أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم عبد مهلهل - العودة الى حاج عمران















المزيد.....



العودة الى حاج عمران


نعيم عبد مهلهل
الحوار المتمدن-العدد: 1114 - 2005 / 2 / 19 - 11:36
المحور: الادب والفن
    


( أوصدوا علينا السماء ، وأغلقوا علينا الأرض
وأجلبوا القمر على رأس الرمح
عند ذاك أزف حفل ولادتنا الأخرى ! )
شيركو بيكه س


{{ لست أقل من حزنك حبيبي)
من سيسند نزيفك إذا ملت عن فرسك الكميت
في أمان الله أيها المغادرون
تقول للراحلين عن تشظي إلى صباح هولير وهي تعد القرابين
عيد سيتفجر
وأنا طوال السواد ألوك شفتي وأتفجر ..}}
الشاعرة الكردية خلات أحمد

<< إلى الشاعر بدل رفو ..مرة أخرى ..والى المعلم أيليا أبن شقلاوة ..مسؤول القلم في وحدتي العسكرية .. والى من ماتوا بطعنة الحب النجلاء فوق قمم كوردستان من عرب وأكراد .. والى الشاعر العذب شيركو بكه س >>

الشمال .. مفردة لاتبارح ذاكرة الجنود ، وكأن جدلية الوجود قائمة على مشادة بين شمال وجنوب .
فوكنر صاحب الرواية المهمة < الصخب والعنف > يقول : للشمال حظوة عند ولاة الأرض ، أما الجنوب ، فله الحلم وأبواق النفير .
أنك حين تحصي بلاد الله ، وفي ذلك ظاهرة عجيبة ترى : أن الاستلاب أكثره جنوبي المكان ، وسخونة الحدث جنوبية دائماً . مع الإشارة إلى قول لأحد أساتذة الجامعات الأمريكية نسيت أسمه يقول : حين ترى جنوباً يرتعد من غضب أو حزن ما .. فتش عن أصابع الشمال .
والجنوب في الأرض يكاد يكون واحداً في مثل هذه التقابلات < الجنوب العراقي وتأريخه المليء باستلاب الولاة والممالك والجمهوريات ، الجنوب اللبناني ، جنوب السودان ، جنوب السعودية ، اليمن الجنوبي ، قبرص : الأتراك الشرقيين في الجنوب ، والقبارصة اليونانيين في الشمال ، الجنوب الإيطالي حيث صقلية وروحها الشرقية ، أوربا الجنوبية ، البلغار والسلاف والهنغار والصرب والبوسنيين ، تختلف عن أوربا الشمالية حيث الألمان والفرنسيين والفايكنغ ؟؟ الخ .. الجنوب الأسباني وبقايا العروق العربية ، أمريكا الجنوبية متأخرة عن أمريكا الشمالية ألف قرن .
ولهذا ثمة خشية ترهب ذاكرة الجنوبي كلما قالوا له : ثمة حساب علينا أن نصفيه مع الشمال .والعجيب أن كل تلك الأوامر كانت تأتي من الوسط ، هذا الحد العازل بين بيئتين ، والنتيجة : أن صراع الشمال والجنوب يظل يغذي حلم ديمومته على مكائد جهات أخرى .
وضعت هذه الخاطرة عن جهتين وأنا أتحدى خطورة الطريق وأقرر استعادة أزمنة الحرب في بلاد ماشبع الجمال من خضرة أشجارها حتى صنعت غيرته مرآة نرسيس التي هي عبارة عن راجمات ومدافع تدك ربايا الجبل والسفوح المتوردة بشهوة الجوز وليستمر هذا الدك منذ انتفاضة البرزاني الأولى أبان الحكم الملكي ومروراً بكل الجمهوريات وحتى آخر صراع للأخوة في منتصف التسعينيات ، ثم ركن الفصيلان الى الحكمة ، ليبدأ وبمساعدة الأمم المتحدة والغرب عهد رخاء لم تشهد له كردستان مثيلاً ، وهو ما قد يتحول نقمة عليها ، حين يغذي هذا الرخاء والهدوء جذوة التعامل بالمثل عند أكراد أيران وسورية وتركيا ولازالت صورة جمهورية ماهاباد الكردية في أذربيجان الإيرانية ماثلة أمام العيون ، ولازال عبد الله أوجلان من وراء قفصه الزجاجي والذي لا يخترقه الرصاص < يزأر كأسد > ومقاتليه يتحصنون ويمارسون تجارتهم المفتوحة بأي شئ على قمم جبال منطقة دهوك وما تاخمها من الجبال التركية ، حتى سمعت من أحدهم : أن نصف أكراد العراق الذين لجئوا إلى الغرب ، تم تهريبهم بثمن من قبل مقاتلي أوجلان .
الطريق من هولير إلى حاج عمران ، طريق ذكريات سني العاصفة ، نهارات كانت ترتدي المعاطف الثقيلة وترسم كآبة الموت المجاني لأولئك الذين ختموا معي سورة الحب من كتاب الحياة الهائل ، فتية غمرتهم مياه الأحلام الهادرة وهم ينسجون ببراءة انتماءهم إلى المدن والقرى التي جف ضرع الأرض فيها كما تجف الدمعة في العين القاسية آمالاً من خيوط ضوء القمر الشمالي وهو يرسل سحابات الذهب على جدار الجبل الصخري ، وليملئوا منه محابر الوجد التي ستحولها شهواتهم وأحزانهم وآمالهم إلى رسائل بريئة إلى ذويهم وحبيباتهم ، أو تصير قصائد تنشد بحسها العالي توقيتاً مستعجلاً لنهاية هذه الحرب الضروس .
كانت الحافلة الصغيرة توسع لي آفاق التذكر وهي تقترب من حواف نقطة الصعود إلى مدن دشت حرير وما يتلوها : < صلاح الدين ، شقلاوة ، خليفان ، سرسنك ، ديانا ، راوندوز ، جومان ، كلاله ، حاج عمران > مدن وقصبات ، لم تكن تعني لنا شيئاً سوى أنها محطات حرب ، ومواقف لسيارات الإجازات الدورية أو سوقاً نوفر منها أكياس الحناء لأمهاتنا المرصعات بجواهر الانتظار ولهفة العودة السالمة ، ومن لا يحالفه الحظ ويأتي من دون حناء ، هذا يعني أن ذهب إلى دلمون الخالدة ولسوف لا يطرق الباب على كاهنة البيت مرة أخرى .
مر على آخر رؤية لي لهذه المدن المولودة على حواف الرواقم العالية أو في دشت منبسط زهاء ستة عشر عام ، لكنها تقف أمامي الآن بذات الشواهد وكأن الأزمنة لاتغير في روح المدن ، بل في معالمها وعمرانها فقط .. لأجل هذا كانت رؤاي هي ذاتها تشتغل على المكان بذات الحميمية التي كنت أعالج فيها حزني وأنا أرى القرى المهدمة أو المهجرة تعلن عن نفير موتها وسط بقايا النغم المتساقط مثل مطر حزين من نايات الأطفال الرعاة الذي كانت طفولتهم ترمينا بسهام وغضب عما يفعله الجنوب بين خرائب قراهم المهدمة .
لحظة أنطلاق الحافلة من أربيل إلى الصعود المستعاد بشمع الخواطر تنطوي بذاكرتي مسافات الرجوع الى الوراء ، لم تكن أربيل مدينة تشتعل الحضارة في فؤادها بنار التمدن الطاغي ، ظلت وعمرانها محافظة على نوع من حدس متصوفي تكيات جوامعها ، فيما نسجت الشمس على جدران قلعتها الشهيرة غطاءاً من حلم الأبد البعيد لواحدة من أقدم مدن الدنيا < أربيلا ، أربيلون ، أربيل ، فسحة الخيل ، نقطة الصعود ، مدينة القمر ، الحسناء الريفية ، هولير ، حبيبة الملا ، المكان الخفي للآلهة > .
هذه بعض صفات وأسماء أربيل ، انتزعتها من قاموس ذاكرتي وذهبت بها الى كتاب التأمل الذي فتحته في طريق الذهاب أليها وأنا ارتعب من وجوه القساوة التي حملتها سيطرات البيشمه ركه ، فلقد وصلت الى المدينة في ذات الصبيحة التي فجر فيها رجال غلاظ القلوب أجسادهم المجانية داخل سيارات مفخخة.
كانت المدينة حزينة . ولي مع حزن المدينة تأريخ طويل أيام كانت ترقب بحسرة وفضيحة النحيب كلما مر بشوارعها نعش شهيد هبطت به شظايا مدافع الحرب من ربايا كردمند وبشتكه وأوراس وكردكو وسكران وقنديل وسيدكان وكلاو حسن ورأس العبد ، ورغم أن النعوش كانت تذهب محملة بقصائد عشق أصحابها الى الجنوب والوسط ، لكن المدينة كانت تتلوا لأجلهم الشهادة بخشوع وكانت تلوح لهم بظفائرها مودعة كما تودع العاشقة عشيقها .
ولكي أتآلف مع حزن المدينة ، ظللت أدور في شوارعها كمن يبحث عن ظل لأمرأة تاهت في زقاق الذكريات كما يتيه العصفور في أحضان العاصفة . ولأكتشف :أن مدينة مثل أربيلا تثير الشهوات بريفيتها الموغلة ببساطة التأريخ الذي زاول عليها قسوة السيف منذ أيام أسرحدون وحتى مدافع صدام . ظلت المدينة كما قال عنها رحالة روسي زارها في القرن التاسع عشر ترتجل المحنة وتدفع ثمن تلك الرغبات الريفية التي احتضنتها أحلام عشيرة برزان وكأنهم رسموا لتاريخ أربيل ودوامتها الأبدية مع الموت حلماً أسطورياً كلفهم مالم يكلف أي عشيرة فوق بقاع كردستان منذ انتفاضة الشيخ عبد السلام البرزاني في مطلع القرن العشرين وحتى نيل الحرية الكاملة بعد حرب الخليج الأولى . ونعود إلى الرحالة الذي يصف المدينة << بأنها غارقة في كآبة يومها . مدينة تسرق الحجر من الجبل القريب لتحصن نفسها من مأساة أخرى قد يتعرض أليها أبناءها ولكنها تفتخر عبر تأريخها الطويل إنها لا تنحني إلى عاصفة وكل وال ترسله الأستانة أليها يقول : بعثتموني إلى وجع الرأس .>>
أبحث في نهار المدينة المترب عن زمن يتعاطف مع رغبتي باستعادة ذكريات ماكان يحصل لي فوق الرواقم المحيطة بالمدينة التي لم تتزين بشكل يليق بحريتها المفضوحة على أكياس الرمل لمتاريس حرب الربايا ، ظلت المدينة تحيط نفسها بنمط ريفي مكتسب من طبع عصامي لرجل قاد هذه البلاد إلى أحلامها الشهيدة ، وأقصد البرزاني الخالد < الملا مصطفى > . فأربيل محاطة بنمط تفكير الملا ومعاناته ، وحين أراد صدام أن يجعلها عاصمته صيفية . كان الرأي في مجلس الوزراء أن يبني مدينة أخرى بمحاذاتها تقترب من الحافة الأولى لسفين .وكاد يعلن عن ذلك . ولكن أحدهم نصحه ، بأنه في فعلته هذه يزاحم وجود التأريخ وكان يقصد اربيل ، بل أن صدام فهم من النصيحة :أنه يزاحم وجود الملا . ولأنه يعرف عناد الملا منذ مفاوضات كلاله . قال دعونا من هذا وأبحثوا عن ارض واسعة وسط المدينة لنبني عليها مؤسسات الحكم الذاتي .
والى اليوم يكاد مقر الحكومة الحالي الذي بني في زمن السابق يمثل معماراً متميزاً رغم ان المدينة خلال خمسة عشر عام من توديع رؤاي لها ، زحفت إلى الحضارة بشكل كبير ، لكن بناؤها المعماري من الداخل ظل يمثل طرازا لزمن بدت فيه قساوة نظرات الملا حافلة بكل طقوس الحياة ووجدانها . وعلى حد قول أحد دارسي القضية الكردية : فالبرزاني الخالد نال من المنافي والمسيرات العسيرة والوعرة اكثر ما ناله أي ثوري في العالم ويمكن أن نقارن مسيرة الخبز أو ما تسمى تأريخاً مسيرة < عبور نهر آراس > بمسيرة الألف ميل لماو ومسيرة كاسترو في غابات كوبا في نضاله ضد الديكتاتور باتيستا ، ومسيرة الملح للمهاتما غاندي . والفرق بين الملا مصطفى وأولئك ومنهم كيم أيل سونك وتيتو وكانت لهم مسيرات أيضاً ، انهم يحاربون نظام ومتسلط وعدو واحد . البرزاني حارب أكثر من نظام وأكثر من عدو ، مسيرته امتدت من العهد الملكي وحتى العهد الصدامي ، ويوم اغمض أزلية الحلم في عينيه وتوفى في عام 1979ودفن في قرية < شنو > الإيرانية الكردستانية في أيران ، كان مراسل الواشنطن بوست حاضرا في مراسيم الدفن وكتب في تغطية لمراسيم الوداع المهيبة :
< كان تراب الزمن يهال على قبر الملا . أبناؤه ومستشاريه يلفهم الصمت بحرية وخشوع وكان الصدى القادم من وديان كردستان العراق يتحدث عن سيرة قاسية وعصامية لرجل لم يبتسم في حياته إلا عندما يبتسم شعبه . >
هذه الكلمات التي دونت لحظة التوديع الأبدي لقائد الكردي ذكرتني بقصيدة لشاعر كردي يدعى < كاكه ى شوان > قالها عام 1958:
قلبي كان يجهش بالبكاء
لأني كنت أرى كردستان
لاتحقق أمانيها …
هذه الصورة أعكسها على المدينة وهي ترتدي حريتها البهيجة الألوان كما بدلات راقصات الدبكات الكردية التي ملئت ناظري بابتسامة شبقة وأنا أراهن يهتزن كما شجرة البلوط في سفح بشتكه في أزمنة قديمة وقد صنعن دائرة من إيقاعات مبتهجة على عشب الحافة الضيقة قرب شلال كلي علي بيك ، هذا الشلال المرسوم في طفولة العراق كله لأن صورته مطبوعة في كتب جغرافيا الصف الخامس الابتدائي ، وحتى في الأطلس العراقي القديم كان الشلال مرسوماً بألوان جميلة تشعل الرغبة في أحلامنا البريئة أن نراه ذات يوم ولكننا والغريب أننا لم نشاهده في سفرة سياحية كما تمنينا بل شاهدناه ونحن جنوداً في الحرب .
أودع أربيل بنظرات تتسع برغبة أن أرى المدينة تغادر محنتها التاريخية .
يقول الحموي : أنها مدينة حمراء من طوبها القاتم من أبديتها الطاعنة في السن .
أني أراها مدينة لا تنعزل عن محنتها القديمة وصمتها يرتكن إلى حماقات مورست ضدها لهذا فأربيل تمتلك تقاطيع حادة دائما ً، وهي واحدة من المدن التي لا تشغلك ببهاء روحها ، بل بالخفي الذي يكونها . ودائما كان هذا الخفي هو السعي إلى الحرية .
صعودا إلى سفين . كانت الخضرة معلقة على أفق لاينتهي من جبال غلفت أساطيرها بين النغم السمفوني لرعاة الزمن المنسي ، أولئك الذين يرتدون أحذية جلود ماعزهم كي يصبح سيرهم موسيقياً .
كانت الجبال تعكس في رؤاها شكل الهيمنة على الكون من خلال تداخلاتها وارتفاعاتها الهائلة وكأنك ترى العالم من خلال نافذة العلو وأنت تصعد سلم الذهاب إلى اللامنتهي . فالجبال التي تستقبل ناظرك وأنت تهم بالذهاب إلى المدن التي صنعتها آرية هذا الشعب بدءاً من < اللوفة الأولى ـ إلى اللوفة الرابعة عشر > قبل الوصول إلى مصيف صلاح الدين .
ومع أول نسمة تدخل فضاءات روحي من هذه البلدة التي تحتفي بليل الحلم عند مشارف البدء الى العمق الشاهق لكردستان ، تطل أمنياتي على خدر متشعب لألوي عنقي بحنان غريب وأنا أتمنى ان أرى الجهة التي يقع فيها مصيف << سره رشت >> فلي مع هذا المكان ذكريات لا تحصى وقد خلدت شيئاً منها في مقالة لي عن شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري ، عندما دفع القدر الجميل ناظري لأرى العظيم الجواهري لأول مرة في حياتي وهو يتأمل العمق الأخضر لأزلية الجمال على حافة منحدر بسرة رشت وكنت قد أسميت المكان < كبرة الجواهري >:
هذه ورقة من صباي ، أعيد كتابتها لفطرية خواطر الأمس وكثرة أخطاءها النحوية والإملائية والبلاغية ، ولكنها أي هذه الورقة تملك روحاً مشتعلة بالحماس والفجائية المبهورة من أن واحداً من الرموز سيأتي هذا المساء يشرب < الشاي والقهوة واللبن > ويظل لساعة يتأمل الوادي الممتد بأزلية العشب والصخر وخيوط الماء النحيلة التي تبدو للناظر مثل حيات صغيرة تلتوي على بعضها من فرط الجوع . المكان يدعى< سره رشت > والقادم الذي ستقدم له كل تلك المشروبات ويمارس طقس التأمل المسائي هو الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري .
للبلاد الموسومة كردستان ، سحر مختلط بخضرة القلب ، وآريتها موشومة بقهر تأريخي عجيب ، وهنا في هذا المكان يداعبني ميل لتفقد أزلية الصمت التي تنتمي إلى حداثة النايات وشرود نظرة المساء الذي يمتلك هاجس الجمال من تناوب الفصول ، هنا في سره رشت تحس أن ذاكرة المكان هي كون هائل من الأشياء الواقفة ، الجبل ، الشجر ، الصخر ، الغيوم ، والقرى التي تسعى إلى تدبير يومها دون أن تلتفت إلى شجن حضارة ما أو الالتحاق بها ، فالروح التي رأيتها في الذات الريفية لقرى < سره رشت > أنها تحب النأي بأحلامها البسيطة دون أن تلتفت لتأثير المحيط .
قال كاكا عمران ونحن نمد أقدامنا في البطن الهاوية لوادي يخيفك أن تنظر الى عمقه :
ـ الحياة هنا أن تذكر الله وتشرب حليب الماعز، وتتدفأ في الليل ، غيرها بطر .
وقتها أيقنت الى أن الطبيعة في صيرورتها البدائية الساحرة يمكنها أن تخلق قناعة بالحياة السرمدية دون الحاجة الى تعلم القراءة والكتابة والعلوم الأخرى . لهذا أخذت قناعة كاكه عمران بجدية وركنت الى زاوية انتظار من يحب كل عراقي أن يراه بطاقيته المبتهجة بعرس القصائد وهي ترسم بهجتها في مساء آري لايمل من مشاهدته .
ومن سره رشت عودة الى صلاح الدين ثم هبوطاً نحو شقلاوا ..المدينة التي قرأت الشعر قبل غيرها من مدن كردستان ، يوم كانت أديرتها تحتضن قلب يسوع وقلب الطبيعة :

أليها تلك التي تذكرني بأيليا وكنائس سقوف البلوط ..
أرتديها كمن يرتدي دعاء الأم في سفره الأبدي الى القمم التي تعزلنا عن صراع الملذات ..
أنت يا مدينة روحي
يامن سكنها الرب ،بعاطفة العشب وحنان سورك وسفين ومشكور
ياشقلاباذ الكلدانية ..
ترحمك الأديرة والقلوب التي تحبك
سلاما لك شقلاوة
أنت ‘تعبدين بهجتي بحس نسائمك الدافئة
قصيدة دونها قس على جدران دير الربان بيا
النزول من مصيف صلاح الدين الى شقلاوة هو نزول للنسخة فضية من دلمون كردستان ، بعد أن نفترض أن جنة السومريون هي دلمون والتي هي اليوم جزر مملكة البحرين .
تنشط ذاكرتي وأنا أتجول في شقلاوة ، هي مدينة الرهبان والقيلولات التي تنعم بصحبة الملائكة ، وأديرتها صلوات توازي قامة الجبل حين تتعدى أحلام المصلين .وكانت حين تزف أبناؤها الى حروب أجبرت عليها تتحصن بجمالها وتعيد تمشيط ظفائرها وهي تستعيد أزلية وجودها يوم قدم أليها واعظها الأول وأنعشه الربيع وقال بعد أن فتح كتابه المقدس : لقد اختارني الله والمسيح لأؤسس مجداً لسلام هذه الجبال ولتكن هذه الأرض مدعاة للسكنية ولتسمى < شه قاباد> .
ولدت المدينة مطمئنة الى سحر ليالي وديناها عامرة بكل فواكه الله ، ويوم زارها ياقوت الحموي ، قال :وجدت نفسي في جنة الكرد ، أنها واحة في قلب واحة ، والجبل يعطيها لونه الترابي فيسكن الى خضرة المكان فيسر الناظر من أول نظرة الجفن .
لا أعرف أحداً سوى أيليا الذي شاركني ربيئة الحلم أيام حرب السنوات الثمان ، أيليا معلم من أهل شقلاوة طيبته تقف جنباً الى جنب مع طيبة القديسين ، عشت معه عهداً من ألفة الجهات لكنه تسرح يوم قال صدام وحرب أشد أوارها : لا أريد كردياً في جيشي !
لا أريد ان أسأل عن أليليا الذي لم أره منذ ثمانية عشر عام ، فربما أمتهن الهجرة مثل الكثيرين ، ولربما تعبت ذاكرته ولم يعد يعرفني لهذا واصلت مؤانسة الحافلة وغادرت معي شقلاوا الى شلال كلي علي بك ومدينة خليفان حتى قضاء ديانا وماكان يطلق عليه قضاء الصديق ، وهو تجمع سكاني تعمدت الدولة العراقية أن تجعله في مكان مرئي ومكشوف وبعيداً عن المكان التاريخي والمسمى ناحية ديانا فيما نأت المدينة الأسطورية راوندوز بنفسها عن هذا التجمع وأنحرفت الى اليمين فلم أزرها لأني منذ هذه اللحظة ستبدأ الذكريات تعيد أحلامها الزرق مع الطريق الصاعد من ديانا وحتى حاج عمران ، وفي رغبة أن يكون صعودي الثاني لدى العودة الى هذه النقطة الى مرتفعات سيدكان ، وناحيتها التي أخذت من الجنان ابتسامتها فكانت بالنسبة لي مكاناً يأوي الحزن رغم أن الطبيعة هناك مثل نرسيس تغار على روحها حين تتأمل حسن ماصنع الله بالماء الجاري بأواني الفضة من الينابيع القادمة من البعيد الذي تحتويه الأعداد الهائلة من السفوح والقمم والتي تمتد بأزليتها حتى بلاد الأناضول ..
وهكذا على خيط نحيل من الإسفلت يمشي بموازات رواقم لاحصر لها تمشي ذاكرتي .
أزمنة يقدر لها أنها تكن شئ من شجن وراثة المكان .والمكان يدعى كوردستان وكنا نسميه أيام الجندية
< الشمال > ويوم نشرت مقالتي الموسومة < ذهنية المكان والزمان ..قرية بعاذرا أنموذجاً > هجم علي كرد الدنيا كلها .عتب واحتجاج وكثير من الحب والإعجاب ولكنهم كانوا يتساءلون بألفة وغضب : لماذا حين تذكر بلادنا تقول الشمال ولاتقول كوردستان؟
ولكي أجيبهم يتوارد في ثقافتي خاطر الاكتساب والتعلم والتطبع أيضاً ، فيوم كنت هناك .كانت هذه الكلمة غائبة عن القواميس بقصد صنعته العلاقة المتوترة بين مشايخ الكرد وساستهم والدولة العراقية ، لهذا ظلت مفردة الشمال قائمة على مستوى الشارع والأدب والحوار وحتى مصطلح < حرب الشمال > هو المتداول وكانت الدولة تسميه < عصيان الشمال > أو < حركة البرزاني > أو < تمرد الملا > وأسماء خلقها الصحفيون والمستشارون وبعض بيكات الفائدة وأمراء أفواج الجحوش .
لقد كان الملا مصطفى البرزاني واضحاً في نواياه وكان يخيف من يعيش الكرد في ظل نظامهم ، حد الذي جعل نوري السعيد يهمس في أذن الشاه في زيارته للعراق في خمسينيات القرن الماضي :
الملا يريد تهديمنا نحن الثلاث .
قال الشاه : من تقصد ؟
أجاب نوري : نحن وأنتم وتركيا .
وكيف ؟
الملا يقول :أن هدفي هو حرية كوردستان واستقلالها ، ثم حرية أولئك الكرد الذين يعيشون تحت قبضة الأجانب وتأسيس دولة كردية .وهناك نص في ميثاق حزبهم يقول :أن دولة كردستان الاتحادية الديمقراطية حرة في عقد تحالفات أو معاهدات صداقة مع حكومة كوردستان أيران وحكومة أذربيجان .
رد الشاه ببرود : دعهم يحلمون يا دولة الرئيس .
وقال أحد المقربين من نوري في أوراق خاصة . دخلت على الباشا وكان متجهماً . قلت: خيراً باشا .
قال : هذا الملا مصطفى يريد أن يأكلنا من الخاصرة .
قلت : كيف ؟
قال : أنظر في ميثاقهم دعوة لتأسيس دولة كردية تضم أربيل والموصل والسليمانية وكركوك وخانقين .
كان الكرد يحلمون ، كما تحلم القمم بصنع الغيوم وسائد نوم لها ، وهاأنا أجوب الطرقات ثانية وأفكر بالوصول الى نقطة ما أستعيد بها حلم السنين المتعبة وأتأمل حياة شعب قال عنه المستشرقون :أنهم يكابدون مع القساوة حلم الأنتصار على الطبيعة لهذا تجدهم أشداء في كل وقت .
وصلنا جومان . تذكرت هذه الناحية التي هدمتها القذائف والجرارات سني الحرب منذ ما تسميه الحكومة عصيان برزان وحتى اللحظة التي غادرت بها البساطيل الرومانية كوردستان الى الأبد ، وقبلي كان عبد الله كوران في هذا المكان ينشد في أبدية الشعر روحه وهو يتأمل القامات العالية لجبال بلاده ويسامرها ببهجة قال عنها البرزاني : أنها تبهجنا كثيرا نحن الكورد .
لاأدري لماذا كلما أقرأ عبد الله كوران ، أتذكر السياب ، وكان علي أن أتذكر الجواهري مثلا ، فالشاعرين عاصرا بصدق محنة الوطن وألتقيا أكثر من مرة وهاجت على مساحة ذاكرة كل واحد منهما نفحات الطيب الخالص لرغبة شعرهما بالحرية التي يصفها كوران بأنها روح تطير بجناحين من الثلج فوق قمم كوردستان كلها .
تنعشني جملة كوران الرائعة : وإن يكن الجسد أرضاً ربيعية ، لكنها تحتاج الى سماء تباركها .
وهاهي السماء تبارك تلك الخضرة الأزلية ، تختصر الذكريات بجملة طافحة بالعذاب والشوق لحافظ الشيرازي : جبل روحي ، هو جبل دموعي .
وهنا تنساب الدموع على تأريخ أرض شردت بخواطرها وأحاسيسها وأزمنتها الرافضة .
كنت في كردكو . أتوسد ربيئة البرد والموت وحين تأخذني أجازه الشوق لأمي في الجنوب المستلب كمن يمزقوا ثوبه الوحيد أمر على أطلال هذه المدينة التي أراها تعلق رايات كثيرة .
راية زرقاء للأمم المتحدة وراية الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، رايات حمر وخضر ، غير أن رايات العراق التي كانت توحدنا على الحروب والأمل بنجومها الثلاث وهمسات صفي الدين الحلي ، لم تكن موجودة ، ولأني أعتبر العراق مساحة من أزلية الحلم تمتد من حاج عمران حد أم قصر ، فأنني أعلن حزني وأنا أرى علم أيراني على سطح بيت ، ربما هو قنصلية ، ربما تاجر ، ربما بعثة للتبشير ، فالأكراد بسبب فوضى الانتماء وجراء قسوة الأخر جعلوا أربيل مكانا للتبشير ثقافات عديدة ومنها ما شاهدته المدارس الكوردية وهذا الزعيق الذي لاينتهي لطاطليس في محلات التسجيلات .
تذكرت قصيدة طافحة بالجمال ل < شيركو بيركه س > :
هوذا قدر العشق يشحذ بالسيف عنقه
فيا أيتها الفتاة الساسانية
ولى زمن الضيافة
وثمة موت جديد يبتغيني .
يذكرني شيركو بصوته الوطني الحالم وبنبرات حنجرته الدافئة بخيال القراءات الجبلية . كنت في أحيان متفرقة كسبحة الشيخ بابان يوم انفرطت خرزاتها جراء شظية ، وكان وقتها يقف فوق قبرالعاشق يصلي لأودية بلاده صلاة سكينة الروح . كنت أسمع شيركو يلقي عذاباته الحادة في أماسي تنقلها الفضائيات الكردية .
كانت حنجرته تضم أوركسترا كاملة من مجون الحب الطافح وثمة حداثة وابتكار عند هذا الرجل ، ثمة حزن صوفي يمارس حكاية الوجود مما يضطرني لأبحث في مكتبتي عن ثقافة كردية متواضعة فلا أجد له سوى قليل من القصائد ورغم هذا انحني إجلالا لمتعة يقول عنها الحلاج : أنها تخدعنا كي ننساك أيها الحبيب . لكني أتذكر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كيف كان يقيم مودته مع العراق وشعراؤه أيام زياراته المتكررة لبغداد وكيف كان من الساعين الى جعل ثقافة الكورد هي ثقافة وطن لا تطحنه الحروب وهذا ماكان يتداوله بعربية نقية في نادي الاتحاد أو مقهى حسن عجمي مع أدباء العراق الذين أسسوا مع الجواهري اتحاد ، قال عنه الزعيم عبد الكريم يوم زاره وفده برئاسة الجواهري :
أنتم وجه العراق النقي من شماله الى جنوبه . غير أن بيكه س كان كوالده الشاعر الكبير شيركو يعقد على حدود الحلم الكردي آمالا كبيرة وكانت قصائده الكلاسيكية تمثل نمطاً حالماً للذاكرة المحلية لشعب آري يحب السلام ولكنه صعب المراس مثل مطرقة الحجر . وعلى خطا الأب كان الولد .
أودع وجه شيركو .وأظل أمشي مع طريقي ، محتفياً بذكرياتي كمن يحتفي بجسد حبيبته على سرير الغربة ، أعقد صلة مع الكون الشاهق كدعاء أم لولدها المقيم في مدن الحرب .أنظر الى السفوح والوديان والقرى الجديدة ، أتذكر الحجر الحلان وموزائيك كلالة وشروال الحجي وطاقية العجوز مهباده ، أتذكر كوخ العم نوح وهو الكشك الوحيد المتبقي من جومان المهدمة . نوح لم يكن يعرف العربية ، كان يرطنها مثلما يرطن الهنود الحمر الأنكليزية ورغم هذا كنا نتجمع حوله لنشتري السكائر وأكياس الحناء .
سألته مرة : لم أسمع أن كردياً أسمه نوح ؟
أبتسم وقال : أن أمي وهي حامل حلمت بسفينة تجلس فوق جبل .
تذكرت آرارات ورسو سفينة نوح ، وقلت : نوح كم ذكية أمك !
قال : يرحمها الله ويرحم جميع أمة محمد .
قلت : وحتى أولئك الذين يقاتلون ؟
قال : ولدي من أين ؟
قلت : من الناصرية .
قال : مزلوم مثلي .
أتذكر كلمة << مزلوم >> الآن تلك التي أطلقها العم نوح وهو يمد بصره الشاحب الى بيت طيني متهدم . كان بيته .قال أن شجرة التوت التي بقربه عمرها مئات الأعوام لكنهم يستطيعون الآن بقطع عمرها بمنشار يوم يسقط الثلج هنا .
وفعلا كنت ماراً ذات ظهيرة باردة ، شاهدت فصيل الأس بي جي 9 يقطعون بالفؤوس شجرة العم نوح ، وقتها أيقنت أن السفينة التي رست فوق آرارات لم تقض على كل العاصين فوق سطح الأرض .
يقولون أيام حركة بارزان ويسميها الأكراد < الثورة المقدسة > كانت جومان بلدة معاندة ، حتى اطفالها بيشمره كة صغار من النوع الشرس ، وأن الملا كان يضعها كمدينة أمدادات لوقوعها على طريق بري سالك يوصل منطقة دشت حرير وراوندوز الى حد حاج عمران وهناك مفترقات تذهب بك الى سيدكان وربما وجد البيشمره كه محاوراً أخرى توصلهم الى ميركه سور ، ولكن الملا الخالد كانت خطوطه الخلفية لا تذهب الى الجانب التركي ، لقد فضل كردستان ايران لتكون خطوطه الخلفية وكان ذلك مصدر أزعاج للشاه وحكومته .وما نقرأه في مذكرات قنصل الاتحاد السوفيتي في أورمية < آشوموف د . ي > لدليل على ذلك :
<< تبين لنا أنه في تأريخ 27 / 5 / 1947. أن قسما من الكورد البرزانيين برئاسة الملا مصطفى قد عادوا الى كردستان أيران متوجهين نحو نحو منطقة < ماكو > للتقرب من الحدود السوفيتية ، كانت عودة البرزانيين الى أيران متزامنة مع مجئ الشاه الى أذربيجان الأيرانية وقد أدى هذا الى مخاوف وقلق الطبقات الغنية والأتباع والموظفين والجيش الأيراني >>
أذن فالبرزاني الخالد كان يمثل صداعاً لرأس الجميع ، ولكنه في بلاده كان هادئاً رغم كل الفوران الذي حوله وأن أي قراءة للتأريخ الكردي تظهر أن الرجل كان يحمل حلم شعب ولايحمل حلم عشيرة رغم أن المسيرات الثورية تحمل في كل آن أخطاءها على أكتافها والكرد كانوا في تاريخ ثوراتهم يحملون نمطاً عنيفاً من تلك الأخطاء التي دفعت فصائلهم للتقاتل فيما بينها في بعض الفترات .
اليوم الجميع ركن الى قناعة أن الفيدرالية جزء من حلم وليس الحلم كله ، لهذا حين رأيت علم الفدرالية يرفرف بشجن فوق المركز الصحي بكلالة أيقنت أن الكرد يريدون دولتهم وأنهم أعطوا لمسعود ذات العهد الذي أعطوه لوالده الذي يمتلك من حلم ثورة أبيه تلك البندقية البرنو المهداة أليه من الوالد الخالد التي رافقه في مسيرات المحنة وعبور الحدود ويقول عنها السيد مسعود في مذكراته : أنها أغلى وأجمل ما يمتلكه .
كلالة جديدة اليوم .
كانت معقلاً يصعب اختراقه وكانت تمثل هوى برزان وإحدى رموزها الباقية للتذكير بأن الكرد لن ينسوا قضية الوجود . كنت أسير في شوارعها فيفاجئني حسن ترتيب الجدران الملساء والتي أعيد ترميم الحياة أليها من خلال أمل بان الحروب قد لاتعود ثانية الى هذا المكان ..
جبل كلاله ، الجبل الأسود ، أوراس ، سكران ، قنديل ، كردمند ، كرد كو . أخرى تذهب بك مباشرة الى حاج عمران ، ذلك القضاء الساحر الذي وصفه أحد شعراء كردستان في عتب :
أردناه مشتى لكم فجعلتموه ساحة حرب .
أيام حرب السنوات الثمان كنت أترصد المكان من قمة بشتكه ، أتأمل الكرفانات السياحية ورايات مقاتلي الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذين جعلوا من حاج عمران نقطة انطلاق . فأتذكر طفولة الشتاء يوم قررت أيام الثانوية بعد مشاهدتي لراوية باسترناك الدكتور زيفاكو أن اكتب رواية بمناخات الثلج ، كنت طالباً وغامرت بالذهاب وحدي الى حاج عمران في عطلة نصف السنة وهناك وجدت تضاريس الثلج تمنح الجنوبي اغترابا لا يطاق وتساءلت بذهول : كيف كان أخواني يقاتلون هنا ومن يقاتلون ؟
أن التعميد للحرب هو قسوة يفرضها جنرال مجنون . هكذا وصف بابا الفاتيكان هتلر حين أعلن الحرب الكونية الثانية . فهل كنا نحن أيضاً نعمد من قبل مجانين .
في فقه السياسة وسير التأريخ لم يكن الأمر بهذا المنظار ، لكن تداخلات الانتداب والعلاقة التاريخية التي خضعت لسلطة الدين برداء الخليفة داخلت رؤى التعايش بين الشعبين وصار الدين يوحد الصلاة لكن العرق يفرق الحلم في الانتماء ، وأعتقد أن سلطان الأستانة والحكام السياسيين في جيش فكتوريا لعبوا دوراً في ذلك .
تحيطني المرتفعات الشاهقة في حوض يمتد بموازات وديان عتمة خضرتها تغري التمدد وممارسة نوع من العشق ، وأجملها وادي ناوندة ، الممتد على شكل أخدود مستقيم يوصل المرتفعات ببعضها لتصبح مثل عائلة تجلس في ألفة الشتاء على موقد الشاي .
أتذكر كلمات أحد الكتاب الكرد : هذه الأرض الله ولا للبرزاني وأبناءه أي شبر لافي برزان ولا في ميركه سور .
الطبيعة هنا تملك نفسها بنفسها ، وحين كنت أمد قدماي قرب الدكات الدولية وهي كتل من الأسمنت تضعها مديرية الحدود فاصلاً بين الدول وتسقط على الخرائط كمناطق يمنع تجاوزها ، أحس انهم يقسمون الجبل الى قسمين نصف في أيران ونصف في العراق . مرة صحح لي أيليا الموقف قائلاً : أنهم لم يقسموا الجبل بل قسموا قلب كردستان . وقتها عرفت القصد وعرفت ان الأمر كان هكذا منذ أيام كورش وأن أحد شاهات القاجار قال للشيخ عبد السلام البرزاني : لاترفعوا رؤوسكم إلى أعالي القمم كي لا تشعروا بالحرية .
لكن الشيخ عبد السلام البرزاني رفعها فكان الثمن معروفاً .
لم ‘يسمح لي أن ادلف عبر مضيق ضيق الى حاج عمران . نزلت من الحافلة . كان البشمره كه يتعجبون حين يرون سومر تأتي بهاجس رغبة المشاهدة والتذكر وقد أعانتني هوية أتحاد الأدباء كثيرا لأنال احترامهم .
تطوقني الجبال الشاهقة كناطحات سحب مرمرية ، أنها كون هائل من الصخر . أتأملها في قيض حار ، وأرى قنديل البعيد والثلج لا يزال يكور على قممه حكايات شتاء لا يرحم رغم حرارة آب اللهاب ، فأعيد إلى مسامعي صدى ألحان مزامير الرعاة ويستوطن الشعر قلبي كما يستوطن نقار الخشب قلب الشجرة .ولأنني تعبت من التأمل وبانت رغبتي بالدوار حول الرواقم رغبة في الوصول الى سيدكان ، إلا أن الأمر كان مستحيلاً ، أذ علي العودة الى ديانا والانطلاق منها صوب كلاو حسن ورفاقه من رواقم سيدكان الجميلة .
ولن رأسي ملئ بذكريات تشبه أساطير العشق . جلست تحت ظل شجرة جوز ، وكحالم بسني الرقص والتمتع بدفء أمومة الوطن ، فتحت أوراقي ومصائري المبتهجة مع صمت الطبيعة وتغريد الوجود .
كان كل شئ يتحدث بخواطر تأملية ، الماء ، الصخر ، الشجر والغبار الذي تتركه الحافلات ، وحتى صدى المدافع القديمة ، غير أني تعبت من الإنصات الى الجمال وخدرت الى صدى اللهجات التي ترتدي الطبيعة ثوبا لها خاصة عندما تكتب الشعر وكما يقول عبد الله كوران :أننا نذوب في الطبيعة كما تذوب الشمس على خد الثلج .
هذه صورة عامرة بشهقات متصوف يفترض انه صوت الأمة وضميرها . وحين أقول امة ولا أقول شعب فأنا أعني كوردستان التي في العراق وإيران وتركيا وسوريا وأذربيجان الروسية وغيرها ولا أعني الشعب الذي ينتمي الى برزان أو السوران أو الكوران أو اللور أو الكرمانج .
بقيت حسرة مشاهدتي لحاج عمران قائمة في رغبة الوثوب أليها مرة أخرى .
لقد انتهت استراحتي وبقائي تحت الظل الأخضر لشجرة الجوز يعرضني الى ليل يستيقظ فيه اكثر من حيوان كاسر ، لهذا علقت جسدي في حافلة صغيرة وعدت الى ديانا وغدا سيبدأ منها صعوداً آخر الى سيدكان ……………………

أور السومرية نيسان 2004





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- رسالة انترنيت الى ارشاد منجي
- رسالة انترنيت الى رفيق الحريري
- نبؤة المقال وأيام الحرب على العراق
- ماذا ترك لنا زمن السنيور برايم…………ر…؟
- ذاكرة المكان .. بين المشهد والشاهد تمثال لينين أنموذجاً
- أتحاد الشعب وأتحاد القلب
- ماركس أيها الطيب ..مالذي يحدث بالضبط


المزيد.....




- عشرون طالبا يدخلون "غينيس" بالعزف على بيانو واحد
- عشرون طالبا يدخلون "غينيس" بالعزف على بيانو واحد
- محمود عباس يشيد بجهود جلالة الملك في الدفاع عن القدس
- 7 أحزاب و150 شخصية عامة بمصر يؤسسون حركة لمواجهة أوضاع البلا ...
- النحت على الجليد.. حديقة أميركية أبدعها 35 فنانا
- هل تعتز إسرائيل بالفن اليمني أكثر من العرب؟
- (الزمان) تلتقي النجم هادي أحمد في بغداد: المال بديل لثقافة ا ...
- فيلم أمريكي عن حرب النجوم يكتسح صالات السينما
- ماريو ديسي (1902- 1979): الدماغ ليلاً
- الاشتراكي اليمني ينعي فقيد الثقافة هشام علي


المزيد.....

- المدونة الشعرية الشخصية معتز نادر / معتز نادر
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - القسم الثانى والاخير / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسى المقاوم للنازية - الفسم الأول / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة / سعيد العليمى
- تطور مفهوم الشعر / رمضان الصباغ
- البخاري الإنسان... / محمد الحنفي
- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم عبد مهلهل - العودة الى حاج عمران