أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - الأميّة في السياسة















المزيد.....


الأميّة في السياسة


فؤاد النمري
الحوار المتمدن-العدد: 3766 - 2012 / 6 / 22 - 15:39
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



قبل عشر سنوات، أو نحو ذلك، دعيت لحضور لقاء ينظمه أحد الأحزاب القومية، فكان أن توالى قادة الحزب المحليين في شرح سياسات حزبهم " الشعبية "، وبعد أن انتهى أربعة محاضرين من إلقاء خطاباتهم، طلب عريف اللقاء إلى الحضور أن يسألوا عمّا سمعوا، فلم يسأل أكثر من ثلاثة أشخاص أسئلة هامشية ليست في الموضوع ولا تتواءم مع أهمية اللقاء خاصة وأن الحضور كان واسعاً بصورة لافتة. ولما لم يجد العريف المقدم تفاعلا من جانب الحضور مع محاضرات المحاضرين ذوي الأسماء الكبيرة، وهو ما يدل على غياب الحزب في اللقاء بالرغم من الجهد المميز في تنظيمه ودعوة جمهور واسع بذلك الحجم، إذّاك طلب عريف الحفل إلي أن يسمع الحضور رأيي فيما سمعت من المحاضرين. ولما كان العريف صديقاً لي قلت .. " كنت أود أن أبقى صامتاً، وهو ما يدل أيضاً على رأيي فيما سمعت، أما وأنك طلبت رأيي الصريح فيعز علي ألا ألبي طلب صديق .. أنا لم أسمع سياسة في هذا اللقاء الكبير بل سمعت إيديولوجيا والايديولوجيا ليست من السياسة ولا تصنع سياسة، وليس غريباً أن يكون هذا، فالعرب مبتلون بالأدلجة " ـ وكانت مفاجأتي إذّاك، كما مفاجأة العريف، أن قوبل تعليقي بعاصفة من التصفيق من عامة الحضور وهو ما أحرج المقدم حرجاً شديداً لم أكن أرغب فيه إذ ظهر بوضوح أن عامة الحضور لم يكونوا من حزب المحاضرين، لكن العريف غطى بذكاء هذه الحقيقة بالقول .. " ها أنت ترى يا سيد نمري بأننا لا نصغي إليك فقط بل ونصفق لك أيضاً ". أستذكر هذه الحادثة كمقدمة لحديثي عن الأمية في السياسية التي تنجم في أغلبها عن الأدلجة حتى بات الصبي العربي الغرّ ، كما أشار أحد شعراء العرب، لديه الأجوبة الكاملة عن كل الأسئلة في الحياة حتى عن الحياة بعد الموت. وكيلا يستهجن هذا بعض العرب فقد كنت في خمسينيات القرن الماضي معلماً في إحدى القرى النائية التي لم تصلها بعد أبسط معالم الحضارة الحديثة وإذ بي أفاجأ بأن تلاميذ الصف الخامس الانتدائي ويضم نحو ثلاثين ولداً بعمر الحادية عشرة والثانية عشرة منظمون جميعهم في حزب البعث، نظمهم معلم الرياضة البعثي!!

أعود لأقول أنني كتبت مقالتي قبل أسبوعين تحت عنوان "ماذا علّمنا ستالين ؟" لا لأدافع عن ستالين بالكلمات حيث الوقائع على الأرض من شأنها أن تذرو كل الزبالة بعيداً عن قبره كما كان قد تنبأ هو بذلك في أواخر أيامه، وليس لأؤكد الدروس في الدفاع عن إنسانية الإنسان التي تعلمناها من ستالين بالدرجة الأولى، بل كان ذلك قبل كل شيء لأكشف عن الأمية في السياسية التي يغرق في محيطها المظلم السياسيون الهواة من العرب. النخاسون الأوغاد، وليس بدون وعي منهم، استطاعوا أن يجعلوا من شخصية ستالين الحد الفاصل بين الخير والشر، بين الحرية والعبودية، بين الرأسمالية الليبرالية واشتراكية الثكنة. لا نستطيع اعتبار جميع هؤلاء النخاسين الأوغاد مؤدلجين أو أميين في السياسة حيث أنهم في حربهم على ستالين يقومون بأقوى دفاع عن مصالح حقيقية ترتبت للبورجوازية الوضيعة عبر مزاح ثقيل من قبل التاريخ إذ أولاها سدة السلطة في العالم كله دون أن يكون لها أي نصيب في إنتاج الثروة الوطنية، خلافاً للقانون الطبيعي الإجتماعي الذي يصنع السياسة ويقول .. " من يُطْعِمْ يحكمْ ". الاستغلال الفظيع الذي تتعرض له البروليتاريا في العقود الثلاثة الأخيرة على يد البورجوازية الوضيعة لا نظير له حتى في قمة صعود الرأسمالية. نحن لا نستطيع أن نعتبر طلائعي البورجوازية الوضيعة أغبياء وأميين في السياسة طالما كانوا يدافعون عما ينهبون من إنتاج البروليتاريا، لكننا بالمقابل لا نستطيع أن نفسر وقوف الكثيرين من أدعياء الاشتراكية في صف البورجوازية الوضيعة في هجومها على ستالين بغير الغباء والأمية السياسية غير البريئة أصلاً من الروح البورجوازية.

قاربت التعليقات على مقالتي عن ستالين ماءتي تعليقاً معظمها لأناس يدعون الاشتراكية والماركسية ويهاجمون ستالين بأقذع العبارات وبمفردات سوقية لا صلة لها بالفكر وبالثقافة معبرين عن جهل فاضح في تاريخ الاتحاد السوفياتي وفي أعمال ستالين وشخصية ستالين رغم فرادتها وتميزها. هؤلاء " الاشتراكيون " و " الماركسيون " يمخرون في عباب الجهل والأمية. ولد جميعهم بعد موت ستالين وهم لا يعرفون ستالين إلا من قراءة الكتب، وليس من كتب متاحة لهم بالطبع غير كتب أعداء الاشتراكية حيث يترفّع الشيوعيون عادة عن كتابة سير الشخصيات. يقرؤون كتباً مخابراتية رخيصة ويتحدثون في السياسة !! تعليقات هؤلاء الجهلة والأميين استندت أيضاً إلى كتب كتاب روس مغمورين. كتب الروس ضد ستالين لا تقرأ أصلاً حيث أن البورجوازية الروسية عانت من ستالين ما لم تعانه بورجوازيات أخرى في العالم. ثم إن قراءة الكتب، كتب المخابرات وكتب النقد السياسي المؤدلجة أو المدفوعة الثمن لا تصنع سياسة. هؤلاء الذين هاجموا ستالين مستندين إلى كتاب ليسوا من أهل السياسة لا يجوز لهم أن يتحدثوا في السياسة فما بالك عن ستالين وهو الرجل المحور في التاريخ الحديث. الجغرافيا السياسية الماثلة اليوم في العالم هي بعد كل شيء من صناعة ستالين، ليس لأن ثورة أكتوبر التي حققها ستالين على الأرض هي التي رسمت مسار التاريخ في القرن العشرين، بل لأن ستالين أيضاً هو شخصياً من قرر مصائر الحرب العالمية الثانية، وعالمنا اليوم هو مولودها الشرعي. ستالين تتحدث عنه الوقائع على الأرض وليس الكتب. وكتابي الصادر قبل عشر سنوات تحت عنوان " من هو ستالين؟ وما هي الستالينية؟ " لم يعتمد على أية آراء لي ولغيري في ستالين بل اعتمد على وقائع معروفة في التاريخ كمساهمة في المعركة الحدية الفاصلة التي فرضها النخاسون الأوغاد على طلائع البروليتاريا المقاتلة.

نكتب هنا لا لنفضح أولئك الذين يهاجمون ستالين عن وعي من متراس متقدم للدفاع عن مصالح البورجوازية الوضيعة فقط، بل لنفضح أيضاً أولئك الذين يحاربون في نفس المتراس دون أن يعوا أنهم يحاربون البروليتاريا والاشتراكية دفاعاً عن مصالح البورجوازية الوضيعة ومثالهم في ذلك خروشتشوف الذي لم يعِ سوء صنيعه إلا في العام 1964 عندما نحّاه العسكر بالقوة. نكتب لأولئك الذين اصطفوا ويصطفون اليوم وراء خروشتشوف ولم يعوا ما وعاه خروشتشوف متأخراً إذ وعى أنه ومنذ رحيل ستالين إنما كان يقاتل في متراس البورجوازية الوضيعة ضد الثورة، وهذا ما اعترف به للرئيس أحمد بن بللا أثناء لقائهما في سوتشي في العام 1964، قبل أن تطيح المخابرات السوفياتية بالرجلين، أنه ارتكب خطأ كبيراً في حياته وهو نقد ستالين ـ وهو الخطأ الذي استدعى بالطبع أخطاءً أخرى أكبر وأكثر فظاعة كالإنقلاب العسكري بالتعاون مع المارشال جوكوف ضد قيادة الحزب في يونيو حزيران 1957 والإطاحة بدولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدالها بدولة هجين سماها " دولة الشعب كله " في فبراير شباط 1959. هذا المنحرف المرتد قاتل بشراسة في متراس البورجوازية الوضيعة منتحلاً صفة الشيوعي، أو الأحرى كان الشيوعي الأمّي في السياسة.
عبثاً نجادل مجندي البورجوازية الوضيعة يقاتلون في متراس متقدم لحماية امتيازات مؤجرهم المسروقة بكامل كلفة إنتاجها على حساب العمال. إلا أنه من واجبنا الإنساني أن نقول كلمتنا الأخيرة للذين يقدمون ورقة الاعتماد الوحيدة المقبولة للإنضواء إلى متراس مجندي البورجوازية المتقدم وهي الهجوم على ستالين منتحلين بذات الوقت صفة الشيوعي كي يبرروا تخليهم عن مبدأ دكتاتورية البروليتاريا بالإضافة إلى مبدا وحدة الثورة في العالم بوجهيها الاشتراكي والوطني ـ انحراف خروشتشوف بدأ بشطب هذين المبدأين ـ حيث منذ ما قبل نهاية القرن التاسع عشر سدت كافة السبل نحو أية تنمية وطنية قبل قيام ثورة اشتراكية وطيدة الأركان في العالم. أية تنمية وطنية ذات شأن لا تتحقق بغير وجود طبقة بروليتاريا واسعة وذات دربة عالية تعمل عل أدوات إنتاج متطورة وهو ما تَحُول مراكز الرأسمالية الإمبريالية دون تحقيقه في مختلف محيطاتها. لذلك خاطب لينين زعماء الشرق الإسلامي المجتعين في باكو ـ أذربيجان في العام 1921 للبحث في سبل التحرر الوطني بالقول .. " لن تحققوا أية نجاحات تذكر من دون التعاون التام مع الاتحاد السوفياتي ".
ينقسم الذين انضووا إلى متراس البورجوازية الوضيعة منتحلين صفة الشيوعي بذات الوقت إلى قسمين، القسم الأكبر منهم أخذ يبرر إطلاقه النار على ستالين بالمناداة بالتعددية وتداول السلطة وهو ما يعني قبولهم بتسليم السلطة للبورجوازية لتمارس عبرها أبشع أنواع الاستغلال للعمال، وهذا بحد ذاته طعنة نجلاء في قلب الطبقة العاملة وخيانة لها ما بعدها خيانة، وعليه يستحق هؤلاء وصفهم بخونة الشيوعية. أما القسم الآخر وهو الأقلية فهو أكثر وقاحة من الأغلبية إذ ينادي بقيام الثورة الاشتراكية في البلدان المحيطية المتخلفة، ثورة اشتراكية بلا بروليتاريا. يظن هؤلاء الأغرار الوقحون أن الاشتراكية إنما هي عقيدة يأخذ بها من يرغب فيها خلافاً لاشتراكية ماركس التي هي حالة ملازمة لطريقة إنتاج البروليتاريا حصراً، أي أن لا اشتراكية بلا يروليتاريا. الثورة التي نادى بها ماركس تقوم في المركز الرأسمالي وتنتشر في الأطراف أما ما ينادي به هؤلاء الأميّون في السياسة هو قيام الثورة في الأطراف لتحاصر المركز وتثوِّره، ويقف في طليعة هؤلاء "الماركسي" المصري المفلس سمير أمين.

مجندو البورجوازية الوضيعة الذين يطلقون النار على ستالين من متراس متقدم من أجل نزع صفحة ستالين من أجندة التاريخ وإلقائها في النفايات كوسيلة وحيدة لإلغاء الاشتراكية من مستقبل البشرية، هؤلاء هم في قمة الوعي السياسي إذ يدركون أن الستالينية تعني الاشتراكية بالرغم من أن نضالهم نحو إلغاء الاشتراكية إنما هو حراثة في البحر. أما منتحلو الشيوعية في ذات المتراس فهم أميّون في السياسة، أصولهم البورجوازية الوضيعة لم تسعفهم في التحرر من الأمية السياسية حيث أنهم كانوا قد تبنوا الشيوعية أصلاً كفرس رهان ستحقق لهم مكاسب شخصية ما كانت لتتحقق وهم في صفوف البورجوازية الوضيعة حيث هناك مختلف المكاسب تبقى وضيعة ـ ويحضرني في هذا المقام ما كنت قد أكدته لأمين عام الحزب الشيوعي (بالوكالة) لدى انفصالي عن الحزب (1965) بسبب انتصاره لخروشتشوف حتى بعد طرده من الحزب، إذ أكدت له أن معظم الذين استنكروا الشيوعية بسبب الضغط الكبير عليهم من قبل السلطات هم أكثر شيوعية ممن لم يستنكروا وتحملوا الضغط ليبقوا مراهنين على مستقبل الحزب ومستقبلهم فيه ـ فكان أن ثار الأمين العام بالوكالة غاضباً، وعلمت فيما بعد أنه تذكر قولي هذا وقال لمرافقيه .. كان يجب أن نعتبر مما قاله فؤاد النمري قبل خمس سنوات.

السياسة إنما هي، قبل كل شيء وبعده، الصراع الطبقي الذي يسبق الصراعات العيانية العملانية كالمعركة المستمرة في السوق بصورة التبادل السلعي ثم بصورة الإضراب والمظاهرة وأخيراً المواجهة المسلحة؛ إنها الصراع بالقول وبالفكر. الصراع الطبقي يجري أساساً حول تقاسم الطبقات لمجمل الإنتاج الوطني ويتحقق بداية في السوق السلعية حيث تجهد كل طبقة أن تبادل إنتاجها بإنتاج الطبقة المقابلة بعوائد أكبر. من يتحدث في السياسة بغير هذا المنحى فهو يتحدث حديث الببغاء. للمرء قبل أن يتحدث حديث السياسة عليه أن يقرر الطبقة التي ينتصر لها ويدافع عن مصالحها وتعظيم حصتها في الكعكة الوطنية. لا يجوز للمرء أن يدعي الماركسية والشيوعية وينادي بالتعددية وتداول السلطة وهو ما يعني أنه محايد في الصراع الطبقي. هذا إمرئ يكذب في أحد أمرين، فإما أنه ليس ماركسياً شيوعياً وإما أن إدعاءه الحياد بين الطبقات (التعددية وتداول السلطة) تزوير لهويته كاستئذان للمرور، علماً بأن دعوى الحياد بين الطبقات إنما هي خداع تمارسه مختلف التيارات السياسية باستثناء الشيوعيين. الأميّون في السياسة بين الليبراليين يعلنون أنفسهم محايدين بين الطبقات وأن ليبراليتهم لا تتجاوز تقديسهم للحرية وحقوق الإنسان. أما الليبراليون الواعون لجوهر الليبرالية فيقرنون تقديسهم للحرية وحقوق الانسان باقتصاد السوق. مثل هؤلاء الليبراليين الواعين ليسوا أقل من مخادعين إذ يفترضون أن اقتصاد السوق هو القاعدة التي تقوم عليها البنية السياسية المتكفلة بالحريات وحقوق الإنسان. التاريخ للقرون الثلاثة الأخيرة على الأقل نفى نفياً قاطعاً مثل هذا الإفاراض الخادع. أنصار اقتصاد السوق حرصوا دائماً على ألا يكشفوا حقيقة اقتصاد السوق ومحركه الرئيس. إقتصاد السوق لا يعني أقل أو أكثر من الاتجار بقوى العمل البشري. أي شراء قوى العمل بأقل من قيمتها الحقيقية وتجسيدها في سلع قابلة للتبادل في السوق وبيعها بقيمتها وبذلك يحقق الماتاجر بقوى العمل (الرأسمالي) فائض القيمة أو الربح. كيف يمكن الإدعاء بالحرية وحقوق الإنسان عندما يضطر هذا الإنسان إلى بيع قواه الجسمانية يومياً من أجل أن يستمر في الحياة. هذه عبودية وليست حرية، وبرأي ماركس أن استغلال الإنسان في النظام الرأسمالي هو أبشع درجات الاستغلال في تاريخ البشرية، أبشع منه حتى في عصر العبودية. مع ذلك يحاجج جموع الليبراليين على أن العمال في البلدان التي تنتهج إقتصاد السوق يتمتعون بحقوق لم تتمتع بمثلها البروليتاريا في الدول الاشتراكية. مثل هذا القول هو حجة على الليبراليين وليس حجة لهم. فمن يعطي الحقوق أو يمنعها في دول اقتصاد السوق هو الرأسماليون، أما في الاتحاد السوفياتي فهو العمال أو البروليتاريا التي تتحور يوماً بعد يوم فاقدة خصائص البروليتاريا إذ أنها لم تعد تبيع قواها للعمل حيث تنعدم أسواق العمل في الدول الاشتراكية وما يقبضه العامل في آخر الأسبوع أو الشهر هو معاش وليس أجراً، وهو ليس نقوداً بالمعنى المعروف للنقد. البروليتاريا السوفياتية فيما قبل الخمسينيات هي التي كانت تقرر أعمال دولتها بدءاً من الخطة الاقتصادية الخماسية وهي الأساس الذي تترتب عليه كل أعمال الدولة. ناهيك عن أن ما يسمى باقتصاد السوق لم يعد له وجود منذ ما قبل نهاية القرن التاسع عشر بعد أن اقتسمت بضعة مراكز رأسمالية سطح المعمورة كاملاً وأقامت حول محيطاتها الحواجر العالية المانعة لانسياب السلع. السوق العالمية اليوم ليست سوقا رأسمالية حرة حيث تجري مبادلة الخدمات بأضعاف كلفة إنتاجها وتصل أحايين كثيرة إلى ما يزيد على مئة ضعف. وهذا لا يتم بالطبع إلا في سوق خَرِبة فقدت كل ميكانزماتها الرأسمالية ـ أمس فقط استأجر فريق كرة قدم صيني (شيوعي !!) لاعباً بأجر شهري مقداره مليون جنيه استرليني وهو ما يعني أن مدينة صينية كاملة ستعمل بكامل طاقتها لتسدد راتب هذا اللاعب الذي لا ينتج أية قيمة استعمالية أو تبادلية. ورغم هذا ما زال الأميون في السياسة يتحدثون عن اقتصاد السوق !!

منذ بداية الثورة الصناعية وتفتح نظام الإنتاج الرأسمالي (1750) وحتى انهيار هذا النظام ونعيه في إعلان رامبوييه (1975)، خلال قرنين طويلين ضاجين بالصراع، شكل الرأسماليون النقيض المكافئ للبروليتاريا. امتلكت البروليتاريا قوى العمل التي وحدها تخلق بضائع جديدة وامتلك الرأسماليون بالمقابل رأس المال وهو المؤسس لنظام الإنتاج الرأسمالي. كان كارل ماركس أول من نادى البروليتاريا للتوحد من أجل امتلاك القوى الكافية لتفكيك النظام الرأسمالي والتحرر من نير عبوديته الأكثر ثقلاً وبشاعةً، إلا أن الطبقة الرأسمالية في العالم المتقدم كانت الأوعى والأفعل وهو ما مكنها من المحافظة على نظامها الرأسمالي منذ صدور البيان الشيوعي ونداء وحدة البروليتاريا لماركس وإنجلز (1848) وحتى إعلان رامبوييه (1975)، لقرن طويل وثلث القرن. ما استجد في أمر الصراع الرأسمالي/ البروليتاري ومكن البروليتاريا من تفكيك النظام الرأسمالي مرة واحدة وإلى الأبد هو الحركة اللينينية التي قادها ستالين نحو النصر النهائي. عندما وصلت الرأسمالية لأزمتها الخانقة 1913 وقامت الحرب العالية الأولى من أجل عبور الأزمة، صاح لينين بأعلى صوته مطالباً البروليتاريا بتوجيه ضربتها الكبرى للنظام الرأسمالي فكانت ثورة أكتوبر في روسيا وهي الجبهة الرأسمالية الأضعف. حشدت الرأسمالية العالمية كل قواها لخنق "البلشفية" في مهدها وارتدت خائبة في حرب التدخل 1919 ـ 1921. عادت الدول الرأسمالية والنازية والفاشية تتآمر على الثورة الاشتراكية في مؤتمر ميونخ 1938 الذي استدعى الحرب العالمية الثانية والهجوم الألماني النازي على الاتحاد السوفياتي 22 يونيوه حزيران 1941. انتهت الحرب بانهيار الإمبراطوريات الرأسمالية الإمبريالية في أوروبا، الإمبراطوريتان العظميان بريطانيا وفرنسا والمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وبروز الاتحاد السوفياتي، مركز الثورة الاشتراكية العالمية، كأقوى قوة في الأرض. ورثت الولايات المتحدة كل التركة الاستعمارية لكن الإدارة الأميركية لم تتعلم الدرس فكان أن سلكت سياسة في قمة الغباء واستنفذت نفسها في مقاومة الشيوعية حتى وجدت نفسها في غمرة حربها على فيتنام مفلسة تماماً لا تقوى على تحمل أعباء الحرب ليوم آخر. انسحبت من معاهدة بريتون وود وأخذت تطبع الدولارات المزيفة إقتداء بهتلر أثناء الحرب وهو ما زاد طينها بلة. انهار نظامها الرأسمالي وهو ما اعترف به وزير خزانتها في محادثات "المكتبة" مع نظرائه في الدول الخمس الغنية، أكتوبر 1974.
كل الذين ما زالوا يتحدثون في الرأسمالية والإمبريالية أو بانبعاث الحيوية الرأسمالية في العولمة كالقومجيين والشيوعيين من أيتام خروشتشوف إنما هم أميّون في السياسة يعتقدون أن السياسة مهنة الكبار يمتهنها كل راغب فيها وليست كما هي في الحقيقة أدب الصراع الطبقي، الصراع حول تقسيم الكعكة الوطنية. غباء هؤلاء القوم لا يظل في ذواتهم ويؤدي بهم إلى مصيرهم البائس، بل بنعكس في المناخ الفكري العام أيضاً ويسيء إلى حركة القوى التقدمية في المجتمع.
بجانب هؤلاء القومجيين والشيوعيين من أيتام خروشتشوف هناك أيضاً المتطفلون على علم السياسة تحت راية الليبرالية. يرغب هؤلاء في السياسة كمهنة تنفع صاحبها بغض النظر عمّا تستدعيه من نتائج. خطاب هؤلاء الليبرالي إنما هو أدب الدفاع عن مصالح البورجوازية الوضيعة الحاكمة اليوم في شتى بلدان العالم وليس البورجوازية الدينامية الرأسمالية كما يعتقد العامة. ما نود أن نلفت نظر هؤلاء الأميين في السياسة إليه هو أن البورجوازية الوضيعة ليست نقيضاً مكافئاً للبروليتاريا كما كانت الطبقة الرأسمالية. الرأسماليون كانوا يمسكون بمحور أساسي من محاور الانتاج وهو الرأسمال، أما البورجوازية الوضيعة فليس لها أي دور في إنتاج الثروة. الخدمات ما كانت أصلاً لتكون إلا لخدمة الانتاج المادي أو الثروة؛ الخدمات ليست من الثروة بشيء. من هنا ومن هنا تحديداً لا يمكن للبورجوازية الوضيعة أن تقود المجتمع لفترة طويلة طالما أنها لا تقدم له إلا الإهتراء والإفقار.

خاتمة القول في هذا السياق هو أن الوعي الاقتصادي يشكل الأساس الذي يقوم عليه الوعي السياسي فالسياسة هي في التحليل الأخير أدب الصراع الطبقي. على السياسي كيلا يكون أميّاً في السياسة أن يحدد مسبقاً موقفه في معركة الصراع الطبقي ووسيلة الانتاج التي ينتصر لها قبل أن يتفوه بأية أفكار سياسية لا تتواءم مع طبقته أو الطبقة التي ينتصر لها ويقاتل بين صفوفها. فلا يجوز للشيوعي مثلاً أن ينادي بالتعددية وتداول السلطة وإلا فقد شيوعيته، ولا يجوز لليبرالي أن ينادي بحقوق الإنسان أو بالعدالة الاجتماعية فيفقد ليبراليته ولا يجوز للديموقراطي الاجتماعي ممثل البورجوازية الوضيعة أن ينادي بدولة الرفاه فيفقد الديموقراطية ويفكك المجتمع من خلال الاستغلال البشع للطبقة العاملة كما للرأسماليين، مثلما لا يجوز للمتأسلم أن ينادي بمبدأ "الشعب مصدر السلطات" فيفقد الإسلام والاستسلام للآلهة.

www.fuadnimri.yolasite.com





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,110,680,883
- إنتفاضة أكتوبر لم تكن ثورة ولم تكن إشتراكية
- الحرية مفهوم طبقي (روزا لكسمبورغ في مواجهة فلاديمير لينين)
- المتغيرات في تركيبة الطبقة العاملة ودورها
- ماذا علّمنا ستالين ؟
- ماركسيون شيوعيون لم يعودوا ماركسيين شيوعيين (3)
- ماركسيون شيوعيون لم يعودوا ماركسيين شيوعيين (2)
- ماركسيون شيوعيون لم يعودوا ماركسيين شيوعيين (1)
- محطتان رئيسيتان لمشروع لينين في الثورة الاشتراكية
- الوحدة العضوية للثورة الاشتراكية العالمية
- شهادة الشيوعيين
- الجمود العقائدي
- لماذا يغير المثقفون قناعتهم
- الساقطون الهاربون من انهيار مشروع لينين
- لينين باقٍ في التاريخ
- الإسلام كما القومية لا يمتلكان فكراً
- رسالة إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني
- شبح الشيوعية لم يعد يحوم في السماء
- عن أي يسار يكتب كتبة اليسار !؟
- مواجهة مع أحد المرتدين
- نهاية إقتصاد السوق


المزيد.....




- بلاغ صحفي حول اجتماع المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ...
- غورباتشوف يجادل بوتين
- أوزان المصريين: أحدث وصفات السيسي لإلقاء العبء على المواطن
- بيان صادر عن القطاع الصحي في الحزب الشيوعي اللبناني
- قيادة حركة فتح في الشمال تلتقي قيادة الحزب الشيوعي
- شعبنا وحده من ينصف الشهداء
- حسن أحراث// في ذكرى اغتيال الشهيد عمر بنجلون..أنا بريء منكم. ...
- بعْدَ إبادة الجمهُوريين، قمعُ دُعاة إصلاح الملكّية
- جشعُ البّاطرونا الزّراعية وعُنف دولتها والتّشتت النّقابي أخط ...
- نضالُ تنسيقّية الأساتذة الذين فُرض عليهم التّعاقد


المزيد.....

- الماديّة التاريخيّة أم التصوّر الماديّ للتّاريخ؟ / سلامة كيلة
- بصدد الوعي الديني، و الإسلام، و الإسلام السياسي في عصر الإمب ... / يونس أثري
- قضايا الخلاف وسط الحركة الماركسية ــ اللينينية المغربية وداخ ... / موقع 30 عشت
- بصدد كتاب لينين: -المادية والمذهب التجريبي النقدي- / الشرارة
- مساهمة في إعادة قراءة ماركس / رضا الظاهر
- الماركسية: فلسفة للتغيير أم للتبرير ؟ / فاخر جاسم
- مراسلات سلامة كيلة مع رفيق / أنس الشامي
- ماو تسى تونغ و بناء الإشتراكية (نقد لكتاب ستالين / شادي الشماوي
- الرأسمالية المعولمة وانهيار التجربة الاشتراكية / لطفي حاتم
- راهنية ماركس – الوجه الكامل والمتكامل لثورية الفيلسوف الفذّ / خليل اندراوس


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - الأميّة في السياسة