أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل كلفت - طريق الآلام















المزيد.....

طريق الآلام


خليل كلفت

الحوار المتمدن-العدد: 3714 - 2012 / 5 / 1 - 23:57
المحور: الادب والفن
    


طريق الآلام
قصة قصيرة للكاتبة البرازيلية: كلاريس ليسپكتور (1925-1977)
ترجمة: خليل كلفت



كانت ماريا داس دوريس خائفة. بل خائفة حقا!
بدأ الأمر عندما لم تأت دورتها الشهرية. أدهشها هذا لأنها كانت منتظمة جدا.
مرَّ أكثر من شهرين، ولكن لم يحدث شيء. ذهبت إلى طبيبة نساء. شخَّصتْ حَمْلا مؤكدا.
"مستحيل!" صرخت ماريا داس دوريس.
"لم لا؟ ألستِ متزوجة؟"
" نعم متزوجة، لكننى عذراء، زوجى لم يلمسنى مطلقا. قبل كل شيء لأنه رجل مريض وثانيا لأنه نصف عاجز بالفعل".
حاولت طبيبة النساء أن تُجادل:
"مَنْ يدرى، ربما ذات ليلة كنتِ ..."
"مطلقا! لم يحدث مطلقا!"
"فى هذه الحالة"، انتهت طبيبة النساء إلى القول، "لا أعرف كيف أفسر ذلك. أنت حامل فعلا فى أواخر الشهر الثالث".
غادرت ماريا داس دوريس عيادة الدكتورة ورأسها يدور بسرعة. وكان عليها أن تتوقف عند مطعم لتشرب بعض القهوة. لكى تستطيع أن تفهم.
ماذا يجرى؟ سيطرت عليها لوعة هائلة. لكنها غادرت المطعم أهدأ قليلا.
أثناء سيرها عائدة إلى البيت اشترت سترة صغيرة للوليد. زرقاء، لأنها كانت واثقة من أنه سيكون ولدا. بأىّ اسم ينبغى أن تسمِّيه؟ كان هناك اسم واحد يمكنها أن تسمِّيه به: يسوع.
فى البيت وجدت زوجها لابسا الشبشب، يقرأ الجريدة. أخبرته بما حدث. ذُهِلَ الرجل:
"إذن أنا القديس يوسف؟"
"بالفعل"، كان الرد المقتضب.
سقطا كلاهما فى تفكير عميق.
أرسلت ماريا داس دوريس الخادمة لتشترى الڤيتامينات التى كانت قد وصفتها طبيبة النساء. كانت مفيدة لابنها.
ابنها المقدَّس. كان الرب اختارها لتمنح العالم المسيح الجديد.
اشترت مهدا أزرق. بدأت تنسج سترات صغيرة وتصنع حفاضات ناعمة.
فى الوقت نفسه أخذت بطنها تكبر. كان الجنين مليئا بالحيوية: كان يركل بعنف. أحيانا كانت تنادى القديس يوسف ليضع يده على بطنها ويحس بالابن يعيش بكل هذه القوة فى الداخل.
وعندئذ كانت عينا القديس يوسف تمتلئان بالدموع. كان فى طريقه إلى أن يكون يسوعا مليئا بالحيوية.
أخبرت ماريا داس دوريس أقرب صديقة لها بالقصة المذهلة بكاملها. ذُهلت أيضا:
"ماريا داس دوريس، ولكنْ أىّ قدر ممتاز قُدِّر لكِ!"
" ممتاز، نعم"، تنهدت ماريا داس دوريس. "ولكنْ ماذا يمكننى أن أفعل لأمنع ابنى من السير فى طريق الآلام؟"
"صَلِّى"، نصحت الصديقة، "صَلِّى كثيرا".
وبدأت ماريا داس دوريس تؤمن بالمعجزات. وذات مرة رأت مريم العذراء تقف إلى جانبها، مبتسمة لها. مرة أخرى، قامت هى نفسها بالمعجزة: أصيب زوجها بجرح مفتوح فى رجله، قبَّلت ماريا داس دوريس الجرح – فى اليوم التالى ذهب بلا أثر.
كان الجو يزداد برودة، كان شهر يوليو. فى أكتوبر سيولد الطفل.
ولكنْ أين يمكن أن يجدا زريبة؟ ليتهما كانا فى مزرعة هناك فى ريف "ميناس چيرايس". لهذا قررا الذهاب إلى مزرعة العمة مينينيا.
كان ما أقلقها هو أن الطفل لن يولد فى الخامس والعشرين من ديسمبر.
كانت تذهب إلى الكنيسة كل يوم، وحتى رغم بطنها المنتفخة كانت تظل راكعة لساعات. كأمٍّ بالعماد اختارت مريم العذراء. وكأبٍ بالعماد، المسيح.
وهكذا مرّ الوقت. وصارت ماريا داس دوريس سمينة بوحشية وكانت لها رغبات غريبة. مثل رغبتها فى أن تأكل العنب المجمَّد. وذهب معها القديس يوسف إلى المزرعة. وهناك استمر فى عمله كنجّار أثاث.
وذات يوم أتخمت ماريا داس دوريس نفسها أكثر مما ينبغى – وتقيأت وبكت. وفكرت: طريق آلام ابنى المقدس قد بدأ.
لكنْ بدا لها أنه إذا هى تركت الطفل باسم يسوع فإنه سوف يُصلب عند بلوغ عمر الرجولة. سيكون من الأفضل منحه اسم عمانويل. اسم بسيط. اسم جيد.
انتظرتْ عمانويل قاعدةً تحت شجرة چابوتيكابا. وفكرت: "عندما تأتى الساعة، لن أصرخ، سأقول فقط – يا، يسوع!"
وأكلت كرز شجرة الچابوتيكابا. وأتخمت نفسها، أمّ يسوع.
العمة، التى أدركت الأمر تماما، زيَّنت الحجرة بستائر زرقاء. وصارت الزريبة جاهزة بكل رائحتها الزكية للسماد والأبقار.
فى الليل تطلعت ماريا داس دوريس إلى السماء المرصعة بالنجوم بحثا عن النجم الهادى. مَنْ سيكونون المجوس الثلاثة؟ مَنْ سيأتيها بالمرّ واللبان؟
تجولت ثلاث مرات طويلة لأن الدكتورة كانت قد نصحتها بأن تتمشَّى كثيرا. وترك القديس يوسف لحيته الشيباء تكبر، وانسدل شعره حتى كتفيْه.
كان من الصعب الانتظار. الوقت لم يكن يمرّ. وللإفطار صنعت لهما العمة كعكا صغيرا تفتَّت فى فميْهما. وتركهما البرد بأيْدٍ متجمدة حمراء.
فى الليل أوقدا النار وجلسا حولها يتدفآن. وجد القديس يوسف لنفسه عصا راعٍ. ولأنه لم يغيِّر ملابسه، كانت تفوح منه رائحة خانقة. وكانت سترته القصيرة من النسيج القطنى الرخيص. شرب النبيذ بجوار الموقد. وشربت ماريا داس دوريس الحليب الأبيض الغليظ القوام، بمسبحة فى يدها.
ومبكرا جدا فى الصباح ذهبت تتفقد الأبقار فى الزريبة. أخذت الأبقار تخور. وابتسمت لها ماريا داس دوريس. وكانت كلها وديعة: الأبقار والمرأة. وكانت ماريا داس دوريس على وشك البكاء. رتَّبت التبن على الأرضية، لإعداد مكان يمكنها أن ترقد فيه عندما تأتى الساعة. ساعة النور.
ذهب القديس يوسف، حاملا عصا الراعى التى يحملها، للتأمل فوق الجبل. وأعدَّت العمة الخنزير المشوىّ، وأكل الجميع كالمجانين. ولم يقم الوليد بشيء يتعلق بالوصول.
حتى أحسَّت ماريا داس دوريس ذات ليلةٍ، فى الثالثة صباحا، بأول ألم. أشعلتْ مصباح الليل، أيقظت القديس يوسف، أيقظت العمة. ولبسوا ثيابهم. وبمشعل يضيئ الدرب، شقوا طريقهم عبر الأشجار نحو الزريبة. ولمع نجم ضخم فى السماء السوداء.
الأبقار، وقد أُوقِظَتْ، صارت قلقة وبدأت تخور.
وبعد قليل، عاد الألم. عضَّت ماريا داس دوريس يدها هى لكى لا تصرخ. ولم يأتِ الفجر.
كان القديس يوسف يرتجف من البرد. وكانت ماريا داس دوريس، راقدةً فوق التبن، تحت بطانية، تنتظر.
عندئذ جاء ألم حاد حقا. "يا، يسوع"، كانت ماريا داس دوريس تئنّ. "يا، يسوع"، بدا أن الأبقار تخور.
النجوم فى السماء.
عندئذ حدث الأمر.
وُلِدَ عمانويل.
وبدتْ الزريبة مليئة بالنور.
كان ولدا قويا وجميلا، أطلق خوارا فى جو الصباح الباكر.
قطع القديس يوسف الحبل السُّرِّىّ. وابتسمت الأم. وبكت العمة.
ولا أحد يعلم ما إذا كان على هذا الطفل أن يسير فى طريق الآلام. الطريق الذى يسير فيه الجميع.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,171,023
- وَقْع أقدام
- الازدواج فى اللغة العربية بين -الفصحى- و-العامية-
- شعار -ثورتنا برلمان وميدان- مُخَدِّر جديد لقوى الثورة!
- المهدى الرئاسى المنتظر فى مصر!
- من سؤال الأسباب إلى سؤال النتائج (كلمة للإلقاء فى مؤتمر الثو ...
- الانتخابات الرئاسية واحتمالات الصراع بين المجلس العسكرى والإ ...
- -الجحيم، 1، 32- ، لويس بورخيس ت: خليل كلفت
- توفيت ابنتى السيدة هند خليل كلفت
- النسوية - أندرو ڤنسنت
- ثورة 25 يناير: سؤال السبب (ملخص حديث سوف يُلقَى فى مؤتمر بوز ...
- سباق رئاسى محموم فى مصر بين مرشحين محتملين على رئيس محتمل لج ...
- ندوة لخليل كلفت عن الحوار المفتوح
- النساء يحركن العالم - فيديريكو مايور و چيروم بانديه
- خليل كلفت - مفكر وسياسي ماركسي- في حوار مفتوح حول: طبيعة الث ...
- معادلات سياسية تحكم الثورة المصرية الراهنة
- إشكالية مدرسة فرانكفورت (بين النظريتين النقديتين: الأصلية وا ...
- كتابى -من أجل نحو عربىّ جديد- فى نقاط أساسية بقلم: خليل كلفت
- من أجل نحو عربى جديد (الجزء الثانى)
- من أجل نحو عربى جديد - الجزء الأول
- آدم وحواء وقصص أخرى من أمريكا اللاتينية


المزيد.....




- بالفيديو.. النمل الأبيض يدفع فنانة كويتية لتحويل منزلها إلى ...
- أول تغريدة للحلاني بعد نجاته من الموت بأعجوبة
- فنان مبدع يرسم بحذائه وجه نيمار -مقلوبا- (فيديو)
- صور مؤثرة تجمع عادل إمام وشريهان وحسين فهمي وغيرهم من أبرز ن ...
- الفنان المصري أحمد مالك يستكشف الذهب في هوليود
- في الذكرى الرابعة عشر لمحرقة بني سويف:شهداء المسرح المصري وج ...
- قادة غرب أفريقيا يتعهدون بمليار دولار لمكافحة الإرهاب
- الطالبة ريما مرجية من مدرسة تيراسنط الرملة الصف الرابع ت ...
- 7 ملايين ناخب يتوجهون إلى مراكز الاقتراع لاختيار رئيس جديد ل ...
- إسلاميٌّ عاشق للموسيقى والمسرح.. من هو مرشّح النهضة لانتخابا ...


المزيد.....

- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل كلفت - طريق الآلام