أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل كلفت - أربع قصائد لبورخيس














المزيد.....

أربع قصائد لبورخيس


خليل كلفت

الحوار المتمدن-العدد: 3718 - 2012 / 5 / 5 - 10:48
المحور: الادب والفن
    


1
الشطرنج

(1)
فى ركنهما الرصين، يقوم اللاعبان
بنشر القِطَع البطيئة. ورقعة الشطرنج
تعتقلهما حتى الفجر فى نطاقها القاسى
الذى يكره فيه لونان كلٌّ منهما الآخر.

وداخله تشعّ الأشكال صرامة سحرية:
طابية هومرية، حصان رشيق،
وزير مقاتل، ملك فى الخلف،
فيل يسير مائلا وبيادق عدوانية.

وعندما يكون اللاعبان قد انصرفا،
وعندما يكون الوقت قد قضى عليهما تماما،
لن يكون طقس اللعبة قد انتهى.

تلك الحرب اشتعلت أوَّلا فى الشرق
والآن تشمل ساحتها العالم.
وهذه اللعبة، مثل الأخرى، لانهائية.

(2)
ملك نحيل، وفيل مائل، ووزير
متعطش للدماء، طابية عمودية وبيدق ماكر –
كلها فوق الأسود والأبيض فى طريقها
تبحث عن المعركة المسلَّحة وتتقاتل.

وهى لا تعرف أن اليد البارعة
للّاعب هى التى تقرر مصيرها،
وهى لا تعرف أن صرامة عنيدة
تقهر إرادتها ومدى بقائها.

لكن اللاعب سجين كذلك
(وهذا قول مأثور عن عمر) على رقعة شطرنج أخرى
ذات ليالٍ سوداء ميتة ونهارات بيضاء.

الرب يحرِّك اللّاعب، واللّاعب القطعة.
فأىّ رب وراء الرب هو الذى يحرِّك خطة
التراب والزمن والحلم والعذاب؟


2
فن الشعر
أنْ تُحملق فى النهر الذى يصنعه الزمن والماء
وأنْ تتذكر أن الزمن ذاته نهر آخر،
أنْ تعرف أننا نكفّ عن الوجود، تماما مثل النهر،
وأن وجوهنا تموت وترحل، تماما مثل الماء.

أنْ تُحسّ بأن الاستيقاظ نوم آخر
يحلم بأنه لا ينام وبأن الموت،
الذى يرتعد منه لحمنا، هو نفس ذلك الموت
الذى يحدث كل ليلة، والذى نسميه النوم.

أنْ ترى فى اليوم أو فى السنة رمزا
لأيام البشرية وسنينها،
أنْ تُحوِّل إهانة السنين
إلى موسيقى، وحفيف، ورمز.

أنْ ترى فى الموت نوما، وفى الغروب
ذهبا حزينا، من هذا يكون الشعر
خالدا وفقيرا، ذلك أن الشعر
يعود مثل الفجر والغروب.

وأحيانا فى الأصائل هناك وجه
ينظر إلينا من أعماق المرآة؛
والفن ينبغى أن يكون مثل تلك المرآة
التى تكشف لنا عن وجهنا هذا.

إنهم يخبروننا كيف أن يوليسيس – مُتْخَما بالعجائب –
انتحب بحبّ ليلمح جزيرته إيثاكا من بعيد
متواضعةً وخضراء. والفن هو إيثاكا تلك
إيثاكا الأبدية الخضراء، وليس إيثاكا العجائب.

إنه أيضا مثل نهر بلا نهاية
يمرّ ويبقى، مرآة لشخص هو نفس
هيراقليطس المتقلِّب، الذى هو نفسه
وكذلك شخص آخر، مثل نهر بلا نهاية.

3
ليل العَوْد الأبدىّ


كانوا يعرفون ذلك، تلاميذ فيثاغورث المتَّقدون حماسًا:
أن النجوم والبشر يعودون دوريًّا
أن الذرات المحتومة ستُعِيد إلى الوجود
أفروديت الذهبية المفعمة بالحيوية، وأهل طيبة، وساحات الأجورا.

فى العهود القادمة، سيجثم السنتور
بالحافر الصلب، غير المشقوق، على صدر اللاپيث؛
وعندما تستحيل روما إلى تراب، سيرتفع نحيب المينوتور
فى الليل اللانهائى لقصره المُنْتِن.

ستعود كل ليلة أرَق بالتفاصيل الدقيقة.
واليد التى تكتب هذا ستُولَد من جديد من نفس البطن؛
وستجد جيوش قوية وسيلة لهلاكها.
(ديڤيد هيوم من أدنبرة قال نفس الشيء).

لا أعرف ما إذا كنا سنُعاود الظهور فى دورة ثانية،
كما تعود أرقام كسر دائر؛
لكننى أعرف أن دورانا فيثاغوريًّا مُبْهَمًا
يقذف بى ليلة بعد ليلة إلى مكان ما من العالم

فى ضواحى العالم. بقعة نائية
قد تكون فى الشمال أو فى الجنوب أو فى الغرب،
لكنَ لها دائما سورًا سماويًّا من الطوب اللَّبِن،
وشجرة تين ظليلة، ودرْب ملذّات.

ها هى ذى بوينوس آيرس. الزمن الذى يجلب
للرجال الحب أو الذهب، لا يترك لى الآن
سوى هذه الوردة الذاوية، هذه الزخرفة المشجَّرة الفارغة
من شوارع بأسماء من الماضى تُعاود الظهور.

ويطفر من دمى: لاپريدا، كابريرا، سولير، سواريث...،
أسماء تُدَوِّى فيها نوبات صحيان (كانت من قبل خَفِيَّة)،
الجمهوريات، والفرسان، والصباحات،
الانتصارات المجيدة، الجنود القتلى.

ميادين خَرِبَة فى الليل ليس بها أحد
هى الباحات الرحبة لقصر متهدِّم
والشوارع الإجماعية التى تخلق المكان
هى ممرّات للخروج من الخوف المُبْهَم والحلم.

ها هو ذا يعود الليل المقعَّر الذى حلَّ لغزه أناكساجوراس؛
وفى لحمى البشرىّ تظلّ الأبدية تُعاوِد الظهور،
وذِكْرَى – أم مشروع؟ - قصيدة لا تنقطع:
"كانوا يعرفون ذلك، تلاميذ فيثاغورث المتَّقدون حماسًا..."


إشارات للمترجم:
طيبة: عاصمة بويوشيا التى تحدثت عنها أسطورة أوديب.
الأجورا: الساحة العامة فى المدينة الإغريقية القديمة.
السنتور: شعب إغريقى أسطورى من المتوحشين (نصف إنسان ونصف حصان) أبادهم اللاپيث.
اللاپيث: شعب إغريقى أسطورى أباد السنتور وأباده هرقل.
المينوتور: وحش أسطورى (نصف ثور ونصف إنسان) كان يعيش على اللحم البشرى فى اللابيرينث بكريت إلى أن قتله ثيسيوس.


4
مرثية

آه يا أقدار بورخيس
أَبْحَرَ عبْر مختلف بحار العالم
أو عبْر البحر الواحد الوحيد بمختلف الأسماء،
وكان جزءًا من أدنبره، ومن زيوريخ، ومن القرطبتيْن،
من كولومبيا ومن تكساس،
وعاد فى نهاية أجيال متغيِّرة
إلى بلاد آبائه وأجداده القديمة،
إلى الأندلس، وإلى البرتغال، وإلى تلك المقاطعات،
التى تحارب فيها الساكسون مع الدانمركيِّين وامتزج دمهم،
وتاه فى متاهة لندن، الحمراء والهادئة،
وشاخ فى مرايا كثيرة جدا،
وجرى سُدًى وراء التحديق الرخامىّ للتماثيل،
واستنطق المطبوعات الحجرية، والموسوعات، والأطالس،
ورأى الأشياء التى يراها البشر،
الموت، والفجر الوسنان، والسهول،
والنجوم الخافتة الوميض،
ولم ير شيئا تقريبا
باستثناء وجه فتاة من بوينوس آيرس
والوجه لا يريد لك أن تتذكره.
آه يا أقدار بورخيس،
ربما ليست أغرب من أقدارك أنت.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,516,067,375
- الترجمة فى سياق ما بعد كولونيالىّ
- الأب ضد الأم وقصص أخرى
- طريق الآلام
- وَقْع أقدام
- الازدواج فى اللغة العربية بين -الفصحى- و-العامية-
- شعار -ثورتنا برلمان وميدان- مُخَدِّر جديد لقوى الثورة!
- المهدى الرئاسى المنتظر فى مصر!
- من سؤال الأسباب إلى سؤال النتائج (كلمة للإلقاء فى مؤتمر الثو ...
- الانتخابات الرئاسية واحتمالات الصراع بين المجلس العسكرى والإ ...
- -الجحيم، 1، 32- ، لويس بورخيس ت: خليل كلفت
- توفيت ابنتى السيدة هند خليل كلفت
- النسوية - أندرو ڤنسنت
- ثورة 25 يناير: سؤال السبب (ملخص حديث سوف يُلقَى فى مؤتمر بوز ...
- سباق رئاسى محموم فى مصر بين مرشحين محتملين على رئيس محتمل لج ...
- ندوة لخليل كلفت عن الحوار المفتوح
- النساء يحركن العالم - فيديريكو مايور و چيروم بانديه
- خليل كلفت - مفكر وسياسي ماركسي- في حوار مفتوح حول: طبيعة الث ...
- معادلات سياسية تحكم الثورة المصرية الراهنة
- إشكالية مدرسة فرانكفورت (بين النظريتين النقديتين: الأصلية وا ...
- كتابى -من أجل نحو عربىّ جديد- فى نقاط أساسية بقلم: خليل كلفت


المزيد.....




- رواية -طائر الحسّون-.. كيف أثرت لوحة فنية على مسار فرد ومجتم ...
- مخرج -موسكو لا تؤمن بالدموع- يحتفل بعيد ميلاده الـ80 (فيديو) ...
- التعليم أولا.. التعليم أساسا
- إصابة فنانة مصرية في حادث سير
- بعد والده وأخيه.. تسجيل صوتي لوالدة المقاول والفنان محمد علي ...
- فتيات لبنانيات يبهرن حكام -غوت تالنت- ببريطانيا على أنغام مو ...
- المغرب يترأس لقاء حول التفاعل بين مجلس السلم والأمن ومفوضية ...
- مالي تثمن ما يوليه المغرب من أهمية لتكوين الطلبة الماليين
- شاعر عرض والده للبيع…!!! الشاعر قيس لفتة المراد وسلالة الابد ...
- العثماني يجري محادثات مع وزير الشؤون الخارجية السنغالي


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل كلفت - أربع قصائد لبورخيس