أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد زكريا توفيق - عادل إمام وحرية الرأي















المزيد.....

عادل إمام وحرية الرأي


محمد زكريا توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 3710 - 2012 / 4 / 27 - 22:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



أنا لا أشك في نزاهة أو ضمير قاضي "عادل إمام"، الذي حكم عليه بثلاثة شهور سجن وغرامة مالية. كلي ثقه أن القاضي كان راض عن حكمه تمام الرضا. لقد كان يعبر عن فهمه للقضية أصدق تعبير. مشكلتي مع القاضي، ليست مشكلة أخلاقية بالمرة، لكنها مشكلة حضارية، وأزمة تربية وثقافة.

واضح من حكم القاضي أنه لا يفهم معنى حرية الرأي وحرية العقيدة بالمرة، ولا يعرف الفرق بينهما وبين البطيخ والعجور. لا يعلم أنهما من القيم الإنسانية النبيلة، التي كافحت شعوب كثيرة من أجلها، ومات الشهداء الكثر طلبا لها، ولا تزال تتمناها وتحلم بأريجها العطر شعوب كثيرة مقهورة ومغلوبة على أمرها مثل شعوبنا البائسة، التي لم تزل ترزح تحت أصفاد التخلف والإنحطاط الفكري والإجتماعي والإقتصادي.

حرية العقيدة قيمة يا سادة، تقف مرفوعة الرأس، شامخة منافسة لقيم أخرى نبيلة وجليلة، منها قيم الحق والعدل والحب والجمال. لكن يبدو أن حرية الرأي كقيمة عندنا، لا تهم مولانا وأمثاله من قريب أو بعيد. فهم قد فقدوا عقولهم، بسبب تعليمهم وتربيتهم ونشأتهم، ومعها متعة التذوق لكل ما هو جميل نبيل، طمعا في الحور العين والأرداف التي عرضها ميل. ولتذهب حرية الرأي، وكل من يدافع عنها، إلى الجحيم غير مأسوفا عليها.

يرى مولانا القاضي، وكذلك المحامي البائس الذي أقام الدعوة، أن بعض ما قاله عادل إمام في أفلامه ومسرحياته يعتبر إساءة بالغة للدين ورموزه الجديدة. أقول جديدة، لأنها رموز واردة إلينا حديثا، محمولة برياح السموم، التي تهب اتجاهنا دون رحمة من كثبان الصحراء وبداوتها، منذ اكتشاف النفط الذي جعل حياتنا قطران في قطران.

رموز الدين الجديدة، والبقرات المقدسة الواردة إلينا من بلاد النفط هي: الجلباب الأبيض الذي كش في الغسيل، واللحية الشعثاء المنكوشة والمنفوشة والمستفذة، المترهلة والدابلة والساقطة إلى أسفل حتى المنتصف، والمصبوغة في بعض الأحيان باللون الأحمر. ومن رموز الدين الجديدة أيضا، سجن النساء الأسود الذي تترجرج داخله كتل من الدهن والعرق والشك والأرق والكآبة النكداء.

وما دامت هذه الرموز الواردة بقرات مقدسة، فلا يجوز رفضها أو مهاجمتها أو المساس بها، حتى وإن كانت مقدمة، لها دلالاتها البالغة الوضوح. التي تدل دون لبس على أنه في الأفق، تتجمع سحب خطرة، لغزوة هكسوسية جديدة خطيرة لبلادنا وعقولنا وحضارتنا.

هل يعقل أن البلد التي اخترعت الكتابة، يأتـي إليها من يغير لغتها وحروف كتابتها؟ وهل يجوز للبلد التي تعتبر فجر الضمير الإنساني، والتي اخترعت الأديان، والصح والغلط والجنة والنار والحياة بعد الموت، يأتي إليها من يعلمها دينها؟ وأين دور الأزهر هنا؟

وهل يعقل أن يكون نقد هذه المناظر الكئيبة المضحكة التي بدأت تنتشر بيننا، تنفيثا عما يجيش في صدورنا من غضب مكبوت، يصبح محرما بالقانون بحجة أنه يخالف تعاليم الدين القويم؟

وما دخل الدين الإسلامي بهذه الملابس العجيبة التي لا تختلف في شكلها ومضمونها عن ملابس غلاة المتعصبين اليهود؟

هل كتب علينا أن نكون مادة للغزو الحضاري والثقافي والإقتصادي منذ أيام عمرو بن العاص، أو من قبله، إلى الآن. غزوات متعاقبة ومستمرة، لنهب ثروات مصر باسم الدين والقداسة، ولطمس حضارتها ومعالمها وشخصيتها، ووأد مستقبلها ومستقبل أولادها؟

هل من يقاوم مثل هذه الهجمة الشرسة يعتبر مزدري للأديان؟ وهل الوطنية والدفاع عنها وعن الوطن للحفاظ على تراثه الحضاري والثقافي، أصبحت خيانة نستحق عليها العقاب والسجن، وغدا إن شاء الله السحل والقتل؟

هل مهاجمة هذه الرموز التي لا تمت لتاريخ هذا الشعب العريق العظيم بصلة، والتي يراد فرضها بالقوة وبالغلاسة والبلطجة والكذب على الجميع، يعتبر خيانة؟ وأين مصر من كل ما يدور في بلادنا اليوم؟ وأين مكانها في الثورة والدستور الجديد؟

أنا واثق أنك لو ذهب إلى منزل القاضي الفاضل الذي حكم في القضية، وخبط عادل إمام ثلاثة شهور حتى يكون عبرة لغيره، أو المحامي الهمام الذي رفع الدعوة، لن تجد كتابا واحدا يخاطب العقل أو الوجدان.

لن تجد رواية لنجيب محفوظ أو قصة قصيرة ليوسف إدريس أو مسرحية لتوفيق الحكيم أو عبقرية من عبقريات العقاد. ولن تجد بالطبع كتاب في الفلسفة أو التاريخ أو العلوم. ولن تسمع هناك قطعة موسيقى كلاسيكية لأبو بكر خيرت أو لشوبرت، أو أغنية رقيقة لفيروز أو نعمة التونسية، تنساب من الراديو أو من جهاز التسجيل.

لكنك سوف تجد بالتأكيد راديو قديم مضبوط على محطة القرآن الكريم، وتلفزيون مثبت على قناة السلفيين، شغال عذاب القبر وعذاب يوم القيامة على طول.

ثم تفاجأ على الرف ببضع مراجع قانونية ومجموعة تفاسير، وصحيح البخاري وصحيح مسلم وربما كتب عن عذاب القبر وإرضاع الكبير وأهوال يوم القيامة، والأقرع الحابس والجان والشياطين. وبالطبع، مجموعة الشيخ الشعراوي الكاملة. وبس.

هل يمكننا أن نلوم القاضي أو المحامي. لا والله. أنا لا ألوم هذا أو ذاك. لكن، ألوم أولا وزارة التربية والتعليم، وأجهزة الإعلام، ووزارة الثقافة، ورجال الأزهر وكتابنا الأجلاء والقناوات الفضائية والدعاة الجدد، وكل من له ضمير في هذا الوطن البائس، الذين يرون الوطن وهو يحتضر ولا يتحرك لهم ساكنا. ومعهم فلوس النفط وجحافل المدرسين والمهندسين والأطباء العاملين في معاقل الوهابية ودروبها ووديانها.

بعد ما فشيت جزء من الغضب الذي يجيش في صدري وصدر القارئ العزيز، شوية جد بقى بالنسبة لموضوع حرية الرأي.

يقول الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل: "إذا كان للبشرية كلها رأي واحد، فيما عدا شخص واحد له رأى مخالف، فعذر البشرية في إخراس هذا الصوت الوحيد، هو نفس عذر هذا الشخص فى إخراس البشرية كلها، عندما يتولى السلطة."

ليس هناك داع للدفاع عن حرية الرأى كوسيلة لمحاربة الطغيان والفساد والجهل والخرافات ومعرفة الحقيقة. وليس هناك حاجة لإقناع السلطة الحاكمة ورجال الدين، لكى تكف عن تحديد ما يجب وما لا يجب أن نقوله أو نفكر فيه.

لأنه عندما تشجب أى سلطة حرية الرأي، تكون بذلك قد ارتكبت جريمة ضد الإنسانية، ووضعت نفسها هدفا تصوب إليه غضب وسخط الجماهير.

إذا كان رأي الفرد لا يفيد إلا صاحبه، فمنع هذا الرأي من الظهور، يسبب ضررا شخصيا يصيب صاحب الرأي فقط. لكن رأي الفرد ليس ملكه وحده. إنما هو ملك للجنس البشري كله. منع هذا الرأي من الظهور، هو اغتصاب حق من حقوق البشرية.

لنا أن نتخيل كم تكون خسارتنا إذا منع الأنبياء والرسل والحكماء والفلاسفة والعلماء من الكلام بحجة أن مايقولونه يختلف عما يقوله الآباء والأجداد. وكيف يكون حالنا اليوم، إذا منع اسكندر فيلمنج مكتشف البنسلين من إعلان اكتشافه، لأنه يختلف عن العقاقير المستخدمة فى ذلك الوقت.

إذا كان الرأي الآخر صوابا، فنكون عندما نحجبه، قد فقدنا الفرصة لتصحيح أخطائنا. وإذا كان الرأي الآخر خطأ، نكون أيضا قد فقدنا الفرصة لتعميق إحساسنا بأننا على صواب. لأن الصواب يتضح ويتلألأ حينما يصطدم بالخطأ. الحقيقة تظهر بالجدل لا بالتوافق.

ليس من حق أى سلطة، دينية أو غير دينية، أن تختار لبقية الناس. وليس من حقها أيضا أن تحرم الناس فرصة الحكم على الأمور بأنفسهم واختيار أديانهم. رفض سماع الرأى الآخر بحجة أنه خطأ هو إفتراض أن السلطة على علم بالصواب المطلق والخطأ المطلق. لكن الصواب المطلق والخطأ المطلق هي أمور لا يعلمها إلا الله.

افتراض صحة الآراء بالاعتقاد فقط، وعدم السماح للرأي الآخر بالظهور، يجعلنا غير واثقين من أنفسنا، ويضعف قدرتنا على التمييز بين الصواب والخطأ.

الرأي الذي لا يخضع للمناقشة والدراسة، مهما كان قويا، يعتبر تحيزا وتعصبا، ولا يمكن اعتباره صحيحا.

مهما كانت شدة خطأ الرأي الآخر، فإنه دائما يحمل جزءا من الحقيقة. وحيث أن الرأي الصواب بالنسبة لأي موضوع، لا يمثل الحقيقة كاملة، لذلك وجب الاستفادة من الرأي الآخر.

الرأى الوحيد بدون الرأي الآخر، يعتبر عقيدة عمياء بدون فهم أو منطق. إيمان الناس بالآراء بغير استناد إلى منطق، يجعلهم مستعدين للإيمان بالأكاذيب بدون تفكير.

القول بأننا نحمي الأفكار المفيدة من الأفكار الهدامة أو الغير مفيدة، هو قول خاطئ:
أولا، لأنه ليس لأحد الحق فى أن يقرر للآخرين ما هو المفيد وما هو غير المفيد. مسألة المفيد وغير المفيد، هى آراء يجب أن تترك مثل غيرها لإبداء الرأى فيها. بالطبع لن أدع مثل عبد المنعم الشحات يقرر لي ما هو الصح وما هو الخطأ.
ثانيا، لأن الآراء التى لا تستطيع أن تثبت وجودها عن طريق البحث وحرية الرأي، هى آراء لا تستحق أن تعيش.

الأفكار مثل النظريات العلمية، أو مثل الحياة نفسها على سطح الأرض، تتبع قوانين التطور. البقاء للأصلح. حماية السلطة الحاكمة أو رجال الدين، لرأي معين. ومنع مناقشته بالإرهاب الفكري، يضعف هذا الرأي. ويضعف معه قدرتنا على كشف الحقائق.

النظر إلى الحقيقة من جانب واحد، ليس رؤية بالمرة. إنما مجرد سراب أو انطباع أو وجهة نظر أو أحلام وتمنيات. لأن الحقيقة لها عدة وجوه. ومن لم ير جوانبها المختلفة، كمن لم يرها مطلقا. الإلكترون له طبيعة الموجة وطبيعة الجسيم في نفس الوقت.

إننا عندما نبني الحواجز، ونقيم القضايا، ونستخدم التهديد والإرهاب الفكري، لإسكات الرأى الآخر، نكون قد فقدنا القدرة على التعلم والتقدم والإزدهار إلى الأبد.

التقدم له أسبابه. والتخلف لا يأتي من فراغ. إذا لم نراجع أنفسنا ونعيد حساباتنا، سوف نضيع. وقد ضاعت أمم قبلنا كثيرة حين اختلط عليها الأمر، وحجبت الرأى، وحاربت العقل. فلم تعد تفرق بين الخطأ والصواب. أو الظلم والعدل.

zakariael@att.net





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,682,318,318
- قصة الأخلاق عند سقراط
- قصة التقويم الشمسي وحساب الزمن
- قصة الملك ميداس ولجنة كتابة الدستور
- من أقوال مؤسسي الدستور الأمريكي
- هيباشيا الفيلسوفة المصرية - آخر قبس نور في حياتنا البائسة
- جون ديوي - فيلسوف وخبير تربية وتعليم
- الخروج من الظلمة الحالكة
- كيف ننهض إذا كان وزير التعليم سلفي؟
- لا، لن يحكمنا الخليفة من قندهار
- عندما يغيب العقل ويحكم رجال الدين
- الإسكندرية بين حضارتين - زمن البطالمة وزمن عبد المنعم الشحات
- الدولة المدنية هي الحل
- قصة ثلاثة عصور
- الفلسفة التحليلية - لودفيج فيتجنشتاين
- قصص وحكايات من عالم الكائنات الصغيرة
- الحجاب عادة يهودية قديمة
- هل الحجاب وتغطية الشعر فرض؟
- هرش مخ وتسالي صيام
- هل الإنسان أصله سمكة؟ 2
- هل الإنسان أصله سمكة؟


المزيد.....




- المسلمون والمحرقة.. زيارة مرتقبة لشخصية مسلمة مرموقة لأوشفيت ...
- سلطات الاحتلال تبعد رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس عن ...
- توفير 500 وظيفة دينية على بند العقود لسد العجز في المساجد
- "فتاة مسلمة".. موقع الكتروني لأمريكية تقاوم الأفكا ...
- "فتاة مسلمة".. موقع الكتروني لأمريكية تقاوم الأفكا ...
- ألمانيا تمنح 350 ألف يورو تعويضات لضحايا الهجوم على معبد يهو ...
- الهامات ودلالات في خطاب قائد الثورة الاسلامية
- صلاة الجمعة بإمامة قائد الثورة الاسلامية
- قُبيل مشاركته باحتفالات الطائفة الأرمنية.. الرئيس يزور الفند ...
- الهند: النظام العلماني في خطر


المزيد.....

- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد زكريا توفيق - عادل إمام وحرية الرأي