أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - مقالة في أن العلمانية تحمي الدين من احتمال الاستبداد















المزيد.....

مقالة في أن العلمانية تحمي الدين من احتمال الاستبداد


حسن محسن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 3688 - 2012 / 4 / 4 - 01:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    




إن المتتبع لتاريخ الأديان يجد أن الأغلبية العظمى منها قد انشغلت بصورة شبه كلية وشاملة بصراع مع العقائد والأديان المناهضة لها في كل مراحلها التاريخية حتى وقتنا الحاضر. إلا أن في فترة لاحقة من أول نشأتها، تطور هذا الصراع ليشمل بالمواجهة حتى الأفكار والفلسفات والمذاهب المتفرعة من هذه الأديان نفسها لتكون فيها درجة الحدة والعنف وغياب المعايير الأخلاقية الإنسانية حتى ضمن إطار الدين الواحد، في بعض صورها، مثالاً بارزاً على مقدار الشذوذ الذي من الممكن أن ينحدر إليه الجنس البشري. هذا الصراع المتعدد المحاور والدرجات لابد وأن يحمل بذرة "الاستبداد" الشامل في أعماق أفكاره ونصوصه وقناعاته ومبادئه وفقهه. حتى النصوص المقدسة ذات المحتوى الإنساني الأخلاقي في الديانات السماوية يتم إعادة تفسيرها وتحويرها في المجهود الفقهي التنظيري ليتم استثناء الآخر المخالف منها، هذا "الآخر" الذي سوف يكون موضوع الصراع بمحاوره المتعددة وبصوره الشاذة المختلفة. بل حتى المبادئ العامة المنصوص عليها صراحة وبضوح لا يحتمل اللبس في الكتب المقدسة، من على مثال النص القرآني ﴿لا إكراه في الدين﴾ أو النص الإنجيلي (طوبى لصانعي السلام) أو النص التوراتي (لا تقتل)، يتم إغفال دلالتها الواضحة، هذا مع ثبوت مصدرها الإلهي من وجهة نظر المؤمنين فيها، لصالح آراء فقهية أخرى تؤطر وترسخ مفاهيم الصراع بأشكاله المتعددة ضد الآخر المختلف وباستخدام نفس هذه النصوص ويال العجب. والملاحظ أن هناك تعمد واعي ومقصود في هذا المجهود الفقهي على إلغاء التوضيح لـ "العامة" من أتباع هذه الديانات في أن هذا المجهود الديني الفقهي بكل أشكاله هو، وببساطة شديدة، يحتمل الخطأ، بل على العكس، هناك تأكيد صريح أحياناً وضمني أحياناً أخرى على أن "الصراع" بشتى صوره ودرجاته هو بالضبط مراد الرب ومشيئته. هناك إذن نزعة واضحة لأي "دين"، سواء من خلال نصوصه المقدسة أو مجهوده الفقهي اللاحق،للانخراط في "صراع" ضد أي اختلاف يحمله إنسان ضد سياقه العام، وهناك أيضاً نزعة واضحة عند كل دين في تبني وجهة النظر التي تصر على أنه لا يستطيع أن يهيمن إلا بواسطة "الاستبداد" بمعناه الكلي الشامل. النصوص المقدسة في بعض صورها تقول ذلك، المجهود الفقهي في بعض صوره يقول ذلك، نصوص التاريخ تؤكد لنا ذلك.

الاستبداد الديني لابد وأن يبدأ أولاً في المجتمع الأصلي لهذه العقيدة. وهذا الاستبداد هو دائماً لصالح أفراد قلة معدودين يحملون ألقاب من على شاكلة (علماء، فقهاء، آيات، سادة، شيوخ، أمراء، سلاطين، ملوك ... الخ). ثم يكون دائماً أول ضحايا هذا الاستبداد هم أفراد هذا المجتمع ثم بعد ذلك الذين يتبعون هذه العقيدة أو الدين من العامة ثانياً أينما كانوا. فالتراث الديني الإسلامي المكتوب، بشقيه السني والشيعي، يحتقر "العامة" لصالح "الخاصة" في كل أدبياته، وكذلك التراث المسيحي في القرون الوسطى. بل إن هذا الاحتقار يبدو بوضوح في الكتابات الفقهية والأدبية التي تستعمل كلمة "العامة" كمرادف لِما هو أقل قيمة حتى في حق الحياة في بعض الأحيان. هذا الاحتقار منشأه تلك الرغبة في الاستبداد والتي تستعصي على هؤلاء أن يجعلوا "العامة"، أو الأغلبية من الشعب، أن تنخرط طواعية تحت رغباتهم وآرائهم وفقههم ومواقفهم وشهواتهم واستبدادهم.

لكن المشكلة الخطيرة لا تتبدى دائماً في ذلك الصراع الخارجي والذي يتم باسم "الرب"، ولكنها تتبدى في الانقلاب الداخلي ضد "العامة" ومحاولة إخضاعهم لمفاهيم وممارسات الاستبداد باسم "الرب" أيضاً. فكل التاريخ الإسلامي والمسيحي واليهودي على سبيل المثال، تعامل من يعطون لأنفسهم حق الكلام باسم "الله" مع البلاد والعباد وكأنهم يملكون "الحق الإلهي" في الهيمنة والسيطرة على عباده وبلاده. وفي كل هذا التاريخ، حتى في الفترات التي يعتبرها هؤلاء على أنها "ذهبية"، نجد أخبار وروايات الاستبداد الموجهة ضد المجتمع وضد "المؤمنين" أنفسهم متناثرة هنا وهناك في مصادرهم. فعندما يصر التراث الفقهي، السلفي الإسلامي على وجه الخصوص، على اعتبار السلطان أو الملك أو الأمير على أنه (ظل الله في أرضه) وأن (ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان). أو في فقه (ولاية الفقيه) الشيعي حيث الفقيه هو من يملك الولاية العامة على الشعب والأمة وليس للشعب أية سلطة أو ولاية في تقرير مصيرها، يتحول الدين إلى أداة فاعلة لشرعنة الاستبداد وتبرير الظلم والعسف ولكن كأداة داخلية موجهة ضد المجتمع بدرجة أولى وبيد هذا (الولي الفقيه) بالذات. هذا الاستبداد، ويال الغرابة، تحول في بعض جوانبه إلى مصدر للتشريع في كيفية التعامل مع أهل الذمة أو أهل البدعة مثلاً في الإسلام، وإلى محاكم للتفتيش ووحشية الحروب الصليبية عند المسيحيين، وإلى تاريخ دموي سادي مشين منصوص عليه في النصوص المقدسة عند اليهود. والمثير في الأمر أن المصادر التاريخية القديمة تتعمد صراحةٍ إلغاء حقيقة أن من كانوا "ضحايا" هذه الممارسات من أهل الذمة عند المسلمين أو الهراطقة والمحمديين عند مسيحيي محاكم التفتيش والحروب الصليبية أو ضحايا الحروب اليهودية من الأبرياء كانوا المواطنين الأصليين لهذه البلاد. بل هم دافعي الضرائب والجزية في الإسلام بالذات، وهم من تصادف وجودهم في القرى والمدن التي "فُتحت" ثم ليجدوا أنفسهم قتلى أو أسرى أو رقيق أو جواري. وهم في التاريخ الإسلامي من كان يزرع "السواد" في تلك البلاد ليطعموا أفواه الفقهاء والشيوخ والأمراء والسلاطين والجيوش الذين كانوا يضطهدونهم ويسترقونهم ويقتلونهم.

الاستبداد هو ما يسعى له "فقهاء" الدين ورجاله وشيوخه وآياته. هذه هي حقيقة البلاد التي تريد أن تضع رجل الدين (شيخ، عالم، فقيه، آية الله، سيد) في موضع السياسة والتدخل في شؤون الدنيا. وهي أيضاً حقيقة أن أول وآخر مَنْ أفتى بـ (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) و (دعوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر) هم الأنبياء والرُسل أو الآلهة، أما من أتى بعدهم فقد اجتهدوا ليلغوا هذا الحكم من كل كتب الفقه والفتاوى والدين. إنه الاستبداد الذي يسعى إلى فرض الرأي الواحد الوحيد باسم الرب بالذات، وذلك حتى يضمن عدم الاعتراض والرفض. لأن الرفض حينئذ لا يعني أن من يمارس هذا الرفض الواعي الإرادي هو خارج عن سلطة شيخ الدين أو آية الله، ولكنه سوف يعني أنه خارج عن حكم الله نفسه ومتمرد على إرادته وبالتالي هو كافر زنديق يستحق القتل. هذا "التقمص" الذي يدعيه هؤلاء الشيوخ والفقهاء هو أصل الاستبداد وموضوع صراعه مع أفراد مجتمعه. وهذا هو حقيقة التاريخ الديني منذ أول يوم إلى يومنا هذا.

وكمثال صارخ على توجيه هذا الاستبداد غير الأخلاقي نحو نسيج المجتمع نفسه إذا تجرأ على التفكير ورفض السلطة الدينية المستبدة هو فتوى الشيخ السلفي علي بن خضير الخضير في إباحة الكذب وشهادة الزور ضد الخصوم والتي تصل إلى حد القتل زوراً وبهتاناً. هذا جزء من نص الفتوى:

"المؤمن أخو المؤمن، ولابد أن ينصره حال طلب النجدة أو عند العلم بحاجته، ومن النصرة مؤازرته ودفع الضرر عنه. ومن ذلك الكذب. فالكذب يجوز لنصرة المسلم ولدفع الكافر أو العدو. فقد صح فى الحديث جواز الكذب لتحقيق مصلحة، ومن المصلحة رفعة المسلم وذلة سواه (...) كما جاء فى كتاب ( مفتاح دار السعادة ) (الجزء 1، ص 141) أن جثيم بن إياس قد شهد بالله العظيم على كفر إبراهيم الصابي حتى يُقتل لأن في بقائه مفسدة للأمة (...) ومن الحرب حرب الأفكار، وهي أشد من حرب القتال، فيجب استخدام الخدعة ويباح الكذب فيها لإظهار أهل البدع والشركيات وأهل الفرق الباطلة من روافض وزنادق وأهل علمنة وحداثة وقرامطة وغيرهم بمظهرهم المخزي لكي لايغتر بهم عوام المسلمين، وإظهار أهل السنة وأصحاب العقيدة السليمة بمظهرهم اللائق بهم. ودليل ذلك من إباحة الكذب لتحقيق مصلحة عامة للأمة أو خاصة لفرد مسلم صالح حديث أنس رضي الله عنه قال: (لما افتتح رسول الله (ص) خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالاً وإن لي بها أهلاً وإني أريد أن آتيتهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئاً؟ فأذن له رسول الله (ص) أن يقول ما شاء. فأتي امرأته حين قدم فقال: اجمعي لي ما كان عندك فأني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فانهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم...) (الحديث بطوله) (...) وكما جاز الكذب لإنقاذ حق المسلم لنفسه، حق المال والرأي والعمل، فكذلك يجوز له الكذب لأجل إنقاذ حق أخيه المسلم إذا لم يمكنه الوصول إليه إلا به، وهو من التعاون على البر والتقوى، على أن يكون ذلك حق للمسلم المعروف باستقامته وحبه لأهل الخير والفضل وذوده عن حياض الدين لا لغيره (...) ولهذا فإنه يجوز لك الكذب والشهادة وتغليظ اليمين لنصرة الدين الإسلامي ونهجه القويم ونصرة أخوك المسلم الصالح ممن يريدون به كيداً، وإذلال أهل البدع والضلالات والفرق الفاسدة. ونسأل الله أن يكون لك بذلك الأجر والمثوبة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه".
[المصدر: تسجيل صوتي في شرح زاد المستقنع، كتاب النكاح، الشريط الثاني الوجه الثاني، الشيخ علي بن خضير الخضير]


عندما نُصر على أن الدين، أي دين، هو أمر لا يعني السياسة بشيء، فإننا في الحقيقة نحمي هذا الدين من أن ينخرط في الاستبداد الذي رأينا صورة شاذة له أعلاه وصوراً كثيرة جداً له في التاريخ القديم والمعاصر. فالدين الذي يتبنى الاستبداد كموضوع فاعل في المجتمع لن يفرز إلا دكتاتوريات على أرض الواقع (وليتفكر هنا القارئ الكريم في التاريخ الحديث للشرق الأوسط ولن يعجز عن سطر أمثلة كثيرة) ويكون ضحايا هذا الاستبداد هم أفراد المجتمع ذاته قبل الآخرين الذين يعيشون خارج حدود تلك الدول. إننا نحمي الدين من نفسه، وعندما نقول "نفسه" فإننا نعني من يدعي تمثيله ليعطي لنفسه أو لمن يشاء حقوقـاً تلغي في ممارساتها ضد الخصوم معايير أخلاقية أصيلة تؤكدها الأديان نفسها في نصوصه. العلمانية، في ضمن جوهرها، حماية الدين من أن يستبد على رعاياه قبل أن يستبد على الآخرين.

العلمانية هي حماية للدين من أن ينقلب على رعاياه وأتباعه والمؤمنين فيه. إنها وسيلة لنفي استبداد الدين على الأتقياء والصالحين الذين قرروا فجأة ... أن يفكروا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,049,354
- إلغاء ملتقى النهضة وزيف شعارات الحرية
- مقالة في أن لا كهنوت في الإسلام مقولة خاطئة
- خطورة التسويق للنموذج السعودي للحداثة … الاستقواء بالسلطة ضد ...
- السذاجة الإسلامية كما تتجلى في قضية حمزة الكاشغري
- أفضل هدية في عيدها أن نتصارح مع الكويت
- في العلمانية ومفهوم الليبرالية والهدف منهما
- ديموقراطية الشذوذ القَبَلي
- أرى خلل الرماد وميض نار - الحالة الكويتية
- عندما يقول الغرب لكم: إن قبائلكم ومذاهبكم يثيران الاشمئزاز ا ...
- الكلمة التي ألقيتها في الحلقة النقاشية عن مواقع التواصل الاج ...
- إنها قشور دولة
- حقيقة التلبس الشيطاني - الفرق بين أوهام رجال الدين ومنطقية ا ...
- إشكالية المجاميع الليبرالية الكويتية
- السلطة المعنوية لقمة الهرم السياسي الكويتي كما هي عليها اليو ...
- مقالة في الفرق بين التمدن والتحضر
- المشكلة المذهبية في مجتمعات الخليج العربي
- الذهنية السياسية الشعبية الكويتية المتناقضة … الموقف من معتق ...
- في مشكلة الائتلاف والاختلاف ... الحالة الكويتية كنموذج
- الآراء الاستشراقية في نقد النصوص المقدسة الإسلامية
- مقالة في أن الحرية لا بدّ لها من قانون يقننها


المزيد.....




- الفاتيكان يقترب من -حافة الإفلاس-
- الجالية اليهودية المفقودة في السودان
- تواصل المنتدى المسيحي الدولي بموسكو
- رئيس الوزراء الفلسطيني: ممارسات إسرائيل بحق المسجد الأقصى ته ...
- ريبورتاج: طلاب الجامعات يشاركون في الإضراب العام بلبنان ويطا ...
- احتجاجات في بنغلادش بسبب منشور "مُسيء للنبي محمد" ...
- احتجاجات في بنغلادش بسبب منشور "مُسيء للنبي محمد" ...
- بطريرك موسكو وسائر روسيا يدين الانشقاق في صفوف الدين المسيحي ...
- في مقابلة مع الجزيرة نت.. الشيخ عبد الحي يتحدث عن أموال البش ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - مقالة في أن العلمانية تحمي الدين من احتمال الاستبداد