزلقت إلى الحرب دون استعداد عسكرى؛ ذلك الموقف الذى أعطى إسرائيل فرصة ذهبية لإعادة مصر والعالم العربى نصف قرن أو قرنا إلى الوراء. وعندما عقدت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل، تنصَّلت من مسئوليتها المباشرة والكاملة عن الاحتلال الإسرائيلى للضفة والقطاع فى سبيل قضمهما وهضمهما، بحجة رفض الفلسطينيِّين والعرب لمبادرة السلام التى أطلقها السادات.
9: فبماذا نطالب حكامنا الجدد الآن، من أجل مصر، ومن أجل "الجبهات" الأخرى مع إسرائيل، وبالطبع من أجل الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن الناحية الإستراتيچية من أجل تدمير دولة إسرائيل؟ لا ينبغى بالطبع أن نطالب بالحرب لتحرير سيناء وغزة والضفة الغربية ومرتفعات الچولان. لماذا؟ لأن هذا سيكون تكرارا منا للخطأ القاتل فى 1967 عندما حاربنا دون استعداد عسكرى حقيقى، وكما رأينا فإن المحصلة المنطقية الوحيدة لمثل هذه الحرب دون استعداد هى الهزيمة الساحقة، ولا يمكن الإقدام على مثل هذه الحرب دون أن تسيطر علينا ميول مازوخية كتلك التى ربما سادت لدى القادة السياسيِّين والعسكريِّين المصريِّين الذين كانوا يفهمون بصورة كافية حقيقة ميزان القوة بين إسرائيل ومصر فى 1967. وفى حرب 1973 حُوسِبَتْ مصر سياسيًّا على فاتورة هزيمة 1967 وليس على الانتصار المزعوم فى تلك الحرب التى كانت تُوصَف فى ذلك الحين فى صحافة الدولة ذاتها بحرب اللانصر واللاهزيمة. ومن ناحية أخرى، ينبغى أن ندرك أن الحرب النظامية مع إسرائيل فاشلة الآن، ولزمن طويل، بل بالغ الطول، لأن مصر لا تتقدم إلى الأمام بل ترجع إلى الوراء بسرعة مدوِّخة مع باقى بلدان العالم الثالث، فيما تزداد إسرائيل من ناحية القوة العسكرية. بالإضافة إلى أن النظام الحاكم منذ الخمسينات إلى الآن يقف عقبة كؤودًا وسدًّا عاليا فى طريق حرب شعبية لتحرير سيناء وباقى الأرض العربية من الاحتلال ومن أحكام وترتيبات معاهدة السلام التى عقدتها مصر مع إسرائيل وتلك التى عقدتها الأردن معها. على أنه توجد الآن فرصة تاريخية أمام مصر لإلغاء معاهدة السلام بعد مناقشة مجتمعية واسعة لأن الأمر جد لا هزل. ولأننى طرحتُ هذه الفكرة منذ أكثر من عام (20 سپتمبر 2011) فى الفقرة 25 من مقال "الثورة المصرية الراهنة طبيعتها وآفاقها" فإننى أكتفى باستدعائها فى الفقرة التالية، مع أن إلغاء المعاهدة لن يكون سهلا ولا سريعا ولا مؤثرا على التطورات المباشرة الحالية فى غزة. ولا شك فى أن إلغاء المعاهدة سيجرّ علينا موقفا أمريكيا وغربيا، اقتصاديا وسياسيا، عدوانيا غير أن نظاما مصريا أفضل يمكن أن يستفيد من التناقضات القائمة بين الدول الصناعية فيأخذ من هذا ما لا يستطيع أن يأخذه من ذاك، وبالعكس.
10: الفقرة 25 من مقال "الثورة المصرية الراهنة طبيعتها وآفاقها": وكان من المنطقى أن يثير العدوان الإسرائيلى على حدودنا وجنودنا ردّ فعل عميق لم يقتصر على الاحتجاج الأول الذى تقرَّر بعد مواجهاته بناءُ الجدار العازل الاستفزازى الذى قاد إلى الاحتجاج الثانى عند السفارة وهدم الجدار وما تلا ذلك بل امتد إلى طرح معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر (المعقودة فى 1979) للنقاش واحتدم الجدال بين المطالبة بإلغاء تلك المعاهدة والاكتفاء بالمطالبة بتعديل بعض بنوده لخدمة السلام بين مصر وإسرائيل (كما يُفْهَم من تصريحات عصام شرف). والحقيقة أن الموقف المبدئى من المعاهدة لا يحتاج إلى نقاش، ذلك أنه ينطبق على معاهدتنا مع إسرائيل المبدأ الذى نشأنا على ترديده بخصوص وعد بلفور "مَنْ لا يملك أعطى لمن لا يستحق"، فليس من حق مصر الاعتراف بقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين التى لا تملكها مصر بالطبع، غير أن الموقف العملى اللاأخلاقى الذى قاد إلى عقد تلك المعاهدة كان يتمثل فى العجز عن مواجهة إسرائيل عسكريا وفى الضرورات الاقتصادية والاجتماعية التى دفعتْ السادات إلى الارتماء فى أحضان الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص والغرب بوجه عام بالإضافة إلى الميل الطبيعى لدى الرأسمالية التابعة المصرية للتعاون والتحالف وحتى التكامل فى نهاية المطاف مع الرأسمالية العالمية وإسرائيل. وكان السادات يسير فى هذا المجال على طريق عبد الناصر الذى كان قد وافق على قرار مجلس الأمن رقم 242 وعلى وقف إطلاق النار على أساس مبادرة روچرز، وكان موقف كلٍّ من عبد الناصر و السادات و مبارك من بعدهما استمرارًا لموقف حركة 1952 إزاء إسرائيل. ذلك أنه كان هناك إدراك كامل لعجز النظام المصرى عن مواجهة عسكرية بهدف القضاء على إسرائيل وذلك لأسباب تتعلق ليس فقط بالقدرة العسكرية بل كذلك بالحاجة إلى أمريكا والغرب سياسيا واقتصاديا ولهذا تقرر عدم التفكير فى تحرير فلسطين جريا وراء الشعارات السائدة فى المنطقة آنذاك. غير أن مصر الناصرية كان عليها أن تواجه ليس إسرائيل فقط بل كذلك بريطانيا وفرنسا فى سياق مؤامرة العدوان الثلاثى، ووقعت الهزيمة العسكرية التى خفَّف منها الانتصار السياسى، وحَرَّرَ من الاحتلال الإسرائيلى لسيناء رفضٌ أمريكىٌّ حاسم لذلك الاحتلال كما اقتضت المصالح الأمريكية آنذاك فى سياق السلوك الملائم لأمريكا كقوة استعمارية جديدة تعمل على أن تحل محل الاستعمار القديم. وبعد قرابة عقد من الزمان وبالتحديد فى يونيو 1967 وقعت الهزيمة الكبرى التى لم يكن هناك ما يمكن أن يخفف منها أو يحرِّر من الاحتلال الناشئ عنها. وتحت شعار "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة"، جرى قبول وثائق التسوية مع الاستعداد لحرب تُحَرِّك عملية التوصل إلى السلام نشبت فى أكتوبر 1973. وبعد سنوات من تلك الحرب وفى أوضاع داخلية متأزمة وفى أعقاب انتفاضة 18 و19 يناير 1977 الشعبية، بدأ اتجاه السادات نحو مبادرته التى انتهت بكامپ ديڤيد ومعاهدة السلام فى عام 1979. ونصَّت المعاهدة التى قايضت الأرض بالسلام على أساس قرارىْ مجلس الأمن 242 (22 نوڤمبر 1967) و 338 (22 أكتوبر 1973) على الاعتراف المتبادل وإنهاء حالة الحرب والحدود الآمنة والعلاقات الطبيعية مقابل الانسحاب الإسرائيلى على مراحل بالإضافة إلى قيود ثقيلة (وفقا للمادة الرابعة التى تجيز تعديل ترتيبات أمنية وردت فى الفقرتين 1 و2 منها) على الوجود العسكرى والأمنى المصرى فى سيناء باعتبار سيناء بكاملها منطقة عازلة لحماية إسرائيل مع فتح قناة السويس ومضيق تيران وخليج العقبة أمام مرور السفن الإسرائيلية، ومع اشتراط موافقة مجلس الأمن بشرط إجماع الدول الخمس ذات العضوية الدائمة من خلال التصويت "الإيجابى" وبالطبع مع تمركز قوات ومراقبين من الأمم المتحدة فى سيناء، بالإضافة إلى حظر توقيع أىّ اتفاقية تتناقض مع هذه المعاهدة. ويدور الجدال الآن حول المفاضلة بين تعديل المعاهدة وإلغائها كليًّا. ويعنى ما سبق ضآلة ما يجوز تعديله وتفاهته وصعوبته وفقا للمادة الرابعة من المعاهدة. غير أن التخلص النهائى من هذه المعاهدة المشينة المفروضة على مصر بإلغائها النهائى هو الهدف الإستراتيچى للشعب المصرى، وعلى هذا الشعب أن يقوم بهذا دون إبطاء حالما تسمح به الظروف التى قد لا تتكرر فى مستقبل قريب. والحقيقة أن المعاهدة كانت قد فُرضت على مصر فى ظل أوضاع سياسية وإستراتيچية كانت قائمة فى مصر والعالم. كان هناك انسحاب مطلوب لا يمكن أن يتم بدون معاهدة "الأرض مقابل السلام"، وكان هناك تنافس إستراتيچى أمريكى سوڤييتى على المنطقة وقد انتهى الآن، والأهم أن إسرائيل كانت تُحارب بالإصالة وبالوكالة لإعادة دول المنطقة إلى الحظيرة الأمريكية وقد تحقق هذا الهدف بالفعل، ولم تَعُدْ الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة احتلال إسرائيل لسيناء لإعادة مصر إلى حظيرتها، فقد أُعِيدت مصر بالذات إلى تلك الحظيرة منذ وقت طويل، ومعنى هذا أن الولايات المتحدة التى لن تتخلى مطلقا عن إسرائيل وتوسُّعها لأنها الأكثر ضمانا من باقى دول المنطقة، لن تؤيد مع ذلك أىّ احتلال إسرائيلى جديد لسيناء ولا أىّ حرب جديدة تشنها إسرائيل على مصر، رغم أن خطاب الرئيس الأمريكى إلى رئيس الوزراء الإسرائيلى والمُرْفَق بالمعاهدة يُجِيز لإسرائيل إعادة احتلال سيناء بمساعدة عسكرية أمريكية. وأعتقد أن رد فعل إسرائيل على إلغاء المعاهدة لن يتجاوز شن حملة دعائية واسعة ضد مصر مع مقاضاتها دوليًّا، خاصة وأنها تدرس عن كثب الحروب الأمريكية فى أفغانستان والعراق والأزمة مع إيران وحربها على لبنان وعلى غزة مع أىّ احتمالات لا يمكن استبعادها مع سوريا وتستخلص منها العِبَر الرادعة بالفعل. هذا تقديرى، غير أن خطورة وحساسية هذه المسألة تدعو إلى فتح مناقشة واسعة فى مصر ولفترة كافية حول مختلف التقديرات قبل اتخاذ أىّ قرار بإلغاء المعاهدة. فنحن لا ندعو إلى مغامرة مثل مغامرة عبد الناصر فى 1967 بل ندعو إلى التخلص من العواقب الوخيمة لتلك الحرب التى كانت هذه المعاهدة من نتائجها. على أنه ينبغى أن يكون واضحا أن أىّ قرار بإلغاء المعاهدة لن تتخذه الدولة المصرية دون ضغط شعبى هائل ومتواصل يجبرها على ذلك. وهناك بالطبع مَنْ يرون أن الثورة ينبغى أن تركِّز على تطوراتها وعملياتها الخاصة فلا ينبغى أن تشتت جهودها فى اتجاهات شتى لتحقيق أهداف يمكن تحقيقها بعد عدة سنوات، ويبدو أن مثل هذا الرأى ينطلق من تصوُّر مؤداه أن الثورة سوف تسيطر فى نهاية المطاف على السلطة فى مصر فى أجل قريب، غير أن هذا قد يكون أملا بعيد المنال. وقد يقول قائل إن إصرارى على المناقشة الواسعة والعميقة لمختلف التقديرات الخاصة برد الفعل الإسرائيلى والأمريكى قبل اتخاذ قرار بإلغاء معاهدة السلام يعنى أننى أضحِّى على المستوى النظرى بالموقف المبدئى ضد حق إسرائيل فى الوجود فى حالة وجود احتمال حرب إسرائيلية أمريكية جديدة ضد مصر بدلا من إلغائها فى كل الأحوال. وردِّى هو أن "ثورة" 1952 قد خلقت أمرا واقعًا جديدا بهزيمة 1967 والمعاهدة التى ترتبت عليها ولا يمكن التحرُّر من هذا الأمر الواقع عن طريق حرب تقود إلى هزيمة جديدة بالنظر إلى موازين القوة. ويقتضى هذا التحرُّر أحد أمرين إما انتهاز فرصة تاريخية كهذه التى أراها الآن بإلغاء المعاهدة على أساس هذا التقدير بأن هذا الإلغاء لن يؤدى إلى الحرب وإما الانتظار إلى أن تختلف موازين القوة لأنه لا ينبغى الذهاب إلى حرب بحثا عن هزيمة كما فعلت مصر فى 1967. على أننى لا أضحِّى بأىّ موقف مبدئى فمن الواضح أننى أدعو هنا على العكس إلى إلغاء المعاهدة على أساس تقدير محدَّد (20 سپتمبر 2011).
11: وسيخرج الشعب المصرى (مع كل الشعوب العربية) لإدانة إسرائيل وعدوانها الإجرامىّ على الشعب الفلسطينى الأعزل أو شبه الأعزل، ولن يطالب أحدٌ دولنا العربية أو مصر بالذات بالتحرُّك العسكرى إلا من باب المزايدات على حكم الإخوان المسلمين والإسلام السياسى. وبالطبع فإن مصر مسئولة عن غزة ومعنيَّة بالحرب على حدودها، غير أن مصر التى لم تستطع أن تحرِّر سيناء لا بالحرب، ولا بمعاهدة السلام التى أنهت سيادتها على سيناء، مصر التى عجزت عن الدفاع حتى بكلام قوى ضد العدوان الإسرائيلى على جنودنا أو مجنَّدينا على الحدود، مصر التى عجزت عن نجدة نفسها، ستظل عاجزة عن نجدة غيرها، وفاقدُ الشيء لا يعطيه! وإلى أن يأتى اليوم الذى تحقق فيه مصر استقلالها الحقيقى عن الإمپريالية العالمية بقيادة الإمپراطورية الأمريكية، بفضل تقدُّم تاريخى عن طريق التصنيع الجذرى السريع والتحديث الشامل فإن مصر ستظل كسيحة على كل المستويات، دون أن تكفّ عن البغبغة المتواصلة عن عظمة أم الدنيا التى لم تَعُدْ كذلك!
15 نوڤمبر 2012








11
عملية "عَمُود السَّحَاب"
وأقدار مصر وسيناء وغزة
1: ركَّز كثيرٌ من المحلِّلين على موضوع "التوقيت" ("توقيت الحرب الإسرائيلية على غزة")، بطريقة تؤدى إلى تضخيم عامل التوقيت إلى حدٍّ يُوحى أحيانا بأن الوجود المتزامن لعدد من الظروف لم يكن فقط "سبب" .. "توقيت" الحرب، بل كان "سبب" الحرب ذاتها، بمعنى أن ظروفا اجتمعت معا دافعةً إسرائيل إلى الذهاب إلى الحرب. ولا شك فى أن ظروف وأسباب وعوامل "التوقيت" عديدة. ذلك أنه مهما كان العامل الذى يدفع إسرائيل إلى الحرب أصلا ويحدِّد أيضا توقيتها فإن من المستبعد أن تذهب إلى الحرب قبل أن تأخذ فى اعتبارها عوامل ظرفية تساعد وتشجِّع على توقيت محدَّد ملائم وعوامل ظرفية أخرى رادعة أو معرقلة أو غير مواتية لتوقيت بذاته.
2: ومن العوامل التى أشرتُ إليها فى مقالى "غزة وما بعد غزة" (منذ أقلّ من أسبوع)، عوامل حقيقية فعلية وعوامل من نسج الخيال الشعبى الذى تندمج فيه المخاوف المبرِّرة مع أحاسيس هاجس المؤامرة. وعلى سبيل المثال فإن فرضية خطة إيرانية سورية حمساوية لاستفزاز إسرائيل إلى حرب على غزة تخفِّف من الضغوط العربية والإقليمية والدولية الحالية على سوريا تبدو غير مقنعة، فما مصلحة حركة حماس فى تدمير بنيتها هى الأساسية مقابل أىّ ثمن تدفعه لها إيران (مع أن إيران بالطبع هى مصدر تسليح غزة)؟ ثم أين الاستفزاز الكبير الذى قامت به حماس لإسرائيل إلى حدًّ يدفع إسرائيل إلى الذهاب إلى الحرب رغم تكلفتها المادية والبشرية؟! ورغم الرعب الذى لا مناص من أن يعيش فيه سكان جنوب إسرائيل أياما وربما أسابيع رغم الفاعلية المحدودة لصواريخ المقاومة. ولا تبدو مقنعةً كذلك فرضية المؤامرة الإسرائيلية الأمريكية الحمساوية المصرية لترحيل سكان غزة إلى سيناء كوطن بديل، فرغم الاحتمال المنطقى تماما لوجود خطة إسرائيلية أمريكية مشئومة تهدف إلى الاستيلاء على سيناء فى مرحلة ما لترحيل سكان غزة إليها، وفى مرحلة تالية للتوسع الإسرائيلى المباشر، فإنه لا يمكن أن يبدأ تنفيذ خطة كبرى كهذه دون إعداد المناخ العربى والإقليمى والدولى الملائم لتمريرها وبطريقة بالغة الوضوح وليس فى السرّ. وهناك بالطبع مصلحة تحالُف نتانياهو-ليبرمان ومصلحة إيهود باراك، فى حرب يخرجون منها أبطالا قُبَيْلَ الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة، وهناك رغبة إسرائيل فى إحباط وإفشال التحرُّك الفلسطينى الوشيك فى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على عضوية فلسطين فيها، وهناك رغبة إسرائيل فى اختبار السلوك السياسى لدول "الربيع العربى" وبالأخص مصر، وهناك رغبة إسرائيل فى ترويض وصهينة وأمركة حكم الإخوان المسلمين فى مصر. وهناك بالطبع احتمال مهم أيضا وهو احتمال إعداد إسرائيل لحرب ربما رأتْها محتومة ووشيكة ضد إيران بضرب غزة (وربما حزب الله) لكىْ لا تكون شوكة فى قدمها عند بدء الحرب.
3: غير أن هناك عاملا يتمثل فى الطابع "الدورى" للعدوان الإسرائيلى لتحجيم وتقليص وتدمير القدرة العسكرية للمقاومة الفلسطينية فى غزة وبالأخص البنية التحتية للقدرة الصاروخية كلما تراكمت خلال عدد من أعوام هدنة متفق عليها أو هدنة بحكم الأمر الواقع. والآن وبعد عملية الرصاص المسبوك (27 ديسمبر 2008-18 يناير 2009) بأربعة أعوام تقريبا من المفهوم جدا أن يكون توقيت الحرب نابعًا من طابعها "الدورىّ" الضرورى ما دام من الصعب أن نتصور أن تقف إسرائيل مكتوفة الأيدى بدلا من المبادرة إلى تدمير القدرات الصاروخية المتعاظمة لفصائل المقاومة الفلسطينية فى غزة.
4: ويمكن القول إن المعادلة القائمة الآن تتمثل فيما يلى: غزة باقية تحت الحصار البرى والبحرى والجوى الذى تفرضه إسرائيل، وهى مُجبرة، بحكم علاقات القوة العسكرية بينها وبين إسرائيل، على الرضوخ لفترات من الهدنة الرسمية أو الفعلية، إلا أن قدرتها على التزوُّد بأسلحة وتصنيع أسلحة فى فترات الهدنة ليست معدومة. ومن خلال تهريب الأسلحة عبر أنفاق سيناء (وهى الأسلحة الآتية من إيران أو الآتية بتمويل إيرانى، كما أكد رمضان شلَّح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامى) وكذلك من خلال تزوُّد فصائل المقاومة الفلسطينية بالمعرفة التقنية فى مجال التصنيع المحلى لصواريخ وأسلحة أخرى، تستطيع هذه الفصائل أن تُعِيد بناء قدرتها وربما تحسينها وتطويرها. ورغم أن من مصلحة إسرائيل أيضا أن تتمتع بفترات الهدنة، ورغم اضطرارها أحيانا لأسباب ظرفية تمنع الهجوم على غزة مثل الرغبة فى سلامة الجندى الإسرائيلى الأسير شاليط إلى عقد هدنة ممتدة، إلا أنه لا مناص من لجوء إسرائيل من وقت لآخر إلى هجوم واسع النطاق على غزة لتدمير القدرة العسكرية التى تكون قد تراكمت فى فترة الهدنة. ومن هنا هذا الطابع "الدورى" للحرب على غزة لقطع الطريق على تطور قدرتها العسكرية حتى لا تشكِّل خطرًا ما على إسرائيل. وهذا هو العامل الرئيسى وراء الحرب وكذلك وراء تحديد توقيتها مع أخذ الأوضاع الظرفية الحقيقية فى الاعتبار.
5: وتحتاج إسرائيل أثناء الحرب، بطبيعة الحال، إلى مناورات ديپلوماسية تقوم بتوظيفها فى خداع فصائل المقاومة بإخفاء النوايا المتمثلة فى أنها لن توقف الحرب مطلقا قبل أن تحقق مهمتها "الدورية" التى يستحيل أن تتراجع عنها، ورغم إدراك هذه الفصائل لحقيقة النوايا الإسرائيلية المستنتجة من تجاربها السابقة مع إسرائيل، فإنها لا تمانع فى الاستجابة لمساعى استعادة وتثبيت الهدنة إذْ يداعبها بصيص أمل فى أن تكون ضغوط الوسطاء على إسرائيل قادرة على وقف العدوان. والحقيقة أن علاقات القوة العسكرية بين إسرائيل وفصائل المقاومة، رغم خطاب العنتريات، بل رغم استخدام القدرات الصاروخية وغير الصاروخية المحدودة الفاعلية على كل حال (بعض الأضرار المادية، سقوط عدد من الجرحى، سقوط عدد قليل من القتلى)، لا تحارب فصائل المقاومة حربها الدفاعية العادلة بصورة فعالة (مهما كانت البطولات والتضحيات) بل تظل تتلقَّى الضربات من الجو والبر والبحر إلى أن تكون إسرائيل قد حققت أهدافها من عمليتها العسكرية، فتكون مستعدة لعقد هدنة جديدة وتنفيذها. ومن هذا الثقب الضيق لحاجة كلٍّ من إسرائيل والمقاومة إلى وُسطاء يدخل هؤلاء لحمل الرسائل التخديرية الخداعية الخادعة للفلسطينيِّين والعرب فى المرحلة السابقة لتحقيق أهداف الحملة العسكرية، ولحمل الرسائل الحقيقية وإجراء المفاوضات الحقيقية بين الطرفين "المتحاربيْن" بعد تحقيق تلك الأهداف.
6: ومن البداية إلى النهاية يدخل الوسطاء على الخط، ويتمثل الوسيط الرئيسى، الطبيعى والمنطقى، فى حالة الصراع بين إسرائيل وحماس فى مصر. وتدفع مصر إلى الهرولة للوساطة عوامل متنوعة. ذلك أن مصر طرف أصيل فى الصراع بأسبابه ونتائجه فى كل الأحوال. فمصر هى الدولة الوحيدة ذات الحدود المشتركة مع غزة وإسرائيل عند نفس الخط، وتؤثر الضربات الإسرائيلية الموجَّهة ضد غزة على حياة ومبانى ومنازل رفح المصرية، وقد تحدث إصابات مباشرة محرجة لمصر، وقد تتطور الأمور إلى احتلال إسرائيلى مؤقت أو ممتد لمحور صلاح الدين (محور فيلادلفيا) وهو شريط من أرض غزة يمتد على طول الحدود بين غزة ومصر (بطول 14 كيلومترا)، وقد تحدث مطاردات إسرائيلية لجماعات جهادية فلسطينية أو مصرية فتشتبك معها داخل سيناء، ومما لا يمكن تفاديه أن يؤدى اجتياح برى محتمل على نطاق واسع إلى انتقال سكان غزة إلى سيناء كما حدث أثناء عملية الرصاص المسبوك منذ قرابة أربعة أعوام، وتقوم السلطات المصرية فى الوقت الحالى بإقامة معسكرات فى شمال سيناء لاستقبال اللاجئين المحتملين من غزة بدلا من تركهم أياما أو أسابيع فى العراء فى برد الشتاء القارس، كما حدث فى العملية السابقة. فمصر إذن متورطة بصورة أو بأخرى فى الحرب، وفى هاجس المخططات الإسرائيلية لسيناء، والأخطر، فى سياق هذا الهاجس، أن يمتد الحصار الإسرائيلى لسكان غزة من غزة إلى سيناء عند نزوحهم إليها، وأن تصير سيناء مسرحا للحروب الإسرائيلية "الدورية" على سكان غزة فى سيناء. ورغم أن سيناء تحت الحصار الإسرائيلى أصلا وفقا لمعاهدة السلام فإن التزام مصر ببنود المعاهدة كان يجعل سيناء بمنأى عن عمليات عسكرية إسرائيلية إلا فى حدود ضربات محدودة عند الضرورة كردّ فعل على نشاط يمس إسرائيل فى سيناء.
7: وفى حالة تحوُّل سيناء إلى غزة الجديدة (وفقا لهاجس منتشر الآن فى مصر) ستكون مصر إذن (شاءت أم أبتْ) فى اشتباك عسكرى ممتد بمستويات متعددة مع إسرائيل، غير أن هذا الاشتباك العسكرى الممتد مع إسرائيل قابل للحدوث حتى بدون نزوح فلسطينى من غزة: مع المزيد من صوملة سيناء وسيطرة المنظمات الجهادية المتطرفة المسلحة على مناطق أمامية فى سيناء.
8: ومن المهم أن نقف هنا قليلا لنتأمل مسألة الحصار وما يسمَّى (بلاغيًّا) بإنهاء أو كسر الحصار. هناك حصار إسرائيلى صارم على كلٍّ من الضفة الغربية وقطاع غزة وكذلك على سيناء. وهو حصار مفروض على هذه الأراضى الثلاث بنفس المنطق ولنفس الهدف، وهو حصار لا سبيل إلى فكِّه طالما استمرت علاقات القوة الحالية بين إسرائيل من جهة والفلسطينيِّين والمصريِّين من جهة أخرى. ذلك أنه حصار يتمثل هدفه المشترك فى أمن إسرائيل وأمانها وتأمينها وتحصينها من أىّ هجوم فلسطينى أو مصرى، كبُر أم صغُر.
9: وتماما مثل حصارها على كلٍّ من الضفة الغربية وقطاع غزة، تفرض إسرائيل حصارها على سيناء وفقا لمعاهدة السلام، وهو حصار لا يمكن إنهاؤه أو كسره إلا بإلغاء معاهدة السلام، وهو أمر لا يمكن تصوُّره فى ظل غياب الإرادة السياسية والقدرة العسكرية من جانب مصر. ولا يقتصر حصار سيناء على مناطقها الأمامية، بل يشمل الحصار سيناء كلها التى تقع شرقىّ قناة السويس وفقا لبنود وترتيبات المعاهدة التى تجعل من سيناء منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل لضمان وتأمين أمن وأمان إسرائيل. ويرتبط حصار إسرائيل لسيناء ارتباطا وثيقا بمحاصرة مصر كلها فالمفروض عليها، بالإضافة إلى تأمين الحدود الآمنة والاعتراف بحق إسرائيل فى الوجود على أرض فلسطين (وهو وجود يمتد إلى أراضٍ اُحْتُلَّتْ فى يونيو/ حزيران 1967 بحكم الانسحاب من أراضٍ وليس من الأراضى) يشمل التطبيع، وعدم الدخول فى أىّ اتفاقيات أو معاهدات أو تحالفات تتعارض مع المعاهدة، كما تُحاصر إسرائيل الجيش المصرى بوقف نموِّه ما دام تسليحه وتدريبه موكولان إلى الحليفة الإستراتيچية لإسرائيل: الإمپراطورية الأمريكية، وتُحاصر الاقتصاد المصرى بحكم الارتباط الوثيق بين الالتزام بالمعاهدة والعلاقات الاقتصادية بين مصر والغرب الأمريكى والأوروپى، وكذلك بحكم العلاقات الاقتصادية المباشرة مع إسرائيل مثل اتفاقية تصدير الغاز إليها واتفاقية الكويز بشأن المكوِّن الإسرائيلى فى الصادرات المصرية إلى أمريكا دون جمارك أو حصص. وتتمثل غاية هذا الحصار العسكرى (وغير العسكرى) على سيناء كمنطقة عازلة بل على مصر كلها، على سيادتها وإرادتها وجيشها واقتصادها، فى إبقاء مصر عاجزة تماما وبصورة إستراتيچية مستقرة عن إزعاج أمن إسرائيل. غير أنه حتى إذا ظلت مصر كدولة عاجزة عن إزعاج أمن إسرائيل فإن التدهور المتواصل فى اتجاه صوملة سيناء بما فى ذلك تحوُّلها إلى مركز للجماعات الجهادية المسلحة وتنظيم القاعدة لن يعجز عن إزعاج الأمن المقدّس لإسرائيل. وهنا تقع مصر بين نارين: العجز عن أىّ مواجهة مع إسرائيل، والعجز عن تطوير سيناء مما يؤدى إلى صوملتها وبالتالى احتمال توريطها فى مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل.
10: وهذا الاحتمال وارد وقائم، كما سبق القول، بغزة وبدون غزة، بل حتى لو كانت غزة غير موجودة أصلا على الخريطة بين مصر وإسرائيل. وهنا تطفو على السطح أسطورة الأمن القومى المصرى. وقد برز هذا التعبير المضلل فى مصر بعد انقلاب 1952 العسكرى، حيث كان الأمن الوحيد القائم هو الأمن الإمپراطورى البريطانى فى مصر. ويتضح الطابع الأسطورى لهذا الأمن القومى المصرى المزعوم من حقيقة أن مصر ظلت بعد ذلك الانقلاب العسكرى منذ ستين عاما إما محتلة من يونيو 1967 إلى أپريل 1982، أىْ طوال 15 عاما (ولم تَعُدْ طابا إلى مصر إلا فى مارس 1989)، وإما تحت الحصار الذى أشرنا إليه منذ قليل بموجب معاهدة السلام (مارس 1979) أىْ بلا سيادة كاملة على سيناء وعلى مصر كلها إلى الآن، أىْ طوال قرابة ثلاثة وثلاثين عاما، وإلى أجل غير مسمًّى، أىْ أن مصر ظلت تحت الاحتلال وتحت حصار معاهدة السلام طوال 45 عاما من أصل 60 عاما منذ ما يسمَّى ﺑ "ثورة" 1952، بالإضافة إلى استمرار الاحتلال البريطانى حتى 1956، والإسرائيلى خلال فترة 1956-1957 نتيجة لحرب السويس، وهذه 6 أعوام أخرى، وهذا يعنى أن مصر لم تكن بدون احتلال عسكرى مباشر وبدون "احتلال" بمعاهدة السلام إلا فى فترة 1957-1967، أىْ حوالى 10 أعوام منذ "ثورة العسكر" إلى يومنا هذا، وقد شهدت هذه الأعوام أيضا التورط المصرى الذى بدأ فى 1962 فى حرب اليمن ولم يكتمل الانسحاب إلا فى 1970، وكانت مغامرة حرب اليمن من عوامل هزيمة 1967 والاحتلال الإسرائيلى، وليس هناك إذن سوى 5 أعوام بدون احتلال أو حرب ضاعت بدورها بجانبها الأكبر فى مغامرة الوحدة المصرية- السورية. وإذا كان التورط فى هاتين المغامرتيْن قد حدث فى إطار ارتباط "الأمن" القومى المصرى بالأمن القومى العربى والقضية القومية العربية والوحدة القومية العربية، وكذلك الانزلاق فى إطار نفس الارتباط الأمنى المصرى العربى إلى التورط فى حرب 1967 لحماية سوريا من حشود إسرائيلية مزعومة قيل إنها كانت تستعد للعدوان عليها، فإن كل هذا يوضح الطابع المتهافت لمقولة الأمن القومى المصرى بوصفها مجرد خطاب عنترى، والحقيقة أنه لا مكان بصورة حقيقية لصدق تعبير الأمن القومى أو الإمپراطورى إلا فى بلد صناعى متقدم حقا ومستقلّ حقا ويمتلك قدرة عسكرية ذات شأن.
11: ولتأمين أمن وأمان إسرائيل أيضا تحاصر إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة. وإذا كان الصوت العالى يتحدث عن حصار غزة (لأن العمليات العسكرية الواسعة ضدها هى الوحيدة الجارية ضد الشعب الفلسطينى منذ مواجهات الانتفاضتيْن الفلسطينيتيْن الكُبْرَيَيْن فى الضفة الغربية) فإن حصار الضفة الغربية بدوره قائم بل أشدّ خطورة أيضا. ذلك أن الضفة الغربية محاصرة بقوات جيش الدفاع الإسرائيلى من كل الجهات شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وتُحكم إسرائيل بالتالى سيطرتها على الضفة أكثر من غزة بفضل الحدود المشتركة بينها وبين مصر، ببوابة رفح وأنفاقها، وقد التهمت المستوطنات الفلسطينية أكثر من 40 فى المائة من أراضى الضفة الغربية، بالإضافة إلى تمزيق أراضى الضفة بمختلف التدابير الأمنية ومنها الجدار الفاصل. ويعتمد اقتصاد الضفة الغربية بجانبه الأكبر على إسرائيل من حيث التجارة والعمالة الفلسطينية فى إسرائيل. ومنذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارة) التى بدأت فى 8 ديسمبر 1987 واستمرت سنوات حتى اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية فى 1993، والانتفاضة الفلسطينية الثانية، أو انتفاضة الأقصى، التى بدأت فى 28 سپتمبر 2000 وصارت انتفاضة مسلحة واستمرت بدورها سنوات، وكانت محصلة هاتين الانتفاضتين آلاف الشهداء، وعشرات الآلاف من الجرحى،.. منذ هاتين الانتفاضتين... يعيش سكان الضفة الغربية حياة تشبه مجرد "البقاء"، عاجزين بحكم علاقات القوة عن التحرير، وعن وقف الاستيطان، فى انتظار غدٍ أحلك سوادًا من اليوم لا يحمل بشارة بل يحمل رياح الترانسفير العاتية خاصة فى حالة التمرد لسكان يمثلون قنبلة ديموجرافية فى نظر إسرائيل، فيما تُواصل السلطة الفلسطينية جهودها العبثية فى سبيل التوصُّل إلى تسوية للقضية الفلسطينية على أساس قيام دولة فلسطينية ضمن حدود 1967 بجوار دولة إسرائيل. ولضمان أمن وسلامة إسرائيل فإنه لا مناص من أن تظل الدولة الفلسطينية المنشودة فى الضفة والقطاع منزوعة السلاح، ولكىْ تبقى منزوعة السلاح بصرامة فإنه لا مناص من مواصلة الحصار الصارم إلى أن يأتى وقت الترانسفير (ذلك أن "لكل شيء زمانٌ ولكل أمر تحت السماوات وقت"، كما قال الجامعة فى الآية الكريمة الأولى من الأصحاح الثالث من سفره الشهير فى العهد القديم)، وفى حالة الترانسفير/ الترحيل سوف ينتقل الحصار إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن وإلى سيناء. ويعنى هذا بوضوح أنه طالما احتفظت إسرائيل بتفوقها العسكرى (وهى لا تستطيع الاستمرار فى مجرد البقاء بدون هذا التفوق) سيكون الحصار قائما متواصلا، وسينتقل إلى أراضٍ جديدة، مفروضا من إسرائيل التى ستكون قد ضمَّتْ إلى تربتها "القومية؟" المقدسة أراضى الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلة فى حرب 1967.
12: وينطبق على غزة نفس القانون المقدس المتمثل فى أن مقتضيات ضمان أمن وسلامة إسرائيل تُوجب الحصار الصارم على غزة، إلا أن غزة وسيناء مرتبطتان بالضرورة بحكم الجغرافيا منذ القِدَم، وبحكم الأساطير التوراتية المكوِّنة لأيديولوچيا الدولة اليهودية فى إسرائيل من النيل إلى الفرات، ولكنْ قبل كل شيء بحكم أمن إسرائيل الأكثر أهمية وقداسة من الجغرافيا والأيديولوچيا معا. وأسطورة إنهاء أو كسر الحصار عنصر أساسى فى بلاغة خطاب العنتريات الفلسطينية غير أنه لا سبيل إلى رفع الحصار ولا حتى إلى تخفيفه. ذلك أن التخفيف يتعارض مع الحصار الصارم الذى من شأنه أن يوقف تماما نموّ القدرة العسكرية للمقاومة الفلسطينية فى غزة؛ وفى سيناء الآن وفى المستقبل بعد الترانسفير (انظرْ المخطط الصهيونى لسيناء كما جاء فى التقرير الذى أعدَّه جيورا آيلاند مستشار الأمن القومى الإسرائيلى السابق لمعهد بيجن-السادات، والذى كشفت عنه الدراسة التى أعدها مركز الدراسات الإستراتيچية للقوات المسلحة المصرية بأكاديمية النصر).
13: وانطلاقا من الإدراك الواضح للأبعاد الخطيرة للصراع الإسرائيلى العربى (الفلسطينى-المصرى) تهرول مصر التى صارت على بيِّنة من قدرها الذى لا فكاك منه إلى الوساطة كلما نشب صراع فى غزة، بهدف إقرار صفقة تهدئة جديدة وعقد هدنة جديدة. وهى لا تملك إلا أن تستميت فى وساطتها من أجل وقف الحرب وإتمام صفقة عقد الهدنة الجديدة التى تتمناها طويلة بل حتى أبدية ("إنْ أمكنا")! ولكنها تحلُم أحلام يقظة عندما تتمنى الهدنة الطويلة وناهيك بالأبدية. فالهدنة الطويلة تسمح للمقاومة فى غزة بتطوير قوتها الصاروخية وغير الصاروخية. ولهذا فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية الدورية ضد غزة لن يوقفها سوى التوقف الكامل لنموّ القدرة العسكرية الصاروخية وغير الصاروخية لكل فصائل المقاومة الفلسطينية فى غزة. ولا يمكن ضمان ذلك إلا بواحدة من وسائل إستراتيچية كبرى تعيد إنتاج الأخطار ذاتها. أولى هذه الوسائل قيام إسرائيل باحتلال غزة من جديد مثلما تحتلّ الضفة الغربية لضمان وقف نموّ القدرة العسكرية غير أن إسرائيل لا تريد هذا الحلّ لارتفاع تكلفته المادية والبشرية بصورة تفوق طاقتها على الاحتمال حتى لأعوام تقوم فيها بترويض وتصفية المقاومة فى غزة كما فعلت بنجاح كبير فى الضفة الغربية بعد تحطيم انتفاضاتها مع دفع ثمن إسرائيلى بشرى ومادى كبير. وتتمثل الوسيلة الثانية فى قيام إسرائيل بإجراء فكّ ارتباط بينها وبين غزة بحيث يجرى عقد صفقة مع مصر تقوم مصر وفقا لها باستلام قطاع غزة كوديعة من جديد وبالتالى باحتلال غزة وتنفيذ المهمة الإسرائيلية المتمثلة فى وقف نموّ القدرة العسكرية للمقاومة الفلسطينية وترويض وحصار وتصفية هذه المقاومة، وهو سيناريو مستبعد لأن مصر لا تملك القدرة على هذا، بل لا تملك القدرة على ضبط الجماعات الجهادية فى سيناء، وكذلك لأن أىّ نظام حاكم فى مصر سوف يعانى من ردّ الفعل الشعبى المصرى والعربى والعالمى بحيث لا ينعم بالاستقرار والاستمرار ويؤدى إلى إسقاطه. والسيناريو الثالث هو الترانسفير/الترحيل إلى سيناء وهو سيناريو وارد بحكم الجوع الصهيونى إلى الأرض، والذى يشمل أراضى الضفة والقطاع، وبحكم الكثافة السكانية فى غزة، والتى تمثل أعلى كثافة سكانية فى العالم الأمر الذى يهدِّد بالضرورة فى مستقبل مرئىّ بالتدفق إلى خارج غزة وليس الاتجاه الوحيد الممكن سوى سيناء. وفى سياق هذا السيناريو الذى يوجد بالفعل مخطط إسرائيلى به، وهو ما يؤدِّى إلى أن ينتشر الآن، إنْ لم يكن يسود، فى مصر هاجس كابوسى بشأنه وبالأخص منذ بدء عملية "عَمُود السحاب". ويعنى هذا السيناريو الكئيب قيام إسرائيل ومصر معا بالمهمة الإسرائيلية المصرية المشتركة ضد سكان سيناء الفلسطينيِّين وسكان سيناء "الأصليِّين" ("المصريِّين") فى آن واحد. وكما سبق القول فإن هذا السيناريو مؤجَّل، فلا مفرّ إذن من أن تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية "الدورية" فى غزة، وأن تواصل مصر بدورها عملياتها العسكرية فى سيناء التى تستفحل صوملتها بكل أعراضها المسلحة الجهادية والقاعدية (مع أن الحل الأمنى الخالص مصيره الإخفاق)، مع باب مفتوح لاستمرار تدخلات عسكرية إسرائيلية، تكبُر أو تصغُر وفقا للضرورة، فى سيناء التى يجرى "الآن" تأكيدٌ إسرائيلى ونفىٌ مصرى لانطلاق صاروخ جديد منها نحو إسرائيل.
14: ومن المهم إبداء ملاحظة هنا، وهى تتعلق بمشاعر سلبية متزايدة تتولد وتتعاظم لدى كثير من المصريِّين ومنهم مواطنون من سيناء بسبب هاجس أطماع إسرائيل فى سيناء كوطن بديل لسكان غزة فى المرحلة الأولى، وهو سيناريو الترانسفير. وقد تضاعفت هذه المشاعر السلبية بسبب وجود الإخوان المسلمين فى الحكم هنا فى مصر وهناك فى غزة، بالإضافة إلى أشياء أخرى فى الخطاب المصرى على مستوى الرئاسة، منها أولوية خاصة لغزة يتكرر الحديث عنها بصورة تستفز كثيرين فى مصر على خلفية أزمات متنوعة فى مصر منها أزمة المشتقات النفطية. وأعتقد أنه لا مبرِّر لمثل هذه المشاعر؛ أولا: لأن سيناريو الترانسفير/ الترحيل لا يجرى تنفيذه فى الوقت الحالى فليس هناك خطر وشيك من هذا النوع، ثانيا: لأن الجوار الجغرافى بين مصر وفلسطين (وغزة بالذات) فى وجود دولة إسرائيل صار قدرا لا مفرّ منه فى الماضى والحاضر والمستقبل وحتى نهاية الزمن مهما كان نوع النظام الحاكم فى مصر، بالإضافة إلى أن الهزائم التى جلبتها حروب مصر مع إسرائيل وكذلك أطماع إسرائيل فى أرض سيناء المقدسة وكذلك الصوملة المتفاقمة لسيناء تجعل الصدام مع إسرائيل واردا بغزة وبدون غزة، ثالثا: لأن الفلسطينيِّين لم يُلحقوا بنا أىِّ ضرر، بل نحن الذين ألحقنا بهم الأضرار (خاصة بحكم مسئولية مصر عما حدث ويحدث لهم منذ حرب 1967 التى أوقعتهم فى قبضة إسرائيل وقد تصيبنا عقدة الذنب عندما ندرك أبعاد دور مصر فى البؤس الحالى للشعب الفلسطينى، مع أن جمال عبد الناصر لم يقصد ذلك على الإطلاق بل ضاع الشعب الفلسطينى فى الضفة والقطاع وضاعت سوريا فى الجولان مع ضياع مصر قبلها جميعا)، فهم يستحقون منا إذن كل التعاطف والتأييد والعون.
15: ومن ناحية أخرى يجرى الحديث الآن عن اتفاق تهدئة تم التوصل إليه سيتم إعلانه فى التاسعة من مساء اليوم الثلاثاء (20 نوڤمبر) بتوقيت القاهرة، ويبدأ تنفيذه عند منتصف الليل، مع تصريحات إسرائيلية بأن هذا الاتفاق ليس نهائيا، بل سيتم اختبار التزام غزة به على مدى يوم كامل (24 ساعة). ونحن لا نعلم شيئا عن أُسُس وتفاصيل الاتفاق، لنعرف بماذا قبلت حماس، غير أن من الصعب تصوُّر صموده أمام رغبة إسرائيل فى إتمام العمل الذى بدأته، وأمام مقتضيات عدم الإضرار بالحملة الانتخابية للتحالف الحاكم فى حالة عدم إتمام هذا العمل، لأن التهدئة ستكون فى هذه الحالة "انتصارا سياسيا" لغزة وبالتالى "هزيمة سياسية" لإسرائيل، وربما أمام مدى قدرة غزة على أن تكظم غيظها فتتجه إلى الرضوخ، بعد خطاب عنترى عن "فتح أبواب الجحيم" على إسرائيل. ومهما يكن من شيء فإن نجاح أىّ تهدئة اضطرارية فى الصمود طويلا أمر مشكوك فيه. والأهم هو الاتجاه العام الذى لا يمكن إلا أن يجعل أىّ تهدئة أو هدنة مجرد جملة اعتراضية لوقت لا يستمر طويلا. ومن المحتمل أن تقصد إسرائيل بالاتفاق على تهدئة عابرة مع غزة وبدء تنفيذها، ضربةً إعلامية تدل على مرونتها ورغبتها فى إعطاء فرصة للسلام مهما كانت النوايا التى تُخفيها والمبررات التى سوف تتذرع بها بعد ذلك لاستئناف عمليتها العسكرية. والآن وبعد مرور التاسعة التاسعة مساءً وكذلك منتصف الليل بدون الإعلان عن أىّ اتفاق تهدئة وناهيك بتنفيذه، تتواتر من غزة وإسرائيل أنباء الفشل فى التوصل إلى اتفاق، ونعلم من نتانياهو و هيلارى كلينتون أن إسرائيل والولايات المتحدة ستعملان مع مصر على التوصل إلى تهدئة خلال الأيام المقبلة! وكم كان الرئيس محمد مرسى متسرِّعًا كعادته عندما أعلن أمس الثلاثاء أثناء دفن جثمان المرحومة شقيقته بشارته التى أكد فيها أن الحرب على غزة ستنتهى بعد ساعات فى نفس اليوم (الثلاثاء) بفضل جهود الوساطة، التى يُوحى بأنها جهوده فى المحل الأول.
16: والحقيقة أن دور الرئاسة المصرية كان بالغ السوء فى بعض مراحل الوساطة وحتى قُبَيْلَ الحرب، فقد قامت إسرائيل بتوظيفها فى طمأنة حماس إلى أنها تراجعت عن العملية العسكرية التى كانت تهدِّد بها مع أنها كانت تخدع بذلك مصر وحماس معًا؛ الأمر الذى أدى إلى حالة استرخاء بعد حالة استنفار من جانب فصائل المقاومة وترتبت على تلك الطمأنة الخداعية خسائر حقيقية. وقد تمثَّلَ الطابع العام لوساطة رئاستنا فى توظيف نفوذ الإخوان المسلمين المصريِّين لدى الإخوان المسلمين الحمساويِّين لتشجيع استعدادهم الأصلى للتوصل إلى وقف العدوان بأىّ ثمن، وهذا ما حدث بالفعل حيث كان على غزة أن تكظم غيظها فتبلع خسائرها الفادحة فى قادتها ومقاتليها وشيوخها ونسائها وأطفالها وصواريخها ومرافقها ومبانيها لتتفادى المزيد والمزيد من الخسائر (تجاوزت الخسائر البشرية 160 من الشهداء و1200 من الجرحى). وبالطبع فإنه لا يمكن لعاقل أن يطالب مصر بالحرب دون استعداد، ولكن من حقنا أن نطالبها بأن تكفّ عن التباهى بدور عظيم ومشرِّف قامت به وساطتها.
17: ومهما يكن من شيء فإن منطق هذا الجدل الإسرائيلى-الفلسطينى-المصرى حول ارتباط غزة-سيناء الذى رأينا من قبل أنه لا مجال لكسره سوف يتواصل وصولا فى نهاية المطاف إلى استحالة تفادى مواجهات مصيرية بين إسرائيل ومصر. ويمثل هذا العامل الدافع الرئيسى وراء هرولة مصر إلى الوساطة التى تلقَّى الرئيس محمد مرسى التقدير العالى من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل على دوره فيها. ورغم إدراك مصر لحقيقة الأخطار التى لا مجال لتفاديها فى المستقبل لكل السيناريوهات المشار إليها أعلاه فإنها تعمل، جيلا بعد جيل، على "ترحيل" هذا المستقبل إلى مستقبل أبعد فأبعد ليصير تركة مُهداة إلى الأبناء والأحفاد.
18: وينبغى أن نشير إلى أن هذه التسمية التوراتية ("عَمُود السحاب") التى أطلقتها إسرائيل على العملية العسكرية ضد غزة تسمية مشئومة حقا، ذلك أن التسمية التوراتية والعملية العسكرية تربطان، على السواء، بين فلسطين وسيناء. فخروج اليهود من مصر الفرعونية كان إلى سيناء، ويعنى هذا أن أساطير الأيديولوچيا الدينية اليهودية التوراتية تجعل سيناء فى مركز الاهتمام حتى عند ضرب غزة. وهذه التسمية رمز وشعار وتعويذة؛ وهى تعويذة وتبرُّك بالمعجزة لأن الرب كان يحمى اليهود الذين كان فرعون مصر يطاردهم أثناء خروجهم؛ وتقول الآية 22 الكريمة من الأصحاح الثالث عشر من سفر الخروج (العهد القديم): "وكان الرب يسير أمامهم نهارا فى عَمُود سَحَاب ليهديهم فى الطريق، إلى آخر الآية الكريمة" (طريق أرض فلسطين، رغم "أن الله لم يهدهم فى طريق أرض فلسطين"، الآية الكريمة 17 من نفس الأصحاح). وهكذا فعندما تذهب إسرائيل إلى الحرب على غزة فإنها تذهب متسلحةً برمز توراتى لوقوف الرب مع اليهود ضد مصر: "فانتقل ملاك الرب السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف وراءهم فدخل بين عسكر المصريِّين وعسكر إسرائيل" (من الآيتين الكريمتيْن 19 و20 فى الأصحاح 14، سفر الخروج). ولا شك فى أن بينهم مَنْ يعتقدون أن "الله" ما يزال يحارب معهم ويحميهم كما فعل أثناء خروجهم عبر سيناء من المصريِّين الذين يعتبرونهم أعداءهم بحكم الجغرافيا المقدسة لأرض سيناء والتاريخ الأسطورى لخروجهم بمعجزة السحاب الربانى وشق موسى (عليه السلام) للبحر. والشيء بالشيء يُذكر، كما يُقال: الأمر الذى له دلالته فى مجال وجود وجه من وجوه الشبه بين الإسلام السياسى أنصار الدولة الإسلامية وإسرائيل الدولة اليهودية أن المقاومة الإسلامية فى غزة واجهت التسمية الأيديولوچية الدينية اليهودية التوراتية للعدوان الإسرائيلى بتسمية أيديولوچية دينية إسلامية قرآنية هى تسمية "حجارة سجِّيل" (ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول)!
19: ولأنه لا يمكن الرهان على مجلس الأمن، ولا على جامعة الدول العربية، ولا على الدول العربية، ولا على إيران أو تركيا، ولا على مصر بالذات، ولا على القدرة العسكرية الذاتية، فإنه لا مناص لغزة من أن يسودها انتظار الفرج من الله فإنْ لم يستجب للدعاء الآن فلا مناص من انتظار الفرج من الله من جديد، حيث تتلقَّى الضربات الإسرائيلية الدورية واليومية، إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا. وكما سبقت الإشارة فإن مصر تجد نفسها أمام هذا التحدِّى الإستراتيچى الخطير من موقف تدهور اقتصادى واجتماعى وعسكرى متواصل، عاجزةً عن مواجهة هذا التحدى المصيرى. وفى الوقت نفسه تتدهور القضية الفلسطينية فى اتجاه الهبوط إلى قضية إنسانية لا تتمتع بعون من أحد بل تتعرض للهجوم المتواصل والترحيل القسرى والإبادة الجماعية، مهما كانت عنتريات حماس وصلاح الدين الأيوبى.
20: والآن.. تم عقد الاتفاق بالفعل ودخل مرحلة التنفيذ منذ التاسعة مساء اليوم (الأربعاء 21 نوڤمبر) بتوقيت القاهرة، والآن تحتفل غزة بالنصر العظيم كما يسمونه، ولا نعرف إلى الآن سوى نص الاتفاق دون تفاصيل خلفياته، ولا نستطيع بالتالى أن نعرف مدى حظها من الصمود فى الفترة القادمة. وتقول إسرائيل إنها حققت أهدافها المتمثلة فى تدمير البنية التحتية للقدرة الصاروخية لغزة بالحرب عن بُعْد دون حاجة إلى الحرب البرية التى علقتها الآن. ويحمل الاتفاق عنوان "تفاهمات خاصة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة"، وينص القسم أولا من الاتفاق على بنود التفاهمات التالية: "1: تقوم إسرائيل بوقف كل الأعمال العدائية على قطاع غزة برًّا، وبحرًا، وجوًّا، بما فى ذلك الاجتياحات وعمليات استهداف الأشخاص، 2: تقوم الفصائل الفلسطينية بوقف كل الأعمال العدائية من قطاع غزة تجاه إسرائيل بما فى ذلك إطلاق الصواريخ والهجمات على خط الحدود، 3: فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع وعدم تقييد حركة السكان أو استهدافهم فى المناطق الحدودية، والتعامل مع إجراءات تنفيذ ذلك بعد 24 ساعة من دخول الاتفاق حيز التنفيذ." وينص القسم ثانيا من الاتفاق على آلية تنفيذ من ثلاثة بنود أيضا هى: "1: تحديد ساعة الصفر لدخول تفاهمات التهدئة حيز التنفيذ، 2: حصول مصر على ضمانات من كل طرف بالالتزام بما تم الاتفاق عليه، 3: التزام كل طرف بعدم القيام بأىّ أفعال من شأنها خرق هذه التفاهمات، وفى حال وجود أية ملاحظات يتم الرجوع إلى مصر راعية التفاهمات لمتابعة ذلك". وتعتبر فصائل المقاومة الفلسطينية فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع إلخ.. بين غزة وإسرائيل (ولا أدرى ما إذا كان معبر رفح مشمولا فى هذا البند) رَفْعًا للحصار أو لجانب مهم منه، مع أن هذه المعابر كانت مفتوحة أصلا وكان يعبُر منها (أىْ من إسرائيل) الجانب الأكبر من تجارة غزة، كما أن من المحتمل بشدة أن ينظر الإسرائيليون والفلسطينيون إلى الضمانات التى تحصل عليها مصر على أنها بالغة الهشاشة. ومن الجلى أن هذه التفاهمات جاءت، عن عَمْد إسرائيلى، دون مستوى اتفاقية التهدئة أو الهدنة التى توقعتْها الأطراف. أما غزة بفصائل مقاومتها فإنها تنظر إلى هذه "التفاهمات" على أنها قبل كل شيء بفضل انتصارها، بفضل صمودها وفاعلية صواريخها وعملية أتوبيس تل أبيب، والحقيقة أن هذه الأسباب لو صَحَّتْ لكان من شأنها أن تدفع إسرائيل إلى مواصلة عدوانها وليس إلى وقفه لأن هدفها يتمثل فى تدمير أو تقليص القدرة العسكرية للمقاومة فى غزة، وإذا كانت قد أوقفت عدوانها قبل تحقيق هذا الهدف من الناحية الأساسية، رغم الأضرار الأكيدة التى يمكن أن تلحق بها فى هذه الحالة داخل إسرائيل وبالأخص فى الانتخابات الوشيكة، وفى علاقتها بالمقاومة الفلسطينية وبالبلدان التى تحيط بها وبالأخص مصر، فسيظل معنى هذا السلوك السياسى الإسرائيلى فى بطن الشاعر، فى بطن إسرائيل، إلا إذا كانت لها نوايا تتناقض مع التفاهمات أو إلا إذا كانت تعتبر أنها حققت هدفها بالفعل وبصورة مُقْنِعة لمواطنيها.
21 نوڤمبر 2012















12
تحالفات الإخوان المسلمين
وأوهام الديمقراطية
1: بعد أن قطع أمام الشعب عهدا بأنه لن يستخدم سلطة التشريع (التى آلت إليه عندما ألغى أو سُمِح له بأن يُلْغى فى 12 سپتمبر 2012 آخر إعلان دستورى قُبَيْلَ ولايته هو ذلك الذى أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بإعلان دستورى آخر، وأعاد أو سُمِح له بأن يُعيد تشكيل هذا المجلس) إلا عند الضرورة وفى أضيق الحدود، فاجأ الرئيس محمد مرسى الجميع فى 21 نوڤمبر 2012 باستخدام سلطته فى التشريع، بدون ضرورة وليس فى أضيق الحدود بل على نطاق واسع، فى إصدار عدد من القرارات التشريعية والقانونية أولها الإعلان الدستورى الجديد الذى يمنحه السيطرة على السلطة القضائية وعلى أشياء أخرى كثيرة إلى جانب سلطته التنفيذية الأصيلة وسلطته التشريعية الطارئة المؤقتة، بحيث يجمع بين يديه سلطة شاملة بأقانيمها الثلاثة، سلطة توصف بأنها مطلقة وديكتاتورية واستبدادية بل فرعونية بل إلهية.
2: وعندما قوبل الإعلان الجديد بموجة ثورية كبرى بمشاركة مختلف القوى السياسية والنقابية والمهنية غير الإسلامية بوسائل التظاهر والاعتصام والإضراب والخطوات التصعيدية المحتملة، بدأت محاولات لتمرير الإعلان الدستورى عن طريق توظيف مناورات سياسية بهلوانية متنوعة بعد أن اتضح لهم تماما فشل استعراضات القوة التى قاموا بها أو هددوا بها ثم تراجعوا عنها زاعمين أن التراجع بهدف حقن الدماء. ومن الجلىّ أن الرئيس وحزبه وجماعته يفضِّلون الهرب إلى الأمام فقد قرروا أو قرر لهم مكتب الإرشاد تصويت الجمعية التأسيسية على المسودة النهائية لمواد الدستور على الفور لرفعها إلى رئيس الجمهورية لطرحه لاستفتاء سريع (فى 15 ديسمبر فيما قيل) بعد مناقشة "مجتمعية" سريعة، وننتظر الآن خطاب الرئيس لنعرف منه خارطة طريقه للالتفاف حول مطلب إلغاء الإعلان الدستورى الجديد وتأسيس حكمه الاستبدادى على دستور دائم بدلا من إعلان دستورى مؤقت (ولم يخرج عن هذا بتحجُّر على العناد). وقبل أن نتأمل أبعاد الصراع الكبير الذى تفجر وتصاعد ويتجه إلى التصعيد نحو مستويات خطرة، وكذلك قبل بحث احتمالات التطورات القادمة والمواقف والأهداف المطلوبة فى مواجهتها، نقوم بتنشيط ذاكرتنا من خلال عرض إلمامة سريعة ببعض الخطوات التى قادتنا على هذا الطريق الذى يقود البلاد إلى المجهول المحفوف بالأخطار والكوارث.
3: وكان أول سؤال أثاره الإعلان الدستورى يدور حول مدى دستورية أو قانونية قيام رئيس الجمهورية بإصدار إعلان دستورى. وكان من الواضح أن السلطات التى نصت عليها المادة 56 من إعلان 30 مارس 2011 الدستورى التأسيسى، والتى انتقلت من المشير المُقال إلى الرئيس الجديد عند تسلُّم السلطة، لا تشمل إصدار إعلانات دستورية. أىْ أنه حتى وفقا لإعلانهم الدستورى التأسيسى لا يحق ذلك لرئيس الجمهورية. وكان ذلك الإعلان الدستورى التأسيسى أساس شرعيتهم من الألف إلى الياء. وهو أساس باطل ليس له من حجية حتى من استفتاء للشعب لأنه لم يتم إجراء استفتاء عليه وإنما اقتصر استفتاء 19 مارس 2011 على مجموعة محدودة من التعديلات الدستورية التى كان قد أمر مبارك عند تنحيته بإجرائها وتضمنها ذلك الإعلان بعد إقرارها عن طريق الاستفتاء المذكور. وعلى هذا الأساس الباطل تم بناء السلطة التشريعية: مجلس الشعب ومجلس الشورى، وتم تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور مرتين: المنحلة والحالية، ثم تم بناء مؤسسة الرئاسة على رأس السلطة التنفيذية. وإذا تحدثنا باستقامة فقد تم إدخال مصر كلها فى متاهات النفق المظلم للاستفتاءات والانتخابات الپرلمانية والرئاسية من المدخل الضيق المتمثل فى الإعلان الدستورى التأسيسى المذكور. وبالتالى فإن الرد الطبيعى على سؤال شرعية الإعلان الدستورى الرئاسى الجديد، وفقا حتى لأساس شرعية كل الصرح السلطوى الجديد: المجلس الأعلى والپرلمان بمجلسيه والجمعية التأسيسية ورئيس الجمهورية، هو أنه كغيره من إعلانات دستورية سابقة باطل لبطلان هذا الإعلان الدستورى التأسيسى وإعلان 13 فبراير 2011 الدستورى قبله. وهذا يعنى بطلان مجلسىْ الشعب المنحل والشورى القائم ليس فقط لبطلان مادة فى قانون انتخابهما بل أصلا وأساسا لبطلان إعلان 30 مارس 2011 الدستورى الذى كان بمثابة الخطوة الأولى الضرورية لمسار تلفيق شرعية دستورية بدلا من إقامة شرعية ثورية.
4: فما الذى دمَّرَ كل إمكانية لإقامة شرعية ثورية ودفع الشعب والثورة فى مسار ما يسمى بالشرعية الدستورية فى زمن الثورة. يقتضى الرد على هذا السؤال أن نعود إلى يوم 11 فبراير 2011، يوم الإطاحة بالرئيس السابق محمد حسنى مبارك. فى ذلك اليوم أطاح انقلاب عسكرى قام به المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، تحت الضغط الكاسح لثورة شعبية كبرى، بالرئيس السابق. ولم يكن من السهل على شعب عاش عقودا طويلة، منذ انقلاب 1952 العسكرى، فى زمن تصفية الحياة السياسية، أن يدرك المغزى الحقيقى لقيام قيادة الجيش بذلك الانقلاب على مبارك. وفى الحقيقة كان انقلاب قيادة الجيش انقلابَ قصرٍ من داخل نظام مبارك ضد مبارك، لإنقاذ نظام مبارك بدون مبارك، لأن البديل لم يكن شيئا آخر سوى حرب أهلية بدأها مبارك بالفعل وفى أتونها ألحق الشعب الأعزل دفاعا عن النفس فى سياق ثورته السلمية هزيمة ساحقة بقوات وأجهزة وزارة الداخلية. وانطلق الموقف السياسى لقيادة الجيش من تقدير دقيق وعميق للموقف العسكرى الإستراتيچى بين الثورة والدولة، بين الشعب والجيش، وهو تقدير مبنىّ على دروس واستنتاجات مستخلصة من تاريخ الثورات ويتمثل فى أن حربا أهلية يشنها نظام حاكم فى بلد على شعبه فى سياق ثورة سياسية شعبية تنتهى بصورة نموذجية بعد أن تضع الحرب الأهلية أوزارها وأهوالها وفظائعها وويلاتها إلى هزيمة النظام وتدمير الطبقة الحاكمة ذاتها كطبقة وإحلال طبقة أخرى ونظام آخر محلَّهما؛ طالت الحرب الأهلية أم قصرت.
5: ولم يكن الانقلاب العسكرى على مبارك حبا فى الشعب بل كان تفاديا للنتائج الكئيبة لاستمرار الحرب الأهلية، التى كان قد بدأها مبارك بالفعل ضد الشعب، على الطبقة الرأسمالية المصرية التابعة للإمپريالية ودولتها ونظامها وسلطتها. ولم يدرك الشعب ولا قوى الثورة حقيقة الهدف الإستراتيچى لقيادة الجيش من وراء إطاحتها ﺑ مبارك. والحقيقة أنه كان بهدف إجهاض الثورة ووقف نموها بالتخلص من مبارك انطلاقا من أن ذلك هو الهدف المباشر الذى كانت قد أجمعت عليه كل القوى السياسية والجماهيرية فى الميدان. وفى تقديرهم، وكذلك فى الواقع الفعلى، كان من شأن تحقيق هذا الهدف المباشر إخلاء ميادين التحرير فى مصر كلها من الحشود الجماهيرية التى اكتظت بها، تفاديا لدمار الطبقة الحاكمة ونظامها وتفاديا لاستمرار الثورة أو بهدف إضعافها وتصفيتها تدريجيا على أقل تقدير. ورغم أن أملهم فى تصفية الثورة بسرعة قد خاب فقد نجح انقلاب الجيش على مبارك فى إخلاء الميادين وفى إضعاف الثورة التى احتاجت إلى قرابة نصف عام لاستعادة حيويتها (موجة 8 يوليو 2011 الثورية) وفى إرباك رؤى قوى ثورية تصورت أن "الجيش" الذى أطاح ﺑ مبارك لا يمكن إلا أن يكون قد انضم بإخلاص إلى صفوف الثورة وجرى نوع من التفويض الشعبى العفوى للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وكان فى الحقيقة تفويضا بالسكوت رغم امتلاء الصدور بالشكوك.
6: وكانت تلك اللحظة تقتضى تكوين قيادة توافقية للثورة من عدد من زعمائها الفعليِّين الحقيقيِّين (مع استبعاد أىّ تمثيل فيها لأىٍّ من المجلس العسكرى والإسلام السياسى) وتسليمها السلطة مع تكليف الجيش بالقيام بمهام وزارة الداخلية بصورة مؤقتة، إلى جانب مهامه الأصلية، نظرا للهزيمة الكاسحة التى كانت الثورة قد ألحقتها بتلك الوزارة وقواتها وأجهزتها الظاهرة على الأقل. وذلك بالإضافة إلى عدد من الأهداف والشعارات المباشرة للثورة فى تلك اللحظة الفارقة. غير أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية رفض بعد انقلابه على مبارك كل مقترح لتكوين أىّ هيئة قيادية تتسلم السلطة فى البلاد. وكان البديل الفوقى الوحيد يتمثل فى استلام المجلس الأعلى للسلطة بشرعية الانقلاب العسكرى.
7: غير أن هذا لم يكن كافيا. ذلك أن مواجهة المجلس الأعلى للثورة بنجاح كانت تقتضى التحالف مع غطاء سياسى جماهيرى جاهز. وكان هذا الغطاء السياسى الجماهيرى الجاهز للحكم العسكرى يتمثل فى الإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى. وكان الأمر يحتاج إلى استعداد الطرفين: المجلس الأعلى والإخوان المسلمين. وكان مبارك نفسه مستعدا قبل انقلاب المجلس عليه لأن نظامه كان يحتاج إلى هذا الحليف المذكور ذاته فى مواجهة الثورة بمجرد انفجارها. ولهذا لجأ إلى الإخوان المسلمين بالذات قبل تنحيته. وورث المجلس الأعلى عنه هذا الاستعداد المنطقى البديهى للتحالف مع نفس الحليف المنطقى البديهى. ولأن الإخوان المسلمين وجدوا أنفسهم فجأة أمام فرصة تاريخية فريدة لا يسهل أن تتكرر للقفز على السلطة، التى ظلوا يحلمون بها عقودا طويلة بلا طائل، فإنهم لم يكونوا مستعدِّين للتفريط فى الفرصة، وسرعان ما اتخذوا قرارهم باغتنامها.
8: وكان الإخوان قد لحقوا بقطار الثورة بعد أيام ترددوا أثناءها فى الانضمام إليها، خوفا من استهدافهم من جانب نظام مبارك. ولم ينضموا إليها إلا عندما تأكدوا أنهم إزاء ثورة شعبية كبرى قادرة على حمايتهم وعلى الأقل على تقوية مركزهم فى التفاوض على صفقة كبرى مع نظام مبارك. وكان لحاقهم بالثورة عندئذ تقوية للثورة بهم وتقوية لهم بالثورة. وقد تركوا جماهيرهم فى الميدان للضغط بها وأرسلوا قياداتهم إلى التفاوض مع نظام مبارك عبر اللواء عمر سليمان استبعادا منهم لانهيار نظام مبارك تماما أو سريعا. أىْ أن استعداد نظام مبارك للتحالف السياسى التقى باستعداد الإخوان والتقى استعداد مبارك لهذا التحالف باستعداد المرشد. غير أن الانقلاب العسكرى الذى سار بالتحالف فى نفس الاتجاه الجوهرى، اتجاه التحالف بين النظام والإخوان فى الحاليْن، أحلَّ فى هذا التحالف محلَّ الرئيس السابق محمد حسنى مبارك أشخاصا آخرين هم قادة الجيش برئاسة المشير محمد حسين طنطاوى. وكانت مفاوضات مبارك-عمر سليمان قد انتهت أو اقتربت من بلورة ووضْع مبادئ وأسس وتفاهمات وترتيبات التحالف مع نظام مبارك ثم استكملتها المفاوضات المستأنفة مع قادة الجيش لتلبية نفس الحاجة: حاجة النظام ﺑ أو بدون مبارك إلى التحالف مع الإخوان المسلمين.
9: ونجد أمامنا هنا تحالفيْن يشكِّك كل منهما فى إخلاص وصدق الآخر. فتحالف الإخوان المسلمين مع الثورة الشعبية يشكِّك فى صدق تحالفهم مع المجلس الأعلى، كما يشكِّك تحالفهم مع المجلس الأعلى فى صدق تحالفهم مع الثورة الشعبية. وكان انسحابهم السريع من التحالف مع الشعب وتخلِّيهم عنه لصالح استمرار التحالف مع المجلس الأعلى لفترة امتدَّت عاما كاملا تقريبا، مع مزيج من التحالف وصفقاته والتناقض وصراعاته إلى يومنا هذا، كاشفا بصورة ساطعة لحقيقة الطابع الجدِّى لتحالفهم مع المجلس والطابع المخادع لتحالفهم مع الشعب. والحقيقة الأعمق هى أن الهدف السياسى الرئيسى للإخوان المسلمين وهو القفز على السلطة اقتضى الوقوف مع الشعب لفرض تحالفهم على مبارك فى البداية وبعد ذلك مع المشير طنطاوى على رأس المجلس بعد الانقلاب العسكرى. وكان هذا الطابع الحقيقى للتحالف مع النظام ﺑ أو بدون مبارك ينبع من حقيقتين مترابطتين هما حقيقة انتماء نظام مبارك وتنظيم جماعة الإخوان المسلمين إلى طبقة اجتماعية واحدة هى الرأسمالية المصرية الكبيرة التابعة للإمپريالية، وحقيقة أن السلطة التى يريد الإخوان القفز عليها كانت فى أيدى نظام مبارك وليس فى أيدى الشعب. وكان الهدف الأبعد بالطبع هو نجاح الإسلام السياسى فى الانتزاع التدريجى، وربما بانقلاب تآمرىّ بعد مستوى بعينه من التطور التدريجى على طريق "التمكين"، للسيطرة على الاقتصاد والسلطة.
10: ومن الطابع الزائف الغادر لتحالف قصير للغاية (استغرق أياما معدودة) مع ثورة الشعب ينكشف زيف زعم الإخوان أنهم ينتمون إلى الثورة بل أنهم هم الثورة وحقيقة أنهم معادون للثورة الشعبية بحكم تمثيلهم سياسيا لقطاعات ذات أيديولوچيا إسلامية سياسية من الرأسمالية التابعة للإمپريالية، مهما كانوا مدينين للثورة الشعبية بالفرصة التاريخية التى بادروا إلى اغتنامها، وجُوزيت الثورة جزاء سنمار. وعندما نضع الطابع الجدى الممتد لتحالفهم مع المجلس الأعلى جنبا إلى جنب مع تناقضهم وصراعهم معه تنكشف حقيقة الانتماء الطبقى الواحد الذى يجمع هذين الحليفين رغم التمثيل السياسى لقطاعات مختلفة من طبقة واحدة انطلاقا من أيديولوچيا دينية-سياسية للإسلام السياسى تفرِّق بين القطاعات التى يمثلها هذا الأخير وبين القطاعات الأخرى للرأسمالية التابعة للإمپريالية. والهدف الأبعد من وراء التحالفيْن واحد وهو الوصول إلى السلطة، رغم أن أحد التحالفيْن قصير للغاية ويقوم على معاداة الإخوان المسلمين والنظام معا للثورة الشعبية على أساس طبقى استغلالى، على حين يقوم التحالف الآخر الممتد رغم تعرُّجاته إلى الآن على وحدة المهمة الطبقية الرأسمالية التابعة المشتركة المتمثلة فى تصفية الثورة دون أن يُخْفِى ذلك صراعا داخل الطبقة على السيطرة على الاقتصاد والسلطة فى سياق اتجاه الإسلام السياسى إلى إقامة دولة دينية.
11: ومن المهم أن نفهم جيدا طبيعة ومغزى وخصائص كلٍّ من المشاركة فى الثورة الشعبية أياما قليلة ثم التفاوض على التحالف الممتدّ مع مبارك-عمر سليمان وبعدهما مع المشير طنطاوى. وفى مواجهة زعم الإخوان المسلمين أنهم قاموا بدور هائل فى الثورة وأنهم بالتالى يمثلون الثورة وعلى الأقل زعمهم أن الجميع كانوا فى الميدان "إيد واحدة"، ينبغى أن نوضِّح بجلاء حقيقة الطابع المزدوج لدور الإخوان المسلمين والإسلام السياسى فى "الأيام القليلة" التى استمرت فيها المشاركة وحقيقة تحالفهم جميعا مع النظام ضد الثورة بعد ذلك على طول الخط سواء فى فترات شهر العسل مع المجلس الأعلى أم فى لحظات بروز التعارض والصراع معه. وواقع أن الهدف السياسى من وراء المشاركة الخاطفة الذى يكشفه كامل السلوك السياسى للإخوان المسلمين كان يتمثل فى توظيفه فى مجال الضغط على نظام مبارك-طنطاوى للتحالف مع هذا النظام ضد الثورة الشعبية يجبرنا على أن نفهم أن تلك المشاركة الخاطفة كانت مجرد وسيلة تم التخلِّى عنها بمجرد تحقيق الهدف من وراء استخدامها وتوظيفها. ويكشف هذا الانفصال من جانب الإخوان المسلمين عن الثورة ومجرد استخدامها لتحقيق هدف مناقض تماما لأهدافها، رغم المشاركة الخاطفة فيها "أياما معدودة" ليس إلا، رغم معاداة الثورة، عن حقيقة أننا لسنا إزاء قوة من القوى الثورية، رغم أنها قوة من القوى المشاركة فى الثورة؛ وإنْ للحظة خاطفة لعبت فيها دورا ما لا يجوز أن نبالغ فيه (وربما بالغنا كثيرا من قبل فى تقديره).
12: ويتمثل الفرق بين قوى الثورة والقوى الثورية فى أن الأولى يمكن أن تلعب دورا ما فى الثورة لأهداف مناقضة لأهداف الثورة بل لأهداف معادية للثورة وأهدافها، على حين أن القوى الثورية قوى تؤمن بالثورة وتشاركها أهدافها بصدق وإخلاص مهما تفاوتت مستويات الانتماء الطبقى الشعبى والإيمان أو الالتزام أو الاستمرار أو الصلابة. ولهذا فإنه يمكن القول إن متاجرة الإخوان المسلمين بدور عظيم فى الثورة أشبه فى طابعه الهزلى الساخر بشخص اعتقله أو سجنه النظام المصرى مثلا أسبوعا أو أسبوعين، أو شهرا أو شهرين، أو سنة أو سنتين، وربما عن طريق الخطأ، فظل يتباهى طوال عمره الطويل المهادن للنظام بتلك الأيام أو الأسابيع أو الشهور من الاعتقال أو السجن باعتبار ذلك على رأس قائمة مسوِّغاته النضالية الثورية المجيدة. لا، لم يكن الإسلام السياسى قوة ثورية، بل هو بالأحرى قوة رجعية معادية للثورة، ولم يكن وقوف الثورى والإخوانى جنبا إلى جنب فوق سنتيمترات معدودة من الأرض ليقرِّب بينهما بل كان يباعد بينهما، فقد كانا أشبه بعدويِّن يتقاتلان متلاحميْن فوق نفس السنتيمترات المعدودة من الأرض غير أنه كان يبدو من بعيد أنهما يتعانقان. وأشدِّد على أن هذا لا ينطبق على مئات الآلاف ممن ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين أو الملايين ممن يؤيدونهم بل ينطبق فقط على قياداتهم العليا والمتوسطة الذين تشبَّعوا بهذه الأيديولوچيا الدينية-السياسية المضلِّلة. أما الملايين فإنهم الفقراء الذين ينتمون إلى هذه الجماعة أو يناصرونها كما يشكل أمثالهم فى كل مكان فى العالم وفى مختلف الأيديولوچيات والأحزاب السياسية العضوية الأساسية فى أحزابهم التى قد تكون من أعتى الأحزاب الرأسمالية أو الإمپريالية دون أن يُضْفُوا على أحزابهم أىّ طابع شعبى فهم ليسوا سوى وقودها.
13: أما تحالف الإخوان المسلمين مع المجلس الأعلى ضد الثورة الشعبية بعد التفاوض قبل الانقلاب مع مبارك عبر عمر سليمان فإنه ناشئ، كما رأينا، من الأساس الطبقى الواحد، وما يحتاج إلى التفسير إنما هو التناقض والصراع بين الفريقيْن. ويجد التناقض أو التعارض أو الصراع تفسيره فى الصراع فى سبيل إقامة الدولة الدينية أو ضدها بكل مغانمها على القطاعات الرأسمالية ذات التوجُّهات الأيديولوچية الإسلامية-السياسية، ومغارمها على القطاعات الأخرى من نفس الطبقة. وقد ناقشنا فى غير هذا المكان التناقضات العدائية التى قد تدفع قطاعات مختلفة من نفس الطبقة الرأسمالية الواحدة إلى التناقض والصراع وحتى إلى حافة الحرب الاقتصادية أو الحرب الأهلية وحتى الانزلاق إلى هذه الأخيرة. ولكل هذا، ونتيجة للتحالف من جهة والصراع من جهة أخرى بين قطاعات توحِّدها الطبقة الرأسمالية ضد الثورة الشعبية وتدفعها إلى احتدام الصراع فيما بينها مصالح وأيديولوچيات متعارضة، نجد هنا أيضا طابعا مزدوجا يجمع بين قطاعيْن من حيث المصالح والأيديولوچيات من نفس الطبقة: رغم التحالف القوى بينهما ضد الثورة وقيامهما المشترك بالمهمة المقدسة المتمثلة فى تصفية الثورة الشعبية يتناقضان ويتصارعان فى سبيل تحقيق المغانم وتفادى المغارم عن طريق السيطرة على الاقتصاد والسلطة. ولا وجود فى التناقض أو الصراع بينهما لأىّ مغزى ثورى لأحدهما ضد الآخر: بين الإخوان والفلول، إنْ جاز القول.
14: وأخذ التحالف يتنامى وينضج من خلال التطورات. ونجح المجلس الأعلى بانقلابه العسكرى الذى أطاح بالرئيس السابق فى إخلاء الميدان، ورغم المزيد من الشهداء منذ الانقلاب ورفض تسليم السلطة لهيئة توافقية استطاع المجلس أن يخدع الشعب وقيادات الثورة بأنه سيسهر على تحقيق أهداف الثورة فى الحرية والعدالة الاجتماعية، وهنا تبلور الطريق الذى فتحه مبارك بنفسه بالالتفاف على أهداف الثورة من خلال الانزلاق بالشعب والثورة إلى طريق الدستور والقانون والتعديلات والإعلانات الدستورية والاستفتاءات والانتخابات الپرلمانية والرئاسية، إلى طريق متاهات القانون فى زمن الثورة، وشأنه فى هذا شأن الإخوان المسلمين انطلق من زعم أنه حمى الثورة وأن نجاح الثورة كان مستحيلا لولا دوره فيها وأنه هو الذى يقود الثورة. وغرق الشعب والثورة فى "مستنقعات" القانون. وما كان لهذا أن يصير ممكنا لولا الوهم المضلل الكبير الذى جرف الشعب وقيادات الثورة فى الطريق الدستورى والقانونى والتشريعى والپرلمانى وهو الوهم المتمثل فى بناء نظام حكم ديمقراطى من أعلى يشرف عليه المجلس الأعلى الذى زعم أنه يقف إلى جانب الشعب لحمايته وتحقيق أهداف ثورته، وذلك تحت راية وشعار المشاركة بدلا من المقاطعة.
15: ويرتكز هذا الوهم، وَهْم النظام أو الحكم السياسى الديمقراطى، على وَهْم ترعاه النظرية السياسية البرچوازية من الناحية النظرية، وعلى وَهْم آخر نابع من الناحية العملية من صميم أحداث وتطورات الثورة. وفيما يتعلق بالوهم النظرى، هناك اعتقاد تروِّج له الطبقات الحاكمة وساستها وفلاسفتها ومفكروها وعلماؤها السياسيون مؤداه أن الدولة يمكن أن تكون ديمقراطية فى جوهر وصميم بنيانها وهياكلها ومؤسساتها وأجهزتها إذا كانت تقوم على مجموعة من المبادئ التى تصدِّقها الممارسة الفعلية: تأليف كيان الدولة من سلطات ثلاث (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية) تقوم على الفصل بينها وتتمثل وحدتها فى دستور تلتزم بمواده السلطات كافة فالسلطة التشريعية ملزمة بسن القوانين على أساسه ورقابة إدارة السلطة التنفيذية لتلك القوانين، والسلطة التنفيذية ملزمة بتنفيذ تلك القوانين فى إدارتها لمؤسسات وأجهزة الدولة، والسلطة القضائية ملزمة بتلك القوانين فى الفصل فى الدعاوى القضائية الناشئة عن ممارسة الدولة والمجتمع والأفراد، وتنبثق من السلطة القضائية سلطة دستورية عليا تراقب دستورية القوانين ودستورية تطبيقاتها القضائية؛ تداول السلطة من خلال تمثيل يقوم على الانتخابات العامة؛ التزام الدستور بدوره ليكون دستورا دستوريا حقا بأحدث ما بلورته الممارسات والتجارب الديمقراطية للشعوب من مبادئ "فوق دستورية" تتعلق بالالتزام الصارم بحريات وحقوق الشعوب التى صارت خطا أحمر فى مجال الحكم الديمقراطى. على أن الدولة، بوصفها (بدستورها وقوانينها ومؤسساتها) تمثل الأداة الأساسية للحكم الذى تفرضه على المجتمع طبقة اجتماعية استغلالية حاكمة لتحقيق مصالحها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الذاتية، تتعارض بصورة جذرية مع الديمقراطية التى تزاحمها على الحكم فى سبيل تحقيق مصالح طبقات اجتماعية أخرى. ولهذا لا تعنى الديمقراطية من أعلى متمثلة فى دولة سوى وَهْم تجيد الطبقة الحاكمة وفلسفة ونظرية حكمها توظيفه كأداة أساسية للتضليل الأيديولوچى الجماهيرى الواسع كضرورة لا غنى عنها لتأمين وتأبيد استغلالها واستبدادها.
*****
(الفقرات السابقة كانت بداية لمقال بعنوان "إعلان 21 نوڤمبر الدستورى وضرورة إسقاط حكم المرشد" وهى مكتوبة على الأرجح فى الفترة ما بين 22 و 24 نوڤمبر لكننى انصرفت عن هذا المقال إلى كتابة مقالات أخرى على أن أقوم باستئناف كتابته فى وقت لاحق، غير أننى لا أستطيع افتعال إكماله الآن بعد تغطية تطورات الفترة اللاحقة فى مقالات تالية، وقد وجدت نفسى أفكر فى الاختيار بين إهمال هذه الفقرات أو الاحتفاظ بها، وفضَّلتُ الخيار الثانى لأنها تشتمل على تنشيط للذاكرة حول فترة من تطورات الثورة كما تشتمل على تأملات فى بعض نواحى مسارها مهما كانت مبتورة)

















13
يسقط حكم المرشد.. والتراجع كارثة
1: بعد أن قطع على نفسه عهدا أمام الشعب بأنه لن يستخدم سلطة التشريع (التى آلت إليه عندما ألغى أو سُمِح له بأن يُلْغى فى 12 سپتمبر 2012 آخر إعلان دستورى قُبَيْلَ ولايته هو ذلك الذى أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى منتصف يونيو 2012، بإعلان دستورى آخر، وأعاد أو سُمِح له بأن يُعيد تشكيل هذا المجلس) إلا عند الضرورة وفى أضيق الحدود، فاجأ الدكتور محمد مرسى الجميع فى 21 نوڤمبر 2012، بطريقة تُذَكِّرُنا بصدمات السادات الكهربائية، باستخدام سلطته فى التشريع، بدون ضرورة وليس فى أضيق الحدود، فى إصدار الإعلان الدستورى الجديد الذى يمنحه السيطرة على السلطة القضائية وعلى أشياء أخرى كثيرة إلى جانب سلطته التنفيذية الأصيلة وسلطته التشريعية الطارئة المؤقتة من الناحية الرسمية، بحيث يجمع بين يديه سلطة شاملة بأقانيمها الثلاثة، سلطة توصف بأنها مطلقة وديكتاتورية واستبدادية بل فرعونية بل إلهية. ثم أصدر قانون حماية الثورة وأدخل تعديلات استبدادية جديدة على قانون النقابات العمالية رقم 35 لسنة 1976، وسرعان ما قامت الجمعية التأسيسية للدستور فى مشهد هزلى مذهل بتصويت ماراثونى متواصل لم يُسْمَع بمثله من قبل على مشروع الدستور العتيد الذى تم تسليمه فى نفس اليوم للرئيس الذى قام بلا إبطاء بدعوة الناخبين إلى التصويت عليه فى غضون خمسة عشر يوما (فى 15 ديسمبر).
2: وكان أول سؤال أثاره الإعلان الدستورى يدور حول مدى دستورية أو قانونية قيام رئيس الجمهورية بإصدار إعلان دستورى لينتقل بنا إلى طرح شرعية النظام الجديد بكامله للمناقشة. وكان من الواضح أن السلطات التى نصت عليها المادة 56 من إعلان 30 مارس 2011 الدستورى التأسيسى، والتى انتقلت من المشير المُقال إلى الرئيس الجديد عند تسلُّم السلطة، لا تشمل إصدار إعلانات دستورية. أىْ أنه حتى وفقا لإعلانهم الدستورى التأسيسى لا يحق ذلك لرئيس الجمهورية. وكان ذلك الإعلان الدستورى التأسيسى أساس شرعيتهم من الألف إلى الياء. وهو أساس باطل ليس له من حجية حتى من استفتاء للشعب لأنه لم يتم إجراء استفتاء عليه وإنما اقتصر استفتاء 19 مارس 2011 على مجموعة محدودة من التعديلات الدستورية التى كان قد أمر مبارك عند تنحيته بإجرائها وتضمنها ذلك الإعلان بعد إقرارها عن طريق الاستفتاء المذكور. وعلى هذا الأساس الباطل تم بناء السلطة التشريعية: مجلس الشعب ومجلس الشورى، وتم تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور مرتين: المنحلة والحالية، ثم تم بناء مؤسسة الرئاسة على رأس السلطة التنفيذية. وإذا تحدثنا باستقامة فقد تم إدخال مصر كلها فى متاهات النفق المظلم للاستفتاءات والانتخابات الپرلمانية والرئاسية من المدخل الضيق المتمثل فى الإعلان الدستورى المذكور. وبالتالى فإن الرد الطبيعى على سؤال شرعية الإعلان الدستورى الرئاسى الجديد، وفقا حتى لأساس شرعية كل الصرح السلطوى الجديد: المجلس الأعلى للقوات المسلحة والپرلمان بمجلسيه والجمعية التأسيسية ورئيس الجمهورية، هو أنه كغيره من إعلانات دستورية سابقة باطل لبطلان هذا الإعلان الدستورى التأسيسى وإعلان 13 فبراير 2011 الدستورى قبله. وهذا يعنى بطلان مجلسىْ الشعب المنحل والشورى القائم ليس فقط لبطلان مادة فى قانون انتخابهما بل أصلا وأساسا لبطلان إعلان 30 مارس 2011 الدستورى الذى كان بمثابة الخطوة الأولى الضرورية لمسار تلفيق شرعية دستورية بدلا من إقامة شرعية ثورية.
3: وبطبيعة الحال فإن مشروع الدستور الجديد المطروح للاستفتاء الآن، بأبوابه الخمسة وفصوله العشرين، ومواده المائتين وست وثلاثين، يحتاج إلى تحليل تفصيلى مدقق لا يتسع له المجال هنا، إلا أن طابعه الاستبدادى القائم على التغوُّل الدستورى للسلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية وإحكام إخضاع السلطة القضائية لرئيس الجمهورية على رأس السلطة التنفيذية، وإهدار الحقوق والحريات مع ادعاء حمايتها، وقيام الدولة والمجتمع على مقومات سياسية واجتماعية وأخلاقية دينية وطائفية تقسم الشعب بالتمييز على أساس الدين والجنس، وعلى مقومات اقتصادية ليبرالية جديدة، وغير ذلك فى مختلف أبوابه وفصوله. وقد أعدت هذا المشروع جمعية تأسيسية غير دستورية تشكلت بأساليب البلطجة فى مخالفة صارخة حتى لدستورهم وقانونهم ومعاييرهم، وفى سياق استخفاف سافر بكل اعتراض أو رفض من جانب مختلف القوى السياسية والثورية ضد تشكيل الجمعية وضد محتوى مقترحاتها الدستورية.
4: وبين المواد الست التى نص عليها الإعلان الدستورى مادتان (الأولى والثالثة) تهدفان إلى إضفاء شعبية على الإعلان الدستورى نفسه لتمريره حيث تنص المادة الأولى على إعادة التحقيقات والمحاكمات فى جرائم قتل وإصابة المتظاهرين (مع أن المحاكمة الثورية المطلوبة ﻟ مبارك ورجاله تختلف تماما عن المحاكمات القاصرة الهزلية التى جرت وعن تلك التى ينص عليها هذا الإعلان الدستورى الجديد). ولأن هذه الإعادة بعد الحكم القضائى لا تتفق مع قانون الإجراءات الجنائية، صدر فى اليوم التالى (22 نوڤمبر 2012) ما يسمى بقانون حماية الثورة لاستثنائها من المادة 197 والمادتين 455 و 456 من ذلك القانون، فيما تنص المادة الثالثة على أن "يُعَيَّن النائب العام من بين أعضاء السلطة القضائية بقرار من رئيس الجمهورية لمدة 4 سنوات"، وذلك لدغدغة مشاعر الشعب الغاضب ضد تبرئة قتلة بناته وأبنائه، وكذلك ضد النائب العام (عبد المجيد محمود) الذى يُنظر إليه على أنه أحد كبار المسئولين عن تلك التبرئة، وجرت بالفعل إقالة النائب العام مع إحلال نائب قريب من الإسلام السياسى محله. وأجهدت المادة الرابعة نفسها بمدّ الفترة الممنوحة لعمل الجمعية التأسيسية للدستور شهرين إضافيين اتضح أنه لا حاجة إليهما عندما بادرت الجمعية المذكورة بإنهاء عملها فى يومين!
5: وإذا كانت المواد الأولى (إعادة محاكمة مبارك ورجاله)، والثالثة (إقالة النائب العام)، والرابعة (مدّ عمل جمعية الدستور شهرين)، خالية من أىّ شيء مهم سوى إقالة النائب العام وتعيين النائب العام الجديد فى انقضاض صارخ على السلطة القضائية، فإن المواد الثلاث الأخرى، الثانية والخامسة والسادسة، تأتى لتوجِّه ضربة قاصمة للسلطة القضائية تمهيدا لضربات لاحقة أقسى منها فى مشروع الدستور الجديد، ولاستكمال منح رئيس الجمهورية بصورة رسمية سلطة مطلقة بل فرعونية بل إلهية، وإنْ بصورة مؤقتة كما يزعم الرئيس والحزب والجماعة.
6: وتقوم هذه المواد الثلاث (ومعها المادة الثالثة: تعيين النائب العام) بتحصين قرارات الإرادة العليا الإلهية لرئيس الجمهورية ضد القضاء وتمنحه كل السلطات اللازمة للاستبداد والطغيان وبالتالى الفساد المالى والإدارى. فالمادة الثانية تنص على أن "الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة نهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن عليها بأىّ طريق، ولا يجوز التعرُّض لقرارات الرئيس بوقف التنفيذ أو الإلغاء من قبل أىّ جهة قضائية". وهكذا جرى تحصين ممارساته القانونية وغير القانونية منذ تولِّيه وفى الوقت الحالى وفى المستقبل من كل مراجعة قضائية أو غير قضائية فهى غير قابلة حتى لمجرد الطعن أو التعرُّض. وتنص المادة الخامسة على أنه "لا يجوز لأىّ هيئة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية"، وكان لا مناص من هذه المادة لتحصين مجلس الشورى والجمعية التأسيسية لأنهما مهدَّدان بأحكام قضائية محتملة حيث لا تقوم المادة الثانية بتحصينهما لأنه لم يتم تشكيلهما بإعلانات أو قرارات أو قوانين من رئيس الجمهورية، بل جاءا بالانتخاب (وجزئيا بالتعيين). وكان تحصين مجلس الشورى ضروريا ليس فقط للرئيس بل للحزب والجماعة لسيطرتهما الكاسحة عليه لتوظيفه فى القيام بمهام السلطة التشريعية إذا كان مجلس الشعب ("النواب" فى مشروع الدستور) منحلًّا، ومنحه جانبا من السلطة التشريعية قادرا على تعطيل مجلس الشعب فى حالة عدم سيطرة الجماعة عليه. وكان تحصين الجمعية التأسيسية للدستور ضروريا ليس فقط للرئيس بل للحزب والجماعة لسيطرتهما الكاسحة عليها لأنها المدخل المباشر إلى إصدار دستور إخوانى لحكم مصر. أما المادة السادسة فتنص على أن "للرئيس أن يتخذ يتخذ الإجراءات والتدابير اللازمة لحماية البلاد وحماية أهداف الثورة"، وهى تقوم، فى التفاف واضح على فرض قانون الطوارئ، بتحصين "الإجراءات والتدابير" التى يتخذها الرئيس من أىّ طعن أو تعرُّض من أىّ نوع أو رقابة؛ اللهم إلا ما قال بعض الإخوان إنه الرقابة الشعبية مشيرين إلى الاحتجاجات الشعبية، وهم على حق فى هذا الزعم لأن الثورة هى الردّ الوحيد الذى يملكه الشعب وهو مصدر السلطات، المحروم من كل السلطات.
7: وفى اليوم التالى مباشرة لإصدار الإعلان الدستورى الجديد تم إصدار ما يسمى بقانون حماية الثورة وكان لا مناص من ذلك لسدّ ثغرات الإعلان الدستورى الجديد وكان لهم فيه مآرب أخرى. فالمادتان الأولى والثانية تقدِّمان أساسا قانونيا جديدا لإعادة تحقيقات ومحاكمات مبارك ورجاله، بالاستثناء من ثلاث مواد من قانون الإجراءات الجنائية كما سبقت الإشارة. وفى سبيل توفير أداة فعالة وسريعة الإنجاز لإعادة تلك التحقيقات والمحاكمات تنص المواد الثالثة والرابعة والخامسة على إنشاء "نيابة خاصة لحماية الثورة" وتحديد اختصاصاتها وسلطاتها. وتتوسع المادة الرابعة فى النص على أربعة أبواب (السابع والثانى عشر والثالث عشر والرابع عشر) من الكتاب الثانى وبابين (الخامس عشر والسادس عشر) من الكتاب الثالث من قانون الإجراءات الجنائية لتوسيع تطبيق نطاق الإجراءات الاستثنائية لهذه النيابة مع تخصيص محاكم خاصة للجرائم المتنوعة التى تختص بها هذه النيابة وهذه المحاكم. أما المادة الخامسة فتنص على أنه "يجوز حبس المتهمين بارتكاب الجرائم المنصوص عليها بقرار من النائب العام أو مَنْ يمثله بعد أخذ رأيه فى مُدَدٍ لا تتجاوز فى مجموعها 6 أشهر"، وتنص المادة السادسة على أن "يعرض هذا القانون على مجلس الشعب الجديد فور انعقاده لاتخاذ اللازم بشأنه". وهناك أيضا تعديلات على قانون النقابات العمالية رقم 35 لسنة 1976 بهدف سيطرة السلطة التنفيذية على النقابات وتدمير استقلالها من خلال التعيين وأساليب أخرى.
8: وسرعان ما بادر الرئيس إلى تسريع خاطف لعمل الجمعية التأسيسية للدستور بهدف إنجاز سريع لدستور يعلم الجميع سلفا أنه سيكون دستورا استبداديا تتعملق وتتغوَّل فيه السلطة التنفيذية على السلطتين الأخريين بما يؤدى إلى تدمير استقلال السلطة القضائية بالذات حيث إن السلطة التشريعية ستظل تابعة كما كانت بحكم الخلفية الفكرية والسياسية والإدارية للانتخابات التى تأتى دائما بسلطة تشريعية ملحقة بالسلطة التنفيذية وأجهزتها السياسية والأمنية والحزبية الاستبدادية. وتفوقت الجمعية التأسيسية للدستور على نفسها فى مجال السرعة الفضائحية المفضوحة فى القيام بسلق التصويت النهائى على مسوَّدة الدستور، وتسليمها للرئيس الذى دعا إلى الاستفتاء عليها لاستكمال مؤسسات أخونة الدولة، وبالأخص مجلسىْ الشعب (النواب) والشورى، بهدف استقرار الحكم الإخوانى وتمكين الجماعة.
9: وكانت الاحتجاجات التى بدأت فى 19 نوڤمبر (بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمذبحة شوارع محمد محمود وقصر العينى والشيخ ريحان ومحيط وزارة الداخلية) بمثابة خلفية سياسية لهذا السيل من القوانين والتدابير الرئاسية التى لم تكن ردود أفعال على كل حال بل كانت مُعدَّة فى سياق مخطط تسريع أخونة الدولة عن طريق السيطرة على سلطات الدولة الثلاث، خشية إفلات الفرصة التى أتاحتها التطورات التى تعاقبت منذ الثورة للإسلام السياسى بقيادة الإخوان المسلمين. ولا شك فى أن هاجس إفلات الفرصة الأولى من أيدى قوة سياسية انتظرتها عقودا طويلة للاستيلاء على السلطة، وهو هاجس بالغ الحدة لدى الإخوان المسلمين، ظل يورِّطهم فى الفترة السابقة على التعجُّل فى قطف ثمار شجرة الثورة التى زرعها غيرهم ولم يقوموا إلا بتسلُّقها، الأمر الذى ظل يهددهم بفقدان كل مكاسبهم نتيجة لأخطاء كبيرة لا يمكن تفاديها بحكم السرعة والتعجل والتخبط. وهنا برَّر الإخوان ظاهرة "التكويش" التى تورطوا فيها بأن الحزب الفائز فى الانتخابات يمكن أن يسيطر حتى فى البلدان الأكثر "ديمقراطية" على السلطتين التنفيذية برئاستها وحكومتها والتشريعية بمجلسها أو مجلسيها، غير أنهم تجاهلوا حقيقة أن هذا لا ينبغى أن يعنى سيطرة الحزب الفائز على مفاصل الدولة، وحقيقة أن البلدان الأكثر "ديمقراطية" ذات التقاليد الراسخة فى الحكم لا يمكن أن تتورط فى مثل هذه الممارسات باعتبار الأحزاب الحاكمة مسئولة عن مصالح الطبقة الحاكمة ككل.
10: وبعد يومين فقط من احتجاجات ذكرى "محمد محمود" صدر الإعلان الدستورى الذى قابله الشعب باحتجاجات جماهيرية واسعة لا مثيل لها منذ يناير 2011. وواصلت الرئاسة تحدِّيها لهذه الموجة الكبرى من موجات ثورة 25 يناير، وكانت كل خطوة للرئاسة تؤدى إلى اتساع نطاق الاحتجاجات والمليونيات والاعتصامات والإضرابات وإلى ارتفاع سقف المطالب التى بدأت بمطلب إلغاء الإعلان الدستورى الجديد والجمعية التأسيسية للدستور وارتفعت إلى إسقاط الاستفتاء على مشروع الدستور وإلى ذروة إسقاط النظام والرئيس وإسقاط حكم المرشد، كما واصلت أشكال الاحتجاج تطورها وارتفاعها بالتظاهر والاعتصام والإضراب والمسيرات ومنها مسيرة "الإنذار الأخير للرئيس" التى ستزحف غدا (اليوم حيث أستكمل المقال) نحو قصر الاتحادية.
11: وقد استفز الانقلاب السياسى والتشريعى الذى قام به الرئيس والحزب والجماعة جماهير الشعب إلى التحرك، وتجاوبت معها مؤسسة حاسمة من مؤسسات الدولة وهى السلطة القضائية التى استهدفها الانقلاب الرئاسى، وصار إضراب قطاعات واسعة من القضاة عن العمل وعن الإشراف على الاستفتاء من أقوى الاحتجاجات على العدوان على حقوق وحريات الشعب كله من خلال محاولة إخضاع القضاء لمؤسسة رئاسة الجمهورية. واتسعت حركة الاحتجاج لتشمل الصحافة الحزبية والمستقلة (وامتدت إلى جموع الصحفيين فى مؤسسات صحفية شبه رسمية) وكذلك الفضائيات الخاصة. ولا مجال هنا لتعداد الأحزاب والنقابات والمهن ومختلف الجهات التى تشارك الجماهير الشعبية حركتها الثورية الكبرى التى تنادى بإسقاط النظام وحكم المرشد ورحيل رئيس الجمهورية الإخوانى، فيما دخل اعتصام التحرير الذى تغذِّيه وتحتضنه مليونيات ومسيرات متواصلة يومه الثانى عشر، وتتجه إلى المزيد من تصعيد أشكال النضال نحو الدعوة إلى الإضراب العام وحتى العصيان المدنى.
12: والواقع أن الانقلاب السياسى الرئاسى الإخوانى دفع الاستقطاب القائم بين الإسلام السياسى من ناحية والقوى السياسية والثورية من ناحية أخرى إلى مستوى الانقسام الجماهيرى الحاد للغاية والمتواصل الاتساع والذى يهدد بالتورط فى صدام واسع النطاق وصارت تعبيرات كالاقتتال والحرب الأهلية تطفو على السطح. ويحدث كل هذا فى وقت تتردى فيه سيناء مع المزيد من الصوملة وسيطرة الجماعات الجهادية المسلحة واشتباكها مع الجيش وقوات الأمن نحو حالة تصاعد الاقتتال الأهلى مهدِّدا باقى مصر. ويؤدى كل هذا إلى إدراك أن حكم المرشد إنما يفتح على شعبنا أبواب الجحيم فى اتجاه حرب أهلية مدمرة، وباختصار فإن حكم المرشد بما يؤدى إليه من انقسام حاد وبالغ الخطورة إنما هو نظام الحرب الأهلية التى ينبغى الاستماتة فى العمل على تفاديها، ولا يكون هذا إلا بالإطاحة بحكم المرشد.
13: ويثبت الشعب من جديد أنه قادر على تقديم المزيد والمزيد من التضحيات والدماء فى سبيل "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية" فى سياق موجته الثورية الكبرى الراهنة التى تهدف بعناد وصلابة واستماتة وبسالة إلى إسقاط حكم المرشد، ورئيسه، ودستوره، واستفتائه، ومسخه الپرلمانى المتمثل فى مجلس الشورى، وإعلاناته الدستورية الباطلة، وكل نظامه الاستبدادى، وإلى إسقاط شرعيته المستمدة من التفاوض مع مبارك والتحالف مع مجلسه الأعلى للقوات المسلحة المصرية. واليوم ونحن فى خضم هذه المظاهرات والاعتصامات والمسيرات والزحف إلى قصر الاتحادية، حيث نخوض هذه المعركة الفاصلة التى قد تطول وقد تقصر لإسقاط حكم الإسلام السياسى بقيادة الجماعة ومرشدها وحزبها ورئيس جمهوريتها التى تسير بخطًى حثيثة على طريق الدولة الدينية، إنما نحاول إنقاذ مصر وشعبها من المستقبل المظلم الذى يخطَّط لها، وهو مستقبل ينذر بحرب أهلية مدمرة لا تُبقى ولا تذر.
14: إنها معركة تتمثل أهدافها المباشرة فى إسقاط الرئيس ومجلس الشورى ومشروع الدستور والاستفتاء عليه والإعلان الدستورى وذيوله، بل كل الإعلانات الدستورية منذ إعلان 13 فبراير 2011 بكل ما ترتب عليها من قرارات ورسوم وقوانين وممارسات وإجراءات وتدابير وترتيبات للبدء من المربع الأول، مربع ثورة 25 يناير 2011! وهناك فكرة متخاذلة مؤداها أن تفادى أخطر ما تنطوى عليه التطورات المقبلة بما فى ذلك الحرب الأهلية إنما يكون بالعمل بالحكمة المزعومة المتمثلة فى الهبوط بسقف المطالب الذى ارتفع إلى عنان السماء ليرتطم بحضيض تسوُّل إقرار الإعلان الدستورى بتعديلات بعينها وحتى بالاكتفاء بإلغاء الإعلان الدستورى بالكامل وإسقاط المشروع الحالى للدستور الاستبدادى المطروح للاستفتاء الآن؛ فيما تعود بنا المعركة الكبرى الحالية إلى روح الثورة التى تقوم ببناء مؤسساتها الديمقراطية الشعبية من أسفل بدلا من بناء مؤسسات دولة الثورة المضادة بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجماعة الإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى. والحقيقة أن التراجع المخزى الذى تنطوى عليه هذه الفكرة المتخاذلة يفتح الباب واسعا أمام كارثة تمكين حكم جماعة الإخوان المسلمين بكل ما تعنيه الدولة الدينية من خراب عاجل.
15: يسقط حكم المرشد! يسقط نظام الإخوان المسلمين والإسلام السياسى! يسقط رئيس الجمهورية! تسقط أخْونة الدولة! يسقط نظام انقسام الشعب والحرب الأهلية! يسقط الدستور الاستبدادى الذى يُراد فرضه على الشعب على جثة ثورته وكرامته وحرياته وحقوقه ومستقبله!
4 ديسمبر 2012









14
إلغاء الإعلان الدستورى
إلغاء مشروع الدستور
مقاطعة الاستفتاء.. وليس التصويت ﺑ "لا"
إسقاط الرئيس الحاكم بأمر المرشد
1: تقوم أحزاب وقوى سياسية ليبرالية، فى سياق بحثها عن مخرج من مأزق الإعلان الدستورى والاستفتاء على مشروع الدستور، بالترويج لحلول وسط "معتدلة" فى سبيل تجاوز هذا المأزق واستعادة وحدة مزعومة للصف "الوطنى"، أىْ مع الإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى. وفيما يتعلق بالإعلان الدستورى الجديد يجرى الترويج للابتعاد عن أخذه كحزمة واحدة نرفضها ككل أو نقبلها ككل إلى موقف نقبل فيه بنديْن من بنوده يُقال لنا إنهما من صميم أهداف قوى الثورة وهما إعادة محاكمة مبارك ورجاله (المادة الأولى) وإقالة النائب العام عبد المجيد محمود (المادة الثالثة). ويُقال لنا إنه باقتصار الإعلان عليهما وبالتراجع عن المواد الأربع الأخرى سيكون الإعلان الدستورى محققا لهدفيْن مهميْن من أهداف الثورة مع تنقيته من كل ما يمكن النظر إليه على أنه هدم للسلطة القضائية وإضافة سلطات رئاسية يمكن النظر إليها على أنها بمثابة فرض لحالة الطوارئ مع التفاف مكشوف حول قانون الطوارئ المرفوض شعبيا. ويروِّج نائب الرئيس المستشار محمود مكى لحِيلة بارعة حقا تتمثل فى التوقيع على وثيقة توافقية مكتوبة تشتمل على نصوص مواد دستورية بديلة قبل التصويت فى استفتاء الدستور، بحيث يجرى إحلالها محل موادَّ دستورية واردة فى المشروع الحالى، مع التمسك الصارم بإجراء الاستفتاء فى موعده الذى لا تراجُع عنه. وكل هذا لحفظ ماء وجه رئيس الجمهورية وحفاظا على كرامته حتى إنْ كان هذا ينطوى على إهدار صارخ لكرامة الشعب التى لا يفكر فيه وفى كرامته أحد حتى من زعامات القوى السياسية الذى تروِّج لمثل هذه الحلول الوسط المتخاذلة.
2: والحقيقة أن هذا الحل الوسط قد يحفظ ماء وجه الرئيس الذى يصرّ على كل حال إلى الآن على التمسك بمواد الإعلان كحزمة لا تراجع عنها؛ غير أنه لا يقوم على أساس متين أو منطق سليم. ذلك أن كل مواد هذه الحزمة، المرفوضة شعبيا، لها هدف واحد هو توجيه ضربة قاصمة إلى السلطة القضائية مع الاعتذار بأنها هذه الضربة حالة مؤقتة على كل حال تمهيدا لتقويضها وإخضاعها لرئيس الجمهورية على رأس السلطة التنفيذية كما يتضح من مشروع الدستور المطروح الآن للاستفتاء العاجل. ويُقال لنا إن الرئيس فى عجلة من أمره إلى هذا الحد مدفوعا برغبة سامية نبيلة فى أن يردّ إلى مجلس نيابى منتخب سلطة التشريع التى آلت إليه على أساس إعلان دستورى رئاسى سابق أصدره بنفسه فى 12 سپتمبر الماضى. إنه يريد التعجيل بإقرار دستور يتمّ على أساسه انتخاب مجلس نيابى يقوم بالمهام الطبيعية لسلطة تشريعية منتخبة. وعلى هذا النحو يبادر الرئيس الذى تمّ انتخابه رئيسا للجمهورية ليس على أساس دستور، بل على أساس مجرد الإعلان الدستورى التأسيسى (30 مارس 2011) الذى أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولم يُطرح حتى لاستفتاء، وأضاف إليه إعلانٌ دستورى آخر أصدره بنفسه كما سبق القول سلطة التشريع، ويُقال لنا إنه كرئيس ديمقراطى ممثل للثورة لا يريد الجمع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وإنه لذلك مضطر إلى السيطرة المحكمة على السلطة الثالثة أىْ القضاء جامعًا بين يديه كل سلطات الدولة مؤقتا، لمجرد تيسير إصدار الدستور وبالتالى انتخاب السلطة التشريعية (مجلس الشعب)، وإن هذا سيؤدى إلى تحرير السلطة القضائية من هيمنته المؤقتة عليها، وبالطبع فإن مشروع الدستور يوضح إلى أىّ حد ستكون السلطة القضائية تابعة له. ومن المحتمل أن ديكتاتورية الرئيس لا تصدر عن طبع شخصى بالضرورة، بقدر ما تُمليها وظيفته المتمثلة فى "تمكين" الجماعة فى الأرض.
3: وإذا تأملنا قليلا فى المواد الست فإننا نقف بسهولة على حقيقة أن نَصْلَها الحادّ موجَّه إلى القضاء والقضاة والسلطة القضائية؛ وهو الأمر الذى ردّ عليه القضاة بثورة شاملة عارمة ضد الإعلان الدستورى وضد مشروع الدستور وضد الإشراف القضائى على الاستفتاء عليه. ذلك أن تقويض القضاء هو جوهر المواد الست جميعا؛ الأمر الذى يمنحه كل السلطات اللازمة للاستبداد والطغيان وبالتالى الفساد المالى والإدارى. فالمادة الثانية تنص على أن "الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة نهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن عليها بأىّ طريق، ولا يجوز التعرُّض لقرارات الرئيس بوقف التنفيذ أو الإلغاء من قبل أىّ جهة قضائية" (وهكذا جرى تحصين ممارساته القانونية وغير القانونية منذ تولِّيه وفى الوقت الحالى وفى المستقبل من كل مراجعة قضائية أو غير قضائية فهى غير قابلة حتى لمجرد الطعن أو التعرُّض). وتنص المادة الخامسة على أنه "لا يجوز لأىّ هيئة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية"، وهذا لتحصينهما ضد أحكام قضائية محتملة، حيث تمثل هذه الجمعية الإخوانية السلفية بغالبيتها أداة إعداد الدستور الملائم للعهد الإخوانى الجديد، على حين يمثل مجلس الشورى أداة طيعة مزدوجة الوظيفة كما يتضح من مشروع الدستور الذى يجعله مجلسا له سلطة تشريعية للمرة الأولى منذ قيام السادات بفرضه دون وظيفة تشريعية؛ بحيث يكون قادرا على التشريع بأغلبيته الإخوانية الساحقة فى حالة غياب مجلس "النواب"، وقادرا على تعطيل قرارات مجلس "النواب" فى حالة عدم تحقيق أغلبية إخوانية فيه.
4: كذلك فإن المادة الأولى (إعادة محاكمة مبارك ورجاله)، وإنْ كانت تبدو استجابة لهدف من أهداف قوى الثورة، رغم أنها مقصودة لتمرير الإعلان الدستورى ليس إلا، هجومٌ مباشر على قانون الإجراءات الجنائية، وهو بالتالى عدوان صارخ على القانون (السلطة التشريعية) والقضاء الذى أصدر أحكامه فى القضايا المعنية. والمادة الثالثة (إقالة النائب العام وبالتالى تعيين نائب عام جديد) عدوان مزدوج على القضاء بالإقالة ثم بالتعيين. ولا شك فى أن الهدف الثورى المتمثل فى محاكمة مبارك ورجاله على سياسات وتطبيقات وجرائم عهده يختلف تماما عن محاكمات قانون العسكر وعن محاكمات قانون الإخوان المسلمين، كما أن أمر النائب السابق واللاحق إنما يقرره القضاء بلا منازع، ما دمنا نتحدث فى الحالين عن شرعيتهم الدستورية والقانونية التى يتحصنون بأحكامها وأوهامها وليس بشرعية ثورية.
5: أما المادة الرابعة (مدّ عمل جمعية الدستور شهرين) فإنها قد تبدو "زائدة على اللزوم"، كما يُقال، بعد أن أنجزت الجمعية المذكورة ما هو مطلوب منها فى يومين، من خلال تصويتها الماراثونى الهزلى. غير أن المهم هنا هو أن هذه المادة أيضا اغتصاب للسلطة التشريعية وانقضاض على القضاء الذى ينظر قانونية تشكيل الجمعية التأسيسية؛ وكانت جماهير الإخوان المسلمين والإسلام السياسى هى التى حاصرت المحكمة الدستورية العليا ومنعتها من نظر الطعن على دستورية تشكيل الجمعية.
6: وتنص المادة السادسة على أن "للرئيس أن يتخذ يتخذ الإجراءات والتدابير اللازمة لحماية البلاد وحماية أهداف الثورة"، وهى تقوم، فى التفاف واضح على فرض قانون الطوارئ، بتحصين "الإجراءات والتدابير" التى يتخذها الرئيس من أىّ طعن أو تعرُّض من أىّ نوع أو رقابة. وعن طريق إقصاء القضاء، تقوم السلطة التنفيذية بفرض قانون الطوارئ وحالة الطوارئ تفاديا لإصدار قانون جديد للطوارئ حاول وزير العدل المستشار أحمد مكى سلقه لتمرير فرضه باعتباره أفضل من القانون الحالى الذى اضطر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى رفع حالته مع بقائه كقانون.
7: وكما سبق القول فقد أطلق الإعلان الدستورى ثورة عارمة واسعة النطاق بين رجال القضاء من قضاة ومحامين ووكلاء نيابة فى القاهرة ومختلف محافظات مصر، كما أطلقت ثورة جماهيرية كبرى لا نظير لها منذ ثورة يناير، وجذبت هذه الثورة إلى صفوفها قوى نقابية عمالية وفلاحية ومهنية؛ ومع الدعوة إلى الاستفتاء انضمّ إليها حتى الدپلوماسيون المصريون فى الخارج، والصحافة "المستقلة" والحزبية والفضائيات الخاصة، واتسع نطاق المظاهرات والمليونيات والمسيرات والاعتصامات والإضرابات وحتى الاتجاه بالتدريج إلى الإضراب العام والعصيان المدنى. ويتطور الصراع السياسى بسرعة مذهلة متخذا شكل الاحتجاج السياسى الجماهيرى السلمى من جانب القوى الثورية واليسارية والديمقراطية والليبرالية والشكل الجماهيرى من جانب الإسلام السياسى بميليشياته وبلطجيته الإخوانية، التى تنقض الآن على اعتصام القوى السياسية فى محيط قصر الاتحدية الرئاسى، بخناجرها وسكاكينها وسنجها وسيوفها وخراطيشها وأسلحتها النارية، فتُوقع قتلى وجرحى، فى بداية مشؤومة فى اتجاه الأسوأ. ويصل الاستقطاب والانقسام والاشتباك شيئا فشيئا إلى مستويات مرتفعة متصاعدة.
8: وتتعدد السيناريوهات المحتملة لتطور هذا الصراع السياسى الجماهيرى باشتباكاته المسلحة؛ وتتجه المخاوف نحو احتمال الانزلاق التدريجى إلى الحرب الأهلية، فيما ينعقد أملٌ مراوغ على إمكانية تفادى الحرب الأهلية. كما أن هذه السيناريوهات تستبعد أو لا تستبعد تدخلات ومواقف شتى من جانب مؤسسات أو جهات وقوى محلية وعربية وعالمية. ولا يتسع المجال هنا لتحليل لمخاوف اندلاع حرب أهلية أو للآمال فى تفاديها. ويمكن الاكتفاء هنا بإشارات قليلة موجزة. فقد أدى تحالف العسكر مع الإخوان المسلمين والسلفيِّين باعتبار هؤلاء وأولئك رأسىْ الحربة فى صراع الثورة المضادة التى تمثل الطبقة الرأسمالية التابعة الحاكمة ضد الثورة السياسية الشعبية إلى تعريض الشعب لدفع ثمن باهظ يتمثل فى احتمال معاناة ويلات دولة دينية بكل جبروتها وربما ويلات حرب أهلية. وصار من الجلى أن الثورة مستمرة وأن الطبقة العاملة والجماهير الشعبية والفقيرة لن تسلَّم بقيام الدولة الدينية الاستغلالية الاستبدادية المتسلحة بالإسلام كدين للدولة وباعتبار مبادئه المصدر الرئيسى للتشريع، وبالتالى فإنها تبدو غير مستعدة للتراجع عن أهداف ثورتها. كما تدرك أقسام واسعة من الرأسمالية المصرية رغم تخلفها و تبعيتها خصائص الحكم الدينى الإخوانى غير الملائمة لمصالحها وحياتها وعلاقاتها العالمية والدولية فى مختلف المجالات. ورغم الطابع المهادن للقوى السياسية التى تمثل هذه الأقسام من الطبقة الحاكمة ورغم الحلول الوسط المتخاذلة التى تروِّج لها حاليا وتميل إليها فى أكثر الأحيان فإنها ترث تاريخا طويلا من العداء للإخوان المسلمين وتُفْزِعها سياساتهم وممارساتهم الحالية القائمة على نصيب الأسد من الكعكة المتآكلة بفعل الأزمة الاقتصادية المحلية والعالمية. أما الإسلام السياسى فإن ممارساته جميعا تكشف عن عدم الاستعداد للتراجع عن تسريع السيطرة والهيمنة و"التكويش" و"التمكين".
9: وهذا الموقف المتحجر غير المستعد للتنازلات أو التراجع من جانب الإسلام السياسى منطقى للغاية ومفهوم للغاية، بعد انتظار طال أمده عقودا للانقضاض على السلطة بكل الأوهام الأيديولوچية الدينية السياسية، وبكل المصالح والمغانم الاقتصادية للأقسام التى يمثلها من الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية. وهنا يدور صراع بين إرادتين لقوتين عنيدتين كبيرتين: بين الثورة والثورة المضادة التى يمثل الإسلام السياسى قسما أساسيا من أقسامها. على أن القطاعات "الإسلامية السياسية" من الطبقة الرأسمالية الكبيرة ليست "كل" الطبقة وليست "كل" الثورة المضادة. ورغم أن الانقلاب العسكرى مرفوض شعبيا بعد انقشاع الأوهام الشعبية عن الجيش المصرى، ورغم أنه مرفوض دوليا فى عالم اليوم ولا يسهل بيعه أو بلعه، فإن المؤسسة العسكرية المصرية التى ما تزال تنعقد عليها ثقة الرأسمالية العالمية، وحتى الرجعية العربية، والتى ما تزال الممثل الموثوق لأوسع قطاعات الرأسمالية المصرية وقواها الليبرالية والحارس الأمين على مصالحها وليس على مجرد ما يسمى بالخروج الآمن لقياداتها وفقا لتصورات تحليلية مبتذلة، والتى تدرك جيدا أن الحرب الأهلية يمكن أن تعصف بالطبقة الرأسمالية الحاكمة ودولتها وسلطتها ونظامها، يمكن أن تلعب دورا حاسما لمواصلة تفادى الحرب الأهلية المدمرة. وبالطبع فإن خيار الحرب الأهلية ليس الخيار الأفضل فى رؤية الإخوان المسلمين وباقى أطراف الإسلام السياسى، بل إنهم يدركون تماما أنها كارثة، ليس فقط كما يفهمون من تاريخ الحروب الأهلية بل كما يرون حولهم فى بلدين على الأقل من بلدان ما يسمى بالربيع العربى.
10: ومع هذا فإن الانزلاق، رغم كل الروادع، نحو حرب أهلية لا تُبقى ولا تذر خطر وارد ولا يمكن استبعاده تماما. وإذا استطاع الإخوان والسلفيون، لا قدَّر الله، إخضاع الشعب وثورته عن طريق تصفية الثورة فإن هذا الشعب يعلم أبعاد المعاناة الكارثية التى سيكون وقودُها الناس والحجارة تحت الأحذية الدينية الفاشية. أما تراجُعهم، وإنْ كانوا يتحجَّرون، فهو خيارهم الأفضل حفاظا على مصالحهم فى الوجود السياسى والاقتصادى فى مصر فى المستقبل، على حين أن إسقاطهم فى سياق حرب أهلية سوف يعنى هلاكهم بين الهالكين وربما أكثر من الهالكين جميعا. ويبدو أن مصر، حتى إنْ تفادت الحرب الأهلية، قد تكون على موعد مع موجة جديدة كبرى من الإرهاب الجهادى الذى نرى بوادره بوضوح فى شبه جزيرة سيناء التى تتدهور نحو الصوملة الجهادية العاجلة التى بدأت منذ عهد مبارك وتفاقمت مع بداية عهد الرئيس الحاكم بأمر مرشد جماعة الإخوان المسلمين.
11: ونعود إلى الموقف المطلوب إزاء حكم الإخوان المسلمين، بعد أن تخطت الانقسامات والصدامات والاشتباكات التى ينظمونها خطوطا حمراء خطا بعد خط، ليس كمجرد قوى سياسية متصارعة مع غيرها، بل كميليشيات تعتمد عليها رئاسة الجمهورية كأدوات مباشرة جاهزة فى أيديها تمدُّها الجماعة بها دون تفكير عميق فى العواقب الوخيمة التى لن تدَّخر الجماعة أيضا. وأمام هذه المخاطر تتجه قوى سياسية إلى إظهار رغبتها الصادقة المتخاذلة وحتى المتواطئة بالنسبة لبعضها بحكم علاقات عضوية أو جبهوية سابقة مع زعم أن قوى الإسلام السياسى قوى ثورية شاركت فى ثورة يناير ووقفت جنبا إلى جنب وكتفا إلى كتف و"إيد واحدة" مع باقى قوى الثورة فى تلك الأيام المجيدة، متجاهلين أن الوقوف فى نفس المكان مع ترديد نفس الشعارات لا ينفى أن الغايات والأهداف المتعارضة التى فى النفوس والصدور والأرواح والعقول انطلاقا من تناقض المصالح، وليس مجرد التجاور المكانى، هى الفيصل فى تحديد حقيقة الوحدة بين قوى فى ميدان واحد أو فى خندق واحد فى إحدى اللحظات. ويمثل هذا وحده معيار تمييز ما يفرِّق بينهم رغم المكان الذى يجمعهم. والحقيقة أن قوى سياسية وحتى ثورية أو ثائرة كثيرة ساعدت فى تمكين العسكر فى مرحلة وفى احتضان الإخوان وتقوية شوكتهما وإنجاحهم فى الاتجاه نحو السيطرة والتمكين فى مرحلة تالية، بحكم مواقفهم المهادنة والمتخاذلة. ولا ينبغى أن تسمح القوى الحقيقية للثورة لزعامات ليبرالية وقومية وحتى يسارية بل حتى لزعامات من الثوار بأن تلعب هذا الدور من جديد. والحقيقة أن المواقف الحازمة من جانب قوى الثورة ضد قوى الثورة المضادة، وعلى رأسها الآن الدُّعاة الصريحون والمتنكرون للدولة الدينية أو للدولة ذات المرجعية الإسلامية، هى الكفيلة حتى بجعل الأمل فى تفادى الحرب الأهلية حقيقة واقعة.
12: ويحتاج مشروع الدستور الجديد الذى جرى إعداده بليل والمطروح للاستفتاء "هنا والآن"، بأبوابه الخمسة، وفصوله العشرين، ومواده المائتين وست وثلاثين، إلى تحليل تفصيلى معمَّق لا يتسع له المجال هنا، إلا أن طابعه الاستبدادى يقوم على التغوُّل الدستورى للسلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية وإحكام إخضاع السلطة القضائية لرئيس الجمهورية على رأس السلطة التنفيذية، كما يمنح حق استمرار الرئيس الحالى رئيسا للجمهورية لمدة أربع سنوات كاملة رغم إقرار دستور لم يتمّ انتخابه على أساسه فى تمسُّك سافر بالكرسى الرئاسى، بحجة أن الشعب اختاره ولا وقت نضيِّعه على الانتخابات المتواصلة. وذلك بعد الاتجاه بلا تردد نحو إقرار مشروع الدستور للنظام الرئاسى فى الحكم، وهو ما روَّج له كثيرون من النخبة الفكرية والسياسية من عَبَدَة عقيدة الرئيس "القوى" للدولة "خاصة فى هذه المرحلة الدقيقة"، كما كانوا يبررون، وكأن ثلاثة عهود من الرؤساء الأقوياء فى مصر لم تُثْبِت أن الرئيس القوى، المستبد العادل الذى لا يكون عادلا مطلقا، قاد مصر فى كل هذه العهود إلى الحالة المتدهورة التى ثار ضدها الشعب. ومشروع دستورنا، مثل وحتى أكثر من دستور السادات، دستور طائفى يقوم على التمييز بين المواطنين على أساس الدين والجنس فيقسِّمهم ويمزقهم كأمة وكشعب، ويمنح للرئيس سلطات استبدادية وسلطوية وديكتاتورية تفتح الأبواب واسعة نحو الفساد المالى والإدارى، بحكم تبعية السلطة القضائية والأجهزة والجهات الرقابية لرئيس الجمهورية، وسيطرة الفقر والجهل والمرض كشروط اجتماعية ثقافية عامة تطعن فى مصداقية كل الانتخابات العامة الپرلمانية والرئاسية والاستفتاءات فى مصر، ومما يدعو للسخرية أن يتباهى أنصار الرئيس بأنه أول رئيس مدنى منتخب فى انتخابات حرة نزيهة، وكأن مثل هذه الانتخابات ممكنة فى مصر، وكأن انتخابات أنزه فى ألمانيا فى الثلاثينات لم تؤدِّ إلى صعود هتلر والحكم النازى الذى تواصل اثنى عشر عاما.
13: وبالتالى فإن الأهداف المطروحة فى المدى المباشر هى إلغاء الإعلان الدستورى بكامله وكذلك ذيوله المتمثلة فيما يسمَّى بقانون حماية الثورة، وفى تعديل قانون النقابات العمالية 35 لسنة 1976، وإلغاء الاستفتاء على الدستور، وسحب مشروعه، ومقاطعة الاستفتاء وليس التصويت بلا، كما ينادى كثيرون. وينبغى أن يكون التركيز الرئيسى على الفعل الثورى المتمثل فى الإطاحة بحكم محمد مرسى وحزبه وجماعته، وعلى بناء مؤسسات الديمقراطية الشعبية فى مجرى هذا الفعل الثورى الذى يشمل أيضا مختلف الاحتجاجات الرامية إلى انتزاع الحقوق والحريات وأدوات النضال الحزبية والنقابية وحقوق التظاهر والاعتصام والإضراب والأجور العادلة المرتبطة بالأسعار والتأمين الصحى الشامل والتعليم المجانى الجيد والصحافة المستقلة واستقلال القضاء.
14: والحقيقة أن حكم الرئيس محمد مرسى قد سقط شعبيا بصورة نهائية بعد كل جرائمه هو وحزبه وجماعته وحلفائهم فى سياق تحالفهم مع المجلس الأعلى قبل وبعد الانتخابات الرئاسية، غير أن إسقاطه الفعلى الرسمى سيتقرر فى مجرى الصراع السياسى الراهن. ومع احتدام هذا الصراع مع الإخوان المسلمين والسلفيِّين والاشتباك فى مناطق شتى فى العاصمة والمحافظات مع ميليشياتهم، ومع شعارات المطالبة الشعبية بإسقاط حكم المرشد وحكم الرئيس الحاكم بأمر المرشد، يبرز سؤال إلى مَنْ تذهب السلطة فى حالة نجاح الثورة فى إسقاط النظام الحالى؟ والرد البديهى على مثل هذا السؤال هو أن القوى التى سوف تنجح فى إسقاط الرئيس الحاكم بأمر المرشد، بأوزانها وقدراتها وطاقاتها النسبية المختلفة، بحكم أولوية عليا للإطاحة بالدولة الدينية الناشئة وحلّ جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الأخرى وحلّ الأحزاب ذات المرجعية الدينية بوصفها أدوات تأسيس الدولة الدينية، هى التى سوف تحكم، بالاستناد إلى قوتها المادية الفعلية على الأرض من خلال مجلس رئاسى مدنى مؤقت وحكومة مؤقتة يستبعدان مشاركة الإخوان المسلمين والسلفيِّين فى الحكم، كما يستبعدان عودة المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى الحكم. وتبقى بالطبع قضية مشاركة أو عدم مشاركة القوى الثورية فى مثل هذا الحكم قابلة للمناقشة وفقا للتحليل العينى للواقع العينى ساعتها. كما تبقى مسألة المحاسبة الثورية التى لا مناص منها للرئيس السابق مبارك ورجاله ولخلفائه من قادة الجيش والإخوان المسلمين. 6 نوڤمبر 2012
15
الثورة تتسع وتتعمَّق
والحركة الجماهيرية تتجاوز
قيادات جبهة الإنقاذ الوطنى
1: منذ احتجاجات ذكرى مذبحة شوارع محمد محمود وقصر العينى والشيخ ريحان ومحيط مجلس الوزراء، وقمع هذه الاحتجاجات، ثم صدور الإعلان الدستورى الرئاسى، إعلان تحصين إعلانات وقرارات وقوانين رئيس الجمهورية ضد القضاء منذ توليه وفى المستقبل، ومنح رئيس الجمهورية سلطات مماثلة تقريبا لسلطاته فى ظل إعلان قانون الطوارئ، ثم "سَلْق" مشروع الدستور والدعوة إلى الاستفتاء عليه فى 15 ديسمبر القادم، تجمعت وتنامت وتطورت واتسعت موجة جماهيرية كبرى من موجات الثورة السياسية الشعبية، وفى الوقت الحالى تزداد هذه الحركة اتساعا وعمقا، مرتفعة إلى الذروة التى بلغتها ثورة يناير 2011 فى موجتها الكبرى الأولى فى يناير وفبراير من تلك السنة، ومتجاوزة لتلك الذروة من نواحٍ بالغة الأهمية.
2: فمن ناحية، اتسعت الحركة فى القاهرة وعواصم المحافظات والعديد من المدن الأخرى بصورة لم يسبق لها مثيل منذ الثورة، وحتى أثناء الثورة فى بعض المناطق. وتتميز هذه الحركة بمظاهراتها واعتصاماتها وإضراباتها الممتدة التى يتزايد طولها الزمنى، وبكل هذا الحجم، ربما ليتجاوز الطول الزمنى لكل الأحداث منذ اندلاع الثورة. وقد أثبتت الحركة ثباتا واستبسالا فى وجه العناد الرئاسى وفى وجه الاشتبكات الضارية التى فرضتها جماعة الإخوان المسلمين وفرضها الإسلام السياسى على الحركة الشعبية ورغم ارتفاع أعداد القتلى والجرحى. وهناك تطورات متطرفة فى كثير من المناطق من جانب بعض قطاعات الحركة الجماهيرية الشعبية مثل الهجوم على مقار الإخوان المسلمين واقتحام أو إحراق عدد منها. ولا يمكن تفسير مثل هذه التطورات المتطرفة إلا بحدة الغضب الشعبى فى مواجهة السلوك السياسى لرئاسة الجمهورية وجماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة ومعظم أطراف الإسلام السياسى وهو سلوك سياسى خارج على الدستور والقانون ويكرِّس الاستبداد والطغيان والديكتاتورية والترويع والإرهاب. أما ظاهرة الحديث عن الاستقلال عن مصر أو عن حكم الإخوان فى بعض المحافظات فإنه من ناحية رمز لرفض الهجوم الرئاسى الإخوانى على الديمقراطية بحقوقها وحرياتها كما يتضح من الإعلان الدستورى ومشروع الدستور والاستفتاء العاجل عليه والعناد فى التشبُّث بهذه القرارات الاستبدادية، ولا يمكن النظر إلى هذا الحديث على أنه يعنى بحال من الأحوال نزوعا انفصاليا عن مصر. غير أن لمثل هذا الحديث الذى ارتبط أحيانا باقتحام مقارّ حكومية فى بعض المحافظات بُعْدًا رمزيا آخر يتمثل فى التطلع إلى اللامركزية بوصفها هدفا من الأهداف الأساسية الأصيلة التى أبرزتها الثورة.
3: ومما يعطى لهذا الامتداد المكانى والزمانى للحركة الجماهيرية كل أهميته ومغزاه ودلالته أن أهداف ومطالب وشعارات الحركة أخذت تتطور وتتصاعد بسرعة عاصفة منذ بدأت بمطلب إلغاء الإعلان الدستورى الاستبدادى الجديد وانتقلت فى سياق تصعيد سريع متواصل، عبر مطلب "إلغاء الاستفتاء على مشروع الدستور"، إلى شعارات "الشعب يريد إسقاط النظام"، و "يسقط حكم المرشد"، و "ارحلْ"، وغيرها، ليرتفع سقف المطالب إلى الذروة. ولا يتمثل العمق المتعاظم للحركة الجماهيرية من جانب واحد فى ارتفاع سقف أهدافها وشعاراتها إلى الحدود القصوى المفتوحة على مزيد من التصعيد من حيث ربط هذه الشعارات بأشكال نضالية أعلى تصعيدا؛ حيث إن ما يمنح تعميق راديكالية شعارات الثورة كل مغزاه شيء بالغ الأهمية: التسييس المتواصل خلال قرابة عامين، بما يؤدِّى إلى فرز أكثر تقدما للقوى الاجتماعية والسياسية، وإلى فهم أعمق لحقائق الثورة والثورة المضادة، وإلى ثقة أعلى بالنفس وبحركة الجماهير الشعبية، وبتراجع الثقة التى لم تكن فى محلها فى جماعة الإخوان المسلمين والتحرر من الأوهام عن الجيش لتنفتح آفاق جديدة وتطلعات جديدة. وعلى هذا فإن المزيد من الوعى السياسى والخبرة النضالية هو الذى يقوم بتغذية مزيد من الإصرار على تحقيق أهداف الثورة قبل "تمكين" أعدائها من سرقتها بصورة لا تترك مجالا لأىّ أمل فى استردادها ومن تصفية الثورة بصورة نهائية.
4: ورغم هذا التقدُّم الكبير إلى الأمام من جانب الحركة الجماهيرية، وعشرات ومئات من قياداتها الوسطى، ما زال كبار زعماء ورموز جبهة إنقاذ الثورة يعلنون فى بياناتهم وتصريحاتهم وشروطهم للاستجابة للحوار الذى يدعو إليه رئيس الجمهورية شروطا دون المستوى الذى بلغه سقف مطالب الحركة الجماهيرية بكثير عند إلغاء الإعلان الدستورى، وتأجيل الاستفتاء (والمطلوب: إلغاؤه وإلغاء الجمعية التأسيسية للدستور وإلغاء مشروع الدستور)، والتحقيق فى اشتباكات الاتحادية، وذلك رغم الاستعداد الواضح للتصعيد فيما يتعلق بوسائل وأشكال النضال بالدعوة إلى توسيع نطاق الاعتصامات فى مختلف مناطق مصر، والحديث عن أن الحركة الجماهيرية تتجه إلى الإضراب العام. ولا يرقى هذا بالطبع إلى مستوى إصرار الحركة الجماهيرية على رحيل الرئيس محمد مرسى؛ انطلاقا من فقدان الثقة الشعبية فى حكمه وحزبه وجماعته بالتحالف مع أطراف أخرى فى الإسلام السياسى. وهناك أمل فى ألا تتسع الفجوة بين مطالب الحركة الجماهيرية ومطالب زعماء جبهة إنقاذ الثورة، تفاديا لإحباط ذلك للحركة. والحقيقة أن هؤلاء الزعماء أنفسهم مسئولون مع القوى السياسية والثورية عن سلسلة من أخطائهم التى حملت جماعة الإخوان المسلمين المتحالفة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى مجلس الشعب المنحل ومجلس الشورى القائم والجمعية التأسيسية التى أنتجت هذا المشروع المرفوض وصولا إلى نتائج الانتخابات الرئاسية التى جاءت بالرئيس مرسى.
5: وتتمثل الحجة الأساسية فى دفع الإخوان المسلمين ومَنْ والاهُمْ فى الدفاع بالباطل عن أىّ إعلانات دستورية أو قوانين أو قرارات لرئيس الجمهورية مهما خالفت وانتهكت الدستور والقانون والملاءمة السياسية فى صيغة أنه "الرئيس المنتخب". وبالطبع فإن الانتخاب لا يعصم رئيسا من الخطأ، ولا يمنحه سلطات غير السلطات المنصوص عليها فى دستور البلاد، ولا يسمح له بالخروج على الدستور والقانون اللذين أقسم على احترامهما، والحقيقة أنه لا أحد من رؤساء مصر قد التزم باحترام الدستور والقانون مهما كانت الاتجاهات والمبررات المتباينة لعدم احترامهما فى مختلف العهود. غير أن هذه الحجة تفقد كل أساس تقوم عليه نظرا إلى أنه لم يوجد فى مصر رئيس منتخب بالمعنى الحقيقى، ولا رئيس مدنى منتخب بالمعنى الحقيقى، منذ انقلاب 23 يوليو 1952 العسكرى إلى الآن. ذلك أن كل انتخابات مصر بعد ذلك الانقلاب العسكرى تقوم على تزييف إرادة الشعب بأساليب سياسية وإدارية لا حصر لها؛ وآخر التزييف التزوير. ولم تكن الانتخابات الرئاسية التى جاءت بالرئيس محمد مرسى انتخابات حرة ونزيهة، ليس فقط لأنه لا توجد فى مصر انتخابات حرة أو نزيهة، بل بحكم الظروف التى جرت فيها الانتخابات حيث تم تخيير الناخب بين كابوسيْن كان يهرب من كل منهما إلى الآخر فلم تكن الأصوات التى حصل عليها هذا أو ذاك حقيقية، بالإضافة إلى التزييف الذى لا مناص منه فى سياق إجراء الانتخابات وسط جماهير تسحقها "متلازمة" الفقر والجهل والمرض، وتصفية الحياة السياسية عقودا لتقتصر على أحزاب ديكورية يختفى تحت ضبابها نظام الحزب الواحد.
6: وفى الوقت الذى تتجه فيه الحركة الجماهيرية إلى الإصرار العنيد على التحرر من رئاسة مرسى وحزبه وجماعته على أساس أنها تقود بالضرورة إلى الدولة الدينية التى تتمثل أدواتها الحالية فى رئاسته وفى سيطرة الجماعة على قرارات هذه الرئاسة وكذلك فى مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور والأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية جميعا بلا استثناء وفى إعلانات وقوانين وقرارت صدرت منذ الإطاحة بالرئيس السابق مبارك، تكتفى زعامة جبهة إنقاذ الثورة بمطالب وشعارات وأهداف دون ذلك بكثير، وتستعد لخوض الحوار المرفوض شعبيا مع الرئيس وإنْ بشروط مهمة أهمها إلغاء إعلان 21 نوڤمبر 2012 الدستورى وتأجيل أو إلغاء الاستفتاء، رغم اتجاه أشكال النضال إلى التصعيد من جانب هذه الجبهة. وتلعب الأحزاب التى قام بتأسيسها منشقون عن جماعة الإخوان المسلمين (حزب مصر القوية وغيره) وأحزاب أخرى وأفراد آخرون دورا بالغ السوء فى هذا الإطار حيث يجرى الحديث من جانبهم (رغم مقاطعة بعضهم للحوار مع الرئيس) عن حلول وسط لا تأخذ الإعلان الدستورى كحزمة واحدة بل تقبل بعض بنودها وترفض بعضها الآخر وتطالب بالتالى بتعديله لا أكثر.
7: وفى سياق رفض جبهة إنقاذ الثورة للحوار الذى دعا إليه ظهر السبت 8 ديسمبر اجتمع محمد مرسى (الذى لم يبق فى الاجتماع سوى أقل من نصف ساعة: ربما "مِنْ كَسْفِتُه") مع أكثر من خمسين شخصا ينتمون جميعا تقريبا إلى الإخوان المسلمين والإسلام السياسى على طريقة "چورچ الخامس يفاوض چورچ الخامس" مع زعم أن الحوار كان مع القوى "الفاعلة" فى الحياة السياسية، وصدر عن الاجتماع إعلان دستورى جديد يُلغى إعلان 21 نوڤمبر الدستورى، ويمثل الإعلان الجديد خدعة سياسية وقانونية جديدة تُدين كل من شاركوا فيها.
8: وتُلغى المادة الأولى من الإعلان الدستورى الجديد "الإعلان الدستورى الصادر بتاريخ 21 نوڤمبر"، ولكنْ مع الإشارة إلى أنه "يبقى صحيحًا ما ترتب عليه من آثار"، وسيطول الجدال حول ما إذا كان المقصود بصحة "ما ترتب عليه من آثار" إقالة النائب العام وتعيين النائب العام الجديد أم يمتد إلى مجلس الشورى على سبيل المثال ما دام النص لم يذكر "تغيير" النائب العام على وجه الحصر.
9: وتنص المادة الثانية التى تحل محل المادة الأولى فى الإعلان الدستورى السابق على أنه "فى حال ظهور دلائل أو قرائن جديدة تُعاد التحقيقات فى جرائم قتل، والشروع فى قتل، وإصابة المتظاهرين، وجرائم الإرهاب التى ارتكبت ضد المواطنين فى المدة الواقعة ما بين يوم 25 يناير 2011، ويوم 30 يونيو 2012، وكان ارتكابها بسبب ثورة 25 يناير، أو بمناسبتها أو متعلقا بها"... "فإذا انتهت التحقيقات إلى توافر أدلة على ارتكاب الجرائم المذكورة، أحالت النيابة العامة القضية إلى المحاكم المختصة قانونا، ولو كان قد صدر فيها حكم نهائى بالبراءة، أو برفض الطعن بالنقض المقام من النيابة العامة على حكم البراءة". وتختلف هذه المادة عن المادة الأولى فى الإعلان السابق فى عدة نقاط مهمة: وبادئ ذى بدء لا تحتاج هذه التحقيقات والمحاكمات ما دامت مبنية على "ظهور دلائل أو قرائن جديدة" إلى إعلان الدستورى، كما أن عدم قانونية تحقيقات ومحاكمات جديدة بدون "ظهور دلائل أو قرائن جديدة" كان يجعل هذا النص فى الإعلان الدستورى بلا معنى، وكل هذه المادة الزائدة عن اللزوم لمجرد استبقائها لحفظ ماء وجه الرئيس، من ناحية، وللاستمرار فى دسّ السُّمّ فى العسل لتمرير الإعلان الجديد بزعم اشتماله على عناصر إيجابية، من ناحية أخرى. وتختلف هذه المادة الثانية عن تلك المادة الأولى فى تنازلٍ لصالح رجال النظام السابق حيث كان الإعلان الدستورى السابق ينص على أن "تعاد التحقيقات والمحاكمات في جرائم قتل وشروع فى قتل المتظاهرين بواسطة من تولى منصبا سياسيًا وتنفيذيًا فى عهد النظام السابق" أىْ أن النص السابق كان يشمل رجال النظام السابق كما كان يشمل كل "عهد النظام السابق". وهناك اختلاف مهم ثالث (رغم الطابع العبثى أصلا على النص فى إعلانات دستورية على إعادة التحقيقات والمحاكمات) ويتمثل فى حصر إعادة التحقيقات والمحاكمات على الفترة بين "يوم 25 يناير 2011، ويوم 30 يونيو 2012" التى لا تشمل الفترة التى انقضت منذ تولِّى الرئيس مرسى بما فى ذلك جرائم ذكرى شارع محمد محمود وقصر الاتحادية.
10: وتنص المادة الثالثة على ما يلى: "فى حالة عدم موافقة الناخبين على مشروع الدستور، المحدد لاستفتاء الشعب عليه يوم السبت الموافق 15 من ديسمبر 2012، يدعو رئيس الجمهورية، خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر، لانتخاب جمعية تأسيسية جديدة، مكوَّنة من مائة عضو، انتخابا حرا مباشرا. وتنجز هذه الجمعية أعمالها خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ انتخابها"... "ويدعو رئيس الجمهورية الناخبين للاستفتاء على مشروع الدستور المقدم من هذه الجمعية خلال مدة أقصاها ثلاثون يوما من تاريخ تسليمه إلى رئيس الجمهورية"... "وفى جميع الأحوال تجرى عملية الفرز وإعلان نتائج أىّ استفتاء على الدستور باللجان الفرعية علانية فور انتهاء عملية التصويت، على أن يعلق كشف بكل لجنة فرعية موقعا من رئيسها، يشتمل على نتيجة الفرز". وبهذه المادة الثالثة يقوم الإعلان الجديد بتخيير الشعب بين كابوسيْن جديديْن: 1: فى حالة التصويت ﺑ "نعم" يحلّ كابوس حكم الرئيس محمد مرسى بالدستور الاستبدادى المقترح طوال فترة قرابة ثلاثة أعوام ونصف باقية من مدة رئاسته، وفى حالة التصويت ﺑ "لا" سيكون للرئيس مرسى أن يحكم بالإعلانات الدستورية السارية حاليا، وبالسلطات التشريعية التى يملكها الآن، وبالتحصينات الواردة فى الإعلان الدستورى الجديد، أكثر من عام حيث يتم الاستفتاء على مشروع الدستور اللاحق بعد عشرة شهور بعد استفتاء 15 ديسمبر فى حالة عدم الموافقة على المشروع الحالى وفى أعقاب ذلك تأتى الفترة اللازمة لإجراء الانتخابات النيابية لنقل السلطة التشريعية من الرئيس مرسى إلى الپرلمان المنتخب. وذرًّا للرماد فى العيون أو دسًّا للسمّ فى العسل تنص هذه المادة على "انتخاب جمعية تأسيسية جديدة، مكونة من مائة عضو، انتخابا حرا مباشرا" وكذلك على إجراء "عملية الفرز وإعلان نتائج أىّ استفتاء على الدستور باللجان الفرعية علانية فور انتهاء عملية التصويت"، فى خدعة جديدة حيث لا تخرج الاستفتاءات والانتخايات المصرية عن التقاليد المصرية السيئة السمعة.
11: وتواصل المادة الرابعة فى الإعلان الجديد تحصين الإعلانات الدستورية الواردة فى المادة الثانية من الإعلان السابق فتنص على أن "الإعلانات الدستورية، بما فيها هذا الإعلان، لا تقبل الطعن عليها أمام أية جهة قضائية، وتنقضى الدعاوى المرفوعة بهذا الشأن أمام جميع المحاكم"، على أن هذا التحصين لم يشمل "القوانين والقرارات" الرئاسية، غير أن التحصين يشمل الإعلان الجديد، ويشمل النص بحكم منطوقه وصياغته حتى الإعلانات الدستورية السابقة على تولِّى الرئيس مرسى.
12: وبالطبع فإن حركة الجماهير الشعبية قد تجاوزت كل هذا بل إن زعماء معارضة جبهة إنقاذ الثورة أعلنوا على الفور رفضهم للإعلان الجديد ورفضهم للاستفتاء على مشروع الدستور، وفى كل هذا رفض تام لفرض الخيار بين الكابوسيْن: كابوس حكم مرسى بطريقة وكابوس حكم مرسى أيضا بطريقة أخرى. ولأنه لا توجد فى مصر أىّ ضمانات لاستفتاءات أو انتخابات حرة نزيهة فإنه يمكن أن نتوقع أن الاستفتاء سيكون لا محالة ﺑ "نعم" وحتى إذا فرضت الحركة الجماهيرية الحالية على هذا الاستفتاء إرادتها الرافضة عن طريق مقاطعتها بصورة حاسمة فإن السيد محمد مرسى سيكون قد كسب فترة أكثر من عام يكون قد فوَّت أثناءها على الحركة الجماهيرية تطورها الطبيعى واستعدت جماعته التى ستكون عندئذ أكثر "تمكينا" من اكتساح الاستفتاء اللاحق وانتخاباته بالتزييف والتزوير أيضا.
13: وتتعاقب التطورات بسرعة مدوِّخة، وتواصل الجماعة بجمهورها وميليشياتها وجماعات الإسلام السياسى الأخرى بجمهورها وميليشياتها سلوكها المنفلت بهدف ترويع الشعب والحركة الجماهيرية والسياسية والثورية. ونشهد مواجهة الموالاة لمليونيات الحركة الجماهيرية الثورية بمليونياتها، ومحاصرة الموالاة للقضاء فى شخص المحكمة الدستورية العليا لمنع جلساتها، ومحاصرتها للإعلام فى شخص مدينة الإنتاج الإعلامى، وتهديدات القتل والاعتداءات على رموز الحركة الجماهيرية ووسائل أخرى عديدة، وصولا إلى مجزرة قصر الاتحادية التى راح ضحيتها عدد من الشهداء وقرابة ألف إلى الآن من الجرحى وضحايا التعذيب على يد الإسلام السياسى الحنيف. ويجرى كل هذا بترتيب مباشر من مكتب الإرشاد ومباركة وحماية رئيس الجمهورية الذى لم يحرِّك ساكنا بل اتهم ضحايا محيط قصره الرئاسى نفسه بجُرْم مجرمى الإخوان المسلمين والإسلام السياسى، قالبا الحقائق عن عمد. كما تنمو وتتطور القوى الجهادية الإرهابية بما فى ذلك تنظيم القاعدة فى سيناء وغيرها بصورة تهدِّد بعودة الإرهاب إلى مصر على نطاق أوسع من إرهاب عقود سابقة فيها.
14: وتصدر عن الجيش فى هذه الفترة بيانات متعاقبة تشدد على أنه يلتزم بحماية الأمن القومى وينحاز إلى الشعب المصرى. ولا شك فى أن موقف الجيش يمثل عاملا من عوامل كبح جماح الإخوان المسلمين إلى جانب العامل الرئيسى المتمثل فى الثورة الشعبية، ويصدر هذا الموقف من المؤسسة العسكرية عن الحيلولة دون الانزلاق إلى حرب أهلية أو إرهاب جهادى واسع النطاق ينطوى على نفس الخطر فى إطار الإستراتيچية العامة للمؤسسة العسكرية والتى تتمثل فى تصفية الثورة ولكنْ مع تفادى حرب أهلية من شأنها كما يدلّ تاريخ الحروب الأهلية المرتبطة بثورات سياسية تمزيق وتدمير الطبقة الرأسمالية التابعة الحاكمة ودولتها وسلطتها ونظامها. وعلينا مرة أخرى أن نبتعد عن التقليل من دور احتمالات احتدام وتفاقم التناقضات العميقة التى قد تعصف بتحالفات الثورة المضادة بممثليْها السياسييْن الرئيسييْن فى مصر: الإخوان المسلمون على رأس الإسلام السياسى من ناحية، والمؤسسة العسكرية (التى ما تزال لها السيطرة الفعلية الجوهرية) والقوى السياسية الليبرالية اليمينية والممثلون السياسيون والإداريون الباقون من نظام مبارك من ناحية أخرى.
15: وهنا يغدو الطرق على الحديد وهو ساخن للتحرر من الكابوسيْن المذكوريْن ومن كل كوابيس حكم ونظام ودولة الإخوان المسلمين ضرورة من ضرورات تفادى الدولة الدينية والحرب الأهلية فهما فى الحقيقة شيء واحد. ويعود بنا هذا إلى المربع الأول بعد أن ازدادت القوى الثورية تسييسا وتَسَيُّسًا ونضجا وتجربة نضالية وتحررت من أوهام كبرى تتعلق بالمؤسسة العسكرية وبالإخوان المسلمين وحلفائهم السلفيِّين. وفى حالة النجاح فى الإطاحة السلمية بالوسائل السياسية الجماهيرية بحكم مرسى والإخوان المسلمين، تماما كما جرت الإطاحة ﺑ مبارك، ستكون القوى التى أطاحت به هى القادرة بحكم إنجازها السياسى الكبير على استلام السلطة، من خلال مجلس قيادى بصيغة ما على أساس توافقىّ، وتبقى مسألة مشاركة الثوريِّين أو عدم مشاركتهم فى الحكم قضية عينية يجرى بحثها المباشر فى الوقت الملائم. وبالطبع فإن هدف الثوريِّين الحقيقيِّين سيكون النضال من أجل إقامة جمهورية ديمقراطية شعبية تشترط النظام الپرلمانى وليس الرئاسى، كما تشترط فى المحل الأول الديمقراطية الشعبية من أسفل وهى التى تمنح لهذه الجمهورية هذا الاسم. على أن كل هذا سيكون فى مهبّ الريح فى حالة عدم قدرة الحركة الجماهيرية الشعبية على تحويل مصر إلى دولة صناعية حديثة بكل الآثار الاجتماعية والاقتصادية التاريخية لمثل هذا التطور بوصفه الإطار العام لتفادى المصير الكابوسى للعالم الثالث (وإنْ كان من المؤسف أن أكثر الناس لا يشعرون)، وللسير بمصر إلى الأمام كبلد مستقل حقا ومزدهر حقا ومفتوح على آفاق المستقبل الرحبة. 8 ديسمبر 2012
16
الاستفتاء مصيدة خبيثة
مقاطعة الاستفتاء من ضرورات إنقاذ الثورة
1: أخيرا اتخذت جبهة الإنقاذ الوطنى موقفها النهائى، وربما قبل النهائى فى حالة عدم تلبية شروطها الخمسة المعلنة، فقد دعت الناخبين إلى المشاركة فى استفتاء 15 ديسمبر 2012 والتصويت فيه ﺑ "لا"، مع الاحتياط بالانسحاب فى حالة عدم تلبية شروطها التالية: أولا: ممارسة الإشراف القضائى على كل صندوق، ثانيا: ضمان الرقابة المحلية والدولية على إجراءات الاستفتاء من قبل المنظمات غير الحكومية، ثالثا: توفير الحماية الأمنية خارج وداخل اللجان، رابعا: إعلان النتائج تفصيلا فى اللجان الفرعية فور انتهاء عملية الاقتراع، خامسا: إتمام عملية الاستفتاء على الدستور فى يوم واحد فقط. وأعلنت الجبهة فترة تمتد إلى صباح يوم الاستفتاء لاتخاذ قرار الانسحاب إذا لم تتم تلبية الشروط كما تقدَّم. ويمكن القول إن أغلب هذه الشروط يمكن التلاعب بها بطريقة أو بأخرى وخاصة "الإشراف القضائى"، و "توفير الحماية الأمنية خارج وداخل اللجان"، "إعلان النتائج تفصيلا فى اللجان الفرعية فور انتهاء عملية الاقتراع"، وهى، بمعظمها، معلنة رسميا على كل حال كضمانات لنزاهة الاستفتاء. غير أنه يوجد شرط قاطع التحدُّد وهو شرط "إتمام عملية الاستفتاء على الدستور فى يوم واحد فقط".
2: وسرعان ما أطاح قرار رئيس الجمهورية واللجنة العليا للانتخابات، كما ورد فى موقعها الرسمى، بهذا الشرط القاطع التحدُّد، شرط "إتمام عملية الاستفتاء على الدستور فى يوم واحد فقط"، ذلك أن الاستفتاء سيتم إجراؤه على يومين بينهما أسبوع كامل، حيث جاء فى الموقع المذكور ما يلى: "طبقا لـقرار رئيس الجمهورية الصادر فى هذا الشأن تجرى عملية التصويت فى الاستفتاء على مشروع الدستور للمصريين داخل جمهورية مصر العربية على مرحلتين كالتالى: - المرحلة الأولى يوم السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٢ وتشمل التصويت فى المحافظات التالية: القاهرة - الإسكندرية - الشرقية - الغربية - الدقهلية - أسيوط - سوهاج - أسوان - شمال سيناء - جنوب سيناء - المرحلة الثانية يوم السبت ٢٢ ديسمبر ٢٠١٢ وتشمل التصويت فى المحافظات التالية: الجيزة - القليوبية - المنوفية - البحيرة - كفر الشيخ - دمياط - الإسماعيلية - بورسعيد - السويس - مطروح - البحر الأحمر - الوادي الجديد - الفيوم - بنى سويف - المنيا - الأقصر – قنا". وكالعادة كان هناك نفى بعد تأكيد، وتأكيد بعد نفى؛ غير أن هذا صار أمرا مؤكدا الآن على كل حال.
3: وبالطبع فإن من الصعب أن نتنبأ بموقف جبهة الإنقاذ إزاء إهدار هذا الشرط وإزاء التلاعب بكل الشروط على كل حال، غير أنه يبدو أن الجبهة سوف تنتظر حتى صباح السبت لاتخاذ قرار باستمرار المشاركة أو الانسحاب. ويختلف هذا الموقف بالانسحاب حتى فى حالة اتخاذه عن موقف المقاطعة. أولا لأن الانسحاب يأتى هنا فى مواجهة عدم تلبية شروط معلنة وليس رفضا للاستفتاء انطلاقا من رفض المشروع على أساس طبيعة الجمعية التأسيسية التى قامت بإعداده، وطبيعة المواد التى تضمنها المشروع، وانطلاقا كذلك من إهدار أىّ ضمانات حقيقية لنزاهة عملية الاستفتاء التى تقوم على الهرولة العنيدة فى سباق ماراثونى مع الزمن. كذلك فإن تأخير الانسحاب المحتمل إلى لحظة بدء الاستفتاء بعد تعبئة الجماهير فى اتجاه المشاركة يجعل من المشاركة أمرا واقعا من الناحية العملية على العكس من موقف المقاطعة الذى كان من شأنه إعداد الجماهير فى وقت مبكر فى اتجاه لا يتطوَّع بإضفاء الشرعية على استفتاء خطير وبلا ضمانات من خلال المشاركة.
4: غير أن الأخطر من كل هذا هو أن يقبل زعماء وقيادات جبهة الإنقاذ المشاركة فى الاستفتاء فى ظرف تتمثل سمته الأساسية فى الهجوم الاستبدادى الواسع النطاق من جانب الرئيس وحزبه وجماعته وحلفائهم فى الإسلام السياسى على كل الجبهات من خلال العمل العنيد الضاغط والمتواصل على فرض دستور إخوانى سلفى مرفوض شعبيا على الشعب، والهجوم على القضاء والإعلام والصحافة وعلى المظاهرات والاعتصامات السلمية حيث يسقط القتلى والجرحى فى أكثر من موقع وبالأخص فى محيط قصر الاتحادية حيث جرى التعذيب الوحشى البشع الواسع النطاق لعشرات المعتصمين السلميِّين، وباختصار فى سياق الحكم المباشر لجماعة الإخوان المسلمين من خلال توظيف منصب رئيس الجمهورية لفرض أهداف مخططاتهم الرامية إلى الأخونة الشاملة و "التمكين" بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بما فى ذلك استخدام الميليشيات الإخوانية والقتل والتعذيب.
5: ويأتى موقف المشاركة المموَّهة بشروط واهية رغم المظهر المتشدد فى مجرى موجة ثورية بعيدة المدى هى الكبرى منذ الموجة الثورية الأولى التى بدأت فى 25 يناير 2011 تحصرها جبهة الإنقاذ عن طريق المشاركة المشروطة فى إطار دستورى قانونى قاصر يوجِّه فى الحقيقة ضربة غادرة إلى الأفق الثورى الذى بلغته الحركة الجماهيرية الشعبية. فمنذ الإعلان الدستورى الرئاسى الصادر فى 21 نوڤمبر ارتفعت الموجة الثورية إلى مستوى رفع شعارات "الشعب يريد إسقاط النظام" و "يسقط حكم المرشد"، و"ارحلْ". كما واصلت هذه الموجة الثورية تصعيد أشكالها نضالها بمواصلة مليونياتها واعتصاماتها ومسيراتها وإضراباتها وانفتاحها على خيار الإضراب العام والعصيان المدنى. ولا يمكن إلا أن نشيد هنا بدور نضال القضاة فى سبيل استقلال السلطة القضائية فى حفز ودعم وتصعيد الموجة الثورية الحالية. والحقيقة أن استقلال السلطة القضائية أداة مهمة من الأدوات الأساسية لحريات وحقوق الشعب، ومقاومة جبروت السلطة التنفيذية التى لم تستقل عنها السلطة التشريعية فى يوم من الأيام طوال عقود عهود رئاسات الجمهورية المتعاقبة منذ انقلاب 1952 العسكرى، على حين حرصت السلطة القضائية على تأمين وتطوير استقلالها الأمر الذى جعلها، على العكس من السلطة التشريعية، عرضة لمذابح القضاء المتعددة الشهيرة وصولا إلى المذبحة الراهنة.
6: وبدلا من توجُّه الجماهير الثائرة الغاضبة إلى السير حتى النهاية فى طريق ثورة التحرُّر من الحكم الإخوانى السلفى وكابوس الدولة الدينية، يقوم زعماء جبهة الإنقاذ بتحويل معركة ثورية حقيقية إلى معركة دستورية تافهة يتمثل أقصى أفق لها فى التصويت ﺑ "لا"، فى استفتاء يقوم بتخيير الشعب من خلال مصيدة الاستفتاء بين خيارين أحلاهما مرّ ويؤديان فى نهاية المطاف إلى نتيجة واحدة. وإذا كان التصويت ﺑ "نعم" يعنى استمرار الحكم الإخوانى السلفى بهذا الدستور الاستبدادى على طريق الدولة الدينية، فإن التصويت ﺑ "لا" إنما يعنى استمرار الحكم الحالى على مدى فترة تصل إلى ما بين عام وعام وربع أو نصف عام حيث سيتمّ فى هذه الحالة إجراء استفتاء على مشروع دستور لاحق وفقا للإعلان الدستورى الجديد بعد عشرة شهور من الآن، وهذه فترة سوف تعقبها الفترة الكافية لانتخاب الپرلمان الجديد وانعقاده وربما انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وفى ذلك الحين سيكون الوضع السياسى أكثر ملاءمة بما لا يقاس للإسلام السياسى الذى سوف يستغلّ هذه المدة للمزيد من الهيمنة والتمكين وأقل ملاءمة بما لا يقاس أيضا لقوى الثورة التى لن يتاح لها كل يوم أو عند الطلب مثل هذا المستوى المرتفع من النهوض الجماهيرى الثورى. وفى مثل هذا الحالة لا مناص من أن يكون الدستور اللاحق أسوأ بما لا يقاس من مشروع الدستور الذى يتم التصويت عليه فى الاستفتاء الوشيك.
7: وهنا يتضح أن القضية الكبرى لا تتمثل فى المشاركة فى هذا الاستفتاء أو مقاطعته بل تتمثل فى خيار الاتجاه عن طريق الفعل الثورى وحده إلى إزالة خطر الدولة الدينية الإخوانية من طريق الثورة المستمرة أو، على العكس من ذلك، فى خيار إحباط وإهدار الموجة الثورية الكبرى الحالية؛ الأمر الذى ينطوى فى حالة التصويت ﺑ "نعم" كما فى حالة التصويت ﺑ "لا" على نفس النتيجة الواحدة: فتح الباب واسعا أمام خطر الدولة الإخوانية بكل ويلاتها وكوارثها. ورغم تمثيل زعماء الجبهة داخل نفس الطبقة الرأسمالية التابعة الواحدة لقطاعات معادية للحكم الإخوانى السلفى وراغبة فى الوقت نفسه فى الانتقال بسرعة إلى الاستقرار الملائم لهذه الطبقة ككل عن طريق تصفية الثورة الشعبية فإنهم، مهما كانت نواياهم ومشاعرهم وتوجُّهاتهم كأشخاص وشخصيات، يتجهون إلى خيارات معتدلة تصبّ من حيث محصلتها العملية فى إهدار الموجة الثورية الكبرى الراهنة وإحباطها وبالتالى فى معاداة الثورة والإسهام فى تصفيتها.
8: ومهما كانت نتيجة الاستفتاء، ومهما كان موقف زعماء جبهة الإنقاذ، فإن من المأمول أن يتواصل الفعل الثورى الجماهيرى الراهن لتخليص وتحرير الشعب المصرى من شبح الدولة الإخوانية لتستمر الثورة فى مواصلة نضالاتها فى سبيل تحقيق أهدافها فى الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
9: يسقط حكم المرشد! يسقط نظام الإخوان المسلمين والإسلام السياسى! يسقط رئيس الجمهورية! تسقط أخْونة الدولة والمجتمع! يسقط نظام انقسام الشعب والحرب الأهلية! يسقط الدستور الاستبدادى الذى يُراد فرضه على الشعب على جثة ثورته وكرامته وحرياته وحقوقه ومستقبله! يسقط استفتاء 15 و 22 ديسمبر على مشروع الدستور الاستبدادى! قاطعوا مصيدة الاستفتاء كضرورة من ضرورات إنقاذ الثورة!
12 ديسمبر 2012









17
السلطة التشريعية فى مصر
بين الأسطورة والحقيقة

"يمكن أن نأخذ تقريبا كل ألفاظ، وعبارات، قاموسنا السياسى، وأن نفتحها؛ وسوف نجد فى قلبها الخواء"
الفيلسوفة الفرنسية سيمون ڤيل Simone Weil

1: يمكن القول بطريقة مبسطة لن تخلو من نواقص وثغرات وفجوات إن العلاقة بين الدولة والمجتمع تنظمها ثلاث سلطات يُفترض أن تكون منفصلة ومتوازنة رغم الوحدة التى تجمعها والتداخل وحتى التشابك فيما بينها وهى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية: فالسلطة التشريعية تتولى إصدار وتعديل وإلغاء ورقابة القوانين، والسلطة التنفيذية تتولى إدارة مهام الدولة على أساس تلك القوانين، والسلطة القضائية تتولى الفصل فى المنازعات والدعاوى التى تنشأ عن ممارسة الدولة والمجتمع والأفراد تطبيقا لتلك القوانين، وهنا نأتى إلى سؤال المرجعية التى على أساسها يجرى إصدار القوانين وإذا كانت قد تعاقبت أنواع وصُوَر شتى لهذه المرجعية وما تزال لها بقاياها القبَلية والدينية إلى يومنا هذا فى بعض الدول والمجتمعات فقد انتهى التاريخ الحديث إلى أن يجد مرجعية قوانينه (تشريعاته) فى الدستور الذى يعبِّر بمستويات شتى من الحق والمصداقية أو النفاق والتزييف عن إرادة الشعب.
2: ومن المفترض أن تكون للدستور، وهو القانون الأساسى، مرجعيته بدوره، وهى مرجعية تربط بصورة وثيقة بين إرادة الشعب والمبادئ العامة التى لا يصحّ بدونها تنظيم حياة البشر على أسس مقبولة نسبيا كما تبلورت عبر العصور وبالأخص فى المجتمع الحديث؛ من خلال الممارسة العملية التاريخية الطويلة لحياة البشر والتجارب والدروس التى أودعتها هذه الممارسة قواعد تنظيم الحياة العشائرية والقبلية كما أودعتها الديانات المسماة بالوثنيات والديانات المسماة بالسماوية وهى التى نشأت فى أراضى المنطقة العربية الحالية وانتشرت منها إلى مناطق أخرى فى مختلف قارات العالم، كما أودعتها مع تقدُّم التاريخ إلى الأمام الفلسفات والقوانين الوضعية التى تحكم المجتمعات الطبقية إلى الآن وفقا لمقتضيات مصالح الطبقة الحاكمة. ويفترض الربط الوثيق بين إرادة الشعب والمبادئ العامة أن تتولى إعداد الدستور جمعية تأسيسية مستوعبة تماما ﻟ، وملتزمة تماما ﺑ، مرجعية المبادئ فوق الدستورية كما تبلورت عالميا من جانب وموافقة الناخبين بأغلبية تبلورها هذه المبادئ ذاتها من جانب آخر. وليس صحيحا أن تكون كل "أطياف المجتمع" ممثلة فى هذه الجمعية مهما روج الليبراليون والإسلاميون السياسيون ومختلف القوى السياسية فى مصر لهذه الفكرة فى الفترة السابقة.
3: وهكذا فإن مرجعية المرجع الأساسى المتمثل فى الدستور، أو المبادئ فوق الدستورية، وهى المرجعية أو المبادئ الحاكمة للدساتير، والتى ينبغى أن يلتزم بها كل دستور، تتمثل فى الفضائل التى بلورتها الممارسة العملية التاريخية للبشر وتضمنتها بصدق أو نفاق مختلف أيديولوچيات الأرض والسماء. وتتضمن الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان والشعوب وهى قابلة دوما للتعديل والتطوير جانبا أساسيا وحاسما من هذه المبادئ فوق الدستورية التى تلتزم بها كل جمعية تأسيسية فى وضعها للدستور. وإذا كان الدستور الذى تُصدره الجمعية التأسيسية مع التقيُّد الصارم بالمبادئ فوق الدستورية والتى تمثل روح الدستور هو الذى يحكم السلطة التشريعية فى إصدار القوانين أو التشريعات الملزمة للدولة والمجتمع والأفراد، وتلتزم بها السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وإذا كانت هناك محكمة عليا تفصل فى قانونية حكم مختلف المحاكم، فإنه تظل هناك حاجة إلى المحكمة الدستورية العليا التى تتولى الرقابة على دستورية القوانين التى تصدرها السلطة التشريعية والقرارات بقوانين التى يصدرها رأس السلطة التنفيذية وكذلك دستورية تطبيقاتها القضائية كما تتولى تفسيرها عندما تنشأ منازعات تؤدى إلى دعاوى قضائية. وهذه الهيراركية تنطوى على الوحدة العليا بين سلطات منفصلة ومتوازنة للدولة رغم التداخلات التشريعية التى لا مناص منها وحقائق الممارسات الفعلية التى تتغوَّل من خلالها السلطة التنفيذية على باقى السلطات: القضائية والتشريعية والتأسيسية والدستور والمبادئ فوق الدستورية وموسى وكل الأنبياء وفقا لمقتضيات مصالح الطبقة الحاكمة ومختلف مجموعاتها وتكتلاتها فى وحدتها المنطوية دوما على التناقضات.
4: وهناك التباسات عميقة ينطوى عليها مفهوم وواقع الدولة التى تحدثنا بصورة مبسطة عن السلطات التى تكوِّنها وتمثل جوانب ووظائف نوعية لها. وهنا ينبغى أن نشدِّد على أن الدولة كمفهوم اجتماعى تختلف تماما عنها كمفهوم دستورى يتطابق مع البلد أو الوطن أو الأمة أو الأمم التى تشكلت فى دولة وفقا لمفاهيم القانون الدولى، وعلى سبيل المثال فإن مصر دولة بالمعنى المتعلق بالقانون الدولى فهى هذا الإقليم الجغرافى، هذا البلد، الذى تكونت بداخله طبقات هذا المجتمع. وهناك أيضا الحديث الزائف عن الوطن وكأنه هذا الإقليم الجغرافى بنيله وأراضيه وصحرائه الشرقية وصحرائه الغربية وصعيده ودلتاه وليس هذا فى الحقيقة سوى الوطن بمعنى جغرافى وبمعنى البيئة الجغرافية الطبيعية لمصر وبمعنى ارتباط مشاعر المصريَّين بموطنهم بصورة تاريخية على مدى القرون والألفيات. غير أن الوطن الذى ينبغى رفعه فوق كل معنى للوطن إنما يتمثل فى الشعب، فى السكان، وبالأخص فى كل صانعى حضارته دون امتصاص دماء بناته وأبنائه، وأعنى الطبقات الشعبية وجماهير الفقراء.
5: أما الدولة التى يقدسها الحكام والمحكومون عندنا وفى كل مكان آخر ويتغنون بالحديث عن قوتها وهيبتها، وبالأخص عن قوة وهيبة رئيس السلطة التنفيذية الذى يمثل رمزها، وعن قوة وهيبة السلطات والمؤسسات التى تجسِّدها، فإنها لا تستحق، رغم ضرورتها التاريخية، كل هذا الطبل والزمر. فالدولة فى حقيقتها الاجتماعية ليست سوى الأداة التى تنشأ مع نشأة الملكية الخاصة والطبقة الحاكمة الاستغلالية والأسرة الحديثة النووية. وينبغى بالتالى أن نتذكر كلما تحدثنا عن الدولة أنها تلك الأداة الجهنمية التى تضعها فى خدمتها الطبقة الاستغلالية الحاكمة فى مختلف عهود المجتمع الطبقى. غير أننا ينبغى أن نتذكر فى نفس الوقت أن الموقف إزاء الدولة مزدوج بالضرورة، لأنها من جانب تعبَّر عن ضرورة لا فكاك منها فبدونها يتحول المجتمع إلى الغابة وقانون الغاب وقانون أن تأكل أو تؤكل فى الحال، ولكنها من الجانب الآخر تمثل غابة استغلالية ينظمها القانون ومقتضيات المصالح الاجتماعية المتناقضة حيث تسود مصالح الطبقة الحاكمة. وعندما ترتفع الأصوات الجاهلة مندِّدة بمَنْ يزعمون أنهم يريدون تدمير الدولة فإن أصحابها لا يدركون أن الدولة لها معنيان مختلفان تماما كما سبق القول. فالثوريون لا يتحدثون عن الدولة بمعنى البلد أو الوطن أو الشعب أو مصر كدولة وفقا للقانون الدولى بل يتحدثون عن الدولة الطبقية الجهنمية التى هى أداة الاستغلال والاستبداد وفقا لمصالح الطبقة الرأسمالية الحاكمة التابعة بكل قطاعاتها الإسلاموية وغير الإسلاموية للإمپريالية. وهم لا يتحدثون مطلقا عن تدميرها أو إلغائها على الفور دون بديل لتحويل المجتمع إلى غابة، بل يتحدثون على المدى التاريخى عن البديل فى صورة إحلال تنظيم للمجتمع وفقا لمقتضيات المصالح العليا للبشر فى التمتع بحياة إنسانية حرة محل المجتمع الطبقى الاستغلالى بالضرورة والاستبدادى بالضرورة.
6: وتتمثل الدولة بمعناها الاجتماعى، ولنتحدث هنا عن الدولة فى المجتمع الرأسمالى وفى أفنيته أو حظائره أو زرائبه الخلفية المسماة بالعالم الثالث أو البلدان النامية، ومنها مصر، فى تنظيم الاستقرار الضرورى للاستغلال الرأسمالى وحماية الملكية الخاصة بمجموعة مترابطة من الوسائل منها القوانين التى تصدرها السلطة التشريعية، والدستور الذى تلتزم به هذه السلطة فى إصدار القوانين، والسلطة القضائية التى تطبقها على المنازعات والدعاوى التى تنشأ عن الممارسة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدولة والمجتمع والأفراد، والسلطة التنفيذية التى تدير المجتمع وفقا لهذه القوانين وتعمل على تعديلها لصقلها بما يتلاءم مع مصالحها ومصالح الطبقة الحاكمة ومع توازنات اجتماعية وسياسية متنوعة يفرضها الواقع المتغير عليها. وتتسلَّح السلطة التنفيذية ليس فقط بالقوانين التى تميل إلى حماية الملكية الخاصة أو الملكية الطبقية فى أشكالها الأخرى مثل ملكية الدولة الرأسمالية رغم كل التسميات المضللة كالملكية الاشتراكية، وتميل بالتالى إلى تقييد الحريات والحقوق الفردية والاجتماعية، بل تتسلَّح أيضا بالقوة المادية المتمثلة فى القوات المسلحة العسكرية والشرطية وفى مختلف الأجهزة الأمنية والمخابراتية. وكل هذا ضرورى لتحقيق هدفين متناقضين تماما: هدف الحيلولة دون تحوُّل المجتمع إلى غابة يستحيل فيها حتى الاستغلال المنتظم للجماهير العاملة، وهدف الاستغلال الاقتصادى وما يلازمه من قهر اجتماعى وسياسى وأيديولوچى، ويؤدى هذان الهدفان المتناقضان فى تفاعلهما التراكمى إلى نتيجتين عامتين متناقضتين هما تنظيم وتلطيف الصراع الطبقى من جانب، ومن الجانب الآخر، تطوير وتكثيف الاستغلال الطبقى وبالتالى تطوير الصراع الطبقى وبالتالى التغيير الاجتماعى داخل إطار نفس النظام الاجتماعى الاقتصادى أو بالانتقال إلى نظام اجتماعى اقتصادى أعلى تاريخيا عبر الثورات الاجتماعية وما تأتى به فى مرحلة من مراحل تراكمها التاريخى من ثورات سياسة تزيل العوائق من طريق تحولات الثورة الاجتماعية.
7: وعن الوظائف المتنوعة لهذه السلطات المترابطة للدولة تنشأ آليات مختلفة وممارسات متناقضة. ويتطور الاقتصاد وهو الأساس الحاسم لكل هذه العملية الاجتماعية أو يتدهور وفقا لآليات السوق وعلاقات التبعية والمصالح المتصارعة داخل الطبقة أو الطبقات المالكة ومستويات مقاومة الطبقات التى يجرى استغلالها واضطهادها. وهنا تأتى السلطة التنفيذية للدولة بوصفها لجنة إدارية عليا لتطبِّق الحكومة برامجها الاجتماعية والاقتصادية والإدارية. وتتوزع اختصاصات الحكومة على هيئات وجهات وفروع للسلطة التنفيذية منها التخطيط الاقتصادى والخارجية والدفاع والداخلية والتعليم والصحة والمحافظات والإدارة المحلية وغيرها وغيرها. ولأن هذه الجهات تشتمل على جيش من الموظفين فإن الأوضاع الاقتصادية الفعلية لهذا الجيش هى التى تحكم مستويات فساد أو شرف هذا الجيش، وتقوم هذه الجهات بمسئولية اجتماعية تقصر عنها بالضرورة نظرا للمبدأ الاقتصادى الذى يقوم على الربح وأقصى الربح وصولا إلى تجريف الأساس الاقتصادى لحياة الطبقة العاملة والطبقات الشعبية الأخرى. وتقوم المنازعات فيلجأ مَنْ يستطيع إلى السلطة القضائية التى لا يصل إليها كل مظلوم عجزا عن تحمُّل تكلفة التقاضى، والتى لا تُنصف المتقاضين إلا فى حدود القانون الذى لم يوضع لحماية البشر من الناحية الأساسية، وإلا فى حدود نزاهة الأجهزة الأمنية والإدارية والنيابة والمحامين والقضاة، ونزاهة القوانين ذاتها من حيث عدالة محتواها ومن حيث استبعادها للمحاكم الاستثنائية والعسكرية أو اشتمالها عليها، وكذلك نزاهة الضمائر وهى وثيقة الصلة فى كثير من الأحيان بمستويات المعيشة التى تحققت فى المجتمع لأفراد كل هذه الجهات. ومع التركيز على الضمير يُفترض الميل إلى النزاهة لدى رجال القانون والقضاء، والميل إلى القسوة والصرامة لدى الأجهزة الأمنية، والميل إلى الفساد والرشاوى لدى جيش الموظفين الحكوميِّين بحكم أوضاعهم الاجتماعية الاقتصادية المتدهورة، ويتدهور كل شيء: التعليم والإعلام والصحافة، الصحة والإسكان والتموين، الدفاع والأمن والأجهزة، ويعمّ الفساد كل شيء، ونستثنى دوما الشرفاء أصحاب الضمائر الحية الذين يحافظون بمعاناتهم الرهيبة على بقية من الطابع الإنسانى فى مجتمع فاسد من القمة إلى القاعدة. وفى مثل هذا المجتمع يعمّ الفساد الحياة السياسية بكل جوانبها، دامغا استفتاءاتها وانتخاباتها وأحزابها ومجالسها المنتخبة وكل قيادات الدولة بالفساد الشامل.
8: وبالطبع فإن سلطات الدولة بعيدة تماما، رغم حديث العلم السياسى والدساتير عن انفصالها وتوازنها، عن أن تكون متساوية فى القوة والفاعلية. ولا جدال فى أن السلطة التى تملك القوة المادية الاقتصادية والإدارية والعسكرية، أىْ السلطة التنفيذية، هى التى تمثل فى كل الدول فى كل البلدان، مهما يكن هذا بمستويات مختلفة، مركز السلطة العليا والقوة الفاعلة بلا منازع والقدرة على السيطرة الفعلية على الحياة السياسية، ولهذا فهى المتهمة عن حق دوما بالتعملُق والتغوُّل والسيطرة على باقى السلطات التى يفترض وَهْم الديمقراطية المتمثلة فى الدولة من أعلى انفصالَها وتوازنَها واستقلالَ كل منها. ومن هنا فإن حلم التغيير الجذرى عن طريق الثورة السياسية فى سياق ثورة اجتماعية لا يكون إلا بإحلال طبقة اجتماعية أخرى وحلفائها محل الطبقة الحاكمة وحلفائها فى السيطرة على هذه السلطة التنفيذية فى المحل الأول. وبالطبع فإن كل سلطات الدولة تشتمل من أعلى على القيادات التى تمثل الطبقة الحاكمة ومن أسفل على القواعد التى تمثل الطبقات الشعبية، وحلم التغيير يتعلق بالإطاحة بالقيادات التى تشكِّل جزءا لا يتجزأ من الطبقة الحاكمة والتغيير التدريجى لعقلية القواعد التى سوف تبنى المجتمع الجديد. وبالتالى فإن القيادات العسكرية تختلف جذريا عن أفراد الجيش فهؤلاء رغم استخدام الطبقة الحاكمة لهم ضد الشعب عند الضرورة ليسوا فى الحقيقة سوى أبناء وبنات الشعب وفلذات أكباده، وينطبق الشيء ذاته على القيادات الشرطية من جانب وجنود وضباط الشرطة من جانب آخر وعلى القيادات الإدارية العليا من ناحية وجيش الموظفين الحكوميِّين (وغير الحكوميِّين) من الناحية الأخرى، وباختصار فإن التغيير الثورى يستهدف بالوسائل السياسية الثورية چنرالات السلطة التنفيذية وباقى السلطات ولا يستهدف قواعد هذه السلطات مع ضرورة إعادة تربيتها فكريا وسياسيا فى إطار نظام تعليمى أرقى للتربية العلمية والثقافية والسياسية. ومن الواضح أن قواعد هذه السلطات جزء لا يتجزأ من الشعب رغم استخدامها بأساليب وآليات مختلفة ضده.
9: فإذا ذهبنا إلى السلطة التشريعية أىْ الپرلمان، فى نظام رئاسى أو پرلمانى على السواء، فإنها إنْ لم تكن بالتعيين، سلطة تشريعية منتخبة، رغم أىّ تعيين جزئى، ومن المفترض أن أعضاءها يمثلون الشعب فهم نواب الشعب. وكيف يأتى نواب الشعب المنتخبون هؤلاء؟ وهنا ينبغى التمييز بين هيئتين تمثيليتين لهذه الانتخابات: هيئة تمثيلية قاعدية واسعة وهيئة تمثيلية عليا ضيقة تنتخبها الهيئة الأولى. وتتألف الهيئة الأولى من مجموع الناخبين الذين يأتون بطريقة "ديمقراطية للغاية" فى ظاهر الأمر، حيث يكفى بلوغ عمر بعينه للانتماء بصورة آلية إلى هيئة أو مجموع الناخبين. وهؤلاء ينتخبون أعضاء السلطة التشريعية، أىْ الپرلمان، وكل سلطة منتخبة أخرى بالطبع مثل رئيس الجمهورية. وتبدو هذه العملية الانتخابية ديمقراطية للغاية حيث يتحدد الناخبون بشرط بسيط للغاية هو بلوغ عمر بعينه (الثامنة عشرة فى مصر). فلماذا إذن تأتى الأغلبية الكاسحة الساحقة الماحقة دائما لتمثل مصالح الطبقة الحاكمة حتى مع وجود أقليات حزبية لا تنتمى إلى الحزب الحاكم بل حتى مع وجود أقلية من الأعضاء المدافعين عن مصالح الطبقات الشعبية؟ السبب فى هذا هو أنه تنتشر بين عشرات الملايين من الناخبين فى مصر (وفى غيرها بالطبع)، رغم انتمائهم إلى طبقات مختلفة، أيديولوچيات مختلفة ولكنْ تحت سيطرة الأيديولوچيا السائدة التى هى أيديولوچيا الطبقة الحاكمة. وهذه الأيديولوچيات وبالأخص الأيديولوچيا السائدة بالإضافة إلى الحالة المادية والتعليمية والثقافية والتسييسية للشعب وبالتالى للناخبين هى التى توجِّه جماهير الناخبين نحو التصويت ضد مصالحهم الطبقية الأساسية. والحقيقة أن سيطرة السلطة التنفيذية وحالة الشعب بتمكينهما للحكام من تزييف إرادته بكل الوسائل ومنها الأيديولوچيا السائدة والسيطرة الفكرية والتلاعب بالعقول والدعاية الانتخابية المسلَّحة بالمال والإعلام والرشاوى الاجتماعية بالأموال وبالوعود البراقة، ومنها وسيلة التزييف المباشر، هما السر وراء الطبيعة الطبقية لكل پرلمان؛ فهو على كل حال پرلمان الطبقة الحاكمة الذى تنظم عملية انتخابه مؤسسات وأجهزة السلطة التنفيذية بكل جبروت حيث لا تنبثق السلطة التشريعية من داخل السلطة التشريعية عن طريق آليات خاصة بها. ومن ناحية أخرى فإن هذه السلطة التشريعية التى جاءت بها السلطة التنفيذية تأتى منها القيادة الجديدة للسلطة التنفيذية من خلال تكليف رئيس الدولة للحزب الحاكم بتأليف الحكومة الجديدة التى تتولى إدارة البلاد وإدارة السلطة التشريعية القادرة على اقتراح القوانين التى تبصم عليها السلطة التشريعية فى أكثر الأحيان. وإذا كان هذا هو القانون العام فى المجتمعات الرأسمالية فى مراكزها الإمپريالية العالمية فإنه من باب أولى القانون الصارم العارى المكشوف فى البلدان التابعة المسماة بالنامية فى عالمنا الثالث أو بالأحرى فى عالمنا الآخر. ولهذا فإن كل تطلُّع إلى الديمقراطية من أعلى فى صميم بنيان الدولة ليس سوى أضغاث أحلام يتزيَّن بها الطامحون إلى السلطة الطامعون فيها أو فى خدمتها.
10: والاستنتاج الأساسى الذى يمكن استخلاصه من كل هذا هو أن الپرلمان المصرى هيئة ملحقة بالسلطة التنفيذية بعيدا تماما عن أن تكون "منفصلة أو متوازنة أو مستقلة"، فهو فى كل مراحل انتخابه وعمله صنيعة هذه السلطة وأداة طيعة من أدواتها وهو أيضا صنيعة الطبقة الحاكمة. ومن هنا فإن حقيقة السلطة التشريعية فى مصر لا تتطابق مطلقا مع أسطورتها فأغلب أعضائها ليسوا نوابا للشعب بل هم نواب للطبقة الحاكمة وللسلطة التنفيذية لدولتها. وإذا كانت هذه حقيقة عامة لكل سلطة تشريعية فى العالم بعيدا عن أسطورتها فإنها تنطبق أكثر من أىِّ دولة فى العالم على پرلمانات دول العالم الثالث. فالپرلمان المصرى إذن مجرد ملحق تشريعىّ للسلطة التنفيذية للدولة ومؤسساتها وأجهزتها ويتولى وظيفة وضع البصمة على اقتراحات تأتى من السلطة التنفيذية كقاعدة؛ أو كاستثناء من غيرها من أحزاب أو جهات أو أفراد ما دامت تتفق مع مصالح هذه السلطة وطبقتها الحاكمة. ومن الجلىّ أن أهمية الدستور أو القانون الأساسى الذى يمثل المرجعية لكل القوانين الأخرى والذى تقوم بوضعه جمعية تأسيسية صنيعة للسلطة التنفيذية والطبقة الحاكمة وتُقرُّه هيئة من الناخبين ترتبط طبيعتهم بالحالة السياسية والفكرية والاجتماعية للشعب، وهى حالة تسودها متلازمة الفقر والجهل والمرض بكل نتائجها السياسية والانتخابية، كما سبق ورأينا، ترتبط ارتباطا كاملا بهذه السلطة التشريعية التى هى مجرد مكتب تشريعى ملحق بالسلطة التنفيذية فلا قيمة لها فى حد ذاتها. فما أعجب كل هذا الاهتمام بالدستور والاستفتاء عليه وبالپرلمان من جانب القوى السياسية فى مصر، ومتى؟ فى زمن الثورة. وللقوى السياسية أن تهتم عن كل حق بانتخابات السلطة التنفيذية لأنها سلطة حقيقية مهما كانت سلطة لدولة الطبقة الحاكمة والأداة الأساسية الفاعلة لهذه الطبقة.
11: وتختلف السلطة القضائية كذلك عن السلطة التشريعية. ذلك أن السلطة القضائية سلطة حقيقية ما لم تنجح دولة إدماجية كورپوراتية مثل دول مختلف أنواع الفاشيات أو الدولة الدينية فى تسييسها وإخضاعها إلى حدود قصوى للسلطة التنفيذية. وبالطبع فإن السلطة القضائية تحكم فى محاكمها العادية والعسكرية والاستثنائية مثل محاكم أمن الدولة وفقا للقوانين التى تُصدرها السلطة التنفيذية عبر مكتبها التشريعى الملحق بمؤسساتها وأجهزتها، وعلى أساس الأدلة التى تجمعها أو تلفِّقها الأجهزة الأمنية والإدارية للسلطة التنفيذية للنيابة العامة أو الإدارية أو العسكرية التى تتقدم إلى القضاء بقرارات الاتهام، وعلى القدرة القانونية وغير القانونية للمحامين أيضا فى مجال إثبات الاتهام كما فى مجال نفيه. وتتناسب عدالة السلطة القضائية طرديا مع عدالة القوانين ومع صدق الأدلة وتتناسب عكسيا مع المحتوى غير العادل للقوانين ومع تلفيق الأدلة، كما تتوقف عدالة القضاء والقضاة على الطبيعة السياسية أو الجنائية العادية للدعاوى القضائية وطبيعة الانتماء الطبقى للأطراف المتقاضية التى لا تتساوى مواقف القوانين منها لأن هذه القوانين إنما تضعها الطبقة الحاكمة وفقا لمصالحها. ومع كل هذا فإن المرونة النسبية التى توفرها القوانين من ناحية وأدلة الإثبات والنفى من الناحية الأخرى للقضاة واعتماد أحكامهم على إملاءات ضمائرهم كلما تحررت السلطة القضائية دستوريا أو عمليا من إملاءات السلطة التنفيذية وكلما كانت التقاضى بين متقاضين متساوين نسبيا أىْ بين أغنياء وأغنياء أو بين فقراء وفقراء بعيدا عن نفوذ الأغنياء وقدرتهم فى التقاضى ضد الفقراء الذين يظل كثير منهم خارج دائرة القضاء بحكم عجزهم عن دفع تكلفة التقاضى أو تحمُّل مختلف أعبائه أمام نفوذ وسطوة وسلطة الطرف الآخر.
12: وبحكم الخصوصية النوعية للسلطة القضائية، حيث يتمثل مجالها فى العدل والضمير والقانون، فإنها تميل إلى تعزيز استقلالها، ولهذا تعرَّضت لمذابح القضاء المتكررة الشهيرة فى مختلف العهود السابقة فى مصر، وبالطبع فى غيرها. وتقلّ مذابح القضاء فى بلدان الديمقراطية الپرچوازية فى الغرب أو الشمال، مع أنها تتناسب طردا مع سيطرة الاتجاهات الفاشية التى تقوم على حكم الإرهاب وليس على حكم القانون، غير أن الطبيعة الطبقية الرأسمالية للسلطة القضائية فى بلدان الديمقراطية الپرچوازية تحكمها طبيعة القوانين التى تضعها الطبقة الحاكمة حتى فى تلك البلدان من خلال سلطاتها التشريعية التابعة. ومن خلال الطابع الطبقى العام لهذه القوانين تظل السلطة القضائية محكومة بمصالح الطبقة الحاكمة والحكام والأغنياء بصورة عامة فى البلدان الرأسمالية المتقدمة وبصورة خاصة وبمقاييس أكبر وأفظع فى بلدان الرأسمالية التابعة ومنها مصر. ولا شك فى أن الاستقلال النسبى للسلطة القضائية أفضل للشعب ويمثل دعامة من دعائم الديمقراطية الشعبية من أسفل وبالتالى فإنه أداة من أدوات تطور الحياة السياسية بصورة متواصلة فى اتجاه الديمقراطية. ورغم هذا، ورغم تشدُّق الجميع بشعارات استقلال القضاء الذى لا يمكن بدونه تصوُّر أىّ درجة من درجات تطهير القضاء من الفساد والتسييس والتبعية للسلطة التنفيذية، فعندما وقفت السلطة القضائية بكل قطاعاتها وقفة عظمى منذ أسابيع طويلة فى سبيل استقلالها، وبوسائل نضالية بالغة التماسك والقوة والتصعيد مثل رفض الإعلان الدستورى ومشروع الدستور اللذين يمثلان عدوانا شرسا على استقلالها وبالتالى رفض الإشراف على الاستفتاء، بالإضافة إلى تعطيل العمل فى المحاكم والنيابات باستثناءات محدَّدة، خذلتها القوى السياسية التى تتزعمها جبهة الإنقاذ الوطنى وكذلك القوى الثورية واليسارية والتقدمية بالمشاركة فى الاستفتاء الإخوانى على الدستور الإخوانى لانتخاب الپرلمان الإخوانى فى سياق أخونة شاملة للدولة والمجتمع، وخذلت على وجه الخصوص الحركة الثورية الجماهيرية التى تجاوزت الجبهة المذكورة فقد طالبت الحركة بإسقاط النظام وحكم المرشد ورحيل الرئيس مع كل الآفاق المفتوحة بعد ذلك أمام الثورة فيما وضع زعماء الجبهة سقفا مهدرا ومحبطا لحركة الجماهير ولنضال القضاة فى آن واحد يتمثل فى المشاركة فى الاستفتاء بالتصويت ﺑ "لا"، رغم إهدار كل شروط النزاهة النسبية فى عملية الاستفتاء. ولا شك فن أن مقاطعة الاستفتاء والمشاركة فيها بالتصويت ﺑ "لا" تشتركان فى موقف أساسى هو رفض مشروع الدستور وكامل إطاره غير الشرعى ومع هذا فإن نقدهما المتبادل آلية ضرورية للوصول إلى التاكتيكات السياسية السليمة التى يتبغى الالتزام بها فى المستقبل.
13: ورغم شراسة الهجوم السياسى و"العسكرى" من جانب الإخوان المسلمين والإسلام السياسى بمختلف فصائله، ما يزال زعماء الإنقاذ الوطنى يتغنون بأن الإخوان المسلمين عنصر من العناصر المكوِّنة لنسيج الجماعة الوطنية المصرية. والمدهش أن المسوِّغات الوحيدة ﻟ "وطنية" الإخوان المسلمين والإسلام السياسى لا تتمثل فى نضال استقلالى وديمقراطى قاموا به بل فى سجنهم واعتقالهم وتعذيبهم على أيدى أجهزة أمنية شرسة فى عهود رئاسية متعاقبة اعتمدت الحل الأمنى بعيدا عن الحل الديمقراطى الذى دمر انقلاب 1952 العسكرى حرياته النسبية التى كان الشعب المصرى قد انتزعها من سلطة الاحتلال والملك وطبقة كبار ملاك الأرض بفضل ثورة 1919 ودستور 1923.
14: على أن الموقف الحالى قد تجاوز كل التفاصيل الدستورية والاستفتائية والانتخابية التى يريد الإخوان المسلمون من خلالها إضافة مجرد ملحق تشريعى إخوانى إلى السلطة التنفيذية على طريق الدولة الدينية أىْ الدولة الإسلامية المنشودة من جانبهم، وفقا لدستورهم بل بما يتجاوز دستورهم الجديد بما لا يقاس. فقد تجاوز الموقف الحالى كل هذه التفاصيل إلى مواجهة كبرى قاد الإسلام السياسى مصر إليها مع خصوم سياسيِّين نجح بجدارة فى تحويلهم خلال أشهر معدودة إلى أعداء ألداء له يقاومونه الآن فى كل مكان فى مصر. كما وصل بنا الحكم الإخوانى، الذى جاء به الحكم العسكرى الإخوانى، إلى حافة الانهيار الاقتصادى والصراع السياسى الذى ينطوى على خطر الصدام العسكرى الذى ينطوى بدوره على احتمال التطور المتدحرج إلى حرب أهلية مدمرة صار لا يمكن استبعادها مهما كان هناك أمل فى تفاديها. ويتواصل تحذيرنا من خطر حرب أهلية محتملة منذ أكثر من عام غير أن الإسلام السياسى، بسلوكه الذى كان متوقعا على كل حال، يحوِّل ذلك الخطر إلى احتمال مباشر لا يمكن تفادى طرحه للنقاش مع أن مجرد الإشارة إليه كابوس حقيقى.
15: وفى سياق صدام سياسى جماهيرى بالمليونيات صار شعار الثوار فيه إسقاط حكم المرشد، وصار من الواضح فيه أن الثورة ضد حكم الإخوان والسلفيِّين لم تَعُد تقتصر على القوى الثورية بل تشمل، بعيدا بالطبع عن كل تحالف مرفوض قطعا، قوى الثورة المضادة التى تنتمى إلى القطاعات غير الإسلاموية من الطبقة الحاكمة بما فى ذلك أجهزة السلطة التنفيذية. ويشارك فى هذه الثورة ضد حكم الإخوان والسلفيِّين الجانب الأكبر من أعضاء السلطة القضائية دفاعا عن استقلالها فى المحل الأول حيث يبدو أن التعايش مع النظام الإخوانى صار أقرب إلى المستحيل. أما المعسكر الإسلامى فلم تقتصر مقاومته لهذه الثورة ضد حكمه على المليونيات بل اتخذ طابعا خطيرا عندما وصل إلى حد العنف المباشر فى التعامل مع الثوار السلميِّين وتنظيم مذابح للثوار تمثلَ أخطرها فى مذبحة محيط الاتحادية أىْ القصر الرئاسى الجمهورى ذاته وبعلم رئيس الجمهورية ذاته، وصارت الممارسة السياسية الرئاسية ذاتها تتميز بالعنف المتحدى الذى صار يتميز بمحاكاة المنطق الساداتى بصدماته الكهربائية الذى يخالف فيه رئيس الجمهورية القانون بصورة متواصلة بإعلاناته غير الدستورية وقراراته التى تتحدى الجميع مثل مواصلة أعمال الجمعية التأسيسية وطرح مشروع دستورها للاستفتاء العام ضاربا عرض الحائط بالاعتراض والاحتجاج على أوسع نطاق، متسلحا بصورة مباشرة بالتدخل المباشر لقيادات جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة إلى جانب رئيس الجمهورية بمليونيات الإخوان والسلفيِّين ومذابحهم وحصارهم الإجرامى للمحكمة الدستورية العليا وللإعلام فى شخص مدينة الإنتاج الإعلامى واعتداءاتهم على مظاهرات واعتصامات فى القاهرة والإسكندرية والمحلة الكبرى وغيرها فى محافظات عديدة وعلى صحف حزبية ومستقلة عديدة، ولم يكن "الحازمون" وحدهم أبطال هذه الجرائم حيث كانت الكفة الراجحة فى ارتكاب هذه الجرائم وبالأخص المذابح هى كفة الإخوان المسلمين بالذات.
16: ولم يَعُد يخفى حتى على الإخوان المسلمين أنفسهم واقع أن صدام الإسلام السياسى بمختلف فصائله صار مع الجميع؛ مع الشعب ومع الثورة ومع القطاعات الأخرى للثورة المضادة، ويدفع هذا الواقع الإخوان المسلمين إلى موقف غاية فى الصعوبة حيث يتضح لهم أن حكمهم صار آيلا للسقوط وأن هذا السقوط سيكون انهيارا شاملا للإسلام السياسى قد يؤدى إلى هلاكهم الذى يمكن أن يكون على أيدى حلفائهم السابقين الذين صاروا مستعدين للمواجهة الشرسة حتى النهاية. وربما لاح أمل فى أن ينقذ الإخوان المسلمون أنفسهم ومستقبل وجودهم فى مصر فى المستقبل كأحزاب أو جماعة بنوع من الخروج الآمن السلس عن طريق مسرحية تداول ديمقراطى للسلطة من خلال تغيير انقلابى مفاجئ للاتجاه؛ على سبيل المثال عن طريق انتخاب رئيس جديد للجمهورية بمناسبة إقرار الدستور الجديد مثلا بحيث لا ترشح جماعة الإخوان المسلمين وباقى جماعات الإسلام السياسى مرشحا أو مرشحِين للانتخابات الرئاسية، أو عن طريق توزيع أدوار يقوم فيه شباب الإخوان مثلا بانقلاب تحت الإشراف الخفى لقادتهم بطريقة تُيسر هذا التغيير الكامل للاتجاه، غير أنهم يندفعون بدلا من ذلك فى عملية هروب إلى الأمام على أمل أن يصاب الفعل الثورى الجماهيرى الراهن بالإرهاق إلى حد اليأس فى حالة صمود أطول للإسلام السياسى. وربما يعنى هذا أن الإخوان المسلمين لم يعودوا يفكرون فى أىّ نوع من التراجع لإنقاذ مستقبلهم بل تدفعهم إنجازاتهم السياسية فى مجال الأخونة والأسلمة إلى طريق بالغ الخطورة على مستقبلهم فى المحل الأول وعلى الجميع على كل حال. وكما قال لى مناضل صديق ثاقب الفكر وعميق التحليل أمس أو أول من أمس، كما يقال، فإن هذا التراجع صار أشبه بالمستحيل على الإخوان المسلمين لأن الاحتمال الكبير لخطر الانتقام الواسع النطاق ضدهم صار يرعبهم فلم يعودوا يملكون إلا هذا الهروب إلى الأمام. على أن هذا الهروب إلى الأمام يهددهم فى نهاية الأمر بخسائر أفدح قد لا تقوم لهم بعدها قائمة.
17: ولا يمكن لأحد أن يحسب دون أخطاء محتملة حسابات أبعاد حرب أهلية فى مصر غير أنه يظل من الممكن الحديث عن بعض أبعاد مثل هذه الحرب التى ينبغى أن نستميت فى سبيل تفاديها. وأذكِّر فقط بما أشرتُ إليه من قبل غير مرة من أن الحرب الأهلية إنما تكون بحكم مفهومها بين السلطة والشعب أو قطاع من الشعب فليست فى المحل الأول حربا بين طائفتين دينيتين أو بين مذهبين من نفس الديانة أو بين إثنيتين أو قوميتين فى البلد الواحد. وقد تصل التناقضات داخل طبقة حاكمة إلى حد حلها عن طريق وسائل الحرب الأهلية كما يحدث عند صعود الفاشية وإعادة تشكيل الاقتصاد والطبقة الحاكمة عند حدوث ثورات تتزعمها أو تسرقها قطاعات من الطبقة الحاكمة ضد قطاعات أخرى أو عند حدوث انقلابات عسكرية تدخل على الفور أو بالتدريج فى مواجهة شاملة عنيفة ضد الطبقة الحاكمة القائمة؛ ويمكن تفسير الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) فى هذا الإطار بالذات. وما يهمنا الآن هو أن أىّ حرب أهلية محتملة فى مصر، نعوذ بكل أنواع التعاويذ من شرورها وويلاتها وأهوالها، لن تكون مثل حرب سوريا أو حرب ليبيا التى هى حرب سلطة الدولة ضد الشعب لأن الحرب هنا، واللعنة على مَنْ أشعلها، ستكون بين القطاعات الحاسمة للطبقة الحاكمة والإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسى وليس مع كل الشعب. ولأن المعسكر الأول يملك القوة المادية والعسكرية ويعرف خريطة قيادات معسكر الإسلام السياسى بالتفصيل تقريبا فإنها يمكن أن تكون حربا قصيرة مهما كانت دموية. وأعتقد أن الإسلام السياسى الذى أوصل البلاد بغبائه وتحجُّره ورعونته إلى حافة الحرب الأهلية ما يزال يملك فرصة انسحاب منظَّم سريع من السلطة لأن خسائره فى حرب ستكون أفدح بما لا يقاس من خسائره فى حالة انسحاب سياسى ذكى.
18: ورغم أن القوى الحقيقية للثورة تؤيد تفادى كابوس فاشية الدولة الدينية فى شكل جمهورية مصر الإسلامية بكل الوسائل الثورية الجماهيرية فإنها لا يمكن أن تحبِّذ حربا أهلية فى مصر الآن لأنها مهما كان من شأنها أن تستأصل الدولة الدينية فإنها بكل ويلاتها وأهوالها الهائلة لا تبشر بنظام ديمقراطى لاحق بل باستعادة محتملة لاستقرار الرأسمالية التابعة مع مضاعفة كل استغلالها واستبدادها الطبقيَّيْن وبكل ويلات هذا الاستقرار على جثة الثورة التى ما تزال متواصلة بكل حيوية على كل حال. ولا انتصار للثورة الراهنة إلا بتحقيق ثمرتها الناضجة الوحيدة فى كل ثورة مماثلة وهى الديمقراطية الشعبية من أسفل التى لا يمكن انتزاعها إلا فى مجرى ثورة سياسية شعبية وبالوسائل الفعالة للفعل الثورى المتواصل. وعلى القوى الثورية المخلصة إلى النهاية أن تعمل على انتزاع جمهورية پرلمانية (ليست رئاسية) على أن تكون جمهورية ديمقراطية بمعنى تحقيق الديمقراطية الشعبية من أسفل بكل شروطها الاجتماعية والاقتصادية وحقوقها وحرياتها التى أسهبتُ الحديث عنها فى غير هذا المكان. وليسقط حكم المرشد لتحل محله الجمهورية الپرلمانية الديمقراطية فى الأمد القريب لتقدِّم أوضاعا اجتماعية واقتصادية وسياسية أفضل لحياة الشعب المصرى، وتحسينا جذريا للدفاع عن هذه الحياة الديمقراطية سياسيا وااقتصاديا واجتماعيا وتطويرها بصورة متواصلة، وشروطا أفضل للنضال التاريخى الطويل الأجل فى سبيل المجتمع اللاطبقى حيث يبدأ التاريخ الحقيقى للإنسان باعتبار أن ما سُمِّىَ دائما بالتاريخ ليس في الحقيقة سوى ما قبل تاريخ الإنسان. ومرة أخرى ومرات أخرى سترتفع الأصوات عاليا: الشعب يريد إسقاط النظام، ويسقط حكم المرشد، ولْيرحل رئيس الجمهورية الذى لم يحقق سوى هذا الإنجاز السلبى الرهيب المتمثل فى انقسام الشعب المصرى والمجتمع المصرى بصورة تنطوى على خطر الحرب الأهلية.
22 ديسمبر 2012








18
عربدة فى قمة السلطة
الاستفتاء والدستور ومجلس الشورى ومجلس النواب
1: انتهت المهزلة، إذن، إلى إقرار الدستور بالاستفتاء (15 و 22 ديسمبر 2012) ولكنها لن تنتهى بهذا بل ستبدأ على الفور (فى غضون شهرين) معركة إخوانية جديدة: معركة مجلس النواب (الشعب سابقا)، وبعد عام من الآن سوف تأتى معركة مجلس الشورى الذى أنقذه اسمه الإسلاموىّ من التغيير الجذرى لكل التسميات قبل الإسلاموية.
2: وقد جاءت المشاركة/الإقبال بنسبة متدنية لم تتجاوز حوالى 32 المائة، وتم إقرار مشروع الدستور الذى أعدَّتْه الجمعية التأسيسية بنسبة حوالى 63.8 المائة من الأصوات الصحيحة قالوا "نعم" مقابل نسبة حوالى 36.2 المائة قالوا "لا". ومن الواضح أن نسبة المشاركة كانت أدنى من كل نسبها بعد الثورة (باستثناء مجلس الشورى حيث كانت حوالى 12.9 فى المائة فى بداية 2012): حوالى 41.2 فى المائة فى استفتاء 19 مارس 2011، وحوالى 54 فى المائة فى انتخابات مجلس الشعب 2011-2012، وحوالى 46.4 فى المائة فى الجولة الأولى لانتخابات رئاسة الجمهورية 23 و 24 مايو 2012، وحوالى النصف فى الجولة الثانية لتلك الانتخابات فى يونيو من نفس العام. كما انخفضت نسبة "نعم" من حوالى 77.27 فى المائة فى استفتاء 19 مارس 2011 إلى حوالى 63.8 فى المائة فى الاستفتاء الجديد، فيما ارتفعت نسبة "لا" من حوالى 22.73 فى المائة إلى حوالى 36.2 فى المائة من الأصوات الصحيحة بين الاستفتاءين. ومن الجلىّ أن نسبة "نعم" فى الاستفتاء الأخير أدنى من النسب التى حصل عليها الإخوان المسلمون والإسلام السياسى فى انتخابات مجلسىْ الشعب والشورى: حوالى 75 فى المائة، وحوالى 83.33 فى المائة لحزب الحرية والعدالة وحزب النور السلفى وحدهما، على الترتيب.
3: وتمثلت عربدة حقيقية فى الدستور فى منح مجلس الشورى الحالى القائم ماديا ولكنْ الذى فى حكم المنعدم قانونا، وشعبيا، والمنتخب بنسبة مشاركة/إقبال لم تتجاوز حوالى 12.9 فى المائة، بتشكيله الحالى، سلطة التشريع كاملة لتستمر حتى انتخاب مجلس النواب الذى تنتقل إليه السلطة التشريعية كاملة، ويتمتع مجلس الشورى الجديد المنتخب بعد سنة بالسلطة التشريعية بصورة مشتركة مع مجلس النواب فى الدستور الجديد، غير أنه ينفرد، عند حل مجلس النواب، "باختصاصاتهما التشريعية المشتركة"، وعند غياب المجلسين يكون لرئيس الجمهورية عند الضرورة إصدار قرارات لها قوة القانون تُعرض عليهما عند انعقادهما. واكتملت هذه العربدة الدستورية بعربدة رئاسية فقد اغتصب الرئيس لنفسه حقا ليس له عندما قام بتعيين تسعين عضوا فى مجلس الشورى، ومتى؟ يوم 22 ديسمبر، أىْ يوم المرحلة الثانية للاستفتاء. ويزعم الإخوان المسلمون أن الرئيس معنىٌّ بسرعة نقل سلطة التشريع إلى پرلمان منتخب وأن هذا يدلّ على عدم وجود أىّ نزوع منه إلى الاستبداد والديكتاتورية والفرعنة كما يتهمه خصومه، والحقيقة أن الالتزام الإخوانى للرئيس وهو الذى يأتى عنده فى المقام الأول يجعله مُلْزَما بسرعة خلق وتعزيز وترسيخ الپرلمان بوصفه پرلمانا إخوانيا وإسلاميا، فالجماعة والحزب هما الأساس وهما اللذان يعملان على استغلال سلطة التشريع وسلطات رئيس الجمهورية لبناء وترسيخ الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامى.
4: وتمثلت العربدة الرئاسية كذلك فى الإعلانات الدستورية والقرارات بقوانين التى أصدرها الرئيس وأحدث بها انقساما حادا بالغ الخطورة فى البلاد دون إصغاء إلى النصح والتحذير والإنذار، بالإضافة إلى العربدة المتمثلة فى الاعتداءات وتنظيم المذابح للمتظاهرين السلميِّين وحصار المحكمة الدستورية العليا لتحصين الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى بالعنف من حكم محتمل بحلهما، ولا شك فى أن الرئاسة والجماعة خططتا لهذه التدابير البالغة الفظاعة التى ترتبت عليها تطورات داخلية وخارجية ضخمة أهمها تصاعد الحركة الجماهيرية الثورية وتصعيد نضال القضاة دفاعا عن استقلال القضاء واتجاه الاقتصاد إلى الانهيار، وتدهور الموقف السياسى والائتمانى لمصر فى الخارج، وذلك بهدف اكتساح كل عائق من طريق اندفاع مخططات الجماعة والرئاسة الرامية للهرب إلى الأمام إدراكا منهما لحقيقة موقفهما البالغ الدقة والحرج والخطورة، نظرا لرفضهم بحدة من جانب الجماهير الشعبية ومن جانب حلفائهم غير الإسلامويِّين فى الثورة المضادة ومن جانب مؤسسات وهيئات وجهات وفئات لا حصر لها.
5: كما أن عبارة "الحرب الأهلية" التى لم يكن لها مكان فى أىّ تصوُّر عن الصراع بين الثورة والثورة المضادة فى مصر صارت تجرى بقلق شديد على كل لسان فى الأسابيع الأخيرة، حيث لم يَعُدْ أمام الإخوان المسلمين سبيل للحصول على القبول الشعبى كما لم يَعُدْ لهم سبيل إلى انسحاب سلس منظم من سلطتهم التى صارت تمثل خطرا محدقا ليس فقط على الشعب المصرى من خلال دولة دينية إسلامية بل على الإخوان المسلمين وحلفائهم الإسلاميِّين السياسيِّين الذين ما يزالون يعيشون فى أوهام الكهف رغم أن الرفض الواسع النطاق لهم من جانب الشعب ومن جانب القطاعات الرأسمالية الحاسمة ودولتها العميقة صار يهدد حكمهم رغم "اعتدال" زعماء جبهة الإنقاذ الوطنى الذى صار ينقذ الحكم الإخوانى المرة تلو المرة عن طريق إحباط وتثبيط وإهدار طاقات الحركة الجماهيرية الثورية، كما أثبتت المشاركة فى الاستفتاء بلا أىّ ضمانات وكما سوف تثبت المشاركة فى الانتخابات الپرلمانية القادمة بلا أىّ ضمانات أيضا. وصحيح أن دعاة المشاركة سيشيرون إلى مكاسب مثل ارتفاع نسبة التصويت ﺑ "لا"، غير أن ثمن هذه المكاسب كان غاليا جدا وقد تمثل فى الانحسار الذى حدث فى الحركة الجماهيرية التى كانت قد بلغت ذروة من ذُراها العالية. وهذه معادلة سياسية أساسية تُرافقنا منذ البداية: الموقف الثورى يتقدم من خلال الفعل الجماهيرى الثورى غير أن موقف الثورة المضادة يعمل على إبعاد قوى الثورة عن طريق النضال الثورى الجماهيرى بتوجيه طاقاته إلى الطريق القانونى الحافل بالاستفتاءات والانتخابات النيابية والرئاسية، وذلك من خلال صندوق تزييف إرادة الشعب فى كل استفتاء وفى كل انتخاب. ويتشامخ علينا هؤلاء الإسلامويون بالحديث المتواصل الممل عن أول رئيس مدنى منتخب فى انتخابات حرة نزيهة فى مصر، مع أن الانتخابات الرئاسية فى جولتها الثانية كانت من عمليات التزييف الكبرى فى الانتخابات المصرية لأن قيام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتخيير الشعب بين كابوسين أدَّى إلى نتيجة مزيفة حيث ذهبت ملايين الأصوات إلى شفيق خوفا من مرسى وإلى مرسى خوفا من شفيق، وهنا شاركت القوى السياسية المعتدلة وغير الواعية فى تلك المهزلة بدلا من المقاطعة والتركيز على النضال الثورى الجماهيرى.
6: ويتحدَّانا الإخوان الذين يزعمون أنهم أنتجوا تحفة دستورية فريدة بالمطالبة بمناقشة المنتَج بدلا من الحديث الذى لا يرغبون فى سماعه عن شرعية تشكيل الجمعية التأسيسية، وهم يتجاهلون بهذا حقيقة أن المنتَج أىْ الدستور كان ثمرة مُرَّة لذلك التشكيل. ولأنهم يحدِّقون النظر طول الوقت بإعجاب نرجسى فى مرآة أنفسهم فإنهم يجهلون حقيقتهم كما يجهلون حقيقة منتَجهم المتمثل فى الدستور الجديد. على أن تناوُل هذا المنتج، الدستور، بالعرض والنقد غير وارد فى هذا المقال الصغير، وأرجو أن يتسع الوقت لوقفة متأنية لمناقشة مواده وخاصة سلطات رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية بوجه عام، وعلاقات هذه الأخيرة بمكتبها التشريعى الملحق بها، وكذلك تأسيس الدستور لإخضاع السلطة القضائية لسيطرة الرئيس، وعلى وجه الخصوص مواد الدستور التى يمكن أن تكون خطوة نحو تأسيس دولة دينية وهى لا تقتصر على المادة الثانية وحدها بل تشمل مجموعة مترابطة من المواد، وهناك بالطبع مواده الخاصة بالمقومات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية وبالحقوق والحريات والضمانات.
7: وفى غضون شهرين تبدأ انتخابات مجلس النواب لتتواصل العملية القانونية لبناء السلطة التشريعية التى لا قيمة لها فى مصر سواء أكانت إخوانية أم لم تكن، وتخصّ قيمتها الوحيدة السلطة التنفيذية التى تستكمل بها مظهرها الديمقراطى وتستخدمها لصالحها. وأنا لا أدعو إلى مقاطعة الپرلمان دائما وفى كل الأوضاع ومن حيث المبدأ وإنما يهمنى تأكيد أن هذا المسار القانونى فخٌّ ومصيدةٌ وشَرَكٌ لضرب وتصفية الثورة وإبعادها عن الصيرورة الثورية السليمة.
26 ديسمبر 2012





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,857,342
- تحالفات الإخوان المسلمين وأوهام الديمقراطية
- عربدة فى قمة السلطة.. الاستفتاء والدستور ومجلس الشورى ومجلس ...
- السلطة التشريعية فى مصر بين الأسطورة والحقيقة بقلم: خليل كلف ...
- الاستفتاء مصيدة خبيثة.. مقاطعة الاستفتاء من ضرورات إنقاذ الث ...
- الثورة تتسع وتتعمَّق والحركة الجماهيرية تتجاوز قيادات جبهة ا ...
- الكتب معرفة ومتعة - الجزء الثالث
- إلغاء الإعلان الدستورى إلغاء مشروع الدستور مقاطعة الاستفتاء. ...
- يسقط حكم المرشد.. والتراجع كارثة
- الكتب معرفة ومتعة - الجزء الثانى
- الكتب معرفة ومتعة - كتاب إلكترونى 1
- ادوار الخراط وإبراهيم أصلان وجمال الغيطانى مقال عن مجموعة قص ...
- عملية -عَمُود السَّحَاب- وأقدار مصر وسيناء وغزة بقلم: خليل ك ...
- روبرت ڤالزر (مقالان: 1: سوزان سونتاج، 2: كريستوفر ميدل ...
- كتاب سيد عويس: التاريخ الذى أحمله على ظهرى
- غزة وما بعد غزة
- بعيدا عن تأسيسية الدستور ودستور التأسيسية ضرورة الإطاحة السل ...
- كيف كتب دوستويڤسكى رواية الجريمة والعقاب؟ -إعادة قراءة ...
- مارسيل پروست (مقالان: مقال: أناتولى لوناتشارسكى، ومقال: أندر ...
- مصر وبلاد النوبة تأليف: والتر إمرى، ترجمة: تحفة حندوسة مقدمة ...
- مصير العالم الثالث تحليل ونتائج وتوقعات توما كوترو و ميشيل إ ...


المزيد.....




- هونغ كونغ: تجدد الاحتجاجات المناهضة لمشروع قانون تسليم المته ...
- الرجل الطائر بالدفع النفاث يحلق فوق ميناء سيدني بالذكرى الخم ...
- رفضت الدائرة 131 أحوال شخصية دعوى الاستئناف التي أقامتها هدى ...
- كيف ترون عودة القوات الأمريكية للأراضي السعودية؟
- بالصور: أمريكيون ينشدون البرودة المنعشة في موجة حارة تجتاح ا ...
- المصابات بالسكري أكثر عرضة لقصور القلب من الرجال
- بين تهديد وإقصاء وتحرش.. انتهاكات تواجه الصحفية في العراق
- إغناشيوس: أميركا تتبع إستراتيجية التمويه مع إيران في الخليج ...
- النداء الأخير.. قيادي إخواني يطلق مبادرة لإنهاء انقسام الجما ...
- الوسيط الأفريقي يحول دون ترحيل إثيوبيا رئيس -العدل والمساواة ...


المزيد.....

- الفلاحون في ثورة 1919 / إلهامي الميرغني
- برنامج الحزب الاشتراكى المصرى يناير 2019 / الحزب الاشتراكى المصري
- القطاع العام في مصر الى اين؟ / إلهامي الميرغني
- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - خليل كلفت - ثورة 25 يناير - مقالات النصف الثانى من 2012