أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الأصل مصرى والدماغ عبرى















المزيد.....

الأصل مصرى والدماغ عبرى


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 3803 - 2012 / 7 / 29 - 16:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


المثقفون فى كل المجتمعات الإنسانية- مهما تفاوتتْ فى سلم الحضارة- يختلفون فى السياسة والاقتصاد إلخ ولكنهم يشتركون فى شىء أساسى ، هوتقديرتراثهم ، وبالتالى احترام جدودهم ، الاستثناء الوحيد يُجسّده غالبية المتعلمين الكبارمن المصريين أومن تـُطلق عليهم الثقافة السائدة (مثقفين) فهؤلاء يعمدون إلى تشويه تراثهم (المصرى) ويحتقرون جدودهم (المصريين) والأمثلة فى أرشيفى كثيرة جدًا : من محمد حسنين هيكل إلى فهمى هويدى إلى أغلب الكبار والصغار فى الإعلام . فمثلا يرى د. عمارعلى حسن أنّ سلوك العوام من ضعف واستكانة حيال الحاكم (أنه بعض رواسب الحاكم الإله فى مصرالقديمة) وأنّ تقديس الحكام تضاءل إلى تبجيلهم ، فى صورة تختلف كثيرًا عن الفرعونية السياسية التى كانت سائدة فى مصرالقديمة. فالرابطة السياسية الإيمانية التى أوجدها الإسلام تـُشكل إطارًا مناقضًا للفرعونية السياسية التى تقوم على أنّ فرعون طاغية وأعوانه ظلمة وهمج ورعاع)) (صحيفة القاهرة 28 نوفمبر2006)
المُلفت للانتباه أنّ د.عمار لم يُبدع جديدًا وإنما ردّد ما كتبه إسلاميون قبله ، يُضمرون عداءً صريحًا للحضارة المصرية مثل د. سيف الدين عبدالفتاح فى كتابه (التجديد السياسى والواقع العربى – رؤية إسلامية) إذْ كتب عن أهمية ((الوجه الآخر للالتزام بالرابطة الإيمانية السياسية والذى يحول دون الانحراف بها بإتجاه الرابطة الفرعونية)) وأنّ الرابطة الإيمانية ((تـُصاغ على تأسيس من قواعد إلهية ، لأنّ محتواها الإيمان بما أنزل الله ونقيضها العلاقة الفرعونية)) هنا نلاحظ التطابق التام فى المعنى وفى كثير من الألفاظ بين د. عمار ود. سيف الدين .
ويرى د. عمار- أيضًا – أنّ الدين فى مصرالقديمة رسّب ظاهرة السيد المُطاع والعبد المُطيع. وأنّ البعض يرى أنّ فكرة (حاكمية الله) التى رفعتها الجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامى ، أصلها مصرالقديمة التى جعلت من الحكام آلهة)) إنّ هذه اللغة التى تحكمها العاطفة الدينية تختلف عن لغة من تخصّصوا فى علمىْ اللغويات والمصريات ، لذلك نجد د. محمود سلام زناتى (لأنه يحترم لغة العلم) ينقل عن المؤرخ اليونانى ديودورالصقلى أنّ ((عادة المصريين كانت تجرى فى حالة وفاة أحد ملوكهم بأنْ يوضع فى آخر أيام الحداد النعش الذى يضم رفاته أمام مدخل القبر. وتـُشكل محكمة لتنظر فيما قدّم المتوفى من أعمال . وأباحوا لمن يشاء أنْ يتهمه. أما الكهنة فتؤبنه مُعدّدة مناقبه. وألوف الناس الذين اجتمعوا لتشييعه يُنصتون ويشتركون فى تأبينه إذا كان المتوفى قضى حياة مجيدة . أما إذا كانت حياته على العكس وضيعة تصايحتْ الجماهير) وأكد ديودور على أنّ هذا الإجراء جعل ملوك مصر((يُقيمون العدل خوفـًا من العار)) ومن واقع المعلومات التى جمعها هذا المؤرخ ذكرأنّ ((ملوك مصر لم يكونوا يعيشون على نمط الحكام المُستبدين فى البلاد الأخرى ، فيعملون ما يشاؤون تبعًا لأهوائهم غير خاضعين لرقابة ما . فقد رسمتْ لهم القوانين حدود تصرفاتهم ، لافى حياتهم العامة فحسب ، بل فى حياتهم الخاصة وأسلوب معيشتهم اليومية كذلك . وأنّ الملك لم يكن فى قدرته أنْ يقضى فى المخاصمات وفق ميوله الشخصية ، وإنما وفق ما تنص عليه القوانين)) { فمن من الخلفاء المسلمين (المؤمنين بالرابطة الإيمانية) تنطبق عليه ما أورده ديودورالصقلى عن حكام مصر؟ }
وعن القضاء المصرى ذكر ديودورأنه كان يتم اختيار عشرة قضاة من كل من هليوبوليس وطيبة ومنف . ويجتمع الثلاثون وينتخبون من بينهم أفضلهم رئيسًا للقضاة (تاريخ القانون المصرى فى العصورالفرعونى والبطلمى والرومانى والإسلامى – عام 85من ص61- 77)
وإذا كان العصر الحديث عرف نظام التقاضى على درجات ، فقد كان جدودنا لهم شرف الريادة ، وهوما أكده د. محمود زناتى الذى ذكرأنّ التنظيم القضائى فى مصرالقديمة عرف نظام الاستئناف أمام محكمة أعلى . وهو ما أكدته عالمة المصريات مرجرت مرى فى كتابها (مصر ومجدها الغابر- ترجمة محرم كمال – هيئة الكتاب المصرية عام 98ص86) والأهم أنّ القضاء فى مصرالقديمة كان ((مدنيًا ولم يكن دينيًا)) (د. محمود زناتى – مصرسابق ص 77، 78) وهذه المُقتبسات المُختصرة تنفى ما ذكره د. عمار من أنّ القضاة كانوا يحكمون وفق الإرادة الملكية إلخ كلامه. وكيف يكون الحاكم (الفرعون وفق التراث العبرى) طاغية وأعوانه ظلمة وهمج ورعاع وعبيد ، فى حين أنّ أسرى الحرب كانوا يتمتعون فى مصرالقديمة بوضع قانونى واجتماعى يفضل وضعهم فى كثيرمن المدنيات القديمة (المصدرالسابق ص 50) وأكثرمن ذلك أنه كان يُسمح للأسرى بالعمل فى البناء والتشييد وكانوا يُمنحون المسكن والمأكل والملبس ((وتتوفر لدينا أدلة تـُشير إلى أنّ هؤلاء العمال (الأسرى) كانوا يتلقون أيضًا خدمات طبية)) (مصر وكنعان وإسرائيل فى العصورالقديمة- تأليف دونالد ريدفورد – ترجمة المرحوم بيومى قنديل- المجلس الأعلى للثقافة- المشروع القومى للترجمة- عدد598عام 2004أكثرمن صفحة) وكتبتْ عالمة المصريات نوبلكور عن منظومة العدالة وعدم التعصب فى مصر القديمة ((أنّ مواطنة مصرية ربطتْ حياتها بحياة أحد أسرى الحرب بموافقة جميع أفراد أسرتها ، وهى تـُقدّم لزوجها (الذى كان أسيرًا) بعض الأملاك . ولاشك إذن أنّ المصريين لم يكن لديهم أى تعصب عنصرى)) (المرأة الفرعونية- ترجمة فاطمة عبدالله محمود- هيئة الكتاب المصرية- عام 99ص 222) وبينما أكد علماء المصريات أنّ الحضارة المصرية لم تعرف التعصب العرقى حتى مع الأسرى ، نجد أنّ النبى محمد ينص على ((لاتكون العرب كفؤًا لقريش والموالى لا يكونون كفؤًا للعرب)) (شمس الدين السرخسى فى (المبسوط) مجلد 3 ص24) ونجد معاوية بن أبى سفيان يقول ((أهل مصر ثلاثة أصناف : فثلث ناس وثلث يُشبه الناس وثلث لاناس . فأما الثلث الذين هم الناس فالعرب. والثلث الذين يُشبهون الناس فالموالى . والثلث الذين لاناس المُسالمة يعنى القبط)) (المقريزى- المواعظ والاعتبارص56) وكتب الأزهرى المستنير عبدالمتعال الصعيدى ((انقسم الفقهاء فى مقياس الكفاءة فى النكاح (= الزواج) بين الشعوب ، فكان أبو حنيفة من أشدهم مغالاة فى ذلك وقد رُوى عنه أنه قال : قريش أكفاء بعضهم بعضًا والعرب كذلك وليس أحد من العرب كفؤًا لقريش كما ليس أحد من غير العرب كفؤًا للعرب. وقال سفيان الثورى : إذا نكح المولى العربية يُفسخ النكاح وبذلك قال أحمد بن حنبل)) (المجددون فى الإسلام – هيئة قصورالثقافة عام 2007ص96) وإذا كان المصريون الذين رضوا لأنفسهم تبنى الدماغ العبرى يستشهدون دائمًا ب (الفرعون) على أنه رمزالطغيان ، فلماذا لايستشهدون بما فعله أبوجعفرالمنصور(الخليفة العباسى) الذى ((كان أول من أحدث تقبيل الأرض بين يديه والتحجب عن الرعية والترفع عليها)) (المصدرالسابق ص74)
وعن العدالة فى مصرالقديمة عقد برستد مقارنة بين القانون المصرى وقانون حمورابى الذى كان ((يقضى فى العدالة حسب المركزالاجتماعى للمدعى أو المذنب . أما الانعدام التام للفوارق الاجتماعية أمام القانون الذى هو من أرقى مظاهرالحضارة المصرية فلم يكن معروفـًا فى بابل . وكان من نتيجة ذلك أنّ المبادىء الأخلاقية فى بابل لم تـُساهم إلاّ بالنذر اليسير إنْ لم تــُساهم بشىء مطلقـًا فى الإرث الأخلاقى المصرى الذى ورثه العالم الغربى)) (فجر الضميرص23، 236، 368) هذا الانعدام التام للفوارق الاجتماعية أمام القانون المصرى الذى رصده برستد وغيره من علماء المصريات ، كان يستند على منظومة من الحكم رسّختْ لقيمة العدل , ولذلك ذكرعالم آخر(جان يويوت) أنّ ((تحوت – موس الثالث حكم أكثر من ثلاثين عامًا كانت كلها سنوات مجد وازدهار عظيميْن)) (مصرالفرعونية- ترجمة سعد زهران- مؤسسة سجل العرب عام 66- أكثر من صفحة) بل إنّ تحوت- موس الثالث يُحذر أحد الوزراء قائلا ((إنّ المحاباة رجس ضد الإله)) ونبّه عليه بأنْ ((يُعامل الصديق والغريب والغنى والفقير على قدم المساواة)) لأنّ ((الرهبة الحقيقية للأمير فى عدالته)) وكتبتْ عالمة المصريات مرجرت مرى لقد ((أحبّ الشعب هذا الفاتح العظيم حبًا جمًا)) (مصدرسابق ص 91، 92، 221)
يُردّد أعداء الحضارة المصرية أنّ ملوك مصر(الفراعنة وفق التراث العبرى) كانوا طغاة وأنّ الظلم سمة حكمهم ، فيرد عليهم عالم المصريات أدولف إرمان قائلا ((كان الظلم فى كل عصور مصر مرذولا فى نظر الآلهة. ونقرأ فى متون الأهرام أنّ الملاح السماوى لا يسمح بالعبور لغير الصالحين العادلين)) (ديانة مصرالقديمة- هيئة الكتاب المصرية- عام 97ص177) وإذا كان البعض يُروّج لمقولة أنّ فكرة (حاكمية الله) أصلها مصرليصل إلى أنّ الحكم فى مصركان دينيًا ، فإنّ أدولف إرمان عالج هذه المسألة بلغة العلم فكتب ((إنّ السلطة المدنية كانت تتعارض دائمًا مع السلطة الدينية ، فكان الكهنة مكبوتين حين تقوم حكومة قوية. أما فى عهد الحكومات الضعيفة فإنّ سلطة الكاهن الأكبركانت تزداد)) (المصدرالسابق ص229) هذه هى لغة العلم التى لا تعترف بالمطلق ، فقد لخص العالم الكبيرالصورة فى جدلية العلاقة بين السلطتيْن المدنية والدينية ، وهى علاقة تحكمها إرادة السلطة الحاكمة، فإذا كانت قوية يكون رجال الدين مكبوتين والعكس صحيح.
ذكرد. عمار((أنّ المصرى القديم كان يعتقد أنّ العالم الآخر بالنسبة للملوك يختلف عن عامة الناس . فالملوك تصعد أرواحهم إلى السماء أما (العوام) فمثواهم باطن الأرض)) وهذا الكلام يؤكد أنّ سيادته لم يقرأ كتابًا واحدًا فى علم المصريات (خاصة عن ديانة مصرالقديمة) لأنّ كلامه يتنافى مع الديانة الأوزيرية التى كانت الديانة الشعبية. وفى كتاب (الخروج إلى النهار) الشهيرفى ترجمته الخاطئة ب (كتاب الموتى) نجد محاكمة المرحوم (آنى) وهو من عامة الشعب (كاتب قرابين) من الأسرة 19. وفى المحكمة التى رأسها أوزير، شهد الإله جحوتى لصالحه بعد أنْ وزن أعماله فى الميزان العظيم (القلب فى كفة وريشة ماعت فى كفة) صدرالحكم بدخوله حقول اليارو(= الجنة) وفى هذه البردية المكتوبة منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، نجد فكرة الصعود إلى السماء بواسطة السلم الذى تخيله المصرى القديم. وفى مقبرة أوناس فإنّ الخيال المصرى أضاف وسيلتيْن أخريين هما الحصير(= البساط السحرى) والحيوان الخرافى (محسن لطفى السيد – مطابع روزاليوسف عام 2004) وذكرأدولف إرمان أنه تم العثورعلى الكثيرمن التوابيت . وكان بالقرب من الرأس على الجانب الذى يتجه إليه وجه الميت ، تم رسم عينيْن كبيرتيْن من الخارج كى يرى الميت بهما سيد الأفق وهو يجوب السماء (مصدرسابق ص 293)
إنّ العداء للحضارة المصرية وسب ملوكها خاصية تميز بها العبريون ، وهو عداء مذكور فى كتبهم التى يُقدّسونها . فالماء الذى فى النهريتحول إلى دم والسمك يموت وينتن. وكان الدم فى كل أرض مصر(خروج 7: 19- 22) وإطلاق الضفادع والبعوض والدمامل على كل المصريين ليس فى الحقول والنهرفقط وإنما داخل المخادع والأسرّة. وقتل مواشى المصريين لأنّ الرب يُميّز بين مواشى إسرائيل ومواشى المصريين (خروج 9) وهو ما أكده القرآن فى أكثرمن سورة مثل ((ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات)) إلى ((فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين)) (الأعراف من 130- 133) وفى العهد القديم نجد التحريض على سرقة المصريين إذْ يقول رب العبريين لبنى إسرائيل ((حينما تمضون أنكم لاتمضون فارغين . بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابًا تضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون المصريين)) ((خروج 3: من 18 – 22) كما يتولى ربهم قتل المصريين ((قال موسى يقول الرب إنى نحونصف الليل أخرج وسط مصرفيموت كل بكرفى أرض مصر. من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التى خلف الرحى . وكل بكر بهيمة. ويكون صراخ عظيم فى كل أرض مصر لم يكن مثله ولن يكون مثله أيضًا)) (خروج 11: من 4- 7) وأكثر من ذلك ((فخلص الرب فى ذلك اليوم إسرائيل من يد المصريين . ونظر إسرائيل للمصريين أمواتـًا على شاطىء البحر))(خروج 14: من 30- 31) والإله العبرى يُوزع أراضى الشعوب على بنى إسرائيل فيقول ((فى ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام (إبراهيم فيما بعد) مثاقا قائلا لنسلك أعطى هذه الأرض . من نهر مصرإلى النهرالكبيرنهر الفرات)) تكوين : 15 : 18) وهذا المعنى أكده القرآن ((وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا ودمّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون)) (الأعراف / 137) وأيضًا ((فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين)) إلى ((كذلك وأورثناها بنى إسرائيل)) (الشعراء/ 53- 59) وكما كرّم العهد القديم بنى إسرائيل كذلك كرّمهم القرآن ((يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمتُ عليكم وإنى فضلتكم على العالمين)) (البقرة/ 40، 47) وفى العهد القديم ((فإنه كما رأيتم المصريين اليوم لاتعودون ترونهم أيضًا إلى الأبد . الرب يُقاتل عنكم وأنتم تصمتون)) (خروج 14: من 11- 14) وفى القرآن يتطابق المعنى ((وإذْ فرَقنا بكم البحرفأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)) (البقرة/ 50)
رغم الادعاء بأنّ فرعون بغى وطغى إلخ ورفض خروجهم من مصر، نجد أنّ بنى إسرائيل يندمون لأنهم خرجوا من مصر. فنقرأ ((وتذمرعلى موسى وعلى هارون جميع بنى إسرائيل وقال لهما كل الجماعة ليتنا متنا فى أرض مصر. أليس خيرًا لنا أنْ نرجع إلى مصر؟)) (عدد 14 من 1- 4) وأيضًا ((لماذا أصعدتمانا من مصر لتأتيا بنا إلى هذا المكان الردىء . ليس هو مكان زرع وتين ورمان ولا فيه ماء للشرب)) (عدد 20 : 5) لماذا هذا العتاب من بنى إسرائيل إلى ربهم ؟ يقول العهد القديم ((إنكم قد بكيتم فى أذنىْ الرب قائلين من يُطعمنا لحمًا . إنه كان لنا خير فى مصر)) ثم يُردّدون من جديد ((لماذا خرجنا من مصر؟)) وتكون الاجابة أكثر وضوحًا فنقرأ ((فعاد بنوإسرائيل أيضًا وبكوا وقالوا من يُطعمنا لحمًا . قد تذكرنا السمك الذى كنا نأكله فى مصر مجانًا والقثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم)) (عدد من 4- 6، من 18- 21)
لم تتوقف الثقافة السائدة البائسة فى مصرأمام موقف العبريين المُعادى لمصر، وربطه بندمهم على الخروج منها ، فى حين أنّ علماء علم المصريات هم الذين كشفوا هذا التناقض الصارخ بين إدعاء الاضطهاد وبين الندم على خروجهم من مصر، والرغبة فى العودة إليها من جديد . وإذا كانت الحضارة المصرية حضارة بطش وظلم كما يدّعى العبريون ، فإنها كما وصفها العالم الكبير(رندل كلارك) ((حضارة راقية)) فلماذا نـُصدّق تخاريف بنى إسرائيل ونتجاهل جهد علماء المصريات ؟ خاصة إذا علمنا من كتاب تركه جدودنا باسم (كتاب الطريقيْن) أنّ رب الكون يقول ((خلقتُ كل إنسان مثل أخيه. وخلقتُ الآلهة من عرقى . أما البشر فخرجوا من دموع عينى)) (الرمزوالأسطورة- رندل كلارك- ترجمة أحمد صليحة- هيئة الكتاب المصرية عام 99 ص71، 72) ووصل الأمر لدرجة أنّ الآلهة المصرية تتولى إطعام الموتى كما جاء فى اللوحة المحفوظة فى متحف برلين تحت رقم 7291(أدولف إرمان- مصدرسابق ص 173)
إنّ مأساة شعبنا مزدوجة : تعليم وإعلام يقاومان بشراسة أية محاولة ل (علمنة مؤسسات الدولة) وبالتالى يظل مفهوم المواطنة ناقصًا مشوهًا . ثم تأتى فرق ضخمة من كبارالمتعلمين (المحسوبين على الثقافة المصرية) ليهدموا أى انتماء لمصر. ولعلّ ما حدث بعد 11فبراير2011 أنْ يؤكد كلامى إذْ خرجتْ معظم الصحف وفى صفحاتها الأولى المانشيت الرئيسى ((وسقط الفرعون)) ويكتب كبار كبارالمتعلمين ((مصرلن تعود لعهد الفراعنة من جديد)) وذات النغمة البائسة الفجة تلقفها الإعلام فردّدها كبار وصغارالمذيعين والمذيعات . والسؤال هل قرأ أحدهم كتابًا واحدًا فى علم المصريات ؟ وهل يمكن خروج مصر من المأزق الحضارى وكبار المتعلمين يتنفسون بخراطيم هواء عبرية؟ إنّ العلمانية والحس القومى هما اللذان دفعا الشعوب الحرة إلى التقدم والحرية. فهل يمكن أنْ تتقدم مصر وفيها هذا الهوس بتراث بنى إسرائيل المعادى لجدودنا ولحضارتنا وبالتالى لحاضرنا ومستقبلنا ؟ وهل يمكن أنْ يأتى يوم تـُراجع الثقافة السائدة فيه نفسها فتتوقف عن الكلام والكتابة باللسان العبرى ؟ وإلى كل مصرى مؤمن بمصريته وبتراث جدوده أهديه كلمات الحكيم (آنى) الثاقبة ((إذا كنتَ تعلمتَ شيئـًا فأين أنت من بحورالمعرفة)) .
***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,279,589,187
- العلمانية وغياب الحس القومى
- حامد عويس : من طين الواقع إلى سماوات الفن
- ختان البنات وغياب الوعى بعلم المصريات
- أتكون الثورة نكبة على شعبنا ؟
- حسن حنفى : الفلسفة بعمامة الأصوليين
- المرأة المصرية بين ثقافتيْن
- عبد الوهاب المسيرى وحكاية العلمانية الجزئية
- نبى العروبة والصحابى الأول
- هل العروبة لصالح مصر والعرب ؟
- العقل المُغيّب منذ طفولة البشرية
- صلاح الدين الأيوبى وعبادة الفرد
- جدل العلاقة بين التعصب والتسامح فى (المهدى)
- أنور عبدالملك ورؤيته لنهضة مصر
- الإسلام الصحيح فى حوزة من ؟
- حميمية العلاقة بين الموت والحياة
- التراث الإنسانى بوجدان وعقل الأنثى
- يونيو67، يونيو2012
- هل العلمانيين واليسارالإسرائيلى خرافة؟
- هل سينحاز الرئيس للعدالة أم للسلطة ؟
- من بعيد : نور من عصر التنوير المصرى


المزيد.....




- الأذان يرافق تشييع ضحايا المسجدين بنيوزيلندا.. وترامب يثير غ ...
- بومبيو: ترامب مبعوث الرّب لإنقاذ اليهود
- نيوزيلندا: منفذ مذبحة المسجدين سيمضي بقية حياته معزولا
- جاويش أوغلو: الرئيس الفنزويلي يعد باعتناقه الإسلام مستقبلا
- موقع روسي: كيف ترعى المؤسسات المسيحية بأميركا الإسلاموفوبيا؟ ...
- ألمانيا.. توقيف 10 إسلاميين متطرفين خلال إحباط مخطط إرهابي
- بابا الفاتيكان يعزي في ضحايا حادث غرق عبارة في العراق
- جزيرة -الجنة- الإندونيسية تغرق في البلاستيك
- الرئيس التركي: يجب مكافحة عداء الإسلام مثل -معاداة السامية- ...
- ما قصة الإسلام والمسلمين في نيوزيلاندا؟


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الأصل مصرى والدماغ عبرى