أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - حسن محسن رمضان - في إشكالية الشعوب العربية














المزيد.....

في إشكالية الشعوب العربية


حسن محسن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 3949 - 2012 / 12 / 22 - 22:25
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    



عندما أراد محمد عابد الجابري أن ينقد "الإصلاح" في الوطن العربي أشار إلى حقيقة أن هذا المصطلح يثير إشكالية في الذهنية العربية جديرة بالملاحظة. ففي اللغات الأوروبية فإن مصطلح (الإصلاح) يملك لفظين متباينين في المعنى، وهما كما في اللغة الإنجليزية (repair) و (reform). ففي اللفظ الأول (repair) فإن المعنى للإصلاح ينحصر في إرجاع الشيء أو الحالة إلى وضع سابق قبل ورود الفساد أو العُطل عليه، تماماً كما تذهب بسيارتك إلى الميكانيكي لإصلاحها وإرجاعها إلى حالتها العملية الأولى. أما المصطلح الثاني (reform) فإنه يتعلق إما بتغيير الصورة أو في اتجاه تغيير جذري في الأداء، وهذا يعني، كما في مثال السيارة، أن هذه السيارة سوف تأخذ شكلاً غير شكلها الأول وأن أداءها، العملي أو التسويقي، سوف يكون أكثر تميزاً أو كفاءة. هذا التميز في المصطلحات مفقود تماماً في اللغة العربية، فإن لفظ (الإصلاح) يعني فقط الرجوع إلى حالة أولى سابقة، قبل حدوث الفساد، أي أنه يماثل فقط المصطلح الإنجليزي الأول (repair). بالطبع، هذا لا يعني أن مصطلح (الإصلاح) العربي لم يكتسب حديثاً المعنى الأوروبي الثاني ضمن المعاني المتعددة الذي يحتويها، إلا أن ما يهمنا هنا هو المعنى الذي يطرأ على الذهن مباشرة عند القطاع العريض من الشعوب العربية التي لا تعي هذا التمايز في المرجعية الأوروبية عند الكلام عن (الإصلاح) فيما يخص الدولة. وهذا المعنى الذي يطرأ على الذهن العربي مباشرة هو الرجوع إلى حالة أولى تاريخية، وضع سابق ماضي في الزمان، يرى فيه هذا القطاع العريض بأنه نقطة النهاية لعملية (الإصلاح) والمثال المرتجى له.

يتعجب الكثير اليوم من كيفية إنتهاء الثورات العربية، أو ما يسمى بـ "الربيع العربي"، بأيدي الجماعات الإسلامية والقوى الدينية على الرغم من أن المثال الإيراني والأفغاني لا يزالان حيين أمام أعين تلك الشعوب. ويتعجبون أيضاً من المخاض المصري بالذات فيما يتعلق بتصرفات جماعة الإخوان المسلمين بعد وصولهم لسدة الرئاسة المصرية وكيفية اتجاه التصويت الشعبي على الدستور المصري بالموافقة على الرغم من غياب تفصيل واضح للحقوق المدنية وحرية العقيدة وحرية المرأة وعدم الفصل الواضح بين السلطات ضمن نقاط أخرى. والحقيقة هي أن العجب كل العجب لو كانت النتيجة لكل هذا على غير ما هو عليه الحال الآن، إذ الفرد أو الجماعة لا يتصرفان إطلاقاً خارج نطاق الأطر الثقافية والحدود العقائدية لهما. فالفرد والجماعة هما في النهاية إبنان أصيلان للبيئة المحيطة بهما، ويتصرفان من خلال المفاهيم الدارجة لهذه البيئة. فعندما تخرج الشعوب العربية لتنادي بـ (الحرية) و (الديموقراطية) يجب أن نعي هنا أن مفهوم الحرية والديموقراطية في تلك الذهنية مباين تماماً ومختلف جوهرياً عن الذهنية الأوروبية التي اخترعت لنا هذه المصطلحات ثم صدرتها لنا. فالذهنية العربية تجنح دائماً للتفكير بـ (الحقوق) وتلغي (الواجبات)، ولذلك من الصعب جداً على الشعوب العربية التي ثارت في بلدان متعددة لأجل (الكرامة) التي أهينت لسنوات طويلة جداً أن تقنعهم اليوم، بعد الثورة، ألا يهينوا كرامة مواطن آخر يقفزون على دوره في طابور غير آبهين بحقه البديهي الواضح أن تتم خدمته أولاً لأنه وصل قبلهم. نفس تلك الشعوب التي ثارت على الديكتاتورية وغياب العدالة الاجتماعية وسنوات القهر والتمييز هي نفسها التي اختارت طواعية المنهج الديني الذي يتبنى ضمن أدبياته الأصيلة مبادئ (السمع والطاعة) و (الخلافة) و (السلطان ظل الله على الأرض) و (الشورى غير ملزمة لولي الأمر) و (أحكام أهل الذمة) و (دار الحرب ودار الإسلام) و (مَنْ بدّل دينه فاقتلوه) و (المرأة ناقصة عقل ودين) و (لا يُقتُل مسلم بكافر). فـ (الإصلاح) في تلك الذهنية للمجموع العام من الشعوب العربية لا يعني إطلاقاً تغيير الصورة والأداء بصورة جذرية وعميقة نحو مثال غير مسبوق إطلاقاً في تاريخ هذه الشعوب، ولكنه يعني فقط إرجاع الحالة إلى وضع سابق قبل ورود الفساد أو العُطل عليه، وهذا الوضع السابق هو المثال الذي يقدمه التاريخ الديني لهم على أنه "العصر الذهبي". الإصلاح يعني فقط الرجوع إلى ذلك المثال، ذلك النظام، ذلك الفقه والتفسير والممارسة. إنها (سلفية الشعوب حليقي الأذقان طويلي الثياب) في أكثر تجلياتها إثارة للشفقة. إنها الذهنية العربية التي تنادي بالشعار الأوروبي ولا تفقه منه إلا النصوص الدينية، الفقهية والتاريخية، التي تعاكس ذلك الشعار وتهدمه. إنها أزمة مضامين وعقول.

الإشكالية العربية أعمق بكثير من نتائج صناديق الاقتراع، إذ هي عَرَض لإشكالية أشد خطورة وأكثر بؤساً. الإشكالية العربية تنتج لنا من دون توقف أو مهادنة أو انقطاع خطابات التخوين والعمالة، والقتل، والتشفي، والقفز على القانون، وعدم الرضى بالاختلاف، والتبنى التلقائي للفوضى والعنف، والركون إلى الديكتاتوريات النصية (الدينية) بمحض الرضى والاختيار بدلاً من الديكتاتوريات العسكرية، وسوء فهم لمصطلحات الحضارة والسياسة المعاصرين ضمن مظاهر أخرى كثيرة. إنها إشكالية أكبر من أن يتم تصويرها انتقائياً في جزئية دون أخرى إذ هي تتعلق بإطار شامل للثقافة والعقيدة والمنهج. وتتعلق أيضاً بنسيج اجتماعي متصارع، ومحاور اقتصادية متأزمة، وضعف سياسي خارجي شامل في مقابل تاريخ يتم تصويره (تزويره) على أنه "ذهبي". لكن النقطة الأشد قتامة وسواداً في كل هذا هو أن هناك رأي غالب خلاصته أن جميع الحلول لتلك الإشكالية هي أكاديمية بحتة غير قابلة للتطبيق الناجح السريع، وأن لابد لهذه الشعوب أن تخوض في "الشر" حتى أذقانها لتكتشف الخير في النهاية كما حدث تماماً في القارة الأوروبية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,515,778,735
- سؤال غير بريئ لما يسمى ب -القوى الشبابية- في الكويت
- بصراحة … رأيي في أحداث مسيرة يوم الأحد
- كلمة قصيرة لمن يخاف -ثورة- في الكويت
- لأنكم مجتمع يمثل شذوذاً في كل شيء
- حتمية الصدام بين المنهج السلفي والدولة المدنية
- ميسون سويدان ... أيتها الرائعة
- أيها السياسيون الكويتيون العباقرة … يا أيها الشعب
- باغافاد غيتا – المعرفة السرية القصوى
- التدليس في الخطاب الإعلامي الديني ... محمد العوضي كنموذج
- إشكالية النص المسيحي وشخصية يسوع
- مَنْ كتب الإنجيل؟
- في نقد الطب الإعجازي المسيحي والإسلامي
- حوادث أكل لحوم البشر في التاريخ الإسلامي
- شذوذ مفهوم الوطنية في الذهنية العربية
- في إشكالات السيرة النبوية
- في إشكالية العصمة النبوية
- من إشكالات المجتمع الكويتي
- هل لا تزالون أمة ً أمّية؟
- رسالة يهوذا، الذي خان المسيح، إلى الحُكام العرب
- إشكالية اغتصاب المرأة في الفقه الإسلامي


المزيد.....




- قرقاش: ربط الهجوم على أرامكو بتطورات حرب اليمن تبرير مرفوض ت ...
- 6 فوائد للعسل لمعالجة الأمراض
- وزير الخارجية الفرنسي يعلن دعم -السودان الجديد- بمبلغ 60 ملي ...
- الشرطة الأمريكية تعتقل فتاة كانت تريد التلذذ بقتل 400 شخص
- شاهد: الرباط مدينة الانوار.. تاريخ يُعرض على جدران قلعتها ب ...
- لا كفيل بعد اليوم.. تعديلٌ قانوني في قطر يمنح المستثمرين الأ ...
- شاهد: الرباط مدينة الانوار.. تاريخ يُعرض على جدران قلعتها ب ...
- لا كفيل بعد اليوم.. تعديلٌ قانوني في قطر يمنح المستثمرين الأ ...
- المجلس الأعلى بليبيا: غرف عمليات أجنبية تسيّر طائرات حفتر
- هجمات أرامكو.. أين الأسلحة الأميركية في السعودية؟


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - حسن محسن رمضان - في إشكالية الشعوب العربية