أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أفنان القاسم - مؤتمر بال الفلسطيني وحوارات مع أفنان القاسم في كتاب















المزيد.....



مؤتمر بال الفلسطيني وحوارات مع أفنان القاسم في كتاب


أفنان القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 3681 - 2012 / 3 / 28 - 11:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الأعمال الكاملة


الدراسات (8)


د. أفنان القاسم


نحو مؤتمر بال فلسطيني

الأداة الوحيدة لإقامة الدولة الفلسطينية


مشروع سياسي



إلى كل العقلانيين (والحالمين) الذين يدعمون هذا المشروع



مؤتمر بال الفلسطيني



(1) دعوة إلى رشيد الخالدي


العقل الفلسطيني موجود والمثقف الفلسطيني موجود والبرنامج الفلسطيني لإقامة دولته موجود، هذا ما أريد تأكيده من وراء دعوة الدكتور رشيد الخالدي إلى التحضير معي من أجل مؤتمر دُوَلِي لتأسيس دولة فلسطين في مدينة بال السويسرية، ندعو إليه كافة المثقفين والمفكرين في فلسطين والعالم، فنحول دون آخر خطوة للتصفية يسعى إلى قطعها اليوم في دهاليز المباحثات السرية المعتمة الفريق المتحكم في رام الله. لأن أول شيء يجب فعله هو التحرر من أناس فرضهم علينا المحتل تحت صور مضحكة، والأمر ممكن، وتحقيقه سيتم سريعًا، لأننا ما أن نبدأ حتى تلحق بنا كل القوى الحية لشعبنا بعد أن جربنا العمامة في غزة التي خيبت أملنا وبعد أن شددنا الحزام في الضفة الذي ضاق علينا. حقًا ليست الظروف العربية والعالمية مواتية، ولكن يأسنا يفوق يأس من كان لهم البوغروم محركًا والمحرقة محفزًا، والدعم الدولي لا يأتي بدعاء، والنشاط الدبلوماسي لا يتم على درب التبانات، على العالم أن يُدفع دفعًا إلى دعمك والوقوف معك وعلى الدبلوماسية أن تتحرك بتحركك وتنشط بنشاطك، علينا أن ندفع إلى التغيير عندنا وعندهم، وأن نكون أسيادًا لقدرنا، وعلينا أن نحول دون انتحار جماعي يشاهده العالم دون أن يفعل شيئًا، فما يجري الآن في هذه اللحظة في تل أبيب ورام الله الإعداد لمراسم هذا الانتحار بالتفريط والتسليم والإنهاء، بعد أن قامت كانتونة الضفة بقيام مؤتمر فتح وكانتونة غزة بقيام القيامة.

المؤتمر الدولي لتأسيس دولة فلسطين سيكون المؤسسة التي ستفاوض لأول مرة دون وصاية عربية أو غربية ولأول مرة بمثقفيها ومفكريها وعقولها.

المؤتمر الدولي لتأسيس دولة فلسطين سيعتمد كتابي "خطتي للسلام" الصادر بالفرنسية عام 2004 بعد نقاشه أساسًا للتفاوض من أجل الاتحاد بين الدولتين دولة فلسطين ودولة إسرائيل.

المؤتمر الدولي لتأسيس دولة فلسطين سيكون الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.



(2) دعوة إلى عبد الحميد شومان
وكل الآخرين


رؤوس الأموال الفلسطينية كثيرة وأحيانًا بعشرات المليارات: رياض برهان كمال، سليم فائق الصايغ، عمر عايش، عبد الله عطاطرة، وليد الملاحي، رياض الصادق، سمير الخطيب، أحمد عز، خالد أبو إسماعيل، خميس عصفور، رضوان العجيل، سعيد العتال، أسامة الشريف، علاء الخواجة، علي الصفدي، عماد الغزاوي، صلاح خرما، وليد أبو شقرا، عبد اللطيف جميل، آل الجفالي، عبد الغني العجو، محمود سعيد، عمر العقاد، صبيح المصري، رياض برهان، يوسف بيدس، حسيب صباغ، سعيد خوري، بدر الفاهوم، باسم فارس، عطا الله فريج، فؤاد سابا، كريم خوري، ميجيل ليتين في الشيلي، و25 ملياردير من أصل فلسطيني حسب فوربس في أمريكا، والأثرياء في أوروبا، وفي القمر، وفي زحل، وفي عطارد، وغيرهم، وغيرهم، ولكن أيضًا عبد الحميد شومان صاحب البنك العربي وشريك محمد خيري في أكبر شركة مقاولات في الشرق الأوسط مقرها اليونان الذي كتبنا له بخصوص تمويل مؤتمر بال للأكاديميين والمفكرين والمثقفين الفلسطينيين، مؤتمر العقل الفلسطيني، وإخراج القضية الفلسطينية من مأزق عدم الحل ومن براثن أناس فشلوا في الوصول إلى حل، فالحل ممكن حسب خطتي للسلام التي صدرت في باريس في كتاب عام 2004 على أساس الاتحاد بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية وبينهما وبين دول المنطقة على صدر الاتحاد المشرقي أُسوةً بالاتحاد الأوروبي، الحل المشرف للجميع، والذي لا يغفل عن حق العودة وقد وجد له الحل والمستوطنات وقد وجد لها الحل والقدس أهمها وقد وجد لها الحل كعاصمة للدولتين وللاتحاد المشرقي فيما بعد.

دون المال اليهودي روكفلر وروتشيلد وشتاين وميردوخ وغيرهم لم يكن بإمكان هرتزل عقد مؤتمره ولا التأسيس لدولة أنشأها من العدم.

نحن لا نطالب أثرياء فلسطين باستثمار ملياراتهم في مشروع سيظل طوباوي الشكل ما لم يدعموه بمال قليل لهم وكثير لنا يمهد للمؤتمر ويرمي إلى قيامه ويبني اللبنة الأولى للّجان التي ستنبثق عنه، وهكذا لأول مرة في تاريخنا يقوم الفلسطينيون بما لم يقم به أحد منذ الانتداب البريطاني إلى اليوم دون وصاية عربية ولا أجنبية وبعناصر نظيفة كل ثروتها هي عقلها وحبها لفلسطين.

المليارات التي لكم لمن ستبقى من بعدكم؟ هل ستبقى من بعدكم؟ وأنتم ماذا سيبقى منكم؟ ولكنكم بدعمكم لمؤتمر تحرير فلسطين وقيام دولة فلسطين ستزيدون من أموالكم وستحفرون أسماءكم في ذاكرة بلدكم.




(3) ردود فعل كثيرة
أجيب عليها


أولاً وقبل كل شيء أريد أن يفهم القارئ وهو يفهم حتمًا ويعرف أن مئات آلاف المقالات التي دبجها المثقفون الفلسطينيون والعرب ومثقفو العالم بخصوص الحل الفلسطيني ذهبت أدراج الرياح، فلا الحاكم الفلسطيني أخذها بعين الاعتبار ولا الحاكم العربي ولا الحاكم الإسرائيلي ولا الحاكم الأمريكي خاصة الذي يأتمر كل أولئك بأمره، وعندما نعلم أن ما يطبخ اليوم في البيت الأبيض يرمي إلى تصفية القضية الفلسطينية، جاءت مبادرتي الرامية إلى تجسيم القول في الفعل، وإرغام كل الأطراف وأولهم الطرف الأمريكي على الإصغاء لما يقوله المفكر الفلسطيني، والعمل بما يريده، فعقلنة السياسة ليست وليدة اليوم، ومحافل روما تشهد بذلك، يكفي أن يفرض العقل وجهة نظره، ولا يتم هذا عن طريق رسالة في الفلسفة أو مقالة في الاقتصاد، وإنما بالتوصل إلى برنامج عمل يكتبه كل المثقفين مهما كانت مشاربهم وأهواؤهم، والنزول به إلى ميادين السياسة والإعلام وإعجاز الفعل لا إعجاز الكلام. وهذا أول رد على الذين يتساءلون إذا ما كان المؤتمر مؤتمر العَلمانيين فقط، إنه مؤتمر الشعب الفلسطيني بكافة اتجاهاته، وكافة توجهاته، وهو مؤتمر كل المفكرين والأكاديميين والمثقفين. وهناك من يقول إن للمؤتمر حق الانعقاد وليس له حق التمثيل وهناك منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. والجواب على هذا بسيط: كل فلسطيني له حق تمثيل فلسطين، فما عساها تكون منظمة التحرير دون الفلسطينيين، والمؤتمر من أجل تأسيس دولة فلسطين وليس من أجل إطلاق الرصاصة الأولى، حسب هذا المفهوم منظمة التحرير قد ترهلت كمؤسسيها، وهي في وضعها الحالي عائق أمام قيام الدولة الفلسطينية، وإذا ما سلمنا بكل الحجج التمثيلية، المؤتمر لا يتعارض معها لأنه يرمي إلى تتويج المسار التحرري بالدولة، وهو كدينامية سيكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ممثلاً ذا غاية محددة ومسئولية ملزمة لكافة الأطراف.

يُحَيّي آخرون المؤتمر ويقترحون أن يكون لتوجيه النصح للساسة في غزة ورام الله والتقريب ما بينهما، بمعنى ممارسة ما يجري على الساحة اليوم من وساطات مصرية وسورية وعشائرية، والإبقاء على السياستين الحاليتين، بينما المؤتمر هو النفي الكلي والجذري لمثل هذه الممارسات وتلك السياسات، هذا لا يعني أنه النفي لحماس كتنظيم أو لفتح، هذا لا يعني أنه يطالب بحل الواحدة والأخرى، مثقفو فتح وحماس سيدعون مثل غيرهم لنقاش ورقة عمل، فلأدعها كذلك، خطتي للسلام التي صدرت في كتاب بالفرنسية منذ خمس سنوات، خطة ترمي إلى إقامة الدولة وعدم التفريط بأي حق لنا بعد أن تقترح لكل مسألة حلاً، فمن منا يرفض الحل العادل، ومن منا لا يقبل بمبدأ المؤتمر المؤدي إلى وضع حد لعذابات شعبنا.

هناك من يقول إن المثقفين الفلسطينيين غير متفقين فيما بينهم فكيف تريدهم أن يتفقوا بسحر بال على برنامج لإقامة حفلة فما بالك دولة؟ وليس فقط المثقفون الفلسطينيون مختلفين فيما بينهم ولكن أيضًا الفلسطينيين فيما بينهم، كل فلسطيني غير متفق مع كل فلسطيني، فرويد لو كان فلسطينيًا لعجز عن علاجنا، هذا جزء من محنتنا، ولكني كما قلت بخصوص المسيسين أقول بخصوص المثقفين، فلا أحد على وجه الأرض يرفض منطق المؤتمر القائم على التوصل إلى تأسيس الدولة الفلسطينية وحل الفاجعة الفلسطينية، فإذا سار العقل حسب منطق يرضى عنه هذا العقل يمكن أن يكون للاختلاف الدور الخلاق الذي نبحث عنه.

وهناك من يثني على اختيار مكان المؤتمر ويحذر من انعقاده في بلد عربي بينما آخرون يفضلون انعقاده في بلد عربي ولا يرى هؤلاء البعد الرمزي لانعقاد المؤتمر في مدينة بال السويسرية حيث عقد هرتزل أول مؤتمر تأسيسي لإسرائيل، كما أن مجرد انعقاد المؤتمر في بال سيكون هزة أرضية تحت قدمي الحاكم الإسرائيلي، فكل تاريخ الصهيونية أقيم على أرض هذه المدينة المفتوحة اليوم للفلسطينيين.

لأوضح ما هو هام: المؤتمر سيقام بناء على ورقة عمل والتي هي كما ذكرت خطتي للسلام، في يومه الأول ستضم جلسة الافتتاح المثقفين الفلسطينيين والعرب والمثقفين في إسرائيل والعالم. وفي وقت لاحق سيجتمع المثقفون الفلسطينيون وحدهم لتتفرع عنهم لجان سياسية واقتصادية واجتماعية ولجنة بخصوص القدس وأخرى بخصوص المستوطنات وثالثة بخصوص المياه إلى آخره، هذه اللجان ستكون هي المخولة فيما بعد وقد وسعت الخطة ومتنتها بالتفاوض، أضف إلى ذلك أن المؤتمر سيقر في إنشاء ثلاثة أحزاب جديدة، دينمو العمل على الساحة الفلسطينية، يسار ويمين ووسط، إذ بدون هذه الأحزاب لن تتجسد مطامح المؤتمر على الأرض، وبدخول هذه الأحزاب منظمة التحرير الفلسطينية كشريكة لا كشكلة على صدر عباس مثلما كانت الشعبية والديمقراطية شكلة على صدر عرفات، وكعنصر فعال بنسبة مئوية متساوية وباقي التنظيمات، هنا يمكننا الحديث عن إخلاء دكتاتورية فتح المكان لديمقراطية حقة تهيئ لانتخابات تأسيسية بعد تأسيس الدولة.

في اليوم الثاني للمؤتمر سيكون لقاء المثقفين الفلسطينيين بالمثقفين العرب ليلعبوا الدور المشرف المنتظر منهم في بلدانهم ويفرضوا على الحاكم لأول مرة في تاريخهم وجهة نظرهم ووجهة نظرنا بخصوص التأسيس لدولة فلسطينية ديمقراطية والتهيئة للاتحاد المشرقي كما جاء في خطتي للسلام، وستكون هناك لجان مشتركة.

في اليوم الثالث للمؤتمر صبيحته ستكون للقاء بالمثقفين الإسرائيليين فالسلام معهم والاتحاد بيننا وبينهم، وعشيته ستكون للقاء بالمثقفين في العالم وخاصة في أمريكا لتنتح عن هذا اللقاء لجان لها الغرض نفسه الضغط على حكوماتهم والتطمين لشعوبهم.

وفي المساء سيشمل المؤتمر كل المدعوين لحفل الختام والعمل ابتداء من يومه التالي.






(4) مؤتمر بال لتأسيس الدولة الفلسطينية
دينامية من أجل تحقيق هدف واحد فقط


يدشن الأستاذ نافز علوان القلم الذكي مقالاته وقد غدا سكرتير تحرير "باريس القدس" بورقة عن مؤتمر بال حديث الساعة وحدثها، ويطرح بشأنه العديد من التساؤلات العميقة التي تحتاج مني إلى أجوبة السياسي والأديب معًا كما ينعتني بلطفه وحبه، وهذه كانت حال فيكتور هيغو في كل معاركه السياسية، وحال طه حسين، وحال ناعوم شومسكي، والأقرب إلينا جميعًا حال إدوارد سعيد، ولأبدأ مما كان يدعو إليه هذا الأخير عن الدولة الواحدة ذات الهويتين، دولة طوباوية لن يمكن لها القيام لأسباب هي بالأحرى خصائص تاريخية وإنسية ووجودية يتشبث بها كل طرف من الطرفين، وأنا في خطتي للسلام التي تم نشرها في كتاب منذ خمس سنوات، أعي تماما الكيانية والاستقلالية والخصوصية التي تصل أحيانًا في ظرفنا العدائي الراهن إلى حد الشوفينية بل العنصرية للفردين الإسرائيلي والفلسطيني، لهذا تجدني أنادي بدولتين كل منهما دولة بأتم معنى الكلمة العصرية لدولة، يجمعهما اتحاد، وليس هذا لأن رؤيا سقطت علي وأنا نائم فألهمتني ذلك، ولكن لأن الشروط الموضوعية اليوم ليسها منذ العام 67 والنظرة الفلسطينية والإسرائيلية إلى الصراع هي غيرها، والاتحاد بين الدولتين بالتالي هو ابن الواقع الحالي ودونه لن يكون لإسرائيل مستقبل على الرغم من قوتها العسكرية التي تعمي الأعين الغبية لحكامها وتزيد من عنجهيتهم وغطرستهم، وكذلك لن يكون لفلسطين دولة قابلة للعيش على الرغم من أموال الدول المانحة وكل أموال العالم. فالاتحاد بين الدولتين المستقلتين هو الضامن لهذا الاستقلال وهو الضامن للهوية المستقلة وهو الضامن لرخاء الفرد وهو الضامن لأمن الواحد والآخر، وليس للأمن فقط بل وللقيلولة في النهارات الساخنة وللعسل في خلايا النحل وللندى على شفاه الورد بمعنى للحياة، فهم أكثر منا عذابًا في الليل، وعندما يتركون أطفالهم على أبواب المدارس، وعندما ينظرون إلى البحر، إنهم لا يعيشون. ولكي يعيش الجميع دون احتلال لأرضنا وإنساننا وإنسانهم الاتحاد هو الحل.

ولأني أعي في الاتحاد خطرًا يهدد الدول العربية ونحن لا نريد أن نهدد أحدًا ارتأيت قيام اتحاد مع الاتحاد يجمع الدول العربية أسميته "الإتحاد المشرقي" على شاكلة الاتحاد الأوروبي، وبعد دراستي لبنيته الوحدوية التدريجية رأيت أن يبدأ ما بين فلسطين وإسرائيل والأردن والسعودية، وفي هذه البداية قوة اقتصادية وديمغرافية وجغرافية، ولن يمنع الاتحاد المشرقي فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول الغرب من الانضمام إلى جانب شعوب الاتحاد ولأول مرة في التاريخ الحديث، للرفع من مستوى حياتهم وتقدمهم، فيدخلون عالم التحضر والتقدم من بابه الواسع كما جرى مع إسبانبا والبرتغال عند دخولهما الاتحاد الأوروبي، وكما سيجري مع دول أوروبا الشرقية الاتحاد السوفييتي سابقًا.

لهذا على الدول العربية بأنظمتها وعلى علاتها ألا تخشى قيام الاتحاد الفلسطيني الإسرائيلي، فالاتحاد ليس ضدها بل هو مع دخولها فيه، وهو مفتوح لها كقوة اقتصادية وكقوة سياسية. وأنا كل ما أريده هو أن أمحو وصمة عار في جبين الأمة العربية، وأعيد لها مجدها.

وفيما يخص رؤوس الأموال الفلسطينية التي ستمول المؤتمر فقد تم الاتصال ببعض أصحابها وهي لن تطالَب بغير تمويل المؤتمر ليخرج إلى النور إلى أن يحقق الهدف الذي قام من أجله، فالأموال هذه يمكنها أن تساهم في تحقيق قيام الدولة ولا يمكنها أن تنفق على الدولة بعد قيامها، وعلى كل حال لن نطالبها بذلك بعد أن نربط مصير الدولة بمصير الاتحادين. التضحية التي يتكلم عنها الأستاذ نافز في هذا الصدد لهي تضحية واجبة، إذ على الفلسطيني الثري أن يقوم بدوره التاريخي مثل الفلسطيني العادي، أما عني فليطمئن "أعدائي"، تاريخي الأدبي يحميني، وفرنسا ليست الصومال، ثم أنا لست هنا لأخذ منصب أحد، لأن الديمقراطية كما أفهمها لا تعني طرد الذين أختلف معهم سياسيًا من مناصبهم، فليعلم عباس الذي قيل لي إنه يقرأ كل مقالاتي أنني لست بآخذٍ لمنصبه ولا لمنصب الجبور أو دحمان أو هنية أو أي واحد آخر غيرهم، وأنا إن أخذت منهم شيئًا فالتنازلات والخضوع والخنوع والاستسلام والغباء المذهبي وغير المذهبي. إذن إذا كان مؤتمر بال يعتبر رديفًا لشيء فهو رديف لوضع قائم وطريق مسدود بسبب اتفاق أوسلو وهو لن يكون رديفًا ولا بديلاً لاتفاق أوسلو، إنه هنا من أجل هدف واحد أوحد: قيام الدولة الفلسطينية، وهو كدينامية لا يحتاج إلى سنين وسنين من طحن الفكرة وعجنها، أو إلى أجيال وأجيال من الفكر الفلسطيني كما يقول الأستاذ نافز، لأنه ما أن يبدأ بحضور أكبر عدد ممكن من مثقفي فلسطين وإسرائيل والعالم حتى يجر الجميع في حضنه، ويفرض نفسه على الجميع. خاصة وأن المؤتمر لن ينتهي بانتهائه، فهو لجان ستعمل فيما بعد، وبرنامج تأسيس للدولة، وأحزاب ستولد على الأرض إلى جانب كل التيارات الأخرى السياسية والمذهبية، ولن يكون تعدد الفكر عقبة بل خاصة من خواص بناء الدولة الحديثة كما هو الحال في الغرب وعنصرًا أساسيًا في بنيتها التشريعية والدستورية.




(5) خطتي للسلام بعد 5 سنوات من نشرها
للتطبيق 100 % وفورا


عندما تكون على بصيرة مما يدور من حولك، عندما تعالج موضوعًا عن بصيرة، عندما لا تترك الهوى يضرب على بصيرتك، تكون نافذ البصر، تكتب الحدث قبل وقوعه، وتجعل من الحدث الذي لم يقع بعد مشروعًا ممكنًا، إنه التاريخ بانتظار أن يغدو تاريخًا، أن يتحقق، وهذه هي حال خطتي للسلام التي ما ابيضت لها شعرة واحدة بعد عدة سنين من كتابتها، وكأنها كتبت اليوم لناس اليوم، وعن هموم اليوم، وكأنها ما كانت إلا ليكون اليوم يومها، الظروف تبدلت من أجل تطبيقها، والشروط غدت شروطها، كنت إذن وأنا أكتبها لا أعلم أنها مستقبل التفاوض وضوء الحل بعد كل ذلك الظلام الطويل، الحل وقد غدا ضوءًا... سيقف القارئ على ما يدعى لدى الإغريق بالكهانة، ومع ذلك، فالنص لا ينتمي إلى أمور الغيب، إنه نص سياسي بأتم معنى الكلمة، ولكن ربما معجزته اليوم تكمن في انتشالنا والعالم العربي من الكارثة، وربما معجزته اليوم أيضًا أن يُقرأ وأن يُفهم وأن يُقبل وأن يُطبق وقد فعلت السياسة فينا ما فعلت من اغتراب عنا وعن غيرنا، وقد دمرتنا السياسة، وجعلت منا أعداء فيما بيننا، وقد قتلت فينا السياسة الثقة، وشككتنا في أمرنا فما بالك في أمر غيرنا، وفهمه هو لها، وقدرته هو على القبول. وعلى كل حال ها هي الخطة بين يدي الجميع، وهي كما قلت أكثر من مرة ورقة عمل لا أكثر لمؤتمر بال للأكاديميين والمثقفين الفلسطينيين والعرب والباقين في الزوايا الأربع للعالم من أجل تأسيس دولة فلسطين، ولكنها ورقة عمل استثنائية من أجل حل.

ستذهب نسخة من الخطة إلى أوباما وساركوزي وبراون وبوتين وعبد الله ابن آل سعود وعبد الله الثاني ونتنياهو وعباس، لماذا هؤلاء دون غيرهم؟ عليك أن تقرأ الخطة لتعرف، وإذا كان هناك رد فعل من واحدهم أو كلهم ايجابي أو سلبي، فلن يحول ذلك من عقد مؤتمر العقل الفلسطيني، لأن هذا المؤتمر هو المخول بالتفاوض.

أطالب الجميع بالمساهمة في النقاش منذ اليوم وبالترويج للخطة، معها أو ضدها يجب أن يقرأها أكبر عدد من الناس، يجب إرسالها إلى كل المواقع وكل المنتديات.

أخبرني أحد الأصدقاء من عرب 48 أن هناك من الأدباء لا يعرفني ومن الأدباء المخضرمين رغم بيع كتبي عندهم وإعادة طباعة بعض أعمالي، وفي الوطن العربي هناك من يظنني من المدللات، لهذا سأنهي مقالي بهذا التعريف:

أفنان القاسم
أستاذ سابق في جامعة السوربون والجامعات المغربية والأردنية
أديب ومفكر فلسطيني



* نوعام شومسكي

أنا أهم إسهام في ميدان اللسانية النظرية للقرن العشرين وخطة أفنان للسلام أهم إسهام في ميدان السياسة العملية للقرن الحادي والعشرين، أنا أريد تجاوز المقاربات البنيوية للاستغراقية والسلوكية في الكلام الطبيعي وخطة أفنان تريد تجاوز المقاربات السياسية للفلسطينية واليهودية في التاريخ المادي، إنها الفصل الناقص من فصول التوليد والتحويل عندي، النظام في الفوضى، الوضوح في الغموض، السهم في حقل الإشارة، الوصول، البلوغ، الحل لأعظم مسائل الوجود، النيزك، البيرق، العلامة النحوية التي وجدتها أخيرًا على نافذة ثورتي الشومسكية، لهذا سأكون أول الذاهبين إلى بال...






(6) على عكس ما يظن البعض الظروف موائمة للخطة
والوسيط الدولي هو المؤتمر


يا سادتي، يا جماعة، يا إخوان، بلاش كل هادا بعدين ينعتنا الناس بالسذاجة! نعم هناك صعوبات كما يقول خيري حمدان، ولا بد من النفي الكلي لعباس وسياسة عباس وزبانية عباس كما يقول نافز علوان، ولا بد أيضًا من وسيط للخطة يفرضها على المحافل الدولية ومؤسسات حكومية عربية أو فلسطينية تتبناها كما يقول الكاتبان، ولكن كل هذا ليس مهماً الآن، كل الجهود الآن يجب أن يجري تركيزها على الخطة: هل فينا أحد يرفض قيام الدولة الفلسطينية، بالطبع لا أحد، هل فينا أحد يرفض الازدهار، بالطبع لا أحد، هل فينا أحد لا يسعى إلى الاستقرار والنوم في الليل دون أحلام مزعجة، بالطبع لا أحد، الخطة هي تحقيق كل هذا، فلنتفق على الخطة أولاً دون ربطها بظرفها، ثم لنعمل على تحقيقها بخلق ظرفها. أنا لست نابليون، نابليون الثالث في أواسط القرن التاسع عشر والثورة الصناعية في أوجها عزم على تطبيق خطة هدم باريس القديمة وبناء مدينة جديدة، كانت كل الظروف ضد الخطة، وقضية باريس للفرنسيين كانت في ذلك الوقت بأهمية قضية القدس اليوم للفلسطينيين، ومع ذلك كان لا أحد ضد منطق الخطة التي ستجعل من باريس مدينة للنور وأجمل عواصم الدنيا، وكان نابليون يقول لشعب باريس المناهض لمشروعه ستشكرني المتاحف والشوارع والمنتزهات والتماثيل، وأنا سأقول للمتشائمين ستشكرني أول ما تشكرني مخيمات اللاجئين التي خلصتها من قاطنيها وعبث الوجود! ربما قال قائل نابليون ليحقق خطته كانت له الأداة: الدولة، ونحن أيضًا لنحقق خطتنا لنا الأداة: المؤتمر. المؤتمر هو أول خطوة نخطوها، وبدافع من دينامية أكيدة سنقوم بالخطوات التالية إلى أن نصل إلى غايتنا. والمؤتمر هو الوسيط إلينا وإلى العرب وإسرائيل والعالم، أعضاؤه الأكاديميون والمثقفون ورجال الأعمال من كل البلدان هم الحكومات غير الرسمية إلى شعوب هذه البلدان وحكامها، نحن لا نتبع لجهة ما تروضنا كما يقول خيري حمدان، نقيم مؤتمرنا في بلد حيادي سويسرا، ولا نرمي فقط إلى أن يثأر في بال التاريخ لنفسه، هدفنا أيضًا ألا يضغط علينا أحد لا غربي ولا شرقي بل نحن من يضغط بلجاننا الكوسموبوليتية.

الخطة هي الوصول. القارئ المستعجل كالعادة والسياسي المتشائم كالعادة وصاحب رؤية النظام، لا يعني هذا أنه مع النظام، ولكنه جوه النظام، سيقول عنها خطة مجنونة بينما هي خطة عاقلة موجهة للعقل والعقلاء، هي مجنونة بمعنى خلاقة فلا خطة مثلها من خطط لحل القضية الفلسطينية، وهي رؤيوية وبراغماتية وتاريخانية. في ظروف طبيعية هذه الخطة من الغد تنفذ، ولكن الظروف غير طبيعية، لهذا يجب أن نرى المسافة بين الخطة وتنفيذها بعين فيثاغورس، بشكل رياضي، وليس بعين الجزيرة. يجب أن نبعدها عن الطريقة التي تنظر فيها إلى الحدث أطنان المقالات التي تصدر كل يوم والتي هي في النهاية مقالة واحدة يجيرها النظام القائم لصالحه، إنه خدر الإيديولوجيا اللذيذ الناتج عن حقنة للإعلام يومية تشغل الناس وتسليهم عن مصائبهم، وهذا يتجدد كل يوم وحياة النظام تتجدد معه إلى الأبد. لهذا السبب هو هنا على أدمغتنا منذ قرون!

هل قرأ أحدكم كتاب دولة هرتزل؟ قدم هرتزل مشروعًا مجنونًا من المستحيل إنجازه في ظروف زمنه، لكن كل اليهود على تعدد انتماءاتهم اتفقوا عليه ليمهدوا له الطريق إلى النور. ولماذا هرتزل؟ أنظروا إلى أوباما اليوم ومشروع الصحة الذي كل الظروف تعمل ضده، ولكنه ماض بمشروعه، وهو يمهد له الطريق إلى الحياة خطوة خطوة. وعلى عكس البعض، على عكس الكل، أرى أن الظروف اليوم كل الظروف تعمل في صالح خطتي للسلام: أزمة النظام العالمي تدفعه إلى البحث عن ضبط قوانين الرأسمالية كما يقول ساركوزي وإصلاح قوانين النظام المالي العالمي كما يقول أوباما والاتحاد المشرقي سيكون الشعاع الموجه والقوة الفاعلة على المدى العاجل والطويل. أزمة النظام العربي ستدفعه إلى الانخراط في الاتحاد كسوق اقتصادي وسياسي عصري، وعن هذه الطريق ستكون سيرورة سياسية واقتصادية واجتماعية، نحن لن نطرد النظام العربي (إحنا مش انقلاب) هو سيطرد نفسه بنفسه، وعلى مدى سيطول ربما بعدما يدخل في عملية الدَّمَقْرَطَة التي هي الحل الوحيد لأزمته. أزمة النظام الإسرائيلي على علاقة طبعًا بأزمة النظام العالمي لأنه متوقف عليه وتابع له، عضلات نتنياهو وإجراءاته على الأرض زائلة، فنتنياهو يستغل الانهيار الرأسمالي لصالحه: تهويد، تعجيز، تهديد، لأنه انتهازي ومتسلق ومخادع وعكس كل الأوصاف الصالحة التي جاءت في وصايا موسى، لكن ما يفعله فوق أساس كل شيء له صورة المشروع المتماسك بينما الواقع واقع المشروع هو واقع الانهيار العالمي الشامل. لهذا ما أن يهز مؤتمر بال البنى حتى يكون نتنياهو الأول الداعي إلى التفاوض لأجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.






(7) رد على رسالة من ليلى شهيد
سفيرة عباس في بروكسل



"الأستاذ/ أفنان القاسم.....

ما يثير الدهشة حقيقة أنه لحتى الآن ومنذ أربعين عاما في باريس في العمل السياسي والإعلامي والثقافي وحتى النقابي والطلابي لم التقي بك اطلاقا؟؟ وحين تسلمت مهام عملي بمكتب باريس لم تبادر بأي خطوة أو حتى للتعارف والأبواب كانت مفتوحة للجميع؟؟ وحتى نشاطك على مستوى الكتابة في الصحافة الفرنسية لم أجد لك أي مقال حتى مجرد تعليق حول أي حدث فلسطيني؟؟ حتى كتبك الثلاثين؟؟ المترجمة دهشت جدا من الرقم؟ وأكثر حين عرفت من زوجي د.محمد برادة حتما قرأت له؟ رئيس اتحاد كتاب المغرب!!! انك شخصيا من ترجم كتبك وهذا جهد يحسب لصالحك؟ وأنت من نشر كتبك بعد رفض كل دور النشر كما تكشف في مقدمة كتبك؟؟ وذهلت حين عرفت من العديد من الأصدقاء الذين يعرفونك //رياض هيجر ونبيل درويش؟؟؟ انه ليس لك أي علاقة بأي كاتب فرنسي خارج إطار من عملت معهم في الجامعة بالسوربون التي غادرتها 84 إلى مراكش لعام واحد وعام آخر في الأردن؟؟ مدهش حقيقة؟؟ وفوجئت بمشروعك ؟؟ الذي افهم من مقالتك السابقة في الصحافة؟؟؟ انه اقتباس وتعديل وإضافة لما قد سبق وطرحة المفكر الفلسطيني الراحل البروفيسور ادوار سعيد؟؟ عبر الصحافة الفرنسية والأمريكية والعالمية؟ وحتى "الجزيرة"؟ فيما لم اطلع على كتابك ومشروعك الذي نشرته بباريس؟؟ ولم نسمع به؟؟ ولم ترسله أو التعريف به في الإطار الفلسطيني حقيقة ما شجعني للتعليق بكل صدق؟؟ مقدمة مقالتك؟ وصديقك الذي أخبرك بان لا أحد من الأدباء يعرفك في الداخل عرب48 كي ألفت انتباهك لقضايا هامة وأساسية؟؟ ولتكون أي مبادرة من طرفك لها //المصداقية والقوة والتأثير؟؟ ولا يكفي نشر كتب وشهادات أكاديمية؟؟ للدخول في عالم السياسة الذي يطيح بدول عملاقة وكبيرة؟؟ ولا أحد يعرفك بباريس، لا على مستوى الصحافة أو الثقافة أو الإعلام والمثقفين الفرنسيين ؟ ولا العربي؟؟ كيف يمكن لنا تفسير ذلك؟؟ نرجوكم نشر الخطة لنتمكن من الإطلاع عليها، وفتح المجال أمام الحوار؟؟" التوقيع ليلى شهيد المهنة سفيرة فلسطين سابقا في باريس وحاليا في بروكسل.

ما يثير الدهشة بالأحرى هو دهشة سفيرة عباس ليلى شهيد من عدم اللقاء بي وعدم طرق أبواب سفارتها من طرفي التي كانت على أي حال مفتوحة لا تحتاج إلى طرق، ففي العمل السياسي والإعلامي والنقابي وقبل ذلك الطلابي اسألي مرجعيك من أصدقائي القدامى يقولان لك أين كنت، أما لماذا لم أبادر بأي خطوة من أجل التعرف عليك بعد أن ورثت عن إبراهيم الصوص مكتب باريس، لأني بعد تجربتي مع ياسر عرفات عام 89 قد تمت بيني وبين العاملين في خدمته قطيعة الرَّحِمِ كما يقال، ولكنك على ما يبدو لم تقرأي كتابي "أربعون يوما بانتظار الرئيس" في قدحه وقدح سياسته وأدوات سياسته وأنت أداة من هذه الأدوات. وبُعدي كل هذه السنين عنك وعن الوسخ السياسي نقطة تسجل في صالحي وعلامة أساسية وهامة لنظافة ثوبي. دهشتك هذه إذن فلنتركها لك ولنحلل ما جاء في رسالتك، أو على الأقل لنحاول، فنشر الكتب والشهادات الأكاديمية بالنسبة لك لا تكفي!

لم تقرأ السيدة ليلى خطتي على الرغم من أني أرسلتها لها ليس لتقرأ الخطة وتقول لي رأيها فيها فأنا أعرف رأيها سلفًا ولكن لما جاء من نقد حاد لها في فصل ما من فصول الكتاب الذي يحلل كل الاتفاقيات السابقة عليها، وها هي لا تترك شيئًا لا من بعيد ولا من قريب للتنديد بشخصي، والتشكيك في تاريخي الأدبي والمهني، والتعريض بسمعتي. المعني هنا أنا أم الخطة؟ هي تريد أن تنصحني كما فهمت من رسالتها، وتثنيني عن خطتي، لأن خطتي سياسة، والدخول في عالم السياسة يطيح بدول عملاقة فكيف أنا القزم الصغير! وعالم السياسة له شروطه، علاقات صحفية وإعلامية وثقافية لا يملكها واحد نكرة مثلي. كل هذا جميل لو جاء من باب النصيحة، والرد عليه بسيط: كبار المستعربين من زملائي وأصدقائي لم تكن لهم علاقات بالصحافة كما تفهمها السيدة ليلى القيّمة على مكتب إعلامي، كانت لهم علاقة قوية بكتبهم وبحوثهم وترجماتهم، أضف إلى ذلك أنني حالة استثنائية كفلسطيني حر بأتم معنى الكلمة بطرحي المناقض ورؤيتي المغايرة وقد تحررت من براثن الفكر السائد. أين أودت بنا علاقاتها هي بالصحافة والراديو والتلفزيون وبعشرات من مثقفي المخمل، ماذا فعلت هذه العلاقات للقضية؟ لقضية عرفات كل شيء؟ للقضية الفلسطينية لا شيء، والبرهان على ذلك ما نحن فيه الآن. ولكنها تندهش مرة أخرى، فرسالتها كلها عبارة عن اندهاش متصل من الاثنين وثلاثين كتابًا التي نشرتها لي دار لارماطان –والله مش على حسابي وآخر شيك استلمته من كم شهر-، وهي بالأحرى دهشة الارتياب لا دهشة الإعجاب، بمعنى أنني الكذاب –معذرة للمستوى معلهش خلينا نسلي القارئ- وهذه تربية أبي عمار وأبي اللطف لسفيرة تمثل فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي، تحكم دون أن تدقق، وتنفي دون أن تتأكد، وتقيّم دون أن تزن، إنها الدبلوماسية الفلسطينية في سوق ترمسعيا على الساحة الدولية ويا مين باع يا مين شرى! والأنكى هو أن يرميني محمد برادة –تقول عنه زوجي كموضوع وكمرجع وكنقيض ذي مصداقية عندما قدمته رئيسًا لاتحاد كتاب المغرب وكأن لنوادي الرفق بالحيوان هذه في البلدان العربية أية أهمية- بتهمة مترجم نفسي وناشر نفسي وقارئ نفسي، وأنا كنت من بين المعجبين الأوائل بكتاباته، وكنت أقول عن ترجمته لبارت إنه لم يترجم بارت، بارت هو من ترجمه، وها هو يضرب الدف في ساحة جامع الفنا بدلاً من أن يقرأ روايتي الضخمة "أبو بكر الآشي" –هو يعرف الفرنسية- عن ابن طفيل، والتي تدور نصف أحداثها في المغرب، ويثبت نقدًا بقلم دوسوسير قلمه قيمتها الصفر في الكتابة أي لا قيمة لها بدلاً من الطعن الخفي والدس المشين!

لقد اعترفت لي السيدة ليلى بخمسة أيام درّست فيها هنا وهناك وهذا يكفي لقب الأكاديمي الذي أحمله، وأنا أود أن أقول لها شيئًا المصداقية تأتي مع كل تحرك يرى في العمق بخصوص أي هم كان من الهموم الوجودية، وهذا ما يحصل معي اليوم ومؤتمر بال لتأسيس الدولة الفلسطينية كما نريدها نحن، وهذا ما يتوج عمليًا كل ما كتبت وخطتي للسلام من أجل حرية شعبي، أهي مصداقية الشكعة وعبد الرحمن وعبد ربه التي تؤهلهم الدخول في عالم السياسة دون الانهيار؟ أهذه هي الدولة الفلسطينية؟ أهذا هو الصنف الذي سيمنع الانهيار أم أنه صنف الانهيار القائم؟

رجائي إليك ألا تعطيني درسًا في السياسة، فأنا كبير أعرف مصلحتي. بعد كل هذا الصمت الطويل، أريد أن أبدأ من الصفر، أريد أن أتعرف على العالم، أريد أن يعرفني العالم، أريد أن أكتب كتابًا، أن أمزق ديوانًا، أن أقترح خطة، هذا شأني، فما الذي يزعجك؟ أم أنه يزعج غيرك؟







(8) همسة في أذن الأثرياء الفلسطينيين


أرسلت أكثر من إيميل إلى بعض عمالقة المال الفلسطيني، كل واحد منهم ثروته تملأ مدينة من المدن الفلسطينية، وكل واحد منهم وطني يحب فلسطين على طريقته، بسبب هذا الحب للبلد الضائع تميزت أفعالهم بالدأب والمثابرة من أجل التعويض وتأكيد الذات بعد أن انتفت الهوية وغدا الكيان في الشتات المكان الذي ينجح المرء فيه ويتميز عن خلانه، وفي حالة الملياردير الفلسطيني المكان الذي ينجح فيه ويتميز عن منافسيه والمتحكمين في آليات الإنتاج والبورصة والسوق. لكن كل هذا سيغدو ترفًا لا طائل تحته إن لم يرتبط بالقضية الأولى فلسطين، وعبثًا بالمبادئ، تتخلى معه الذات عن أصلها وأصالتها، والأموال عن طعمها ورائحتها التي هي رائحة الجد والجهد وفل الحديد والتعب، وفلسطين عن أبنائها الذين لم يهرعوا إليها وقت الشدة ليعينوها ويرفعوها إلى قمم عزها وعزتها. مؤتمر بال للعقل الفلسطيني الذي يتحتم عليهم تمويله في وقت التخلي والتدني والاستسلام لهو من أجل عزة فلسطين وعزها، بعد أن غدا الوسيلة الوحيدة لبناء دولة فلسطين كما نريدها نحن، والذي سيكون الأداة المنفذة لخطتي للسلام، خطة من أجل مستقبل فلسطين ومستقبلنا كلنا فقراء وخاصة أغنياء يساهمون في خلقها من جديد وبنائها لبنة لبنة وهي الجميلة كأجمل بلد على وجه الخليقة. أما عني صاحب الفكرة والخطة، فالكل يعرف أني لم أكن يومًا محسوبًا على أحد، وأني لم أكن أبدًا مرتزقًا لحساب أحد، وأني لم أزايد إطلاقًا على أحد، ولم أسع طوال حياتي سعي الثعالب من كتاب اليوم إلى منصب أو جاه.

أيها الملياردير! يجب أن تمول مؤتمر بال للأكاديميين والمثقفين الفلسطينيين من أجل تأسيس الدولة الفلسطينية، أقول يجب بوصفك ابن فلسطين وواجبك نحو فلسطين مقدس.

أيها الملياردير! روكفلر وروتشيلد وشتاين وميردوخ وكثيرون غيرهم وقفوا كلهم إلى جانب هرتزل، بأموالهم عقد هرتزل مؤتمره، فكان التأسيس لدولة أنشأها من العدم.

أيها الملياردير! كن واعيًا ما تفعل ولا تترك أموالك تابعة للحدث، فليتبع الحدث لها، ولتكن أنت سيدًا للحدث.




(9) رسالة لم ترسل
إلى أحد أصدقاء الطفولة


غ... ابن بلدياتي، حبيبي، ليش هيك سمنان وبشعان؟ وين الشاب الحلو تاع أول؟ والله ما عرفتك، شو مش خايف من الكولسترول؟ من امبارح وأنا بدي اكتب لك، وعاد كل الماضي دفعة واحده، كنت المفضل عند الوالدين، وبابا سمى غ... على اسمك، مسكين مات السنة الماضية، سرطان، كان مدخنه، وبابا عمّر كتير، ومات من كم شهر، ماما لساها عايشه، تركت الجزائر، وهيها في عمان. زارت مش هادي المرة ر... وشدت له دانه زي ما كانت تعمل وهوه صغير الأزعر، قال لها أنا هلأ وزير عيب، والله صاحت فيه، ما هوه زي ابنها. بس انت كنت حبيبها الأول، وأنا وانت كانت حبيبتنا البطة، بتتذكرها، يمكن ماتت؟ كان أبوك كل ما يشوفني من بعيد ييجي يسلم عليّ، ويقولي يا عمو. بابا كان ياخدني معاه عالمصبنه، وعمو و... كان يكون هناك، كان يحترم بابا كتير لوقفته مع اللاجئين، انت ما بتعرف انه احنا من برقة مش من يافا، بابا كان صحفي هناك، يعني نوابلسه قح بس فلاحين. تذكرت ن... كان ولد صغير وعنده غُره، وتذكرت الأخت ف... كنا كلنا ما عداك لأنك الأذكى ناخد دروس في الصيف في مدرسة بابا، سلم لي عليهم كلهم، وعلى كل اولاد عمك س... ور... وه... وز... وكلهم.

قرأت على انترنت اللفلفة وإذا حبيت التعرصة اللي قاعد يعملها عباس على اشي ميت عضامه مكاحل وفاقد لكل معنى اسمه منظمة التحرير وشفت اسمك فانجنيت، انت اللي أبوك كان مثال للوطنية واللي لليوم احنا كلنا فخورين فيه بدك تشتغل مع منايك، طب إذا كنت منيك متلهم معلش بس انت مش منيك، وكانت كل بنات نابلس تتمنى تنيكها، بدك يحرتوا على ضهرك وعلى ضهر سمعتك وسمعة أبوك توع منظمة التعريص، شوف قديش انت فخور بأبوك اولادك على العكس منك راح يستحوا في المستقبل يقولوا احنا ولاد غ...! يعني مبسوط انت على هالمنصب، يعني مش شايفهم بنيكوا بفلسطين وساكت، يعني اللي نعلك بشرّف اكبر واحد فيهم، وهلأ قال باسم الواقعية السياسية انت بتمشي مع الماشيين في خرا نتنياهو. أس... أنا بحبه كتير لكن ما تسمع له، أنا ولا عمري سمعت له لأنه شاطر يجعجع، تعرف اس... ايش؟ كل همه يثبت لمرته اللي التقيتها مرة لما عزمني وهوه في شومان، يثبت لها انه احسن من أبوها، اس... مزيج من فرويد وأفلام حسن الإمام! أما اذا هُمّيه مورطينك يعني نايكينك هادا اشي تاني، لكني بعرفك شاطر وحيطتك عمرها ما كانت قصيرة. يلعن ربك يا غ... شو انجنيت تكون زميل لدحلان، يلعن سما الله كل ما اتذكر انه ابوك كان طول عمره يرفض يكون وزير للملك حسين لأنه صاحب مبدأ وانت قاعد بتبيع مع فلسطين وبإسم فلسطين يا للعار كل المبادئ؟ ولك انا مش فاهم ايش اللي ناقصك عشان تمشي من ورا هالمنايك: السلطة عاميه قلبك؟ ولكنها سلطة شراميط وسرسرية وأزباب الموساد اللي فيهم لأبو موزه! ما بديش تسمح لي لهاللغة انا اللي بستحي من خيالي لأني بدي اعرف اذا كنت غ... اللي بعرفه والا غيره يمكن تكون غ... الرجوب والا بهائي عاشق للي بركبوه من ورا ومن قدام ومن كله باسم الله اللي فينا واللي علينا! ولك اصحا، نابلس عمالها بضيع بعد ما ضاعت يافا، ولك افتح عينك، ولك ابصق عليهم، وقول لهم انك مسفلس أي حجه وانفد بجلدك اشرف لك يا ابن جبل النار وأشرف لذكرى الرجل الوطني الفذ اللي كانه ابوك!

طبعا انت عرفت بخطة السلام تاعي؟ هادي حلوه اذا ما عرفت لواحد لجنة مركزية، لأنه كل المواقع والجرائد الالكترونية بتحكي فيها، ووصلت لعباس، على كل حال هوه بِقرا كل مقالاتي، وأوعز لسفيرته في بروكسل تكتب لي، اخت الشرموطة، بتتهجم عليّ، وبتشكك في مصداقيتي، وبتشوه سمعتي، طبعا رديت عليها ومسحت فيها الأرض... هادا مش مهم، المهم انه إلى جانب الخطة دعيت لعقد مؤتمر للأكاديميين والمثقفين ورجال الأعمال في مدينة بال السويسرية يعني من وين بدا هرتزل وفي بلد حيادي لا شرقي ولا غربي ولأول مرة في تاريخنا أحرار من اجل تأسيس دولة فلسطين كما نريدها نحن وليس كما يريدها موظف صغير في الموساد تأتمر بأوامره زمرة اوسلو، وعن هذا المؤتمر ستُشكل لجان توسّع وتعمّق الخطة تاعي وهادي اللجان هيه اللي تفاوض مش عباس والا التانيين الاخونجية، بدهم يشاركوا في المؤتمر مش عبد ربه غو غو لساه بلدغ اخو الشرموطة من بيروت وهوه بلدغ بحب المص بل أكاديميو فتح وأكاديميو حماس وكل العقل الفلسطيني اهلا وسهلا، وخلينا نخلص من العفن والزفر وروايح المجاري اللي تزكم لها الأنفاس.

أنت معي ستجد مكانك الطبيعي وليس مع البيغاليين، مع من ترفع رأسك، وتخلد ذكرى أبيك، واليوم قرأت مقالات تمتدح خطتي وتفضلها على كل الخطط السابقة لعبد الله (السعودية) ومبادرة جنيف ونسيبه ومبادرة كلينتون إلى آخره، لهذا يا أبا الو...، أخوك اللي هوه يمكن نسيت بعناد والدك ووالدي أمين القاسم معا وعزمهما وتصميمهما سأمضي حتى النهاية، وما يلزمني اليوم هو الممول المالي من اجل التحضير للمؤتمر ثم من اجل انعقاده وفي الأخير من اجل عمل واستمرار اللجان. كتبت لعبد الحميد شومان عدة مرات وأكدت لي السكرتيرة أنها أوصلت له كل ايميلاتي لكنه لم يجبني، الظاهر انه غارق في خرا عباس حتى راسه بمعنى إنه مكرمه ومتوصي فيه وفي بنوكه. انت متلي طفران بدلات وسيارات ورحلات والاولاد أنا عارف بس انت بتعرفهم كلهم اللي ممكن يمولوا المؤتمر، يلزمني استأجر مكاتب هون في باريس وآتي بموظفين واختصاصيين، جهاز دولة، اللي يهيئوا لعقد المؤتمر، هادي الخطوة الأولى لازم تحل لي اياها يا غ...، متفق معي والا مش متفق معي لازم تساعدني، لازم، فاهم، لازم يا غ...، لازم، شوف أصحابنا اولاد المصري والا اولاد العالول والا اولاد النمر والا غيرهم من اللي بتعرف، وبعدين بنشوف لنا واحد عشان يمول انعقاد المؤتمر.. هرتزل وقفت كل رؤوس أموال اليهود معه، بس هاداك هرتزل، واحنا عَمالنا بنشوف فلسطين باكلوها بعضمها ومش مهتمين، البخل أخونا اللي رضع من بز إمنا، وقول لهم اللي بساعد هلأ بشوي بكره احنا بنساعده باكتر من شوي.

مكانك معي يا غ... مش مع عباس، ومتل ما قلت لك إياك يورطوك في التنفيذيه، لا في التنفيذيه ولا في غيرها، فكر منيح، وانت مش مضطر تقول اللي قلت لك اياه. خود منهم وما تعطي لهم انت محامي وبتعرف كيف تتصرف.

لازم تساعدني على جمع الأموال لعقد مؤتمر بال لازم يا غ... لازم...

أخوك ابن حارتك وصديقك القديم

أفنان


* مر لأجلي من أمام دارنا بتعرفها قدام ملعب كلية النجاح القديمة وسلم لي عليها هادا وعد منك
* كل سنة وانت سالم






(10) اعتراضات حماس عليها اعتراضات


اعتراضات حماس على الورقة المصرية كلها صائبة، ولكنها في حصيلتها لا تجمع بين ما جرى طرحه وما تم من طرفها نقضه حسب جدل الواقع الفلسطيني وإنما حسب رؤية رثة لهذا الواقع رؤيتها الثورجية الديماغوجية، فهي لا تستوعب الشروط الحالية لهذا الواقع، وتعجز عن تماثلها مماثلة إعلالية، لتسقط في ضبابية المصطلح وتفخيمه عن المقاومة والمرجعية والحصار والاحتلال. حماس تعتبر نفسها المقاومة، وتعتبر نفسها المرجعية، وتعتبر نفسها الحصار، وتعتبر نفسها الاحتلال، لأنها تنتقل دومًا من المشابه إلى المشابه، على الرغم من كل الاختلاف القائم بينها وبين الاحتلال والحصار والمرجعية والمقاومة، فالمقاومة في الواقع الفلسطيني اليوم ليست حماس الدولة، والمرجعية ليست حماس الدين، والحصار ليس حماس الهدنة، والاحتلال ليس حماس الوهم والميتافيزيقيا. التمثل الخضبي لواقعنا –أستعير هذا المصطلح عن علماء النبات- هو ما جاء في خطتي للسلام، فانظروا كيف ترد هذه الخطة بكلمة واحدة على كل اعتراضات حماس لا لتدحضها وإنما لإيفائها حقها، لأنها خطة الجدل الهيغلي بين كل العناصر في سلبها وإيجابها والتوليد الشومسكي التحويل الشومسكي من مادة إلى عناصر حية كالجملة لديه وكالسياسة لدي اعتمادًا منا على توضيح القواعد المتبعة في تكون القضايا والاستنباطات في العمليات العقلية. لن أتكلم عن مصطلحية فضفاضة تنهل من التقليد المصري الرسمي في الإسهاب والإطناب، ولا عن عنترية سلطوية تتركز في القمع الأمني للواحد والآخر، ولكني سأتكلم عن الاحتلال، وفقط الاحتلال، في الوضع الحالي لا أحد من الأطراف الموجودة قادر على إنهائه، مؤتمر بال كطرف جديد وفريد ومتميز يمكنه ذلك، ومع إنهائه تنتهي كل المسائل العالقة: المرجعية تصبح واحدة للجميع، الحصار ينتهي، الأمن يصبح أمنًا للمواطن وليس لخدمة المحتل أو لقمع المعارضة، المخابرات تحمي البلد ولا تفرط فيه وتتعاون مع غيرها مثلما تتعاون المخابرات الفرنسية مثلاً مع غيرها دون المساس بقدر الأمة أو أمن المواطن، منظمات المقاومة تحل نفسها بنفسها وتغدو منظمات بناء وتطور وحضارة بمعنى أنها تنصهر في السياق العام لنهضة شعب وفرادة بلد منتج ومبدع.

الاحتلال يمكن إنهاؤه بالتفاوض حول خطة مشرفة لأن مقاومة الصواريخ اليدوية هذه ليست ابنة زمنها وحتى ستالينغراد أخرى لن تنهي الاحتلال، فكفى يا حماس تبجحًا وكفى مرضًا وكفى مزايدة، على عباس المعروف من هو عباس، زايدوا ما شئتم المزايدة، ولكن إلى متى ومن أجل ماذا: تبرير الاحتلال لإسرائيل والتهويد واقتلاعنا من شروشنا؟

عباس لن يتغير بالتوقيع على ورقة ولن يحقق لحماس ما تطلب ما تطالب به لأنه هنا من أجل دوام الاحتلال وليحقق لإسرائيل ما تأمر ولأميركا ما تريد. عباس يتغير بتغييره، وبأناس هم بالفعل له نقيض، وليس بأناس يشبهونه أو هم أسوأ منه.

الظروف كل الظروف في صالح حل مشرف وأول الظروف ظروف إسرائيل رغم كل إجراءاتها ورغم كل ادعاءاتها ورغم كل سياسة التيس الحرون التي لها لأنها تعلم تمام العلم أن الزمن القريب القادم لن يكون زمنها وأن عهد المؤامرات والدسائس لا يدوم إلى الأبد وخير الأمور اليوم قبل أن يفوت الأوان التوصل إلى حل يبقي على حقوقها ويعيد للفلسطينيين ولكل شعوب المنطقة حقوقهم كاملة.




(11) بانتخابات أو بدونه
مؤتمر بال سيعقد وسيفاوض


نرفض الانتخابات تحت الاحتلال، نرفض الرئيس الذي قررها ابن الاحتلال، نرفض الديمقراطية تحت الاحتلال، نرفض المجالس التشريعية إخوان مسلمين أو شيوعيين أو مشيعين أو مشاعيين تحت الاحتلال، نرفض الأمر الواقع المكرس للتقسيم إلى ضفة وقطاع، نرفض التكتيك في استراتيجية البائع والمباع، نرفض القرارات التي تتم في الأقبية والدهاليز، نرفض الأوامر الصادرة من البيت الأبيض أو تل أبيب، نرفض المؤامرات السياسية الدنيئة لتصفية القضية، نرفض التعهر الشريف لفياض وكل قواودة المقاطعة، نرفض الأبواق الصدئة الصائحة النائحة في قلاع الكذب، نرفض الطبول في أسواق إعلام الجمعة والسبت والأحد والاثنين... نرفض الرقص الشرقي في مساجد المنظمة، نرفض الظلال العملاقة لجالوت المال الممنوح، نرفض الظلال المسخة لداوود المال الفلسطيني شومان والصايغ وعايش وعطاطرة والحبتور، نرفض الأيدي القذرة للموساد الفلسطيني والموساد الإسرائيلي على حد سواء، نرفض الاستنكاح الشعبي، والاستهتار الثوري، والعبث خبزًا للفصائل، نرفض الفصائل، نرفض الحاضر وليد الفكرة التي تنادي بتوحيد الفصائل، نرفض الوطنية كما يفهمها البعض، والتحرير كما يفهمه البعض، وفلسطين، تلك المسكينة فلسطين، كما يفهمها البعض، نرفض الجلد الذي لنا، والجذر الذي لنا، والماضي الذي كله عَفَن، نرفض الهوية، نرفض الذات، نرفض الحذاء الذي اهترأ على الرغم من كونه أشرف من عباس، وأشرف من مبارك، وأشرف من سوزان، وأشرف من كل مريدي هستيريا الدين عليهم الصلاة والسلام، نرفض القصص التي كتبنا، والمقالات التي دبجنا، والروايات التي ظنناها درع الوطن وهي كلها ابداعٌ للعدم، نرفض القارئ المستبد بجهله والشاعر المستبد بعلمه، نرفض الرموز، نرفض الشاورما وساندويتشات الحمص والفول التي تلخص حياة الإنسان عندنا من المهد إلى اللحد، نرفض المقدس المذل والمذل المقدس، نرفض صداح البلابل في الصباح وكأنها تغني فقط لعباس وكأنها جوقة نتنياهو العازفة لسيمفونية موتنا، نرفض الصداح مثلما نرفض النباح لغة ساستنا، نرفض أن نكون فلسطينيين لأننا غير جديرين بأنفسنا...

ها نحن نقولها لأسياد هذا الشخص المدعو عباس في تل أبيب وواشنطن، فهو حشرة لن نتوجه إليه إن مؤتمر بال سيعقد بانتخابات أو بدون انتخابات لأنه عودتنا إلى أنفسنا ودولتنا وحريتنا، سيفاوض المؤتمر وسيضع حدًا للاستهتار بمصير شعبنا، وسيكون البديل الوحيد لكل ما نرفض، سيكون ما يفرزه الفلسطينيون لأول مرة في حياتهم بإرادتهم من أجل شرفهم وشرف بلدهم.

وها نحن نقولها لكل الصارخين في برية الإعلام ألا فاصمتوا لا فائدة من صراخكم أو التفوا من حول خطتي للسلام، حللوها، ونادوا بها أو امسخوها إن أردتم ولكن اعملوا من حولها، فهي البديل العملي والفعلي الوحيد لكل ما يجري على ساحة الدسيسة والمؤامرة، وهي الوحيدة التي تعيد لشعبنا كافة حقوقه وأمانيه.

إن لم نقم بانقلاب فينا في تفكيرنا وفي أنفسنا، في تنفسنا وفي رؤيتنا لكل شيء، عباس وكثيرون مثله سيتصرفون ما شاءوا بمصائرنا ومقدراتنا ولن ينفع رفض إلا إذا بدأ برفض النفس أولاً، ورفض العفن، بالفعلِ والعمل، والفعل ليس فعل حماس وكل ما يعبر عنه هذا الفصيل من تصور إخواني ديماغوجي قديم ومناقض للواقع، وليس فعل فتح المتختخ التي تم ترقيعها على أحسن وجه في مؤتمر بيت لحم تحت سباط المحتل. الفعل هو مؤتمر بال للأكاديميين والمثقفين الفلسطينيين والعمل هو العمل بخطتي للسلام.




(12) APRAXIE


أبراكسي مفردة تعني العمه الحركي، والعمه الحركي يعني فقدان القدرة على الحركة المتسقة، وهذا ما يصاب به اليوم الإنسان العربي، يريد أن يتحرك، فيتحرك دون اتساق، ولا يعرف إلى أين يذهب، ولا كيف يذهب، ومن لا يتحرك دون اتساق يتعرض للسقوط في أية لحظة، فهو إذن في وضع غير طبيعي، كل عالمه غير طبيعي، البيت والعمل والمؤسسة، وكل عمره غير طبيعي، الطفل والمراهق والبالغ، والأخطر من كل شيء الوعي غير الطبيعي كجزء من التمثل، وكانعكاس للواقع، لأن العمه الحركي في مثل هذه الشروط يمكن له أن يصبح عمها حركيا للرؤية وللحكم على الأشياء وللتعامل مع الغير، ويمكن له أن يؤثر في الوقت، وفي التاريخ، وفي الحضارة، فيفقد الزمان حركته المتسقة، ويغدو المكان كتلة صماء أو مساحة من المساحات وقد انسلخت عنه صفاته المرتبطة باللغة والهوية والقيم التي هي وعود دومًا لا تتحقق. هذا الوضع الكارثي كما أصفه لأنه من وراء ما يدعى بالتخلف عندنا وبالدكتاتورية وبالاحتلال تحت كل أشكاله ليس جوهريًا وإنما ثانويًا وإن اتخذ أو عُمل على أن يتخذ صفة الجوهر لتأبيد دعس الشعوب العربية، هذا الوضع الكارثي هو وضع مؤقت على الرغم من شراسة مظاهره ثقافيًا وسياسيًا وإعلاميًا، وفيما يخص مشروعي مؤتمر بال للعقل الفلسطيني من أجل تأسيس الدولة الفلسطينية كما نريدها نحن قد عبر عن تخلخل ركائزه، لأن من يتهجم على وطنيتي أو على طاقاتي أو شهاداتي (آخر المتهجمين عليّ الثري صاحب البنك التجاري الأردني ورجل الأعمال المعروف ميشيل الصايغ)، من يهزأ من تحرير فلسطين في مؤتمر، من يشيع استحالة عقده، وإن عقد استحالة تحقيقه لما يرمي إليه، من يقاطع الحملة من أجله، ومن الذين يعانون من عباس أو يعانون من الإخوان المسلمين، من يهاجمه من الذين يهاجمون في الوقت ذاته عباس أو الإخوان المسلمين، من ينظر إليه وكأنه أمر يهم أهل القمر أو المريخ، ومن لا ينظر إليه على الإطلاق لأنه في ظنه جزء من الساخر العام أو من غث الكلام والشطارة في الكلام دون عمل... كل هذا تأكيد للعمه الحركي العام الجارف للإنسان العربي والعالم العربي، ليحمل هذا المؤتمر على عاتقه فجأة مهمة أخرى إضافة إلى مهمته الأساسية ألا وهي تمكين الناس وخاصة ناس البنى الفوقية من التحرك باتساق ووضع حد للعمه الحركي الحالي.

كل بداية صعبة دومًا، وعلى كل بداية لمشروع يرمي إلى التغيير الجذري والشامل ألا تبقى بانتظار رد فعل الدول العظمى عليها لا ولا الدول الصغرى، لهذا على الأقلام أن تسير في عكس حركتها الآن، أن تسير في حركتها الطبيعية، وأن تأخذ بالكتابة عن مشروع بال وعن خطتي للسلام، فكل ما يكتب اليوم لا طعم له ولا فائدة منه، كل ما يكتب عبارة عن تعبير للعمه الفكري، وكل ما يكتب عبارة عن تأكيد للسائد الرسمي، الصائح مما يكتب أو المنافق، كل ما يكتب يسارًا –ما أجمل هذه الكلمة في وضع صحي- هو يمين وتثبيت للصولجانات العربية تثبيت للقائم، تأبيد لوضع مصطنع يراد له أن يكون على أكتافنا صخرة سيزيف وضفة تعبيد وقطاع تركيع وقاهرة كل الشعوب العربية.




(13) تصريحات كلينتون ما جاءت
إلا لأن نتنياهو في مأزق


ردود فعل الكتاب العرب على كافة أهوائهم ومشاربهم غالبًا ما تكون سطحية وانفعالية تأخذ ما تريد الماكينة الإعلامية المهيمنة إعطاءه دون أن تتساءل عما ترمي إليه وتبحث عما تخفيه فتخدم دون أن تشاء أهدافها وتوجهاتها، وهذا هو حال ما جرى غداة تصريحات كلينتون الأخيرة بخصوص المستعمرات الإسرائيلية. لقد أريد من هذه التصريحات أن تبدو وكأنها تؤذن لتبدل في السياسة الأمريكية إسرائيليًا، أمس ضد المستعمرات واليوم مع المستعمرات، بينما السياسة الأمريكية إسرائيليًا بخصوص المستعمرات أو غيرها لم تتبدل، إنها بالأحرى تتقلب من تصريح مع وقف الاستيطان إلى تصريح مع عدم وقف الاستيطان، وهي وإن اختلفت مراميها في عمقها بقيت واحدة، وفي فشلها بقيت سادرة، لأنها لا في الحالة الأولى ولا في الحالة الثانية نجحت في دعم زلميها نتنياهو وعباس شعبيًا، فمن قوة الأول والثاني يمكنها أن تفرض حلاً تصفويًا. والتصريحات الأخيرة هدفها هو التالي أن تقوي من شعبية نتنياهو "المتعنت" "المتزمت" "المتمترس" إلى آخره حين يشترط عدم ربط التفاوض بوقف الاستيطان، وأن تعيد لعباس شعبيته عباس "المتمترس" "المتزمت" "المتعنت" إلى آخره هو أيضًا حين يشترط ربط التفاوض بوقف الاستيطان، وبالطبع كل هذا رهان على ظهر أمريكا العظمى ليس فقط أمريكا الاقتصاد والعسكرة ولكن أيضًا أمريكا الكره واللعنات، فهي بمقدورها أن تجير كل غضب الشعوب عليها لصالح حلفائها الصغار منهم والكبار دون أن يؤثر ذلك فيها. ولكن ما لا تفهمه الإدارة الأمريكية أن الاستغباء الماضي قد ولى زمنه وأن الظرف الحالي لا يخدمها على الإطلاق، نتنياهو الضعيف سياسيًا لن يمكنه مواجهة 64 بالمائة من الإسرائيليين الذين يؤيدون مشروع الدولتين، وعباس المهترئ سياسيًا ومن كله لن يمكنه أن يغدو وطنيًا بين ليلة وضحاها وقد عفنت حاشيته وبنيته السياسية التي هي في أساسها بنية أوسلو وتشريع الاحتلال لن يصلح أبدًا أمرها.

كيسنجر في أيامه كان يتبع الطريقة ذاتها مع السادات مدعيًا أن القادة الإسرائيليين هم من قوة الشكيمة والبأس بحيث يجب القبول بما يقترحون في الوقت الذي كانت فيه غولدا مائير وموشيه دايان وأبا ايبان يرتعدون فرقًا من رفض السادات لمقترحاتهم، ونجح كيسنجر بما لن تنجح به كلينتون.

على أميركا أن تفهم أن الفروسية على طريقة الكاوبوي في السياسة المشرقية قد انتهى عهدها وأن الطريق إلى طاولة المفاوضات أسهل ما يكون إذا ما أخذت بعين الاعتبار حقوق كافة الأطراف دون تحايل ولا تلاعب أو تكتيك اعتمادًا منها على خطة مشرفة للجميع ورزنامة للتوصل إلى حل عندئذ سيكون وقف الاستيطان أو عدمه واحدًا طالما أن حل هذه المسألة سيتم في كل الأحوال وفي مدى زمني لن يطول إلى الأبد.




(14) موفاز والتفاوض مع حماس


شاؤول موفاز قائد الجيش الإسرائيلي السابق ووزير دفاع شارون المحب لسفك الدماء والعديم الذمة كزميله الروماني القديم كراسوس طلع علينا منذ يومين بكلام ليس غريبًا عليه وعلى حساباته الشخصية الخسيسة أنه مستعد للتفاوض مع حماس في حال فوزها بالانتخابات القادمة تحت حذاء الاحتلال مقابل 60 بالمائة من الضفة الغربية، وأنه يرمي إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وأما القدس وحق العودة فسيرى في أمرهما فيما بعد. يعني الأسطوانة ذاتها منذ أوسلو، سلام بالتقسيط، وحقوق فلسطينية مهدورة، ومناورات من أجل كرسي كاديما الأول وأول وزير. هذا النوع من السياسيين القادمين من غاب الجيش الروماني القديم والمرتدين لثوب حمائم مزابل تل أبيب يعتقد أن القضية الفلسطينية قطعًا من ذهب السامرة يقايض عليها، ودائمًا من موقع القوة، وفي الوقت الذي يدعو فيه إلى السلام لا يتأخر لحظة واحدة عن شن الحرب إذا ما دعته مطامعه الشخصية وأمراضه السلطوية إلى ذلك. وأخطر ما في كلامه وَضْعُ نفسه في مكان الفلسطينيين، فهو يقرر انتخابنا لحماس، وهو يقرر حدود دولتنا، وهو يقرر القدس عاصمة لنا في الأحلام وحق العودة، إنه يعرض لخطة سلام يحاور فيها نفسه، فهو الإسرائيلي، وهو الفلسطيني، وهذا منطق قد أتى أكله، لكن عقلية الجنرال الروماني التي له تغتصب القديم والجديد، ولا ترى المستقبل إلا من زاوية الإخضاع والتهديد بنوعيه الناعم والشديد، وكلامه الأخير هذا من النوع الناعم، لكنه يبقى تهديدًا يرفضه كل مفاوض ذي شرف، ويبدو أن رد الفعل المستحسن لحماس هو لمفاوض بلا شرف، فهي فهمت من موفاز وكل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن الطريق فُتحت لها إلى سلطة رام الله بعد سلطة غزة، ونحن كفلسطينيين وكأسياد لأقدارنا أيننا؟ نحن نرفض أن تفرض إسرائيل برابرة الإخوان المسلمين علينا، ونرفض أن يُعطى لنا جزء من الضفة، كل الضفة مِيّة بالمِيّة والا بلاش، ونرفض أن لا تكون القدس الشرقية عاصمتنا، وأن لا يكون أول الاتفاق عليها، مش بعدين ونامي يا عين، سبق وجربناكم، ونرفض أن يُلقى حق العودة في إسطبلات دولة فلسطينية ستُحتل بطريقة أخرى حسب معايير كراسوس أو كاسيوس أخيه اللذين ذاق منهما اليهود القدامى الأمرين.

شارون الحي الميت الذي لم يزل يتابع مشهد غزة بعد انسحابه منها لغاية واحدة فقط في صدره: تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى قضية دينية أي قضية لا حل لها، يتناسى هذا موفاز تلميذه النجيب، ويعتقد أننا ننسى هذا الهدف الجهنمي، وكل ذلك من أجل شقفة كرسي وخزقة بلد.

أما أنا أما خطتي للسلام فهي خطة الإنسان أيًا كانت هويته وأيًا كان دينه وأيًا كان جنسه وأصله وفصله، الإنسان الذي يرى نفسه في أخيه الإنسان ويصل إلى جوهره وموقعه في التاريخ بعد أن يغدو الجوهر إثراء للآخر لا نفيًا والتاريخ كلاً يصنعه الجميع.

نتنياهو المماطل منذ ستة شهور عليه أن يفهم هذا، وإذا كان فهمه لخطتي يصعب على إيديولوجيته، عليه أن يراوغ هذه الإيديولوجيا ليعرف أن الأمور لن تتم بالاستحمار السياسي أو بالاستثمار البنكي أو بالاسترخاء الفلسطيني، كل هذا أمر مؤقت أمام العاصفة القادمة، وهو لن يحتوي ما جاء في تقرير غولدستون بالاستعراضات المنفضحة ولكن بالالتزام بخطة مشرفة للطرفين.




(15) أول دولة عظمى في الجيب


رسالة الرئيس الفرنسي التي وجهها لي بخصوص خطتي للسلام لها أكثر من مغزى وأكثر من دلالة، وباعتقادي مجرد رد نيقولا ساركوزي يمثل نجاحًا أول سياسيًا ودبلوماسيًا على أعلى المستويات، هذا يعني أن خطتي قابلة للتنفيذ، وأن مصداقيتي لا شك فيها، والأهم من هذا وذاك أن كل الخطط الأخرى السابقة وتلك التي تطبخ اليوم قد تم الاعتراف بفشلها، فها هو الرئيس الفرنسي سيعتمد هذه الخطة في بحثه عن حل للصراع العربي الإسرائيلي (اقرأ نص الرسالة)، وها هو يؤكد إطلاعه الشخصي على تفاصيل ما أقترحه من حل نهائي بيننا وبين الإسرائيليين بسحر بنية الاتحاد المشرقي، وعمق طرح هذا الاتحاد العقلاني، والذي عن طريقه تستعاد كل الحقوق الفلسطينية دون المساس بحقوق الآخرين من أعضائه. صحيح إن الرئيس الفرنسي قد فهم كل هذا ووعد بكل هذا دون أن يبتعد أكثر للظرف المعقد الراهن، ليس ظرف التفاوض، فظرفه دومًا ما كان معقدًا، وإنما ظرف المتفاوضين، وخاصة المتفاوض الإسرائيلي الذي يتخبط يمينًا ويسارًا، بالأمس موفاز يعرض في السوق الفلسطيني لستين بالمائة من الضفة واليوم باراك وبيريس لدولة على نصف الضفة، ونتينياهو سيجمد بناء المستعمرات في الضفة دون القدس، ويدخل الفرنسيون في اللعبة عن غير اقتناع عندما يطالب كوشنير وزير الخارجية بالتجميد في الضفة والقدس، والكل يقول بحل مؤقت وضمانات أمريكية، وسيكون الحل النهائي خلال سنة، خلال سنة ونصف، خلال سنتين، و... و... التخبط أكيد، ومناورة كل الأطراف واضحة وضوح الشمس، الكل يحاول تغطية نتنياهو تحت الادعاء بمبادرات من أجل حل لن يكون، لأننا جربناكم، وجربنا ألاعيبكم، ولأننا لا نريد من أحد أن يتصرف بقدرنا، فالشعب الفلسطيني ليس مسرحا للعرائس، والزعرنة الإسرائيلية في السياسة لم تعد تمشي علينا، فاوضوا أنفسكم بأنفسكم إذن وأقيموا دولة فلسطينية على عورتا، فهل سينتهي الصراع؟ وهل ستحل القضية الفلسطينية؟

الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي قد فهم جيدًا أن خطتي للسلام خطة مشرفة للجميع لا تغمط حق الفلسطينيين في القدس ولا حقهم في العودة ولا حقهم في دولتهم على كل الأرض الفلسطينية عشية 67، لهذا فرنسا منذ اليوم في الجيب، لأن مستقبل المفاوضات التي سيجريها مؤتمر بال سيكون مستقبلها كدولة عظمى تستحق المكانة التي لها في هذه المنطقة الكوسموبوليتية التي هي منطقتنا، والتي أبدًا لن تكون حكرًا على الأمريكان، ولا حكرًا على أحد، وفرنسا تعلم تمام العلم أن عصرنا اليوم هو عصر التعاون الحق والشراكة الحقة.

مع خطتي للسلام سيكون هناك حل خلال ثلاثة أسابيع، ثلاثة أسابيع فقط، وكل شيء سيتم على أكمل وجه، ووجه المنطقة سيتغير، وتاريخ المنطقة سيتغير، وزمنها بعد أن نفتح بابه على مصراعيه من أجل استعادة قدر الإنسان وإنسانيته.




الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي يحيي خطة أفنان القاسم للسلام

كلف الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي رئيس ديوانه سيدريك غوبيه بالرد إيجابيًا على خطة السلام التي بعثها له الدكتور أفنان القاسم، وهو أول رئيس لدولة عظمى يبادر بالإجابة من بين الدول العظمى الخمس عشرة الأخرى التي تمت مراسلتها، وقد أكد الرئيس ساركوزي للقاسم مدى تأثره بمسعاه، واطلاعه بانتباه وإصغاء على مقترحات السلام التي جاءت في خطته، وأكد أيضًا أن هذه المقترحات ستساهم فيما يفكر فيه من حل للصراع العربي – الإسرائيلي. ومن الجدير ذكره أن خطة أفنان القاسم تختلف في جوهرها عن كل الخطط السابقة التي تم طرحها إلى اليوم، فهي ترضي كل الحقوق الفلسطينية إرضاءً كاملاً كحق العودة عندما يصبح حقًا للإقامة، وهو حق العودة دون حق المواطنة، والقدس الشرقية عاصمة عندما تبقى القدس موحدة ببلديتين وإدارتين مدنيتين وحق السكن والعبادة للطرفين، والدولة على الضفة كاملة والقطاع كاملاً عندما تزال المستوطنات التي لا تشكل امتدادًا مدينيًا وتوضع الأخرى تحت السلطة التامة للفلسطينيين ما عدا حق المواطنة. أضف إلى ذلك أن الاتحاد المشرقي الذي يدعو القاسم إلى قيامه والذي ستكون إسرائيل وفلسطين عضوين فيه سيشكل ضمانا للهوية والتنقل الحر والعمل الحر والإقامة الحرة على شاكلة الاتحاد الأوروبي، وسيزيل كل التوجسات المصيرية من طرف أو آخر.


نص الرسالة وترجمتها إلى العربية:


رئيس ديوان رئيس الجمهورية

باريس في 6 نوفمبر 2009

سيدي البروفسور،

لقد تم وصول بريدكم إلى رئيس الجمهورية.

ولقد كلفني السيد نيقولا ساركوزي بشكركم على مسعاكم الذي أثار اهتمامه.

كونوا على يقين من أنه اطلع اطلاع المتنبه المصغي على مقترحاتكم من أجل خطة سلام وإقامة اتحاد مشرقي بين إسرائيل والفلسطينيين.

ستساهم هذه المقترحات في تفكير رئيس الدولة من أجل البحث عن مخرج سلمي للصراع الإسرائيلي – العربي.

تفضلوا سيدي البروفسور بقبول أسمى مشاعري.


سيدريك غوبيه



Le Chef de Cabinet
du Président de la République


Paris, le 6 novembre 2009


Monsieur le Professeur,

Votre courrier est bien parvenu au Président de la République.

Sensible à votre démarche, Monsieur Nicolas SARKOZY m’a chargé de vous en remercier.

Soyez assuré qu’il a été pris une connaissance attentive de vos propositions d’un plan de paix et de création d’une union orientale entre Israël et les Palestiniens.

Ces suggestions participeront à la réflexion du Chef de l’Etat sur la recherche d’une issue pacifique au conflit israélo-arabe.

Je vous prie d’agréer, Monsieur le Professeur, l’expression de mes sentiments les meilleurs.


Cédric GOUBET








(16) ثاني دولة عظمى في الجيب


كان من المتوقع أن يجيب الألمان بالإيجاب على خطتي للسلام لسببين الأول تنامي الشعور عندهم بأن المحرقة لم يرتكبها النازيون في حق اليهود فقط ولكن أيضًا في حق الفلسطينيين، والثاني ضريبة العار التي دفعوها للإسرائيليين كي يريحوا ضمائرهم لم يدفعوها بعد للفلسطينيين، لهذا تجدهم قلقين وغير مرتاحين يريدون أن ينشئ الفلسطينيون دولتهم ليساهموا في بنائها كما ساهموا في بناء دولة إسرائيل، وكلام آنجيلا ميركل لنتنياهو حين زيارته الأخيرة منذ أسابيع لم يزل في الأذهان، وهي تحثه على إجراء مفاوضات للسلام حالاً ملحة على السرعة تحت ضغط الوقت وحاجات الفلسطينيين الملحة إلى الاستقرار بعد إنهاء مأساتهم. إذن الدولتان الأوروبيتان العظميان وأهم دول المجموعة الأوروبية قد رأتا في خطتي ما لا يوجد في غيرها من الخطط، وحسب معرفتنا ما لهاتين الدولتين من تأثير على باقي دول الاتحاد الأوروبي هذا يعني أن كل الاتحاد الأوروبي مع الخطة، يبقى أن يتحرك الأمريكان، والروس، والصينيون، وهم سيتحركون، لكن المؤسف في الأمر أن الأردن والسعودية البلدين اللذين من المفترض أن يشكلا طرفين في الاتحاد المشرقي الرباعي في مرحلته الأولى لم يتحركا بعد، وهما كالعادة يحتاجان إلى دفعة في الظهر أو في الكتف، وبدلاً من أن يتقدما الدول الغربية، لأن الأمر أمرهم أولاً وقبل كل شيء، يتبعانها، وهذا النوع من الذل الألفي نريد أن نضع له حدًا لدى الحكام العرب، وقبل هؤلاء لدى العقول العربية التي اعتادت واقع الانحطاط الساعية فيه، فجمدت أو خضعت، وراحت تلقي بكل شيء على عاتق اليأس العام والشلل الأعم، لهذا تجدها لا تسعى إلى نقاش خطة صنعت لها ولا إلى الالتفاف حولها على الرغم من تشخيصها للداء السياسي الاجتماعي الثقافي وكل النعوت الأخرى الذي نحن فيه، وتوصيفها لدواء فيه شفاء لنا.

الإسرائيليون يدرسون خطتي للسلام ونحن قاعدون نتفرج نحكي عن المهدي والحجاب وندبج آلاف المقالات عن أزمة مفتعلة بين كرة قدم الجزائر وكرة قدم العقاب.

مصير فلسطين والعالم العربي يوجد في هذه الخطة، فلا تنتظروا أيها الأكاديميون والصحافيون والمثقفون أن تتبعوا غيركم كساستنا، لأن مؤتمر بال سينعقد عما قريب، ولا أريده أن يفاجئ الجميع.

كن معها وكن ضدها المهم أن تناقش الخطة وتحكي فيها وتثبت للملأ أنك موجود وأنك قادر وأنك سامٍ وأن الساسة لا يمكنهم أن يقرروا بدلك.



المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل تثمن خطة أفنان القاسم للسلام


أبلغت المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل الدكتور أفنان القاسم اهتمامها بخطة السلام التي يقترحها بعد أن قام بدراستها المسئولون الفدراليون، وألمانيا هي الدولة الثانية بعد فرنسا التي ردت على هذه المبادرة بشكل إيجابي، واعتبرت ميركل توجه القاسم بخطته إليها نوعًا من التقدير لها. هذا وكما سبق وذكرنا بمناسبة رد نيقولا ساركوزي، خطة أفنان القاسم تختلف في جوهرها عن كل الخطط السابقة التي تم طرحها إلى اليوم، فهي ترضي كل الحقوق الفلسطينية إرضاءً كاملاً كحق العودة عندما يصبح حقًا للإقامة، وهو حق العودة دون حق المواطنة، والقدس الشرقية عاصمة عندما تبقى القدس موحدة ببلديتين وإدارتين مدنيتين وحق السكن والعبادة للطرفين، والدولة على الضفة كاملة والقطاع كاملاً عندما تزال المستوطنات التي لا تشكل امتدادًا مدينيًا وتوضع الأخرى تحت السلطة التامة للفلسطينيين ما عدا حق المواطنة. أضف إلى ذلك أن الاتحاد المشرقي الذي يدعو القاسم إلى قيامه والذي ستكون إسرائيل وفلسطين عضوين فيه سيشكل ضمانًا للهوية والتنقل الحر والعمل الحر والإقامة الحرة على شاكلة الاتحاد الأوروبي، وسيزيل كل التوجسات المصيرية من طرف أو آخر.



نص الرسالة وترجمتها إلى العربية:




Bundeskanzleramt


Berlin, 24. november 2009



Sehr geehrter Herr Afnan El Qasem,


haben Sie vielen Dank für ihr Schreiben vom 02. November 2009 an Bundeskanzlerin Dr. Angela Merkel.


Der von ihnen verfasste Friedensplan wurde hier mit interesse aufgenommen. Die Bundeskanzlerin bedankt für diesen Ausdruck der Wertschätzung.


Mit freundlichen Grüßen

i.A.



Hannelore Behm




الاستشارية الفدرالية


برلين 24 نوفمبر 2009


سيدي المحترم جدا أفنان القاسم،


شكرا على رسالتكم المؤرخة في 02 نوفمبر 2009 والموجهة إلى السيدة آنجيلا ميركل.


لقد تم أخذ خطة السلام التي صغتموها هنا باهتمام، والمستشارة الفدرالية تشكركم على هذا التقدير.


تحياتنا الصادقة


عن المستشارة


هانلور بيهم





(17) دولة تحت الاحتلال تحل إسرائيل
من كل التزاماتها وخطتي للمقاومة


عباس وفياض يلعبان لعبة خطرة كما هو عهدهما في خدمة الاحتلال وباتفاق معه، أولاً تمثيلية التنحي، وثانيًا مهزلة الإعلان عن الدولة وبناء المؤسسات، فالتنحي سيضفي على العميل المعروف صفة النزيه والديمقراطي، والدولة ومؤسساتها ستظهر الثنائي البائع بمظهر الوطني، وكل هذا يجري تحت الاحتلال، كالانتخابات والحفلات والسينمات والمؤتمرات، كل شيء طبيعي تحت بسطار الجيش الإسرائيلي، أما حقوق الفلسطينيين والقدس وحدود دولتهم وأنظمتها الشرعية والدولية، فهي مؤجلة إلى يوم القيامة، ولا أحد في الدنيا سيكون بمستطاعه إرغام الإسرائيليين على البت فيها. لهذا تطرح خطتي للسلام نفسها بأكثر ما يكون من قوة على عكس ما يرى بعض المثقفين العرب والفلسطينيين الذين طرق اليأس من كل حل سلمي بابهم، ووصلوا إلى قناعة أن إسرائيل لا تريد السلام، واكتفت بالخليج ومصر والأردن والعراق والأسواق التجارية لكل الدول العربية، فخطتي هنا لأن كل الطرق أقفلت في وجه حل سلمي، وهي ليست كاجتراح لحل معجز وإنما لأنها الوحيدة التي تصل إلى حل كل شيء يخصنا ويخص العرب والإسرائيليين على أساس التشارك والتكافل والتساوي، وفي ظرفنا الميئوس منه تصبح خطتي أداة قتال وكفاح من أجل تحقيق كل ما عجزنا إلى اليوم عن تحقيقه، إنها خطة للمقاومة ولاسترداد الهوية وإقامة الدولة، وهي خطة لإفهام إسرائيل أن العيش على الحيلة وبقلب اصطناعي إلى الأبد غير ممكن، الحيلة كما يشجبها المنطق، والقلب الاصطناعي كما يزرعه وجودها في مصر ووجودها في قطر ووجودها في العراق وغير العراق، لأن كل هذه الوجودات ما هي سوى قلوب اصطناعية لن تلبث أن تتعطل، أما الشراكة الحقة على شاكلة دول الاتحاد الأوروبي والتعاضد ما بينها والتبادل، فهذه هي القلوب الطبيعية لكل دول المنطقة.

إسرائيل لا تريد سلامًا هو في عرفها سلام يهدد وجودها لهذا تلجأ إلى كل ما هو كريه وفظيع وشنيع، وعلينا بخطة كخطتي، خطة المقاومة والكفاح في وجه كل ما تفعل، إرغامها على ليس قبول السلام كما نراه نحن فقط ولكن أيضًا على تغيير عقلية المعتدي الدائم والانتقال بها من عصر الغاب إلى عصر الإنسان وحضارة الإنسان وزمن الإنسان الموجب اليوم الانفتاح على الغير وفتح كل الحدود بينه وبين أخيه الإنسان في الشرق والغرب على حد سواء.

الغرب لم يجرب العولمة الديمقراطية لأنه يخشاها، والأنظمة العربية تخشى الديمقراطية في الحكم لأنها لم تجربها ولم تعتد عليها بينما فيها وبها تزول كل الصعوبات التي تجتاحها على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية وخاصة في الأردن البلد الذي يعيش على التشريع المؤقت لتسيير أزماته والسعودية على تعميم المحرم حتى في قرار صغير لصد الحوثيين، الاتحاد المشرقي كما ترتأيه خطتي هو البديل لخوف الحكام العرب من السقوط والحكام الإسرائيليين من الزوال والحكام الفلسطينيين من أن يكونوا حكامًا، وعندما يزول الخوف نقبل فكرة التغيير والتعاقب والعيش كمتحضرين، العيش كشعوب لها كافة الحقوق لا كأنظمة تتحكم فيها، ولكن على خطة السلم المقاوم التي لي أن تفرض نفسها على الجميع.





(18) هيلاري اعتبرتني أمريكي!


البيروقراطية الأمريكية شيء لا يصدق، كل هذه العظمة خواء، كل هذه القوة هباء، كل هذا الاستعلاء انحطاط، لهذا السبب أنظمتنا المنحطة لا تستحي من نفسها لأنها صورة عن العملاق القزم الذي أوجدها، إذا كانت أمريكا بطولها وعرضها ابنة للاسترجال والاستنكاح –أستعمل الاستنكاح هنا كاصطلاح علمي- فالدول العربية أمام قدوتها العظمى أجساد مستباحة للسكرتير الشخصي أو المستشار، وكل الاحتقار الذي نكنه له يتحول إلى ميزة من ميزات التأستذ والتأسدد، أضف إلى ذلك الناظر إلى السياسة الأمريكية من داخلها يراها كسياسة أي بلد متخلف، تقتدي هي بمن خلقت من دول رثة، فنظام العشائرية هو نظامها، وتعاملها الاعتباطي مع دول العالم، فمن غير الصحيح أن لها سياسة خارجية ثابتة لمائة سنة قادمة، الفهلوة في إدارة شؤون العالم هي أساس لنسقها، والشطارة على طريقة الشيخ حسب الله، والمقايضة كما يجري في سوق الحميدية، وهذه صور ملموسة لواقع سقوطها، ويبدو أنها تتجاهل حتى سقوطها، أو أنها غير قادرة على رؤية هذا السقوط وقد أعجزها فهم الكوجيتو الديكارتي وحتى نيتشه الذي تظن أنها أقامت كيانها حسب مفاهيمه للتفوق البشري لم تفهم هذه المفاهيم، إنها قوة عمياء كالمارد الذي ثقب عوليس له عينه الوحيدة، وعندما عرضت عليها خطتي لم تقرأها، فهي لا يمكنها قراءتها لأنها عمياء، وأجابتني باسم وزيرة خارجيتها بأنها ستهتم بما أقترح، مثلما تهتم بكل أمريكي، من أجل قوتها وتغيير صورتها في العالم، التغيير نعم حسب ما تقترحه خطتي في التعامل بين شركاء وأنداد، التغيير نعم في صالح الشعوب وليس على حسابها، التغيير نعم بالعمل مع الشرفاء لا البائعي للأوطان والأعراض. أية مهزلة هي هذه الأمريكا وأية مصيبة هي هذه الوزيرة التي لم تقرأ كلمة واحدة مما كتبت، حتى وإن قرأت فلن تفهم الأبعاد الوجودية لخطتي الأبعاد المصيرية لشعبنا ولكل شعوب المنطقة والعالم، فالشيخ حسب الله الأمريكي يسعى في الدجل، وينط في الخطر، ويرى في نهايته نهاية للعالم معه كما لو كان شمشون الجبار، وحسب هذا المبدأ يقوم الترقيع السياسي لأمريكا ويكون التعامل لأميركا مع مرتزقة هم على شاكلتها وهي على شاكلتهم.

ليس علينا أن نفرض خطتي للسلام كما نريده نحن على إسرائيل وإنما على أمريكا، لأن أمريكا صورة عن ابنتها العاق وليس كما يظن البعض إسرائيل صورة عن أمريكا، والوسائل كثيرة، أولها مؤتمر بال للأكاديميين وكبار مثقفي العالم الذين أبدوا موافقتهم كلهم، كل الذين اتصلت بهم، بهذا المؤتمر نخترق حقل الوعي الأمريكي بثقافته وفكره وإعلامه، وثانيها الصين التي تتجاهلها الفهلوة الأمريكية على الطريقة الحسبلاوية سندخلها كدولة عظمى تحل محل الاتحاد السوفياتي سابقًا وندفع بها ومعها المسألة الفلسطينية تحت مظلة قطبين عالميين يعيدان التوازن ويقرران ما نقرر نحن لا ما يقرر سكرتير مغامر لا تجربة له في البيت الأبيض، وثالثها المعسكر السلمي في إسرائيل الذي سيمتد بأخذه خطة السلام التي لي ويكبر ويؤثر ويدفع حكام إسرائيل دفعًا إلى قبول ما لا يرونه.



(19) دونيس روس ماكرو فلسطين


"ماكرو" تعني طراخور، وهو جنس سمك من العظميات الشائكات الزعانف، ولصفة الطراخور هذه أُطلقت على القواد في شكله وفي تفكيره وفي سلوكه، وهذا هو دونيس روس مستشار أوباما للشأن الشرق الأوسطي الذي عرفناه قبل أوباما بكثير وعرفنا فيه بسيكولوجية المتنفذين في البيت الأبيض الذين يعتقدون أنهم يملكون تحليلا دقيقا لشعوب يتحكمون بمصائرها بينما هم يفتقرون إلى الحدس ولا يرون أبعد من أرنبة أنوفهم، وباعتراف روس نفسه على التلفزيون الفرنسي منذ عدة أشهر عندما قال بخصوص عودة عرفات إلى فلسطين "كان علينا أن نؤسس لنظام ديمقراطي تقوم عليه الدولة الفلسطينية"، بعد أن عملوا على انقسام الفلسطينيين إلى تيارين متعارضين، واليوم لا يرى أن الحلول المرحلية المجتزأة لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وتعقيد المشاكل أكثر فأكثر، فهو يروج إلى بيع عشرين بالمائة من "عرض" فلسطين حسب خطة تقضي بانسحاب إسرائيل من المناطق "ب"، التي تعادل مساحتها 20% من الضفة الغربية ووفقا لاتفاقات أوسلو تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية إداريًا ولكنها أمنيا خاضعة لسيطرة إسرائيل –أنظر ما أجمل هذا التخبيص الهوليودي إدارة فلسطينية تحت عسكرة إسرائيلية ويقولون انسحاب ونهاية احتلال- وهو يدرك كبائع للهوى أن إشباع الرغبة غير ممكن إلا بامتلاك كل الجسد، لكنه يناور بسفاهة عهدناها عنده ليوهم أنه على خلاف في سوق الجسد الفلسطيني مع إسرائيل، وهو لا يفعل ذلك إلا ليسوي هذا الخلاف بينهما، فبمن يسخر هذا الطراخور؟ نتنياهو قال لا لأوباما، أوباما قال نعم لنتنياهو، نتنياهو رجل صعب القياد لا يمكن إرغامه، أوباما رجل سلس القياد يمكن لنتنياهو أن يقول له لا، نتنياهو وأوباما، أوباما ونتنياهو، والاثنان في سوق بيغال الأمريكي من وراء دونيس روس: "ثدي فلسطين للبيع! بطنها! فخذها!" وكلهم يعبثون بالوقت، ويبررون لما يجري، لما يتعمدون أن يجري، وإلا من هو هذا الأهوج الخرع نتنياهو الذي تتوقف حياة كل إسرائيله البلد الخزق على مليارات الدولارات الأميركية؟

الحل عليه أن يكون كاملاً وحالاً كما جاء في خطتي للسلام حل به تجد كل المسائل الأساسية نهايتها وذلك بإرضاء كل الأطراف والطرف الفلسطيني أولها.

الحل لا يكون بكونفدرالية، مشروع السي آي إيه القديم المترهل الطراخوري، بين الأردن وفلسطين وإسرائيل تسيطر إسرائيل القوية في كل شيء عليها وتوسع من رقعتها وتكون منطلقًا رسميًا لها إلى كل دول المنطقة أسواقًا وأيادي عاملة وثروات، الحل يكون باتحاد كما تقترحه خطتي بين شركاء وأنداد، باتحاد يقام في الوقت الذي تقام فيه دولة فلسطين، فلا تشكل هذه نهاية لإسرائيل كما يدعي قادتها ولا نهاية لأي دولة من الدول العربية كما يعتقد حكامها ولا نهاية لأمريكا وكل دول الغرب والعالم كما يظن سادتها، لأن فلسطين بالنسبة للطبقات المسيطرة كلها تعني نهاية لها، وعدم وجودها هو حجر إرساء نفوذ الصغار والكبار في العالم، هكذا هو الاعتقاد السائد، وخطتي تقلب هذا الاعتقاد رأسا على عقب، وتلح على دور فلسطين كدينمو اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي محلي وعالمي.

الحل يكون بتغيير عقلية القِوادة الأمريكية وبسيكولوجيا زعران البيت الأبيض، هم زعران العالم، فكيف تريد من السقطة في إسرائيل ألا يكونوا أوسخ؟

الحل يكون كما يرتأيه مؤتمر بال القادم الذي سيفرض وجهة نظره على الجميع وسيعيد للتحضر معناه وللتقدم بعده العادل وللإنسان إنسانيته.





(20) زعران واشنطن
يبحثون عن زعران مثلهم ليفاوضوا


أي مهزلة هي خطة البيت الأبيض الجديدة للسخام وأي بهدلة! أي مزحة ثقيلة الدم وأي زعرنة! كيف يمكن لشلة زعران من هذا النوع أن تقود العالم؟ كيف لا يعي العالم، كيف لا يعي عالمنا العربي، كيف لا يعي الفلسطينيون مدى سقوط هذا النوع من زعران العالم الأضعف زعرنة؟ وهم على الرغم من أنهم الأضعف تجدهم يستضعفوننا! أي مصاب إذن يعم العالم والعالم العربي والفلسطينيين! زعران من أضعف الزعران يتحكمون بمصائرنا، وهم اليوم سيربطونها بخطة مهزلة تدوم سنتين! سنتان فقط حول تحديد الحدود بين فلسطين وإسرائيل يجري فيها تبادل للأراضي، ومن يقول تبادل للأراضي يقول في الوقت ذاته تشريع للمستعمرات وأسرلتها! هذه الزعرنة بل هذه السفالة في السياسة لن تمشي علينا، لأن حل هذه المسألة ممكن حسب خطة أفنان القاسم في ساعتين، ولأن الخطة تعي ضعف الزعران، وتطالب الفلسطينيين أن يعوا أيضا هذا الضعف، ويقوموا بفعلهم المصيري، وذلك بالالتفاف حول الخطة، وفرضها بقوة من أجل حل شامل وكامل في وقت لن يتجاوز الأسابيع الثلاثة. والأنكى من كل شيء ما يوهمنا الإعلام به من ضغط على الأزعر الأصغر الفلسطيني ليقبل مثله مثل الأزعر الأصغر المصري بخطة البهدلة! وَلْكُمْ يا عمي هذا الشخص مثل أخيه لا يُضغط عليهما، هما ها هنا للأمر والتنفيذ، وهذه ما هي سوى مسألة زعران فيما بينهم... أما عنا، فنحن لا نريدهما هما وأربابهما معهما الأمريكان والإسرائيليين، ما نريده أن تناقش خطة أفنان القاسم، وأن تنفذ، أن ينسى الزعران أنفسهم من أجل شعوبهم، وهم إن لم يفعلوا أرغمناهم على ذلك، وفرضنا عليهم وجهة نظرنا.

نرغمهم كلهم على قبول خطة أفنان القاسم المشرفة برفعها رمحًا في وجوههم، فيا بشر الكتابة تحركوا قبل فوات الأوان، يا أمة اليأس انفضي عن كاهلك حراشف التهزيم، يا شعوب العرب افرضي نفسك في التذليل، فأنت لم تُهزمي يوما، ولم تُذلي، هم الزعران الأذلاء المهزومون.

ويا رؤوس الأموال في العالم العربي اتحدي مرة واحدة فقط في حياتك من أجل خدمة القضية ومَوّلي مؤتمر بال للأكاديميين من أجل تأسيس دولة فلسطين كما نريدها نحن، أو اعطينا دينًا ما يساعد على عقده بالفائدة التي تطلبيها.

على الأموات أن ينهضوا، وأن يتحركوا، لا نريد منهم أن يصرخوا، ولا أن يكتبوا عشرات المقالات التي هي عبارة عن مقالة واحدة سمجة في خدمة الزعران مباشرة أو غير مباشرة، نريد منهم أن يفعلوا، وفعل المقاومة الوحيد الممكن حاليًا: خطة سلام أفنان القاسم.





(21) الانتفاضة السلمية والمقاومة السلمية


يرى بعض الملاحظين السياسيين أن العام 2010 سيشهد حروبًا وزلازل وأحداثًا جسيمة فلسطين والعالم العربي والعالم الإسلامي محورها، وهم لا يرون فلسطينيًا أن عدم الإنهاء على حماس يخدم المخطط الإسرائيلي في عدم الوصول إلى حل، ولا يرون عربيًا أن عدم الإنهاء على حزب الله يكرس الأمر الواقع على الحدود الهادئة هدوء خلية خالية من نحلها، وعلى أي حال المقاومة بالنسبة لحزب الله ورقة لعبها ليكون طرفًا في السلطة، وهو الآن طرفًا من أطرافها، ولا يرون إسلاميًا أن عدم الإنهاء على إيران يخلخل موازين القوى ويضعف هذه القوى ليبقى الخليج وباب المندب وبحر الصومال وكل المحيط الهندي تحت سيطرة الأساطيل الغربية والغاية محاصرة الهند والصين بحرًا –دولتان عظميان منبثقتان- بعد أن تم حصارهما في أفغانستان برًا، وعلى أي حال قوة إيران النووية مستحيلة بشهادة من يعرف إيران أكثر من كل الناس، البرادعي. وشخصيًا أرى على عكس كل مدبجي المقالات المتشائمة منها والمتفائلة أن المقاومة يمكن أن تكون سلمية وفي نفس الوقت حاسمة، وأن الانتفاضة يمكن أن تكون سلمية وفي نفس الوقت فعالة، فالعنف على الطريقة الحماساوية لا يعني المقاومة، العنف على طريقة الإخوان المسلمين هو من أجل أسلمة المجتمع وتجذيره، وذلك للتسلط باسم الله والسيطرة، واللاعنف في السياق الفلسطيني يصبح الطريقة الوحيدة للخلاص من تسلط حماس وسيطرة فتح قبل الخلاص من المحتل الإسرائيلي لأن الانتفاضة السلمية هي انتفاضة أولاً وقبل كل شيء ضد ذوي القربى والتحرر من ربقتهم. يقول مارتن لوثر كنج: "اللاعنف سلاح قوي وعادل يقطع دون أن يجرح ويرفع الإنسان الذي في يده هذا السلاح إلى درجة النبل، إنه سيف يبرئ ويشفي".

المقاومة السلمية، الانتفاضة السلمية، وإن أردت اللاعنف فلسفة ووسيلة، يقاوم اللاعدالة، وماذا أكثر من الاحتلالين الفلسطيني والإسرائيلي ظلمًا وجورًا. وعندما يتبجح عباس قائلاً بهما دون إضرابات عامة كل يوم ومن كل نوع دون مظاهرات شعبية كل يوم ومن كل نوع ولقاءات وتجمعات وندوات وحوارات وعصيانات، ما يقوله ليس مقاومة سلمية ولا انتفاضة سلمية، ما يقوله مهادنة واستسلام.

المقاومة السلمية، الانتفاضة السلمية، وإن شئت اللاعنف فلسفة ووسيلة، يرهف حس الرأي العام أكثر بكثير مما يرهفه الطفل والحجر، من أجل الضغط على الخصم ليفاوض.

المقاومة السلمية، الانتفاضة السلمية، وإن شئت اللاعنف فلسفة ووسيلة، يمنع المحتل من ممارسة العنف على العزل من الناس لئلا يبدو في عين الرأي العام مخاتلاً وجبانًا.

المقاومة السلمية، الانتفاضة السلمية، وإن شئت اللاعنف فلسفة ووسيلة، تقوم عليه كل الديانات وكل الفلسفات وكل القيم الإنسانية، بينه وبيننا خطوة واحدة علينا اليوم الآن هذه الساعة واجب أن نقطعها.




(22) اخلعوا وجوهكم اخلعوا رؤوسكم...


كيف ننظر إلى آخر تصريحات ومواقف البيت الأبيض من القضية المحور القضية الفلسطينية؟ كيف نتعامل مع فريق من سياسيين ومنظرين يقولون عن أنفسهم أسياد العالم؟ كيف نحلل خطابهم السياسي من خلال العلاقات التي تربطهم بالعالم؟ هذه الأسئلة يمكن طرحها أيضًا على مستوى آخر يخص كل الأشكال اللغوية تحت شرط ربطها بقيم الواقع لا كما يقول جاكوبسون، فالواقع جوهر لغوي، وشأن ألسني. لهذا عندما يقول أوباما بأنه أخطأ في الحكم على قدرة الفلسطينيين والإسرائيليين في التوصل إلى سلام ما بينهم، ومنذ يومين في القاهرة كان واثقًا من قدرة كل الأطراف على تحقيق ذلك، اللغة هنا هي الحاكم وليس حاكم أمريكا، واللغة هنا هي الانعكاس للشرط السياسي، والشرط السياسي في نظام الإشارات هو الشيء الأساسي. وما تشي به اللغة المتقلبة بين ليلة وضحاها أخطر بكثير من الفعل الذي تعبر عنه، فهي تضعنا في قلب صورة حسية لشيزوفرينيا الخطاب، لفُصام لغوي ليس من الضرورة أن يكون فُصامًا لمريض، ولكن في أبعاده السياسية نميز الانطواء على النفس، وهذه هي الحال مع الأمريكان، والتحليق في عالم الخيال والوهم وعدم الاتساق بين المزاج والفكر، وهذه هي حال الإسرائيليين، والبلاهة المبكرة البلاهة الخُلقية والخِلقية، وهذه هي حال السعوديين والأردنيين والباقين من الحكام العرب. ولشيزوفرينيا الخطاب دلالات في غاية الخطورة عندما تذهب كلينتون مثلاً إلى حد التهديد بقطع المساعدات الأمريكية عن الفلسطينيين، فهم المحتلون لإسرائيل، وهم المعتدون، أو عندما يصرح نتنياهو أنه لن ولن ولن ولن، فهو صاحب الحق في كل شيء، أو عندما يردد عبد الله بن الحسين ما ليس هو نفسه به مقتنعًا عن الشراكة والمنافسة والتساوي بين الحظوظ، فهو يطل برأسه علينا من كوكب آخر، أو عندما يرفض عبد الله بن عبد العزيز ما تحاول أمريكا إملاءه عليه، وفي الوقت نفسه تصل البضائع الإسرائيلية إلى أسواق مكة والمدينة والطائف من دون جمارك، فهو يتقن دور النعامة تمام الإتقان.

خطة أفنان القاسم في أنظمة الإشارات لها لغة خاصة بها هذا صحيح ولكنها تشترك مع غيرها من لغات وتؤثر فيها لتصل إلى معاني عديدة يمكن تنفيذها لتعطي على الأرض:

1) سياسة واضحة للأمريكان ليست متقلبة أو متوقفة على الظرف ومشروطة بحقها وبالحق العام.
2) سياسة عقلانية للإسرائيليين ليست متعنتة أو متمنعة بظرف مؤقت اليوم هو في صالحها وغدًا في طالحها وإن طال الزمان.
3) سياسة واقعية للأردنيين والسعوديين (هم من نريد لتطبيق المرحلة الأولى من الاتحاد المشرقي) ليست متقوقعة أو متفرجة ورهينة بظرف هو غير ظرفها وشرط هو غير شرطها.

خطة أفنان القاسم هي خطة للخطاب السالم والفعل السالم، وهي خطة قادرة على جمع كل الأطراف من أجل تحقيق السلام، وإنهاء مشاكل فلسطين الفعلية، ومشاكل الأردن الفعلية، ومشاكل السعودية الفعلية، ومشاكل إسرائيل الفعلية، ومشاكل أمريكا الفعلية، وأبسط ما فيها مد يد العون للجميع من أجل خلع وجوههم وإن أمكن رؤوسهم: الطريقة الوحيدة لوضع حد لشيزوفرينيا الخطاب.





(23) يا عبد الله الثاني
هل أنت مقتنع بما تقول؟


في حوار له على هامش مؤتمر دافوس، صرح ملك الأردن عبد الله بن الحسين أن الحل هو حل الدولتين أو الدولة الواحدة، وهو يرمي هنا إلى الضغط على إسرائيل التي ترى في حل الدولة الواحدة تهديدا لهويتها ووجودها، بينما الضغط على حكام تل أبيب كان يمكن له أن يكون حاسمًا لو لوح عبد الله الثاني بمشروع الاتحاد المشرقي الذي اقترحته عليه، لأن الاتحاد قوة للعرب، وعن طريقه فقط وليس عن طريق أي شيء آخر (كقناعة إدارة أوباما بحل الدولتين مثلما يحاول البعض عبثًا إقناعنا) يمكن تحقيق الحل الأول، إنه دينمو التأسيس، وضمان للهويات كلها والكيانات، وما عدا ذلك كل شيء وهم بوهم وخيال خيمري وفكرة كاذبة، وملك الأردن يعرف تمام المعرفة أن حل الدولتين في الظرف الراهن لا يمكن أن يتحقق إلا في رؤوس الذين ما زالوا يعولون على ذلك. وبعد سنوات من الترداد والتردد المملين واللف والدوران المتعبين وإدارة الأزمة بل الأزمات التي عاثت بالأردن ولم تزل، أتساءل إذا ما كان عبد الله الثاني مقتنعًا بما يقول أم أنه يراهن على معجزة تأتي من البيت الأبيض، وحتى هذه المعجزة التي هي سياسية هو لا يؤمن بها، فيعول على معجزة الخطاب، وهذا ما حصل في دافوس. ولكن لمعجزة الخطاب اليوم أثرًا محدودًا وغير فاعل لأنها للخصم ليست بذي بال بل هي تصب في صالحه. لماذا إذن لم يهدد الإسرائيليين والأمريكيين بخطتي للسلام الطريقة الوحيدة التي يجبرهم فيها على المجيء إلى طاولة المفاوضات وبشروط واضحة للتفاوض فكلا الطرفين تجمعهما مصالح واحدة ولا علاقة البتة بلوبي أو بتعنت ولا بصلافة أو بصفاقة؟ لماذا لم يطرح فكرة الاتحاد المشرقي الذي هو في صلب الخطة شرطا للتوصل إلى حل؟ لماذا لم يحطم مئات الآلاف من الأواني المستطرقة لخطاب قديم اهترأ وتعفن لكثرة ما اجتر؟ لماذا على الأقل لم يشر إلى خطتي كما أشار إليها ثاباتيرو -الذي قرأها- حين لقائه به عندما ربط حل الدولتين بكل دول المنطقة؟

الحقيقة أن ملك الأردن لم يتخلص من تركة أبيه في سياسته الخارجية وفي سياسته الداخلية، ولم يثبت جدارته كملك جديد برؤية جديدة وكملك حر ببطانة حرة، لقد قيد نفسه بكل ما أملته على الأردن وشعب الأردن اتفاقية وادي عربة، وقبل ذلك بالتبعية الغير المشروطة للسياسة الأمريكية، لهذا بقيت للملك الجديد رؤية الملك القديم، وكأن الحسين بن طلال، وهو في جَدَثِهِ، هو الحاكم الحقيقي. ولقد قيد نفسه بكل من نزل بالأردن إلى الحضيض الأسفل، بلصوصه من أبناء العائلات والعشائر، الذين كنت أدعوهم على مسمع الملك حسين برجال البساط لا البلاط، فبالله عليك أن تقول لي هذا الرفاعي الذي هو رئيس وزراء الأردن ما الذي أهله لهذا المنصب غير قرابته بواحد آخر بعيد دمر الأردن في عهده اسمه سمير الرفاعي؟ حتى ولو كان من خريج هارفارد وأوكسفورد والسوربون معا مجرد أن ينتسب إلى هذه العائلة شيء يجعلنا نشك في أمره ولا نثق بقدراته، وقس على هذا أبناء أبي الراغب وأبناء المصري وأبناء المجالي وأبناء التلهوني وأبناء اللوزي وأبناء سيدي المجترحي فكلهم أمخاخ وعباقرة، كل هؤلاء هم هنا ليس من أجل "الخصخصة"، كلمة عزيزة على عبد الله الثاني، ولكن الخسخسة في السياسة، والقصقصة في الاقتصاد، لهذا السبب الأردن من أفقر بلدان العالم، وعشر سنوات الحكم الأخيرة من أسوأ سني هذا البلد الذي لست أدري كيف لم يزل صامدًا وواقفًا على قدميه لولا صلابة بنيه وتضحيتهم.

وقس على ذلك الادعاء الجريء الآخر، الأردن الديمقراطي! الأردن الذي تحكمه القرارات المؤقتة أو أنصاف القرارات لن يمكنه أبدًا أن يكون ديمقراطيًا، الأردن الذي صحافته تقيء كل يوم عشرات المقالات التي تمتدح أو التي لا تمتدح ولكن من جوه الامتداح لن يمكنه أبدًا أن يكون ديمقراطيًا، الأردن الذي ينتظر الموقف الرسمي من خطتي لتكتب صحافته عنها ولا يجرؤ أحد على قول كلمة فيها سلبًا أم إيجابًا لن يمكنه أبدًا أن يكون ديمقراطيًا. الأردن الديمقراطي نعم يوم يصبح الاتحاد المشرقي الذي أقترحه حريته الحقيقية واقتصاده الحقيقي ورجال بلاطه الحقيقيين كما يجري في المملكة البريطانية والمملكة الإسبانية والمملكة السويدية، وليس لأن ابن عمي كان وزيرًا أرثه أو ابن خالي كان أميرًا أحلم بالتاج على رأسي كمن يحلم غيري بالعصا على قفاه.






(24) قوى العقل في إسرائيل
والعالم العربي


كيف نفهم قوى العقل في العالم العربي؟ هل نفهمها على أساس انتمائها لديكارت أم على أساس كونها ممارسة وفعلاً وتأثيرًا في الحدث؟ نظريًا آه ما أشطرها وعمليًا لا شيء أو أنها رفل من أرفال القوى الغيبية، فمن يترك القوى الظلامية تجول وتصول بلا رادع هو بشكل من الأشكال ذيل ثوب تجره من ورائها، ومن يرى الحلول من زاوية أن لا حل هناك تحت ادعاء الموضوعية التاريخية أو التاريخية الواقعية يسعى بإرادته إلى تكريس تلك القوى النقيضة القوى الغيبية، ويعمل على إدخال العقل معها في قمقم الميتافيزيقيا، فتصبح الأنظمة العربية أنظمة لا يمكن المساس بها، والاقتصاد العربي قيمة فائضة من قيم الرأسمال الغربي، وإسرائيل نجمة من ملايين النجمات التي مصيرها إلى الزوال مصير غيرها كما يقول علماء الفلك، متى وكيف؟ حتى بعد مليون سنة سيكون حتمًا زوالها، تجيب قوى العقل العربية. أنا لا أنتمي إلى هذه القوى، ولا أنتمي إلى هذا العقل، أنا لا أنتمي إلى دغل العلم الغيبي، لأني أرى في الواقع رؤية المتبصر لا الضرير، وأجد للصراع السياسي مع إسرائيل أفضل الحلول لا أسوأها، أرى أن إسرائيل اليوم تفرض نفسها عليّ بوجودها وغدا فأتعامل مع فرضها لنفسها عليّ اليوم وغدا أما بعد غد فهذا ليس من شأني، هنا يمكنني القول إن هذا لمن شأن الواقع التاريخي الآتي لأن حتى إسرائيل نفسها لا تعرف ما سيكون مصيرها مثلما لا أحد يعرف ما سيكون مصيره. اليوم تفرض كل الشروط الموضوعية على فلسطين وإسرائيل والعالم العربي التعامل مع ظروف الجميع الموضوعية بما تمليه هذه الظروف على الجميع، وعند مقاربة العقل لهذه الظروف يرى أن إسرائيل تقضي على غيرها وتقضي على نفسها، إسرائيل اليوم هي شمشون عصرنا شاءت ذلك أم أبت، القوة التي لها ليست الحل، والدسيسة ليست الطريقة، وسياسة الخطط والمخططات سياسة الضعيف والخرع والفاقد للبوصلة، لقد فَهِمَتْ هذا من عندهم بعض قوى العقل أمثال أبراهام بورغ وإيلان بابيه ويوسي سريد وغيرهم، ولا أحد من عندنا –نسيبة وعبد ربه وعباس يمثلون في التحليل السياسي والألسني قوى العقل الرثة وأعلام براز الوعي ومطايا التسليم والاستسلام- فطالبوا بإسرائيل جديدة لا بإسرائيل توراتية غيبية وغبية غيبت الإنسان إنسانهم وإنساننا، وجعلت منها مختبرًا تجريبيًا لهتلرية استيطانية تتعدى المستوطنات في الأراضي الفلسطينية إلى استيطان الإسرائيلي نفسه لنفسه وهذه أعظم كارثة بأنفسهم من كارثتنا بهم.

لنأخذ نقطة نقطة من خطتي للسلام ولنر كيف تصل ليس إلى حلول فهي جاءت من أجل الحلول ولكن إلى الحيلولة دون كوارث ستلحق بإسرائيل أول ما تلحق إذا لم تعمل بها وليس بفلسطين فقط ودول المنطقة:

عدم فتح الحدود على بعضها كالاتحاد الأوروبي حدود 4 حزيران 67 أو حدود اليوم سيؤدي ذلك إلى انكفاء على الذات وتراجع قومي إن لم يكن تقهقرًا جوهريًا في بنية المجتمع والزمن اليوم وخاصة غدًا زمن إزالة الحدود نهائيًا فهو شرط الحياة لدول تريد أن تحيا –غربًا وشرقًا وخاصة شرقًا- لمواجهة الانحسار والجمود والركود، لمواجهة الانهيار كما حصل في الغرب في الشهور القريبة الماضية، وعلى الخصوص إسرائيل التي لا تنتمي بخصوصياتها إلى هذا الشرق، وستتحول هذه الخصوصيات في حال عدم فتح الحدود بل وإزالتها نهائيا إلى كارثة حقيقية لها.

عدم تعريب القدس الشرقية –المقصود هنا تهويدها- وعدم الاعتراف بها عاصمة لفلسطين –المقصود هنا القدس الموحدة- سيؤديان إلى انهيار لاهوتي للمدينة لأن وجودها يعتمد أول ما يعتمد على التوازن بين السلطات الدينية الثلاث والوجود السياسي بالتالي على سلطات ثلاثية فلسطينية إسرائيلية ودُوَلِية، الدولية هي أقرب إلى السلطة المعنوية، وإذا ما تم تهويد كل القدس الشرقية أقول كلها ما عدا الأماكن الإسلامية المقدسة، القدس الشرقية تبقى قدسًا شرقية للفلسطينيين، وبقاء هذه الأماكن المقدسة تحت السلطة الدينية الفلسطينية يبقى إلى الأبد تهديدًا لعاصمة إسرائيل الأبدية كما يشاع، واشتعال لهب انتفاضة فلسطينية عربية إسلامية هذه المرة حتى من متر مربع لم يتم تهويده ممكن في أية لحظة، أضف إلى ذلك أن الفاتيكان سوف يفرض حضوره الديني والسياسي، وتكون حربًا صليبية ولكن بشكل آخر وبتحالفات أخرى يكون فيها المسيحيون والمسلمون في خندق واحد معا ضد الإسرائيليين –لا أريد أن أقول ضد اليهود لأن اليهود في العالم لن يقفوا إلى جانب من صهينوا دينهم وهم على كل حال ليسوا كلهم متدينين-.

عدم عودة لاجئي 48 إلى ديارهم لن يحل المسألة الفلسطينية-الإسرائيلية إلى الأبد وكل وجود إسرائيل يتوقف على هذا الحق الجوهري والحياتي للشعب الفلسطيني، وخطتي للسلام قلبت هذا الأمر على قفاه لتصل إلى حل يرضي الطرفين، فقالت بحق العودة دون حق المواطنة تحت شروط التعويض المغري، وضمنيًا هذا الحق كما هو عليه لسائر شعوب الاتحاد الأوروبي مرتبط بالعمل ككل من يعمل في إسرائيل من كل الجنسيات. عدم الإقرار بحق العودة يعني عدم الإقرار بحق إسرائيل في الوجود لأن وجودها متوقف على عودة اللاجئين وليس العكس كما يدعي المتطرفون وشاربو ويسكي التوراة ومنظرو الأضرحة الصهيونية.

عدم حل المستوطنات والمستوطنين وحقهم اللاهوتي المجنون على أساس الحل الذي قدمته لعودة لاجئي 48 بمعنى أن يكون لهم حق الإقامة تحت السلطة الفلسطينية دون حق المواطنة لن يصل بالجميع فلسطينيين وإسرائيليين إلى قناعة سياسية –لأن القناعة السياسية شيء والقناعة الميثية شيء آخر وهي الأساسي في السياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي- أن كل فلسطين التاريخية لكل الإسرائيليين ولكل الفلسطينيين. دون الاعتراف بحق الكل على الكل لن يكون اعتراف بإسرائيل. تبادل الأراضي لعبة سياسية سافلة لن تحل هذه المسألة أبدًا.

والضامن لهذه الحلول كلها والدينمو والامتداد الأفقي على كل المستويات الاقتصادية أولها هو الاتحاد المشرقي، به تنهض جميع شعوب المنطقة وتدخل في المستقبل، تصنع مستقبلها، فلا مستقبل لإسرائيل دونها، بقوتها وعلمها وتطورها وكله لا مستقبل لها دون الرفع من شأن شعوب المنطقة وليس إذلالها، ودون العمل معها عمل الفرنسيين والألمان بعد أن رموا بإرث الحرب من ورائهم، وحققوا ما لا يمكن للواحد أو الآخر تحقيقه. في الاتحاد المشرقي التكافلات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية للجميع وخاصة الاقتصادية وكل المؤشرات الموضوعية تشير إلى الضعف التدريجي للإمبراطورية الأمريكية، حليفة كهذه يجب التفكير جديًا بالاستقلال عنها، والترقيع السياسي التصفوي للقضية الفلسطينية عن طريق حل يرمي إلى استحداث دولة فلسطينية في صحراء سيناء هو جزء أيضًا من لعبة سياسية سافلة، لأننا باستطاعتنا في ظروف الاتحاد المشرقي الطبيعية أن نعمل من غزة سنغافورة جديدة تعود بالفائدة على الجميع.





(25) فن إدارة الوقت الضائع
في عالم عربي ضائع


في عالم ضائع كالعالم العربي ليست هناك سوى إمكانية واحدة لقيادته ألا وهي التصرف بوقته ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم وعاما بعد عام وهذا ما أدعوه بسياسة الإرجاء، ولهذه السياسة سلطة زمنية هي السلطة العالمية التي هي السلطة الأمريكية، والتي تعمل بدقة متناهية حسب مصالحها الجوهرية، ما عدا ذلك كلام في كلام، عنجهية الحكام الإسرائيليين أو انبطاح الحكام الفلسطينيين أو بضاضة الحكام العرب، لأن كل شيء مرسوم في مراكز القرارات الأمريكية سلفًا لسنين طويلة قادمة، والذي يبقى كيف يدار وقت العالم العربي الضائع، ولإدارته بالطبع فن يحذق فيه العقل الأمريكي أكثر ما يحذق، لأنه ذو خبرة أكثر من غيره في الهيمنة والقمع والاستغلال، ولأنه –حتى في أكثر الأوضاع لامعقولية وعبثية- ذو إدراك مذهبه أن الكليات عبارة عن تركيبات من صنع العقل، بمعنى أن العقل قادر على الإبداع أو عدمه على العدل أو عدمه على المنطق أو عدمه، و"تعديم" المنطق والعدل والإبداع عن طريق العقل هو من الخطورة الشيء الكثير والذي يؤدي إلى فقدان العقل وانعدام التوازن والطفو على سطح الأشياء، وهذا ما يجري اليوم مع الإدارة الأمريكية التي لسلطتها الزمنية سيطرة صارمة على كل مظاهر الأمم وطاقاتها المنتجة، دون أن تبدو مع هذا كنظام كلياني كما كان النظام السوفياتي، ولا كمحتل لاأخلاقي كما هو المحتل الإسرائيلي، وللعقل "الشرير" آلية العقل "الخيّر" لكن ما يفصل بينهما ويرجح كفة الأول على الثاني هو امتداده العملي المتمثل بزبانيته وأبواقه وعملائه، وهم في الحالة العربية-الإسرائيلية معروفون كلهم، ولا فرق هنا بين نتنياهو وعباس ومشايخ الخليج مثلا، لكل منهم دوره المتكافل، ولكن الأهم في مسرح العبث هذا أولئك الذين يعتبرون أنفسهم واقفين في الوجه المقابل الوجه المضاد للعقل الأمريكي من أساتذة جامعات وكتاب وناشطين من كل نوع وصحافيين وغيرهم من بائعي الطعمية الوطنية وساندويتشات أحلام التحرر والانعتاق، لأن لخطابهم كلهم أثرا معاكسا لما يروجون، وهم يكرسون دون أن يشاؤوا كل آفات الذين يظنون محاربتهم، ويبررون دون أن يشاؤوا كل أفعال الذين يظنون فضحهم.


تحت سلطة هذا الزمن الضائع، يعرف أذيال أوسلو جيدًا أن ما توصلوا إليه هو كل ما توصلوا إليه وكل ما يمكنهم التوصل إليه لهذا أن تسمى المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة يبقى الأمر في إطار التسميات والفذلكات اللفظية فقط لا غير، فالمفاوضات كانت من قبل مباشرة، ولم تؤد إلا إلى ما أدت إليه، ولن تؤدي إلى أكثر مما أدت إليه، ويعرف ضباع الإسرائيليين أن المفاوضات كانت وستبقى من داخل المنطق السائد للعقل الأمريكي وآليته: لوبي ويهودية وماسونية وصهيونية واختراق وتغلغل وبيت أبيض وبيت أسود وبنتاغون وسي آي إيه وهم من وراء 11 سبتمبر 2001 وهم من أمام وهم وهم وهم وكل هذا التهويل يخدم مصالح البيت الأبيض تارة بإلقاء التبعية على الغير من أجل تبرير ما لا يمكن تبريره وتارة من أجل لجم الابن العاق عندما يتجاوز الخطوط المرسومة له، وهذا ما حصل مع نتنياهو لما صاح عليه أوباما صياحًا أعلى بقليل من المعتاد وذكره بما عليه من شروط إلزامية –أن يلتزم بها أم لا هذا شيء آخر ودائمًا من خلال آلية العقل الأمريكي الحاكم-.


للخروج من مأزق الزمن الضائع ليس للعقل "الخيّر" حاجة إلى بروست فلسطيني، هذا العقل استطاع أن يتحرك يهوديًا في بروكسل، وأن يسجل بعض النقاط الإيجابية والهامة ضد السلطة الزمنية في إسرائيل وبالتالي ضد السلطة العالمية التي هي السلطة الأمريكية، ولا يسعني سوى أن أحيي مثل هذه المبادرة التي ليس أبدًا كل أعضائها صهاينة كما يدعي البعض، ومن بينهم المؤيد الذي لا يلين للشعب الفلسطيني وقضيته ودولته، وأنا هنا لا أتوقع من هذا العقل ما أتوقعه من عقلنا، ولا أطالب هذا العقل بما أطالب عقلنا، ولكن الحد الأدنى منه يكفيني، والحد الأدنى في الاتجاه الإسرائيلي هو حد أقصى ارتعدت له فرائص حكام إسرائيل، وأنا يا من قدم للعقل الفلسطيني العربي خطة يجب القتال من أجل تنفيذها لأنها خطة استرداد كل الحقوق الفلسطينية كاملة لم يتحرك هذا العقل حولها ومن أجلها، لأنه في واقع الأمر ليس موجودا أو هو مصادر مصادرة المال العربي والكيان العربي والجوهر العربي، فهل يتحدى هذا العقل السلطة الزمنية العربية، وبالتالي السلطة الزمنية الأمريكية، وهل يقوى على القيام بالمهمة التي ألقيها على عاتقه من أجل الانعتاق، مهمة السلم المقاوم، والذهاب بنا من سياسة الإرجاء إلى سياسة الإنجاز؟







(26) شومسكي المخيب للآمال


لم أتوقع أن أسمع من عالم كوني كشومسكي أحدث طفرة توليدية في علم اللسانيات أن يكون على مثل هذه السذاجة السياسية عندما قدم لنا وجهة نظره فيما يخص الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وجهة نظر لا تختلف عما نسمعه كل يوم من شطط الفكر السائد، وما يروجه كل يوم أزلام الإعلام الرسمي، وكأنهم كانوا على اتفاق مع شومسكي في حبك المهزلة، وذلك منذ البداية، فالبداية الحقيقية كانت بعد "الفيديو كونفرنس" وليس بعد منعه من الذهاب إلى جامعة بير زيت، عندما قدموه كمفكر يهودي أمريكي يساري – شوفوا واحد يهودي يتكلم ضد اليهود! - فوجهوا إليه ضربة موجعة أكثر من ضربة شرطة مطار بن غوريون، لأن ما يهمنا هو المفكر وليس أصله وفصله ومن يكون، ولأن هناك من اليهود والهنود المؤيدين للقضية الفلسطينية الملايين، وليس منهم واحد مفكر بحجم شومسكي، وكذلك لأن هناك من اليسار – إذا بقي لهذا المصطلح في وقتنا الحاضر معنى - الكثير ممن يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم، وليس منهم واحد على يسار شومسكي. ومن تقديمه بهذا الشكل الهزلي، يخدم أقلام الإعلام العربي الرسمي إسرائيل أول من يخدمون، فهي نجحت في ترجيح كفة هوية شومسكي اليهودية قبل أن تكون له هوية أخرى أمريكية أو علمية أو أكاديمية أو غيره على الرغم من كل الخلاف القائم بينهما، حتى إن هذا الخلاف لم يعد ذات أهمية، بل على العكس طَرْحُ هذا الخلاف بالشكل الذي طرحه شومسكي يؤكد قوتها وقدرتها على تنفيذ السياسة التي تختارها والتي هي في مصلحتها، ليبدو منع شومسكي من التحاور مع طلاب جامعة بير زيت منعا ليس دون أفكار مسبقة، فهو تحاور معهم على أي حال، ولكن بالضجة التي أُريد لها أن تكون طنانة، وترديد ما يعرفه الكل على لسان فطحل من فطاحل الكون هو تأكيد، وبالتأكيد يجري خلط الأوراق التي تسعى إسرائيل إلى خلطها أكثر، ليستمر التدويخ، وهذا هو الهدف: أن يستمر تدويخ المثقف العربي والشارع العربي والإنسان العربي.

حين حديثه عن لوبي يهودي وكارتيلات ورؤوس أموال وبورصات، لم يفهم شومسكي أنها من مركِّبات النظام الرأسمالي الأمريكي المهيمن، وأنها في تنافس دائم ما بينها في سبيل مصالحها التي أهمها الربح، وأن من بين أساطين هذه المركِّبات هناك اليهودي وغير اليهودي خاصة ما يسمى باللوبي اليهودي الذي فيه العديد من أرباب المال والنفوذ المسيحيين والملحدين، وحتى أنا لو كنت جزءا من هذا النظام لرأيت أين هي مصالحي – يهودي أم غير يهودي هذا ليس مهمًا – وفي أمريكا الكثير من الأثرياء الفلسطينيين الذين يُحْسَبون على هذه المركِّبة أو تلك. أضف إلى ذلك، وهو أهم ما يفسر الدعم الأمريكي لإسرائيل، أن إسرائيل ورقة ضغط سياسية لتمرير المشاريع العملاقة لهذه الكارتيلات وباقي المركِّبات، وليس كما يتوهم البعض أنها هي ورقة ضغط لإسرائيل، الضغط بها لمنفعة هذه التجمعات الاقتصادية العملاقة، وبالمعية لمنفعة إسرائيل، البقشيش الذي من الواجب دفعه.

في الظروف الحالية لا يمكن أبدًا لفلسطين وللدول العربية أن تتحول في أعاصير الاقتصاد العالمي إلى ورقة ضغط سياسية كما هي إسرائيل، فشومسكي بسذاجة بائعي السنام قبل الجمل، يتحدث عن طيبة الأنظمة العربية في تعاملها مع أمريكا إذ لها حَسْبَهُ عقلية من يعطي دون مقابل، وهو يتمنى عليها وعلى الدول الإسلامية التشدد في موقفها أو على الأقل استغلال النفط سلاحًا مزدوجًا اقتصاديًا وتنمويًا، هكذا وكأن الأمر يمكن حله بالتمني بينما هو أعقد بكثير، أولاً وثانيًا وثالثًا لأن الأنظمة العربية والإسلامية – بما فيها إيران وكوميديا مفعولها النووي – أنظمة فرعية للنظام الرأسمالي القمعي المهيمن، ومن قال له إنها تعطي دون مقابل، إنها تعطي مقابل بقائها ووجودها بل خلودها، وشومسكي معلمي ومعلم الكل في البنيوية يعرف أن الفرد بنية فكرية أي أنه ينتمي إلى تصورات فكرية، فأنا لست أفنان القاسم كما ليس هو نوعام شومسكي وإنما نحن البنية الفكرية التي ننتمي إليها، والشيء نفسه في الاقتصاد، ليس هذا نظامًا سعوديًا أو ذاك نظامًا هنديًا وإنما البنية الاقتصادية التي ينتمي إليها النظامان، وهي في السياق الذي نعالجه البنية التي تنتمي إليها أمريكا وإسرائيل، فكيف يريد شومسكي أن تواجه دول تنتمي إلى بنية واحدة أنفسها، لأن مواجهتها لأمريكا ولإسرائيل يعتبر مواجهة لها؟

أما ما جعلني أضحك ضحك اللقالق كلام شومسكي عن بوش الأب الذي صمد أمام واحد متطرف كنتنياهو اسمه شامير عندما طلب قرضًا بعشرة مليارات دولار مقابل ذهابه إلى مدريد، وقال، بوش الأب رفض ذلك كرجل، شيء لم يفعله رئيس أمريكي من قبل (!)، بينما ينسى شومسكي أن هذا الجلاد مجرم الحرب بوش الأب – شومسكي لا يعي سوء مغبة هذا الكلام في تبييض أوراق هذا المجرم - كان قد خرج من حرب الخليج منتصرًا والمنتصر يملي أوامره على العالم أجمع بما في ذلك إسرائيل التي لم يعد بحاجة إليها فيما يدعى بالسهر على أمن ومصالح أمريكا، أضف إلى ذلك أن ما نعانيه اليوم كل ما نعانيه اليوم بسبب مؤتمر مدريد، وذهاب الإسرائيليين إليه ليس لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولكن لأنهم يعرفون ما كانت أمريكا ترسمه لهم ولدول كل المنطقة تحت نعلها العسكري والاقتصادي.




(27) رسالة إلى رجل أعمال صيني
ظلت دون جواب


الأخ أبو ياسين دام سالمًا... أنا الدكتور أفنان القاسم دكتور سابق في جامعة السوربون ومعروف كمفكر وأديب في العالم العربي والعالم، بعد فشل كل محاولات السلام في الشرق الأوسط، اقترحت خطة سلام نُشرت في باريس بالفرنسية، وتُرجمت إلى العربية بعض فصول منها، تُنهي الصراع بعد قيام اتحاد مشرقي يضم فلسطين والأردن وإسرائيل والسعودية، في الوقت الذي يعلن فيه قيام دولة فلسطين، وهو اتحاد مفتوح لكل دول المنطقة، وللدول العظمى كالصين إذا شاءت الانضمام إلى أحد فضاءاته، الاقتصادية أو الثقافية أو التجارية أو غيرها، هذا وقد حيا الخطة الرئيس الفرنسي ساركوزي والمستشارة الألمانية ميركل، والعديد من سفراء ووزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، وكذلك وزير خارجية كندا، وهي موجودة في كل مكان على الشبكة العنكبوتية، ولكي نفرض الخطة على الجميع، سيذهب الأكاديميون في الوطن العربي والعالم في مؤتمر إلى مدينة بال السويسرية كنت قد كتبت عنه للرئيس الصيني هو جينتاو من أجل تمويله، لكنه إلى الآن لم يجبني، بينما الأمر جد مستعجل، والمؤتمر سيفتح للصين باب الشرق واسعًا، وستحل محل الاتحاد السوفياتي سابقًا، بحيث تعود الأمور إلى يدي قطبين عالميين يعيدان التوازن من أجل حل حقيقي هذه المرة بالفعل... لهذا أتوجه إليك أخ أبو ياسين طالبًا من جمعيتكم الموقرة أن تمول مؤتمر بال للأكاديميين، وأنتم عن طريق هذا المؤتمر ستنشرون اسمكم وتؤكدون مصداقيتكم وتفوزون تجاريًا واقتصاديًا، بالطبع الأكاديميون الصينيون وكبار مثقفيهم ورجال أعمالهم سيكونون من بين أوائل المدعوين، وسيساهمون في اللجان التي ستبثق عن المؤتمر وتفاوض أمريكا وإسرائيل، إنها المناسبة المثلى لتأكيد وجودنا ووجود الصينيين كدولة عظمى إلى جانبنا.

أتمنى أن يكون جوابك إيجابيًا وأنا على استعداد للإجابة على كل أسئلتك.

دمت أخًا وصديقًا

دكتور أفنان القاسم / باريس

* مع الصينيين عليك أن تنتظر إلى الأبد فهمهم الوحيد أن يبدلوا الهيمنة الأمريكية بهيمنتهم وأن تبقى كل الأمور على ما هي عليه.






حوارات





حوار مع المفكر الفلسطيني الدكتور أفنان القاسم حول خطته لإقامة دولة فلسطينية
حاورته : د. ميرا جميل

* كنت الوحيد الذي قال إن خطة الطريق غير ممكن تطبيقها * يرافق مشروع خطتي مشروع مؤتمر الأكاديميين والمثقفين عرب ويهود ومن مختلف الشعوب يعقد في بال * نوعم شومسكي شارك معي في كتابة الخطة دون أن يشارك عندما اعتمدت في كتابتها على طريقته التوليدية في التحليل * من النادر الوقوع على خطة مثل خطتي تسائل المعطيات والتوقعات في التجريد وتسأل عن الكامن من إشاراتها * التطور في الدولة الموحدة سيكون تطورًا للجميع وإسرائيل الكاسب الأول من هذا التطور لأنه سيدخلها عالمنا العربي من أوسع باب * بفضل دولة الاتحاد ستعود للفلسطينيين كل الحقوق التي عجزوا إلى اليوم عن الحصول عليها * خطتي فيها نقلة نوعية ثقافية بطرح حق الإقامة مقابل حق العودة وفي ذلك حل لحق العودة وهو حق العودة دون مواطنة *

طرح الدكتور أفنان القاسم خطة شخصية لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وتأسيس دولة فلسطينية. تتميز الخطة برؤية جديدة عن سائر الخطط السلامية الشبيهة والتي طرحتها مجموعات أخرى تلقت دعمًا في نشاطها، مثل اتفاق جنيف بين ياسر عبد ربه ويوسي بيلين، ومشروع سري نسيبة عامي ايالون، بينما أفنان قام مقاتلاً وحيدًا معتمدًا على تفكيره الموضوعي بتقديم مشروعه السلمي. وقد التقيته في مكتبه في باريس، وكان هذا الحوار:

سؤال – تقول في المقدمة إن خطتك جاهزة منذ العام 2002 وأرسلتها لشخصيات سياسية أجنبية، وسؤالي لماذا لم تنشرها في الصحافة العربية على الأقل؟
أفنان: لأنهم كانوا كلهم يعولون على خارطة الطريق، وكنت الوحيد الذي يقول في عدم إمكانية تطبيقها، وخفت أن أكون الوحيد الذي يقترح خطة لا يهتم بها أحد إعلاميًا خاصة بعد أن تجاهلتها كل الصحف الكبرى الفرنسية، اليوم كل شيء قابع في طريق مسدود، اليوم يوم خطتي، فبعد فشل كل المحاولات السابقة تتربع خطتي في كل مكان على الشبكة العنكبوتية، وهي على الأفواه عندنا وعند الإسرائيليين، اليوم هو زمنها، وكل شيء اليوم يلعب في صالحها، تعنت الحكومة الإسرائيلية لأنه لم تكن أبدًا هناك خطة تجيب على أسباب هذا التعنت، وضعف المفاوض الفلسطيني لأنه لغاية الآن لم ينجح في صياغة مشروع يستجيب لمطامح وآمال الشعب الفلسطيني.
سؤال – ولكن ألم يكن نشرها رغم كل شيء في الصحافة العربية وتوزيعها على أوساط أكاديمية يهودية سيخلقان قوة دفع لأخذ مقترحاتك، وربما دمجها في الخطط المختلفة التي طرحت خلال السنوات التي تلت طرحك للخطة؟
أفنان: حتى دمجها لم يكن هناك استعداد لدمجها، ولم يكن "للدامجين" الرؤية نفسها التي كانت لي، وعلى الخصوص إمكانيات هؤلاء بعد أوسلو قد حُددت أو استُهلكت ولم تعد لهم الطاقة السياسية الضرورية التي رافدها جماهيري دومًا بعد أن انفك الناس من حولهم، والأوساط الأكاديمية اليهودية لم تكن مهيأة لقطع البحر الأحمر معي بعصا خطتي، وهي إلى اليوم ليست مهيأة، لهذا يرافق مشروع خطتي مشروع مؤتمر الأكاديميين والمثقفين من عندنا وعندهم وعبر العالم. هذا المؤتمر، الذي سينعقد في بال إذا ما جرت الأمور كما أريد، هو الأداة التي ستنفذ الخطة، وفقط عن هذه الطريق سيكون التفاف يهودي وعربي وغربي حولها.
سؤال – المفكر الإنساني اليهودي، نوعم شومسكي، وصف خطتك بأنها أهم إسهام في ميدان السياسة العملية للقرن الحادي والعشرين، الم يكن من المحبذ أن تشتركا في صياغة الخطة، فقط من منطلق مشاركة يهودية عربية في إعداد الخطة، أسوة بالخطط الأخرى... ولما لنوعم شومسكي من قيمة وتأثير على الأوساط الأكاديمية والثقافية والسياسية العقلانية خاصة في المجتمع اليهودي في إسرائيل، وفي العالم كله بشكل عام؟
أفنان: شومسكي شارك معي في كتابة الخطة دون أن يشارك عندما اعتمدت في كتابتها على طريقته التوليدية في التحليل، ونظريته البنيوية وقواعد تحول البنى السطحية إلى بنى عميقة وهذه بدورها إلى بنى سطحية عنده في لغة أخرى وعندي في قضية أخرى، ولأن تشكل قضية ما كتشكل الجملة، يجب أن نحلل عناصرها عنصرًا عنصرًا من أجل الوصول إلى فهم بنائها، لهذا السبب وبفضل الميتودولوجيا الفريدة لهذا العلامة لم أعمل خطة سلام يعملها سائح أمريكي... الأمريكان المكلفون بحل المسألة الإسرائيلية-الفلسطينية كلهم سياح لا علاقة لهم بهمومنا كما نراها نحن وكما نعيشها نحن، وهم لا يملكون المعارف اللغوية الإضافية والعرقية الإضافية والتاريخية الإضافية، المعارف الزائدة المفسرة التي تتعلق بالموضوع المعالج، والتي تؤهلهم لفهمه، وبرأيي أهمها عندما نريد أن نسطر خطة تتوقف عليها مصائر شعوب بأكملها ما يدعى بإمكانيات فعل تعدد معاني لغة ما وغموضها، وتعدد جذور عرق ما، وتعدد تأويلات تاريخ ما. المشاركة اليهودية ليست معيارًا لنجاح خطة كونية التصور لا وليست شرطًا، الآن على كل الأوساط يهودية وعربية وغربية أن تلتف حول الخطة من أجل نقلها إلى أرض الواقع، شومسكي وغيره من أساطين الفكر في العالم أولهم.
سؤال – أنت قلق في خطتك على الأماني التي تداعب خيال الشعبين، وتحاول أن تجد الخط المشترك الذي تتوقع أن يجمع بين جوهر ما يحلم به الشعبان المتصارعان على أرض فلسطين. هل تعتقد أن طرحك الإنساني قابل للتحول إلى مشروع سياسي مجند وقابل للتنفيذ، أو سيجري التعامل معه كفكر طوباوي، حلم جميل غير قابل للتنفيذ على أرض الواقع؟
أفنان: كل فكرة عظيمة يقال عنها طوباوية، وغالبا ما تؤثر الأفكار الطوباوية في الشروط الموضوعية وتتأثر بها، اسألي ديكارت يقول لك هذا، فهي إذن حقل مفتوح دوما للتطبيق، خاصة وأن العامل الزمني يخدم في مصلحتها، وكذلك العامل الذاتي، فلسطينيًا نحن في هذه اللحظة من عمر القضية في الحضيض، وإسرائيليًا هم في سراب تلمودي ووهم القوي الذي وصل إلى أقصى ما يصل إليه والذي لا بد من انهياره ذات يوم وسقوطه هو أيضًا في الحضيض، هذا هو حاضرنا المزري، وهذا هو مستقبلهم المزري، والحال هذه، خطتي التي يمكن أن يعتبرها البعض طوباوية لهي بالأحرى تنبؤية، ومن النادر الوقوع على خطة مثلها تسائل المعطيات والتوقعات في التجريد وتسأل عن الكامن من إشاراتها، وحكام إسرائيل ليسوا أغبياء كيلا يفهموا أنها خطة لضمان مستقبلهم غدًا كما هي لضمان مستقبلنا اليوم.
سؤال – فكرة الاتحاد الشرق أوسطي فيها بعض من رؤية بيرس ( الرئيس الحالي لدولة إسرائيل ) للشرق الأوسط الجديد، رغم انك تذهب إلى الاستفادة من تجارب دولية ناجحة. هل تلائم التجربة الأوروبية مثلاً لحل شرق أوسطي، بكل ما فيه من الاحتقان والعداء والدم ونوع الصراع على الأرض؟
أفنان: ليس بالضرورة أن يكون الاتحاد المشرقي الذي أقترحه نسخة عن الاتحاد الأوروبي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الخواص الذاتية والإقليمية التي لنا ولكن هذا لا يمنع الاستفادة من تجربة رائدة كتجربة الأوروبيين. وعن العداء والكره وخاصة الصراع على الأرض كل هذا تضع الخطة حدًا له، ومع ذلك هذا لا يكفي لإزالة عقود من عمر الفاجع الفلسطيني تمامًا كما جرى مع الفرنسيين والألمان المحتلين لبلدهم، ولكنهم في النهاية أصبحوا من أكثر الشعوب تحالفًا وتآخيًا. سأقول لك ما قلته في أكثر من مناسبة: في التحليل النفسي هناك ما يدعى بالتكيف، والمقصود هنا تكيف سلوك الفرد وفقًا لحياة الجماعة عن طريق اقتباس المواقف والعادات الشائعة، وهذا مصير الفرد عندنا وعندهم، سلوكه سيتغير مع التغير العام، وشعوره، وبالتالي نظرته إلى الآخر.
سؤال- لا شك أن إسرائيل قوة اقتصادية وعلمية وعسكرية لا يمكن مقارنتها بدول الشرق العربي، ألا يفترض بالاتحاد المقترح أن يكون بين دول متعادلة نسبيًا في تطورها؟
أفنان: أبدًا وعلى الإطلاق! قبل أن تدخل إسبانبا عضوًا في الاتحاد الأوروبي كانت تعتبر بلدًا من بلدان العالم الثالث، إسبانبا اليوم -وكذلك البرتغال وغدًا دول أوروبا الشرقية الاتحاد السوفييتي سابقًا- لا تقل في نموها وتطورها حضارة عن فرنسا أو إنجلترا أو ألمانيا، هذا ما أدعوه بالنقلة، وهي ظاهرة يغير فيها نشاط فكري أو يدوي نشاطًا آخر تابعًا له إما بجعله أسهل فهي نقلة إيجابية أو مستحيلاً فهي نقلة سلبية، ونحن هنا لسنا في صدد جعله مستحيلاً.
سؤال – ولكن إسرائيل ستفهم أن المشروع سيخدم المتخلفين في التطور عنها؟ أو ستلجأ إلى شروط تجعلهم حطابين وسقائي ماء في الدولة المشتركة؟
أفنان: ليش هيه الأمور فالته! لنتفق أولاً وقبل كل شيء على أن الحضارة التي تقمع ليست حضارة، إنها بربرية مزوقة. منذ زمن بعيد أردت في المترو أن أساعد أحدهم تذكرته لم تفتح الباب للخروج بالمرور معي فرفض قائلاً ليس هكذا تجري الأمور، نحن يمر الجميع معنا (يالله عبّره!) وأضاف الرجل: أنا دفعت ثمن التذكرة يجب أن أمر! هذه هي العقلية العملية والعلمية في الغرب، كل واحد هنا يدفع من أجل الحقوق التي يجب الإيفاء بها، حقوق وليست شروطًا أو استلطاخًا تاريخيًا لنا. لماذا اتفاق أوسلو لم يمش حاله بغض النظر عن قذارة بنوده؟ لأن الشعب الفلسطيني دفع الثمن غاليًا، ومع ذلك تركت زمرة أوسلو الكل منا ومنهم يعبر عبور الغشاش والخداع والمدلس. هناك أمر جوهري للاتحاد، إنه أمر التكافل علينا متحضرين وغير متحضرين، السقاء عندنا في عهد الاحتلال، والمتخلف عندنا في عهد العبودية، التطور سيكون تطورًا للجميع، وإسرائيل الكاسب الأول من هذا التطور لأنه سيدخلها عالمنا العربي من أوسع باب، العلم والفن والأدب ستغدو وسائلها إلينا وليس الاحتلال والحرب والتخلف، هي ستستفيد ونحن سنستفيد والكل سيستفيد، وعلى كل حال المستقبل لمثل هذا تعامل وهذا مشروع وهذا فعل في الأشياء والذوات، وعن هذه الطريق طريق التحضر ستثبت إسرائيل قدميها في الأرض ونحن والجميع لنواجه كوارث المستقبل التي تنتظر المنطقة كنفاد الماء والأمراض وسخونة الأرض، كل هذا لا يمكن لإسرائيل البلد المتحضر ولكن الصغير جدًا أن يواجهه وحده.
سؤال – ألا تعتقد أن شرط إقامة دولة فلسطينية مستقلة يجب ألا يكون مشروطًا بأي فكرة أخرى كبداية للحل؟ وان مقترحاتك لاتحاد شرق أوسطي تنفع كمشروع مستقبلي فقط بعد أن يصبح النزاع من مخلفات التاريخ؟
أفنان: هذا ما يردده الساسة كلهم منذ عشرات السنين فهل أُقيمت الدولة الفلسطينية؟ أنا أربط قيامها بقيام الاتحاد والإعلان عن قيام هذه الدولة في اليوم ذاته الذي يعلن فيه عن قيام الاتحاد، أنا أربط شرط قيام الدولة بشرط قيام الاتحاد فأعطي لكليهما قوة الواحد والآخر وكيانية الواحد والآخر، والواقع أن لا الدولة يمكن أن تكون دون الاتحاد ولا الاتحاد دون الدولة، تخوفات الواحد والآخر ومن الواحد والآخر تزول بقدرة ساحر، فبضمانات الاتحاد تكون الدولة، والدولة كعنصر أساسي من عناصر تشكيل الاتحاد بدونها لن يكون هذا. عن طريق الجمع بين الاثنين ستكون هناك دولة وسيكون هناك اتحاد، أما أن ننتظر قيام الدولة فقد انتظرنا كثيرًا وسننتظر ولن تكون أبدًا دولة لأن شرط قيامها هو الاتحاد، الاتحاد هو الذي يجيب على كل الأسئلة الإسرائيلية بخصوص الدولة، وعلى كل الأسئلة العربية، وعلى كل الأسئلة الغربية، وبفضل الاتحاد ستعود للفلسطينيين كل الحقوق التي عجزوا إلى اليوم عن الحصول عليها.
سؤال – تشكل موضوعة القدس إشكالية تبدو عصية عن الحل حتى حسب خطتك... أنت تتجاهل مثلاً إصرار أوساط يهودية متنفذة بحقها في الأقصى وما تقوم به حكومات إسرائيل من حفريات في محيط الأقصى، وعدا ذلك الاستيطان في القدس قسم القدس العربية إلى كنتونات عربية موزعة داخل استيطان يهودي كبير ومتعاظم... يبدو أن كل الخطط تجاهلته، والحديث ليس عن حي بل مدن داخل القدس، بعضها، بسجات زئيف مثلاً، تمتد من شعفاط إلى بير نبالا تخترق وتفصل الامتداد الجغرافي الفلسطيني، ويسكنها ما يقارب 100 ألف يهودي بل وبعض العرب الفلسطينيين من مواطني إسرائيل... وتقام هناك خطوط مواصلات لترمواي داخلي... ولم أسمع أي اعتراض فلسطيني على ما يجري... ولم يشمل ذلك ما يسمى وقف الاستيطان... بالطبع هناك أحياء – مدن أخرى. حتى لو عدنا إلى مقترح كلينتون فستكون هناك إشكالية تحديد ما هو عربي,.. ربما فقط في الحي القديم يمكن ذلك؟ رؤيتي أن القدس أضحت إسرائيلية، هل يقبل الشعب الفلسطيني بالأقصى مع مساحة ضيقة حوله وامتداد يهودي إلى حائط المبكى؟
أفنان: في العمارة التي أسكن فيها وهي عمارة مكونة من أربعة عشر طابقًا هناك اليهودي والعربي والفرنسي الأصل والإفريقي إلى آخره، الواحد معلم والثاني مهندس والثالث عامل والرابع موظف في البلدية والخامس عاطل عن العمل إلى آخره، هناك المسيحي الديانة والإسرائيلي الديانة والمسلم الديانة والذي لا ديانة له، وهناك الاشتراكي المذهب والمتطرف واليميني، وهناك الجنسي الفرنسية والمقيم دون جنسية فرنسية لجنسيته الجزائرية أو البرازيلية أو المالية إلى آخره، وهناك المالك لبيته أو المستأجر له، وهناك الساكن منذ عشرات السنين أو الحديث السكن، الكل يذهب إلى عمله في الصباح الأولاد إلى المدارس والبواب وزوجته يسهران على نظافة العمارة، وفي المساء الكل يعود إلى بيته، يتلاقى السكان على العتبات أو في المصعد يحيي أحدهما الآخر باحترام، وكل واحد ينصرف إلى حياته وأشغاله... العمارة المتعددة الهويات الفردية تبقى لها هوية واحدة وطنية، الهوية الفرنسية، وهذه هي حال أحياء بأكملها في باريس، حي ليه ماريه لليهود، وحي باربيس للعرب، وحي بيلفيل للصينيين إلى آخره، هذه الأحياء تبقى أحياء باريسية وإن كان أحدها لليهود وثانيها للعرب وثالثها للصينيين... القدس الشرقية، إنها عمارتي، وبغض النظر عن كل من يعيش فيها كالعمارة التي بقيت فرنسية ستبقى القدس الشرقية فلسطينية عربية في وضعها وتشريعها، بل على العكس الوجود اليهودي فيها حسب هذه النظرة نقلة نوعية وثقافية، ولا تنسي أن حق الإقامة الذي تقترحه خطتي مقابل حق العودة –وهذا ما لم تقترحه أية خطة أخرى على الإطلاق- ستفتح أبواب القدس الغربية للعرب، ومثل باريس ستكون القدس كلها مدينة لنور كل ساكنيها وأينما يريدون السكن والإقامة في كل أحيائها. حينئذ ستنتهي المساحات الضيقة والكنتونات والغيتوات والممرات وخاصة الحفريات لأن لا شيء تحت المسجد الأقصى وكل علماء الآثار من عندهم وعند غيرهم اتفقوا أن لا أثر للهيكل هناك ولا لكل أنبيائهم داوود أولهم وسليمان ليس آخرهم، الموجود فقط حكاياتهم التي أخذت أهمية أكثر من وجودهم أو عدم وجودهم، وطالما أن التعامل مع بنية من البنى الفوقية، الأمر ليس بذي بال، ولا تنسي ما سبق لي وقلته بخصوص تكيف الفرد وبالتالي تبدل نظرته إلى الأشياء وسلوكه. إذن التهويد اليوم صورة من صور الصراع، وفي المرحلة القادمة مرحلة الاتحاد صورة من صور الاستقرار واختيار أين تريد العيش وقضاء باقي حياتك، مقابل التعريب بشكل من الأشكال.
سؤال – صحيح إن استمرار هذا الصراع لن يكون لصالح الفلسطينيين، بالمقام الأول، كما شاهدنا ذلك خلال العقود الستة الماضية، نتيجة الواقع الفلسطيني والواقع العربي. ويبدو أن المبادرة يجب أن تكون فلسطينيًا بالأساس بطرح رؤية تخرج شعبنا الفلسطيني من العوائق الفكرية والأوهام، وأنت قمت بخطوة صعبة فلسطينيًا، ولكنها جادة ومصيرية؟ هل لك أن تعطينا لمحة عن ردود الفعل التي تصلك حول خطتك؟
أفنان: هناك الذين يعتبرون الخطة سحرية بمعنى كاملة وهم لا ينسون معي أنها ورقة عمل مسودة أو رسم أولي إن شئتِ يجدر تعميقها وتطويرها وهذه مهمة اللجان التي ستنبثق عن مؤتمر بال للعقل الفلسطيني، وهناك الذين لا يريدون أن يفهموا غير حق العودة كمعادل لطرد اليهود وإلغاء إسرائيل. أفهم جيدًا هؤلاء، ولكني أعول على العفوية الجماهيرية التي ستنبثق بعد إقرار الخطة -أكرر إنني الوحيد الذي يقترح حق الإقامة مقابل حق العودة وهو حق العودة بشكل من الإشكال ولكن دون حق المواطنة- وذلك من أجل الالتفاف حول الاتحاد والظرف الجديد الناتج عنه. أنا مع إلغاء الحدود بين الدول وليس مع إلغاء إي بلد، فأنت تعرفين من أين أجيء، وتعرفين من أي فكر أنا، وإسرائيل بإمكانها أن تكون فضاء صغيرًا من الفضاء الواسع الذي هو العالم: أسكن أينما أشاء وأعمل أينما أشاء! كي أقول لك إسرائيل ليست مشكلاً في استراتيجية الحل الشامل، الآن هي مشكل كبير لها ولنا. هذا ما يجب عليهم أن يفهموه وما يجب علينا أن نفهمه، وفلسطينيًا سنفهمه، مؤتمر كل خلايا العقل الفلسطيني سيصل إلى رؤية واحدة وسيفرض فهمه لكل مسائلنا على الجميع، ليس فرضًا إجباريًا بل إدراكيًا لأن للنسق الإدراكي فطنة معرفية وقدرة على الإحساس والتمييز .

الدكتورة ميرا جميل – كاتبة وباحثة اجتماعية – نيقوسيا / باريس
meara.jameal@gmail.com






























خطة المفكر الفلسطيني الدكتور أفنان القاسم لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي / د. ميرا جميل
إضافة جديدة ومميزة للجهود السلمية

مشروع السلام الذي أعده المفكر الفلسطيني الدكتور أفنان القاسم، يستحق دراسة جادة تفصيلية من العرب عامة والفلسطينيين خاصة ومن أبناء الشعب اليهودي الغيورين على مستقبل حياتهم في هذا الشرق الممزق والدامي. صحيح إن مشروعه سبق مشروع السلام العربي الذي قدمته السعودية (الملك عبد الله عندما كان وليا للعهد) في قمة بيروت وتبنته الدول العربية، وحسب قراءتي لخطة أفنان القاسم لا أرى تناقضات كبيرة بين المشروعين، بل تكملة هامة يضيفها أفنان، ويمكن تبني فكرته التي أخذت مصلحة الشعبين وليس مصلحة أحادية الجانب لشعب واحد وخاصة بتفاصيل مشروعه.
الدكتور أفنان كان بعيد النظر برؤيته الأهمية الاقتصادية في جذور الحل المقترح، والذي يميل إلى أخذ فكرة السوق الأوروبية المشتركة في تشكيل اتحاد فلسطيني إسرائيلي أردني سعودي. وبنفس الوقت لا يتجاهل مطلب إسرائيل الأساسي، فيما يتعلق بقضايا الأمن وأماكن العبادة بحيث تظل مشاركة مع الفلسطينيين في صيانة وإدارة الأماكن الدينية التي تخص الديانات الثلاثة. ولا تنفي حقها في بناء قوتها، بل ستصير ضمن القوة التي تحمي الاتحاد المشرقي.

الموقف الذي يطرحه أفنان القاسم من قضية اللاجئين هو موقف قد يثير غضب أوساط فلسطينية ما زالت واهمة بأن العودة إلى الوطن، الذي صار دولة يهودية متطورة، لا تنازل عنه، سأعرض لهذه النقطة بالتفصيل فيما بعد. أذكر أني استمعت لقائد فلسطيني من مخيمات لبنان يقول ما معناه: "كفانا أوهامًا، لا يمكن أن نحصل على مطالبنا القصوى، واستمرارنا في هذه المواقف القصوى يلحق المزيد من المآسي بشعبنا".

حقًا لا أحد سعيد بنكبة شعبه، ولا أحد يشعر بالفرح من الواقع المأساوي الذي مضى علية ستة عقود دون أن نشهد تقدمًا، بل تراجعًا متواصلاً وضعفًا متواصلاً في الموقف العربي، ولم يتطور إلا التطرف والرهان الخاسر على مطالب الحد الأقصى، حين لا نملك فلسطينيًا أو عربيًا قوة تسمح لنا بالتفكير في مطالب لن تقود إلا إلى المزيد من الضياع وفقدان المستقبل لأجيال عديدة.

أفهم أن أفنان القاسم لم يقدم طرحه للحل ليحظى برضاء أحد، إنما من رؤيته الواقعية الصائبة بأن كل تأخير سيكون مأساويًا أكثر لشعبه.

حتى الرئيس محمود عباس ( أبو مازن ) لم يطرح عودة اللاجئين كشرط لا تراجع عنه، إنما طرح فكرة قريبة جدًا، إن لم تكن متماثلة مع خطة الدكتور أفنان، بحل عادل لقضية اللاجئين. أفنان أعطى تفاصيل هامة ولم يكتف بطرح شعار فقط.

هل يتوهم أحد أن الحل العادل يعني حق العودة ؟

في تصريح قبل أيام قال محمود عباس إن التفاهمات التي توصل إليها الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي في قمة وايت بلانتيشن لا يمكن التراجع عنها.

ما هي هذه التفاهمات؟

نعرف أمرًا واحدًا مؤكدًا حول قضية مركزية، وهو ما اقترحه الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون حول القدس، بان يكون الحل حسب قاعدة ما هو يهودي لليهود وما هو عربي للعرب.

في خطة الدكتور أفنان هناك خطوة للأمام لا تتناقض مع مقترح كلينتون.. يطرحها بهذا الشكل: "القدس: عاصمة الاتحاد. ستبقى موحدة. عاصمة إسرائيل (القدس الغربية) وعاصمة فلسطين (القدس الشرقية)، سيكون عليهما اقتسام للسلطات والمسؤوليات في إطار البلديتين. ستصان أماكن العبادة كما كان حالها دومًا من طرف المؤمنين أنفسهم وجمعياتهم الدينية، تحت السيادة الفلسطينية في مجموع عُصَيْمَتِها (sous-capitale) وتحت السيادة الإسرائيلية في مجموع عُصَيْمَتِها. ستسهر على هذه الأمكنة شرطة بلدية مشتركة".

من المهم قراءة صحيحة لما يطرحه الدكتور أفنان، وخاصة فهم دقيق لفكرته التي يتحدث فيها عن حل قضية الارتباط بالوطن الذي سيصير مشتركًا، في العديد من المجالات، وقد رأيت أن أقدم النص كما صاغه أفنان نفسه: "سكان كل دولة عضو في الاتحاد المشرقي أحرار في اختيار أين يعملون وأين يعيشون حتى في إسرائيل. هناك أمريكان وفرنسيون وطليان وبولونيون... يعملون ويعيشون في إسرائيل من غير أن يمس وجودهم السمات الخصوصية لهذه الدولة لا من بعيد ولا من قريب، وهكذا سيكون حال الفلسطينيين. لصيانة الأنظمة التشريعية والسمات الخصوصية الدينية أو العرقية لكل دولة، وأولى الدول إسرائيل، هؤلاء السكان أنفسهم (أولادهم، أولاد أولادهم وكل الأجيال التالية) لن يُحْبَوْا حق المواطنة (صفة المواطن) والحقوق المدنية الأخرى إلا في بلدهم الأصلي".

إلى حد ما هذا الوضع كان سائدًا بعد الاحتلال عام 1967، مئات آلاف العمال الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية عملوا في الاقتصاد الإسرائيلي بكل فروعه، دخلوا بحرية تقريبًا وعادوا إلى بلداتهم، ونشأ تواصل بالزواج والعلاقات العائلية بين الفلسطينيين في إسرائيل والضفة وغزة، وكان من السهل على الفلسطيني أو الفلسطينية المتزوج أو المتزوجة للعربي الإسرائيلي أو عربية إسرائيلية أن يحصل على هوية وإقامة، اليوم صار ذلك من المستحيلات. الوضع تغير بعد بدء عمليات العنف وتفجير الحافلات التي قادت إلى سقوط حكومة بيرس ( التي ترأسها على أثر مقتل رئيس حكومة إسرائيل الأسبق رابين شريك عرفات في أول اتفاق واعتراف متبادل مع منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ) وصعود اليمين الذي شدد قمعه العسكري والحصار المؤلم ضد أبناء الشعب الفلسطيني، ووسع عمليات الاستيطان والاستيلاء على الأرض.

إذن أفنان القاسم يقدم اقتراحًا ليس بعيدًا عن واقع عشناه!!

أيضًا خطة السلام بين بيلين وعبد ربه التي تحمل اسم "اتفاق جنيف" وتثير انتباه قوى سلامية يهودية في إسرائيل، لم تبتعد عن فكرة العاصمة المشتركة ضمن رؤيتها. وحل مشكلة اللاجئين بتصور لا يناقض سائر التصورات المطروحة.

كذلك خطة الدكتور سري نسيبة والجنرال عامي أيالون رأت استحالة طرح عودة اللاجئين كشرط للحل.

إذن نحن أمام اتجاه واضح.. الدكتور أفنان يفصل موقفه بوضوح كامل، حق العودة مقابل حق الإقامة دون حق المواطنة، ويضيف ما لم يظهر في أي مشروع فلسطيني إسرائيلي، بتعويض اليهود، من الأقطار العربية أيضًا الذين غادروا أوطانهم إلى إسرائيل، وهو بذلك يطرح معادلة متوازنة، كما يوجد حق للاجئ الفلسطيني الذي شرد، يوجد حق لليهودي العربي الذي ترك أملاكه ولجأ إلى إسرائيل وبغض النظر عن المسببات. رغم أن هجرة أكثرية اليهود لم تكن على أساس المطاردة والاضطهاد، ولكن هذا الطرح يختصر النقاش الذي لن يقود إلا إلى مزيد من التأزم. ومعروف أن الحركة الصهيونية قامت باستفزازات ضد اليهود لدفعهم للهجرة إلى إسرائيل كما جرى مع يهود العراق مثلاً. ولكن في إطار حل شامل يجب عدم إبقاء ترسبات وضغائن ولا بد من طرح متوازن رغم أن الشعب الفلسطيني هو الخاسر الكبير. مهما كانت الحلول عادلة اليوم.. العدل المطروح هو عدل نسبي.

هناك نقاش ما زال يتواصل حول مؤيدي حل إقامة دولتين مستقلتين وحل يرى أن الطريق هي إقامة دولة مشتركة.

لا أريد أن أخوض في هذا النقاش، رغم أن رأيي يتعارض مع حل الدولة الواحدة لأسباب ليس من الصعب لأي قارئ جيد للواقع السياسي السائد اليوم أن يفهمها.

ماذا يقترح أفنان؟

عمليًا دَمَجَ في رؤيته بشكل مقبول أكثر بين الفكرتين. دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، واتحاد مشرقي يجمع الدولتين مع دول أخرى.. وتحافظ كل دولة على مميزاتها واستقلالها أسوة بما يجري في الاتحاد الأوروبي.

بالطبع هناك إشكاليات صعبة، أهمها موقف القيادات الإسرائيلية، تعالوا نقرأ ما جاء في افتتاحية هآرتس ( 2009 – 09 – 18 ):

" إسرائيل هي أمة مفرطة الحساسية، مليئة بالمآسي العميقة والمخاوف المبررة، ولكن نتوقع أن يتصرف قادتها بعقلانية، وبرودة أعصاب وذكاء في مواجهة الواقع المأزوم – وليس ترديد أجوف للمخاوف والمرارة، كما يتصرف بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان من منطلق توجه تشاؤمي يميل إلى تحقيق نفسه".

من هنا رؤيتي انه بدون رعاية جادة، وضغط جاد من الدول الأساسية، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان، وقوى منطقية مثل تركيا ( التي بدأت تلعب دورًا شرق أوسطيّ متعاظمًا بعد فشلها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ) لا أرى أننا سنتقدم إلى حلول تخلص شرقنا من العنف والدماء والكراهية المستفحلة.

إن المشاريع التي قدمت تكاد تكون مشتركة في العديد من النقاط، في خطة أفنان إضافات تفصيلية هامة يجب ملاحظتها.

آمل أن يتقدم العقل لا القوة فقط، وفي النهاية سنندم كلنا على كل يوم نتأخر في إنجاز الحل الدائم والانتقال حقًا إلى شرق أوسط جديد تتنافس دوله في التطور ورفع مستوى حياة السكان ونوعية الخدمات، وهي ستكون أكثر أهمية من أي مساحة نختلف عليها اليوم.. وأعتقد أن المشكلة الأساسية في الملعب الإسرائيلي، المتمسك بالفكرة الأسطورية التوراتية الغبية حول وعد الرب لشعبه في أرض كنعان، لأن هذه الأرض لن يبقى فيها إلا عظام الموعودين وأعدائهم!!


كاتبة وباحثة اجتماعية فلسطينية مقيمة في قبرص
Meara.jameal@gmail.com



















































أفنان القاسم يطلق أسلحته الثقيلة في حوار جريء مع مصرنا – الجزء الأول / أجرى الحوار: مسعد غنيم – من القاهرة وغريب المنسي – من واشنطن


أفنان القاسم "جان بول سارتر العرب" لمصرنا:

إلصاق الهوية الدينية، الهوية الإسلامية، بالدول العربية وغيرها من الدول التي جرت أَسْلَمَتُهَا، ذريعة لإسرائيل كي تلصق بنفسها الهوية اليهودية، وذلك لغاية في صدر يعقوب، ألا وهي طرد المسلمين من عرب 48، يتبعهم المسيحيون، فالدروز، وإن كان البعض منهم حلفاءها.


الدكتور أفنان القاسم كاتب ومفكر وفيلسوف فلسطيني يعيش في فرنسا وله مساهمات جيدة في مجال القصة والرواية والمسرحية هذا فضلاً عن أعماله النقدية ومقالاته الساخنة. يمثل الجيل الثائر على الواقع، فهو ناقم على حماس وعباس ومن قبلهما على من علمهما السحر عرفات، ويرى أن الشعب الفلسطيني هو ضحية قيادات فاشلة سياسيًا وأيدولوجيًا.. وهو في هذا لم يختلف عما توصل إليه رجل الشارع!! ولكن الدكتور أفنان له أسلوب بارع لاذع في وصف هذه القيادات المنبطحة، سوف تتعرفون عليه في سياق هذا اللقاء.. وهناك مشكلة قد تواجه القارئ، وهي أن الدكتور أفنان يتكلم بثقة زائدة، ويدافع عن آرائه بصراحة قد تقترب من النرجسية، ولكن بمجرد أن تستوعب إجاباته ستجده مجرد فيلسوف يحاول "أن يصنع من الفسيخ شربات"!! كما يقول المصريون.. ويحاول أن يضع الأحداث المبعثرة في سياقها السليم عسانا أن نفهم ما يدور في كواليس المسرح السياسي العربي والفلسطيني.. وفي هذه الفترة التاريخية الصعبة عالميًا وإقليميًا.. ثقافيًا واجتماعيًا.. سنحاول أن نلقي الضوء على أراء ومواقف أفنان القاسم من خلال هذا اللقاء.. فكانت هذه هي الأسئلة:


1. من حيث منهج الكتابة والرأي: أنتم تكتبون بدرجة يقين وبصورة قطعية تتنافيان مع بداهة عدم امتلاك أي طرف للحقيقة المطلقة، كما لا تتفقان وأصول الحداثة في مبدأ عدم اليقين، فمثلاً أنتم كتبتم أو حكمتم بمعنى أصح بخيانة وعمالة أطراف معينة في قيادة النضال الفلسطيني، وغير هذا مما يأخذه البعض عليكم في أسلوب كتابتكم بصفة عامة من أنكم دائمًا متأكدون وعلى يقين كامل مما تقولون!! فهل لكم أن توضحوا ذلك؟


* تقول من حيث منهج الكتابة ومنهج الرأي دون أن تحدد أية كتابة هي وأي رأي هو، هل تعني الكتابة النقدية أم الكتابة السياسية، الرأي العلمي أم الرأي التصوري، مع الكتابة النقدية والموقف العلمي فيها عليك أن تتوخى الموضوعية فيما تطرح وتنقض وتُرَكّب، وهذه مقولة هيجلية قديمة قبل تيار الحداثة بكثير الحقيقة فيها ابنة للفرضية التي يجدر إثباتها، أما في الكتابة السياسية، فالأمر يختلف، في السياسة لا توجد فرضية يراد إثباتها هناك تصور ذهني إلى أن ينتهي الحدث وتغدو السياسة تاريخًا. الحقائق التي تدعوها بالمطلقة هي حقائق التاريخ وليست حقائقي، وأنا ما استندت عليها إلا لأنها غدت جلية جلاء المعدن لكل الناس، الثورة الفلسطينية كما تبدو الآن بعد عشرات السنين من انطلاقتها لم تكن غايتها تحرير فلسطين، الحرب في عمان 70 لم تكن غايتها حماية المقاومة، المقاومة في لبنان لم تكن من أجل إكمال المشوار إلى ربى القدس، الحقائق التاريخية التي هي ليست من صنعي تدين كل من كانت له يد في تجذير عذابات الشعب الفلسطيني وتحويل قضيته إلى قضية ميتافيزيقية، وكل من كانت له يد في هذا لهو بطبيعة الحال خائن أو عميل أو بائع أو لاحس أو لاعق أو مرتزق أو الصفة التي تريدها فيما يخص الجوهر بقدر قربك أو بعدك عنه. اعتمادًا مني على هذه الحقائق التاريخية دعوت ياسر عرفات بالعميل دونما حاجة بي لأفسر أو لأبرهن أو لأثبت ومحمود عباس بالخائن والحقائق التاريخية دومًا هي التي تصرخ بهذا وليس لأن فاروق قدومي قد بلغ عنه، وحسني مبارك باللاحس لنعال أمريكية وإسرائيلية تدوسه، وهذه أمور مكشوفة اليوم للطفل قبل البالغ لا تحتاج إلى موضوعية في التحليل أو حنكة في الحكم، إنه الرغيف العفن الذي شبعنا منه والذي نقيئه اليوم. كل هؤلاء الواطين هم اليوم عراة في أعين شعوبهم كالخارجين من جهنم وآثار سياط اللهب تحفر أجسادهم.
عند أي حدث سياسي ليس الحدث هو المهم وإنما النتائج السياسية لهذا الحدث، خذ التاريخ السياسي لعرفات منذ انطلاقة الثورة والق نظرة على النتائج السياسية لأهم المحطات في هذا التاريخ، هذه النتائج هي التي تقول في عمالته. الثورة الفلسطينية من خلال بانوراما عرفات جرت فبركتها لأهداف سياسية تخدم مصالح إسرائيل وليس لأن الشعب الفلسطيني قد نضج في نضالاته وغدا واعيًا بأمره وأراد أن يأخذ قدره بملء يديه، هذا ما تقوله روايات غسان كنفاني، بمعنى أننا هنا في عالم الوهم والخيال، وحتى في عالم الوهم والخيال تم القضاء على صمود وطموحات الشعب الفلسطيني عندما تم مصرع كنفاني على يد عرفات وليس على يد الموساد كما يشاع، غسان كان صوتًا روائيًا عاليًا وسوطًا سياسيًا لاسعًا، لهذا جاء القرار بتصفيته من بين جملة من تصفيات الرموز على طريق تصفية القضية الفلسطينية التي كانت انطلاقة ثورة عرفات الخطوة الأولى، والتي دفع ثمنها الشعب الفلسطيني غاليًا مئات آلاف الضحايا ومئات آلاف الأطنان من الآهات. إنها الخسة في السياسة وخسة السياسيين منذ قيصر وبروتس وتوت عنخ آمون! فبركة الثورة مثل فبركة القاعدة مثل فبركة البعبع الأسود ومن قبله البعبع الأحمر من أجل تحقيق أهداف تخدم مصالح هذا الطرف أو ذاك، فمصائر الإنسانية اليوم تتحكم فيها أجهزة المخابرات في العالم، إنها سمة العصر الرأسمالي الذي هو عصرنا، وما أقوله لا علاقة له بمفهوم المؤامرة في شيء، لأن تاريخية الزمن الرأسمالي تنهل من هذا، وسيميائيته، وكيانيته، وديمومته. وعندما تجهر بما يصاغ سرًا يعاملك الغرب ساخرًا كبطل من أبطال الباطنية ويدعو هازئًا هواة المؤامرات الكبرى إلى قراءة أعمالك، هذا ما قرأته بالفرنسية عن أحد كتبي على الانترنت مؤخرًا، وهي طريقة مفضوحة للظهور بمظهر الواقعي وفي الوقت ذاته لتمرير ما هو مذهل وما لا يصدقه عقل كما يحصل اليوم في بيت لحم، شيء لا يمكن أن يجري ولا في الخيال المؤتمر الثوري لفتح من أجل التحرر من الاحتلال تحت حذاء الاحتلال، والتتويج المخزي لمن تلطخت يداه بالدم.

2. في موضوع علاقة الدين بالصراع العربي الإسرائيلي، وفي ارتباط واضح بالسؤال الأول: أنتم كتبتم أكثر من مرة أن تديين القضية الفلسطينية هو مؤامرة صهيونية على القضية وأنه يشكل ضررًا بالغًا عليها، بينما أنه من المتفق عليه أنه فيما بعد الحداثة، فقد تم استعادة مكانة أثر الدين في التاريخ والمجتمع الإنساني بصفة عامة، خذ أبو الفلاسفة المحدثين كارل بوبر مثلاً في كتابه أسطورة الإطار. وخذ كذلك الكتاب الأحدث Hans Kung: Islam Past, Present & Future (2007) لعالم اللاهوت المنصف هانز كونج، وهو ضد صموئيل هننجتون في نظرية صراع الحضارات بالفعل؛ فهل لك أن تنفي أو تؤكد الانطباع العام عما تكتب بشأن الدين والقضية الفلسطينية، مقابل ما يراه البعض من زخم قوة دفع العقيدة كرصيد ثقافي عام في مجموع مقومات القوة الشاملة في الصراع الإنساني بصفة عامة؛ وأن تفسر رأيك إن كان الانطباع عنه صحيحًا؟

* من قال لك إنني من حواريي بوبر أو هننجتون أو كونج؟ ومن أخبرك أنني من مشايعي الحداثة، ما قبلها وما بعدها وما بعد بعدها، ما يدعى اليوم بالسوبر حداثة؟ أنا من رواد السيرورة التاريخية والضرورة التاريخية والحتمية التاريخية والقوانين الموضوعية وما عدا هذا مثالية وميتافيزيقية وسفالة فلسفية في خدمة الرأسمالية العالمية، وهؤلاء هم من تدعوهم بالفلاسفة المحدثين.

سأجيبك على شقين من سؤالك الأول يخص الدين في الصراع الفلسطيني العربي الإسرائيلي والثاني يخص الدين في الصراع الإنساني العالمي.

أولا) أهم ذرائع العودة للصهيونية إلى فلسطين دينية، فهي ترى إلى اليهود كطائفة صمدت في الشتات أمام شدائد الزمان والمكان وظلت ليهوه على عهدها، هذه هي على الأقل الصورة الرومنطيقية التي عملت الصهيونية على ترويجها لتكسب تعاطف الرأي العالمي معها عندما أشّرت إلى فلسطين ملاذًا، وهي الصورة ذاتها التي مررها الغرب الرسمي عندما قرر أن تكون فلسطين لليهود في العالم وطنًا قوميًا تحت معنى القوم أو الطائفة، وطالما أكد هرتزل على أن هذا الوطن القومي سيكون رأس الحربة الحامي للغرب من الإسلام والمسلمين. إذن تأسيس إسرائيل جرى على أساس ديني باتجاهين اتجاه اليهود في العالم ليأتوا إلى فلسطين، واتجاه المسلمين في العالم ليخوّف بهم ويسوّغ بهم هذا التأسيس وفيما بعد وجود إسرائيل نفسه. لهذا تحاول إسرائيل منذ قيامها إلى اليوم وإلى الغد أن تمحو الصفة السياسية عن الصراع وترميه في ساح الدين لتبرر دومًا عودتها إلى أرض اللبن والعسل بعد مئات السنين وتلف من حولها يهودييها وتبتز الغرب بالمال والسلاح. اليوم مع حماس ونقل الصراع العالمي بين الغرب والاتحاد السوفياتي إلى الصراع بين الغرب والإسلاميين والهذيان الديني في فلسطين وغير فلسطين ترجح الكفة لصالح إسرائيل ولا علاقة هنا بزخم قوة دفع العقيدة لأن الدين شيء والدين السياسي شيء آخر، ونحن هنا في صميم الدين السياسي. أن يتحول المسجد الأقصى إلى رمز سياسي فَجَّرَ الانتفاضة ضد الاحتلال نعم للأقصى أما كمكان تجري فيه مراسم صلاة الجمعة وامتصاص النقمة فلا للأقصى، لأنه يحيّد العمل السياسي ويحوله إلى شعائر دينية لا جدوى منها على المستوى الوطني والصراع مع المحتل، لهذا يترك الجيش الإسرائيلي الناس يصلون ولا يتركهم يعملون ثورة. نريد أن تتحول القضية الدينية إلى قضية سياسية وليس العكس، وهذا غير ممكن مع الإسلاميين الذين يعملون من الدين السياسي ما تعمله إسرائيل، فيخدمون ما تريده إسرائيل دون أن يريدوا، وغير ممكن مع الأنظمة العربية السائدة، خوفًا من سقوطها في عاصفة السياسة، لهذا تبقيها دينية، ودينية في قبضة النظام المتواطئ مع النظام الإسرائيلي الذي يستغل بدوره الدين ليخوف به الإسرائيليين –من قبل كان يقول العرب والعروبة لكن عرب اليوم وقّعوا معاهدات استسلام سرية أو علنية- ويبرر كل ما يفعله في عين الغرب: ضعيف ضد أقوياء، وحليف ضد أعداء، فيستدر عطفه ويحصل على دعمه. والأهم فلسطينيًا ليخوّف المسيحيين، ويلغي دورهم التاريخي في الصراع وباعهم العريض في المقاومة ونصيبهم الكبير من التضحيات، مسيحي فلسطيني وطني واحد خير من مليون مسلم إيراني صالح، ويا ليت هذا الإيراني الصالح يصيح، يرى القدس تُهوّد ولا يحرك ساكنًا – آه! كم هو جميل زخم قوة دفع العقيدة- لأن هذا المسيحي يجعل فرائص الصهاينة من الإسرائيليين ترتعد، ولأنه يعارض ويعطل كل أطروحاتهم الدينية عند يهودييهم ولدى الغرب المسيحي وفي العالم! ومن ناحية أخرى، إلصاق الهوية الدينية، الهوية الإسلامية بالدول العربية وغيرها من الدول التي جرت أَسْلَمَتُهَا، ذريعة لإسرائيل كي تلصق بنفسها الهوية اليهودية، وذلك لغاية في صدر يعقوب، ألا وهي طرد المسلمين من عرب 48، يتبعهم المسيحيون، فالدروز، وإن كان البعض منهم حلفاءها. ولكي أزيل البعد الديني تمامًا كرصيد ثقافي كما تقول وزخم وقوة، الثورات في أمريكا اللاتينية قامت على أكتاف الفلاحين المسيحيين ضد النظام العسكري والكنيسة حليفة النظام العسكري ليس لأنهم مسيحيون ولكن لأنهم مضطهدون ومسحوقون. في كوبا كان المسيحيون البسطاء مع قيادة شيوعية. عبد الناصر القومي المسلم كان معه شيوعيون ومسيحيون أقباط وغيرهم. المقاومة في لبنان وفي غزة جمعت حولها ملحدين ومؤمنين... الإسلام لم يكن أبدًا من وراء صعود الحضارة الإسلامية والأمجاد، الإسلام كان من وراء انهيار الحضارة الإسلامية والبؤس الاجتماعي عندما تم تسييسه، ازدهار الإمبراطورية الإسلامية لم يكن سببه الدين، ولكن لأن لهذا الازدهار كانت روافد هامة من الثروات المعرفية والاقتصادية والبشرية تماما كازدهار الإمبراطورية الأمريكية الذي ليس سببه المسيحية، وإنما التطور على كل المستويات، والتي يُحْكِم عليها رأس المال قبضته. العامل الاقتصادي هو الحاسم لا الديني والدافع الطبقي هو المؤثر لا القومي، لهذا عمل رأس المال على برجزة البروليتاريا في الغرب، وفي الشرق على تحويلها إلى طبقة رثة، والشرق كله إلى فضاء، الزمن فيه قد توقف.

ثانيا) أفهم الصراع الإنساني العالمي ليس كما يفهمه هننجتون لأن صراع الحضارات بالنسبة لي ليس صراعًا بين حضارة ماتت كالحضارة الإسلامية أو الحضارة الماياوية أو الحضارة الزولووية وحضارة لم تمت كالحضارة الغربية ولكن بين حضارتين إحداهما على وشك الزوال كالحضارة الأمريكية وأخرى على وشك أن تأخذ مكانها كالحضارة الصينية، هذه هي السيرورة التاريخية للحضارات وهذه هي قوانينها. الحضارة الإسلامية التي اجتاحت الحضارة الفارسية اجتاحتها بدورها بعد انهيار العثمانيين الحضارة الغربية. والصراع العالمي ليس صراع أديان، الأديان تتشابه فيما بينها، وهي في وفاق مع بعضها، الحرب الطاحنة التي دارت بين الكاثوليك والبروتستنت كان سياسيًا سببها وليس الحَبَل بلا دَنَس، والمسيحية السياسية هي التي دفعت البابا وملوك فرنسا إلى إعلان الحرب على المسلمين الكفرة من أجل ثروات الشرق ولكن على الخصوص من أجل إعطاء نفس جديد للاقتصاد، فكانت الحروب الصليبية وكان تأسيس البنوك. وربما سأصدمك إذا ما قلت لك إن الإسلام السياسي كالماركسية السياسية، الإسلام السياسي كنظام ديني والماركسية السياسية كنظام إلحادي، يُقِلّ هذا النظام أو ذاك من قدر الإنسان ويتحكم بمقدراته، أما العلمانية السياسية، فهي أقل سوءًا بسبب التعددية وتبادل الحكم. هناك فرق بين الإسلام والماركسية والعلمانية كمُثُل عليا وقيم وطموحات إنسانية وبين تسييس هذه التيارات، إذ هناك فرق دومًا بين النظرية والتطبيق، وفي التطبيق تلعب الصدفة التاريخية دورًا هامًا وأساسيًا دومًا والأنانية الإنسانية والجشع الإنساني والهيمنة الإنسانية وعدم الكفاءة وانحدار العلم والمعرفة في تدمير بنى المجتمع. خذ مثلاً تجربة الاتحاد السوفياتي القصيرة القريبة وتجربة الإمبراطورية الإسلامية الطويلة البعيدة، وهو مصير تجربة الإمبراطورية الأمريكية التي نعاصرها ونعيش آخر مرحلة من مراحل صعودها. وأبتعد أكثر حين أقول إن الصهيونية لليهود كانت ملاذًا وأملاً في الخلاص والتحرر، الصهيونية كتنظير وخداع ودعاية، أما كتجربة سياسية فهي عنصرية واغتصابية وتدميرية ولا إنسانية، إنها من نوع النازية والفاشية اللتين كانتا للألمان والطليان مدعاة فخر وتميز عنصريين ولألمانيا وإيطاليا والعالم كارثة ما بعدها كارثة. لو لم يكن الدين السياسي والحاخامية السياسية وأصابع يهوه الملطخة بالدم الفلسطيني لما كانت إسرائيل، لو لم يكن الدين السياسي يحكم إسبانيا أيام حكم ملوك الطوائف لما زالت إسبانيا العربية، لو لم يكن الإسلام المذهبي المللي الأئمّوي –يقولون ديمقراطية على الطريقة الأمريكية- لما بقي العراق محتلاً وممزقًا. للصراع العالمي اليوم أهدافه وشروطه، ثروات العراق والوطن العربي أحد أهدافه، وشروطه أن يبقى العرب تحت أحذية حكامهم وحكامهم تحت أحذية أقوى قوة في العالم تقود هذا الصراع، وما الدين، السياسي وغير السياسي، إلا وسيلة بين وسائل، فاليوم التلفزيون دين، والفطبول دين، والموضة دين، والأنترنت دين.


وللحوار بقية...










الجزء الثاني من حوار أفنان القاسم مع مصرنا / أجرى الحوار: مسعد غنيم - من القاهرة وغريب المنسي - من واشنطن

أفنان القاسم "جان بول سارتر العرب" لمصرنا:
مع ياسر عرفات بدأت تصفية القضية الفلسطينية تتحقق في مكاتب الموساد، والموساد يرانا كالقطيع نركض إلى ذبحنا الذي كنا نظنه قربان العودة والتحرير.

الدكتور أفنان القاسم كاتب ومفكر وفليسوف فلسطينى يعيش فى فرنسا وله مساهمات جيدة في مجال القصة والرواية والمسرحية هذا فضلاً عن أعماله النقدية ومقالاته الساخنة. يمثل الجيل الثائر على الواقع، فهو ناقم على حماس وعباس ومن قبلهما على من علمهما السحر عرفات، ويرى أن الشعب الفلسطيني هو ضحية قيادات فاشلة سياسيًا وأيدولوجيًا.. وفى هذه الحلقة الثانية من اللقاء يتحدث عن ياسر عرفات ومحمود درويش وسميح القاسم وإدوارد سعيد بأسلوب الشاهد على التاريخ.


السؤال الأول من الجزء الثاني من لقائنا: ذهب أفنان القاسم للقاء عرفات في تونس، فمكث أربعين يوما منتظرًا لقاء الزعيم، ولم يلتقِهِ، وخرج من تونس ليكتب رواية "أربعون يومًا بانتظار الرئيس" تعرض فيها للشلة الفاسدة المحيطة بالرئيس!! وذهب أيضًا في نفس الوقت لمقابلة عرفات في تونس سعيد أبو ريش، الصحفي الفلسطيني الأشهر في الولايات المتحدة، وقابل عرفات، وخرج ليكتب كتاب عن عرفات أسماه "عرفات من مقاوم إلى ديكتاتور" ARAFAT: FROM DEFENDER TO DICTATOR وصف فيه عرفات بأنه أول من وضع قضية الشعب الفلسطيني على الخريطة الدولية ولكنه في النهاية تحول إلى شيخ قبيلة!! وأجمع المراقبون أيضا الرأي على أن عرفات بدأ بداية جيدة في الكفاح، ولكنه تدريجيًا تحول إلى قائد غامض!! هل يمكن لك أن توضح للقارئ العربي وبتفصيل مشكلة عرفات كقائد وكسياسي وطريقته في إدارة الصراع الفلسطيني؟


* في البداية لم تكن كل أوراق ياسر عرفات قد كُشفت بعد، ياسر عرفات بعد هزيمة 67 أتى كَسِرّ من الأسرار الذي شاع فجأة، كانت ثورته قد بدأت قبل عامين من النكسة دون أن يسمع بها أحد، وكأن النكسة ما جاءت إلا لإشهاره، وكأن الهزيمة ما كانت إلا لانتصاره، وكأن اليأس والموت والظلام ما عرفها الشعب الفلسطيني والشعوب العربية إلا لتعرفه وتعبده وتعبّد له الطريق إلى الأمل والحياة والنور، لم يكن أحد يعرف من أين جاء ولا من هو وما هو اسمه الحقيقي... "أبو عمار"، شخصية سرية ولكنها على علاقة بكل إرثنا الشعبي القصصي الشهرزادي كان يا ما كان والشاطر حسن وعنترة، وشخصية محورية ككل شخصيات الأساطير التي عمادها الاسم قبل الفعل، الاسم يمكنه أن يكون لكل واحد، والفعل سيضفي عليه الخيال ما يضفي، والخيال العربي خصب. مع ياسر عرفات وحطته وعقاله الثوريين حقق الفلسطينيون والعرب انتصارهم الوهمي الثاني على إسرائيل بعد انتصار راديو صوت العرب، كان الكل يغرق في غائط الهزيمة سعيدًا. مع ياسر عرفات خرجت الأنظمة العربية لأول مرة منتصرة على شعوبها فعلاً بعد أن رفعها على كتفيه وأعطاها نفسًا جديدًا ووجودًا قمعيًا فريدًا. مع ياسر عرفات بدأت تصفية القضية الفلسطينية تتحقق في مكاتب الموساد والموساد يرانا كالقطيع نركض إلى ذبحنا الذي كنا نظنه قربان العودة والتحرير. لكل هذه الأسباب، وأنا أول من كان يعتقد ذلك، كان ياسر عرفات الثائر المنقذ والمحرر. لم نكن نعرف أن للتاريخ مهرجًا، وأننا حذاء حريري إسرائيلي لا أكثر ولا أقل في قدم ياسر عرفات. هذا هو المقاوم الموهم الذي كانه ياسر عرفات، والغرب الذي يعرف جيدًا من كان هذا الرجل ولأي غاية هو هنا، عمل على إذاعة صيته دوليًا، واعتباره هو قضية فلسطين. كانت قضية فلسطين بالنسبة لهم قضية عرفات، وكانوا يدافعون عنه بقدر دفاعهم عن بيريز أو رابين أو بن غوريون، فعرفات بالنسبة لهم كان الاعتراف خطوة خطوة بإسرائيل دون مقابل، وخاصة فرضها على الضميرين العربي والفلسطيني من خلال مراحل صعود نجمه –ولا أقول مراحل سقوطه في اُغْوِية أوسلو- كهوية وكيان ووجود لن يزول. إذن البداية الجيدة في الكفاح كما تقول كانت ما توهمناه نحن عنه، هاري بوتر الذي كتبناه جماهيريًا، خيالنا المريض الذي أنتجه، والذي استحق عليه جائزة نوبل بكل جدارة. أما تحوله تدريجيًا إلى قائد غامض، فهذا لم يحصل أبدًا، هو بقي على عهده، ونحن الذين تحولنا، بدأنا نفتح أعيننا، نشم العفن، نقف على الخديعة، نحس كيف فلسطين تذهب من بين أيدينا. شيخ القبيلة الذي تتكلم عنه أو رئيس الشلة أو الدكتاتور أو العراب، عرفات كان كل هذا منذ البداية، لم يتغير فيه شيء حتى مماته، لكنه كان من الدهاء بحيث أتقن الدور المرسوم له إتقانًا يفوق كل خيال، فغدا متعدد الأشكال والألوان. هكذا كان السياسي والقائد متعددًا، كان لدينا عدة سياسيين فيه وعدة قادة على رأسهم "القائد العام" اللقب الذي كان لموسوليني وفرانكو وهتلر، والذي يفرضه كديكتاتور غير مضحك ويسوّغ لكل أفعاله الأخرى الجادة كمتعدد وكمُتَدَشْدِش يجوز له ما لا يجوز لغيره ولغيره معه كل شيء جائز، بمعنى الانتهازية الكبرى في التعامل، مع الشيوعيين هو شيوعي ومع الإخوان هو إخواني مع صدام هو صدامي ومع الأسد هو أسدي مع الخميني هو شيعي ومع ميتران هو اشتراكي إشراكي مشتركي، لم يكن له موقف كان موقف كل ذي أمر، ومع مأموريه كان كل أمر، من فنجان القهوة إلى ذلك الادعاء الجسيم: تحرير فلسطين. بدولارات السعودية كان يحكم وكان يرجم وكان يعلي وكان يلغي، كان يدير أطراف الصراع الفلسطيني بكمشة دولارات لحواتمة وأخرى لحبش وكان يعرض دولاراته حتى على الملك حسين وحكام اليمن الجنوبي. كانت دولارات السعودية والخليج طريقه إلى تحرير فلسطين وتحرير الذات وتحرير هونولولو وتحرير القمر وحتى تحرير إسرائيل، فأول شيء فعله بعد أوسلو القيام بمشاريع بمئات ملايين الدولارات مع شركات وبنوك إسرائيلية.


السؤال الثاني: لا تخلو جامعة أمريكية أو غربية من أساتذة ومفكرين وعلماء سياسة فلسطينيين أشهرهم وأجدّهم على الإطلاق الدكتور رشيد الخالدي، الأستاذ في جامعة كولومبيا، والتي يرأس فيها كرسي ادوارد سعيد.. وفى نفس الوقت على أرض الواقع نجد القيادات الفلسطينية تكاد تكون محدودة ثقافيًا وعلميًا وأدبيًا واجتماعيًا!! فهنية كان مدرس ثانوي وعباس مهندس محدود ودحلان وجبريل الرجوب يحملان مؤهلات بالكاد تساعدهما على القراءة، وهؤلاء جميعًا يمكن أن يطلق عليهم "أبناء الواقع على الأرض" - street Smart- فكيف تتم المعادلة الصعبة، وهي دمج أفكار المفكرين مع أفكار المقاومين في الخروج بصيغة أكثر جدية لمواجهة غطرسة الدولة العبرية وبالذات اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو وليبرمان؟


* كانت الجبهة الديمقراطية في عمان تقول لا ثورة دون نظرية ثورية، وهذا الكلام من بين كثير من كلام هذه الجبهة الغلط صحيح، وقد فهمه عرفات تمامًا، فوضع على رأس الثورة أجهل الناس وأحطهم علمًا. غيفارا الطبيب الثوري انتصرت به الثورة الكوبية بينما أول ثورة في التاريخ، الثورة الفرنسية، قتلت أبناءها كحال آخر ثورة في التاريخ، الثورة الفلسطينية، بسبب الفراغ النظري ولا ثورية النظرية التي كانت تتراوح عندنا بين الارتجالية والدينية والمحسوبية، وبالطبع كان متعمدًا كل هذا، كيلا تحقق الثورة أي هدف من أهدافها.

أما كيف أصحاب العلم والمعرفة الثورية وأصحاب البندقية يلتقون؟ من الطبيعي أن يلتقوا عندما تكون هذه البندقية بالفعل صادقة غايتها الانعتاق والاستقلال، ولم تكن هذه حال البندقية الفلسطينية. كان عرفات يفسد كل صاحب علم بالمال أو الجاه، وهذا وضع معظم ناس العلم الذي زيفوه والمعرفة التي قلبوها جهلاً، وكان البعض الذي تركه مثلما فعل إدوارد سعيد عندما استقال من المجلس الوطني ليصرخ في الوادي وحده، وكانت القلة مثلي التي صرخت منذ البداية ولم تزل تصرخ إلى أن تدخل صرخاتها في صدور الناس. ولكن كل هذا لا يكفي دون الحزب الثوري والبرنامج الثوري والشرط الثوري شرط ثورة قادمة جامعة للمفكرين والمقاومين. أقول قادمة بدافع تفاؤلي البنيوي، ولكن ليس غدًا أو بعد غد. لأن نتنياهو وليبرمان هما الإنتاج الموضوعي للمرحلة، ابنا الظرف، ونموذجا الشرط، الظرف العربي العالمي والشرط الفلسطيني الذي آه ما أسوأهما! فهؤلاء أناس يعملون لما يجري في الحاضر منذ عشرات السنين، يقحمون أنفسهم في سيرورة الشعوب ليسيروها على هواهم، ويفرضون أنفسهم على التاريخ، يملون على التاريخ إرادتهم، فيغدو تاريخهم، أي لا تاريخًا. هذا ما تعمل عليه العقول الإسرائيلية من أجل بقاء إسرائيل ولا علاقة هنا باليسار أو باليمين ولا علاقة هنا ببيريز أو بنتنياهو، إنه لصراع وجودي بالنسبة لهم، وهم يعرفون جيدًا أنهم قاموا على خطأ تاريخي، وأنهم سيزولون ما أن يقوّم مسار التاريخ، ويسير سيرًا صائبًا، فعلى التاريخ إذن أن يبقى سائرًا على خطأ ليبقوا.


السؤال الثالث : ادوارد سعيد وغسان كنفاني ومعين بسيسو ومحمود درويش وسميح القاسم وغيرهم الكثير من الأسماء ما قد لا تسعفني الذاكرة.. كلها شخصيات فلسطينية حاولت في فترة ما أو أخرى أن تساهم في المقاومة، ولكل من هذه الشخصيات شعبية في أوساط الشعب الفلسطيني. هل يمكن لك أن تصف كل واحد منها في ثلاث جمل أو أربع، فلا داعي للتطويل لأننا في الواقع نحتاج إلى كتب لفهم هذه الشخصيات سواء اتفقنا معها أو اختلفنا؟


* تلات جمل أو أربعه ما بكفي، هادي مناسبة بعد رفضي المتواصل للقاءات كهذا اللقاء بحجة كل الأجوبة موجودة في كتبي، وخلينا نحكي...

سأبدأ بغسان كنفاني احترامًا مني لهذا الرجل ولمنطق التسلسل التاريخي، فغسان هو الأقدم عمرًا وتجربة، في السياسة كان رياديًا وفي الرواية كان رياديًا، وكان الموت له ريادة سحرية. إنه من نوع أولئك النجوم الذين ماتوا بشكل طارئ وفاجع وهم في أوج الشهرة والشباب، فتحول كل منهم إلى أسطورة في الذاكرة والخيال. وأعتقد أن غسان لو بقي حيًا لما أدخل الرواية الفلسطينية والأدب الفلسطيني في ساح التخييل العربي والعالمي بهذه السرعة، ولما دفع النقاد إلى الاهتمام بالقضية السياسية التي ذهب ضحية من أجلها، هذا رد على الذين اغتالوه عندما أذهب أدب غسان كل حساباتهم الدنيئة هباء منثورُا. لكني كأول دارس لغسان وحاصل على شهادة الدكتوراه الأولى عن أعماله لدي بعض الملاحظات التي لم أقلها في أطروحتي البعيدة، وأقولها اليوم بعد حوالي 35 سنة بخصوص رواياته الثلاث "رجال تحت الشمس"، "ما تبقى لكم"، و"أم سعد". أعتقد أن ما تبقى لكم الرواية الوحيدة ليس بين هذه الثلاث الروايات بل بين أعمال كنفاني كلها التي صمدت وستصمد أمام عوامل الزمن الروائي ومتاهاته السردية. ليس هذا لأنها تنهل من فوكنر ما تنهل ولكن لأنها نجحت فيما أدعوه "بالفعل المتعدي" (action transitive) فعل يتعدى إلى شيء آخر ويؤثر فيه. إن الأخت التي تَروي تُلخص كل التجربة الفوكنرية في "الصراخ والغضب" بعد أن جعلت منها تجربتها، وتنطلق منها مستقلة عنها، لهذا ما نسمعه من آهات في البداية هي آهات الأخت في رواية فوكنر وما تقترح تلك الآهات من ارتكاب للمحارم، ثم تتعداها آهات بطلة غسان إلى آهات ذل المخيم وبؤسه، وتؤثر على طريقتها فيه، فيغدو القارئ نهبًا لها، ولأنها عند كل قراءة ومع كل قارئ ومهما ابتعدنا في المستقبل ستثير جملة من الأحاسيس المتناقضة لن أتردد عن قول إن بعضها شبقي ومستعر وفي الوقت ذاته ممجوج وكريه. إنها دوافع بؤس أقسى من ارتكاب المحارم الآهة فيه تهز الإنساني فيك، فتلهبك وتلهيك. أما آهات أم سعد مثل ضحكاتها فهي من صنع كنفاني فرضها فرضًا على سياق تَخَيَلَهُ لهُ موقفهُ الثوري وخاصة موقعُهُ الثوري، فلا شيء مما تفعله أم سعد على علاقة بواقع المخيم الثوري إلا في ذهن غسان، فأين هذا المخيم اليوم؟ وما أنقذ الرواية حين صدورها من الفشل المفردة الشعبية التي يتقن غسان صياغتها، هذه المفردة مع تفاقم الفاجع الفلسطيني تدفع اليوم إلى الابتسام. وبخصوص رجال في الشمس يمكنني قول ما قلته عن أم سعد لكن الصرخة عند آخر الرواية "لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" هذه الصرخة السؤال تتجدد يومًا عن يوم طالما بقيت القضية الفلسطينية دون حل، ودون هذه الصرخة دون هذا السؤال الوجودي لماتت الرواية في مهدها.

محمود درويش فهم ما أقوله أحسن فهم، لهذا رفض كل كتاباته الأولى عن قهوة الأم والزعتر والهوية، ولم يقبل بلقب شاعر المقاومة، فقد كان يركض من وراء الفعل الشعري الذي يتعدى إلى شيء آخر ويؤثر فيه، الحنين إلى الأم وقهوة الأم وخبز الأم كل هذا لا يتعدى إلى بطن الأم والحبل وتفجر صور المخاض وعسر الولادة، لا يتعدى ذلك إلى صورة أمه نفسها عندما مات، القعيدة ذات المعالم المتنافرة المتضاربة المتصارعة بين الحزن والفرح في غبار الجنازة، هذه الصورة أقوى رسمًا وأعمق إنسانية وكونية من صورة الخابزة وصانعة القهوة، لكنه مات ولم يرها. مشكل محمود الكبير كان في موقفه الذي تحكم به موقعه وأثّر هذا في شعره، فهو كان ابنًا للسلطة، وأينما حل صديقًا لها، إنه ياسر عرفات الشعر، كان يُستقبل في دمشق والدوحة، وكان يقبل بجائزة مبارك وبن علي، لهذا ظلت قصيدته في خزان كنفاني دون أن تطرق الجدران، قصائده كلها لا تتعدى حدود الاستعارة. عندما انتقدت صمته في كتابي أربعون يوما بانتظار الرئيس تحت استعارة من قُطع لسانه، رد عليّ بعد صمت طويل فرضه عليه منصبه في اللجنة المركزية بقصيدة أبي عبد الله الصغير، لكنه كان ينفي دومًا أن المقصود هنا عرفات، إنه الموقف الذي يخضع للموقع، وعندما رميته بتهمة المغني في مقالي الشهير عنه، رد عليّ نافيا في لاعب النرد، فكانت آخر قصائده لي.

أما عن سميح القاسم فحدث!

يسمي نفسه اليوم "شاعر العروبة"! طبعا "شاعر المقاومة" الذي كانه بعد أن شطب من أعماله غداة أوسلو كل ما يمت بالمقاومة بصلة لم يعد له أي معنى. هذه الكنية الجديدة لو كانت عندما كان شيوعيًا لاعتبرتها ثورية ولهنأته عليها لأنها تقول عن فلسطيني في إسرائيل شاعرًا للعرب، ولكن ما تعنيه في عرف شيوعي تنكر لشيوعيته وأصبح أخًا مسلمًا ونظر إلى نفسه نظرة الدرزي في ماء البئر شيئًا آخر على علاقة بالمللية والطائفية التي هي على الموضة اليوم: أيها العرب أنا درزي وأنا شاعركم! فصيح اللسان أنا وفصاحتي من فصاحة بني قريش، لهذا أبزكم جميعًا! هذا التعالي المللي على حساب اللغة العربية لهو انحدار إلى أوطأ درك لمن يسعى إلى تجسيم الفكرة في كلام، ولمن كانت له الكليات تركيبات من صنع العقل، نعم حتى في الشعر، وغدت تركيبات من صنع التكايا ورخام القصور. عندما سألت أحد الأصدقاء إذا ما سميح جُن، أكد لي ذلك، جننته الدولارات قال لي، في البداية دولارات أبو عمار واليوم كل من يدفع، فقصائده التي لا قيمة لها يقولها في واحد اسمه عبد الله الثاني أو آخر اسمه بن علي، ولشيخات الخليج لديه قصائد في المتعة الدينية والمنعة الأنثوية عندما تهرق البكارات على حواف آبار النفط. لقد باع سميح كل الحضارة التي ظننتها فيه بكمشة دولارات، وهو اليوم سفير إسرائيل لدى الحكام العرب، فالتطبيع يجري على ظهره، وحرس الحدود الإسرائيلي يعامله كما لو كان ابنا لبيريز، يغادر إلى تونس ومكة ودمشق في أي وقت يشاء ويعود إلى تل أبيب في أي وقت يشاء، مثله مثل محمود درويش بعد قيام دولة مراحيض رام الله كان يدخل إسرائيل ويخرج منها في أي وقت يشاء حتى إنه كان فيها ساعات قليلة قبل سفره إلى أمريكا، وهذا امتياز لا يحصل عليه إلا المحظوظون المدللون من أبنائنا وإخوتنا عرب 48 وعرب 67 الملعون سماهم بالستين!

معين بسيسو مسكين! أذهبه ياسر عرفات ومحمود درويش بشربة ماء، كان شاعرًا ممتازًا وغبيًا في الوقت نفسه مع الأسف، كان مسعاه الدائم أن يظفر بالحظوة لدى عرفات دون درويش، ولكنهما تآمرا عليه، خاصة عرفات الذي خذله عندما اقترح جائزة لينين لصاحب العينين النسائيتين فقتله. موت بسيسو تراجيدي كموت كنفاني ولا أحد تكلم عنه وموته لم يكن له الأثر نفسه على أعماله، فالمؤامرة عليه استمرت حتى ما بعد موته، هذا الموت الذي قُدم على أساس أنه نتيجة لاحتساء كميات كبيرة من الويسكي. بالنسبة لي كان موت معين انتحارًا! التقيته مرة أو مرتين في فندق شيراتون خمس نجوم في باريس، كان ومحمود وغير محمود على موعد مع رئيس تحرير جريدة لو موند، وكاد يحطم الدنيا على رأس إبراهيم الصوص ممثل عرفات آنذاك في فرنسا لأنه تأخر بهم عن الموعد. علاقته بالسلطة من الداخل دومًا بطبع الهياب المتردد في مواقفه المتقلب، اقرأ مقالاته في بيروت تجدها وكأنها كتبت بأقلام متعددة، صورة من صور "القائد العام" هو، وكل ما كان يكتب لم يكن دافعه الوهم بل التوهم لأجل إرضاء عرفات وعرفات فقط.

المحير في إدوارد سعيد أنه كان نجمًا في الغرب وظل نجمًا في الغرب على الرغم من الحملة التي شنتها عليه أقلام إسرائيلية مأجورة، كان هو الآخر نوعًا من ياسر عرفات العلوم الإنسانية، وكنت أتساءل دومًا لماذا كل هذا الاهتمام بإدوارد سعيد غربًا، على الرغم من نقده للغرب خاصة في كتابه الاستشراق الذي شهره وقدمه وأبرزه. بالطبع كلام الإنشاء فيما يخص المفكرين العرب عن كتابه هذا أنه "يمثل جزءا من ثورة جديدة للدراسات الإنسانية تضرب جذورها في الماركسية والثورة الألسنية والبنيوية" حسب كمال أبو ديب، هذا الكلام لا علاقة له بعلاقة إدوارد سعيد بالغرب أو الغرب بإدوارد سعيد على الإطلاق، أولاً لأن هذا الكلام ليس صحيحًا، ففوكو ليس معيارًا لهذه الثورة الجديدة بنفي سعيد نفسه، وكتابه التأسيسي لم يكن أبدًا أركيولوجيا المعرفة الذي اعتمده سعيد وإنما الكلمات والأشياء. المهم ليس هذا ما أريد الوصول إليه، ولا أريد أن أحكي عن منهجيته وطريقته في التحليل، سبق لي وحكيت عنهما في مكان آخر، أريد أن أوجز سبب اهتمام الغرب بكتاباته التي لا أشكك في الجهد الذي بذله إدوارد فيها والعلمية التي توخاها، السبب برأيي هو الظرفية (contextualité) أو إن شئت السياقية التاريخية والسياسية التي صدر فيها كتاب الاستشراق، والذي يعرضه إدوارد ويحلله تاريخيًا وسياسيًا، ويصل إلى أنه أيديولوجيا الاستعمار الغربي للشرق، وهذا صحيح إذا ما جرى التفريق بين مستشرق يجري إعداده في دهاليز السي آي إيه ومستشرق يؤدي رسالته العلمية في أروقة هارفارد والسوربون –الاستشراق لا يقول هذا والتعميم في الكتاب من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة- وهذا ما كان الغرب، أمريكا على الخصوص، تريد نشره وترويجه وتأكيده لظرف سياسي تعمل على أن يكون ظرفها عندما بدلت الصراع بينها وبين الاتحاد السوفياتي إلى صراع بينها وبيننا. نعم، هذه أنا، تريد أن تقول أمريكا من خلال كتاب إدوارد سعيد، إن شئتم أم أبيتم، سأدق قرنيكم بنعلي، وأستولي على بلادكم وثرواتكم! إدوارد لم تكن له في الزفة لفة! ولو كان يعلم أن ظرفية كتابه هي هذه لما كتبه أو على الأقل لما نشره.

............................

أود أن أختم هذا الجزء الثاني من حديثنا بكلمة عامة عن نوعية المثقفين التي هي من نوعية الشخصية الهزيلة لياسر عرفات المثيرة للضحك في مؤتمر كتاب آسيا وأفريقيا في تونس، الكل وقف له ولبن علي الذي كان يمضغ العلكة إلا أنا، اسألوا يحيى يخلف الذي رماني بنظرة احتجاج ودهشة يقل لكم، والكل صفق له ولبن علي إلا أنا، كان خطاب عرفات (التاني مش أحسن) مكسر اللغة لا شيء فيه مفهومًا أو مترابطًا، هذه هي عينة المثقفين العرب وغير العرب المعجبين بعرفات إعجاب المثقفين الأميين الطليان بموسوليني. وعلى عكس كنفاني، عملوا على فقد الوعي بالذات بالعالم بالمعنى، بدلوا الرمز، وحرفوا الفكرة، وشوهوا الجمال، حلت الأنانية محل بذل الذات والعمى الديني المدعو ويا للمفارقة بالصحوة محل الرؤية العلمية والبصيرة الثاقبة. أين هي الثورة في السينما والمسرح والفن التي رافقت الثورة؟ أين الثورة في الرواية؟ في الشعر؟ كل الشعر المدعو بشعر المقاومة مرتبط بالمناسبة، رفضه درويش ومحاه القاسم، وأنقذ الموت بسيسو من أن يفعل مثلهما! ليس المهم ماذا ترك محمود بعد موته ولكن من ترك من ورائه ليواصل مسيرة الشعر: أحمد دحبور شاعرًا لعباس كما كان محمود درويش شاعرًا لعرفات؟ ومن عجائب الزمن العرفاتي وأبعاده التراجيدية المقلقة أن تعرف أن من "حافظ" على تراثنا الشعبي وكنزنا التقليدي الإسرائيليون عندما سرقوا هذا الكنز وذاك التراث وادعوا أنهما لهم.


وللحوار بقية...










الجزء الثالث والأخير من حوار أفنان القاسم / أجرى الحوار: مسعد غنيم - القاهرة وغريب المنسي – واشنطن


أفنان القاسم "جان بول سارتر العرب" لمصرنا:

الشيخ أحمد ياسين كان أشبه براقص الباليه والتغيير في الغرب وحده الكفيل بالتغيير عندنا وحضور فلسطين في الأدب اليوم أكبر دليل على حضورها في الواقع مكانًا وهوية.


الدكتور أفنان القاسم كاتب ومفكر وفليسوف فلسطيني يعيش في فرنسا وله مساهمات جيدة في مجال القصة والرواية والمسرحية هذا فضلاً عن أعماله النقدية ومقالاته الساخنة. يمثل الجيل الثائر على الواقع، فهو ناقم على حماس وعباس ومن قبلهما على من علمهما السحر عرفات، ويرى أن الشعب الفلسطيني هو ضحية قيادات فاشلة سياسيًا وأيدولوجيًا.. وفي هذه الحلقة الثالثة من لقائه يتحدث عن الشيخ أحمد ياسين بلسان السياسي الذي عهدناه فيه وعن أدبه والأدب الفلسطيني بلسان الروائي والناقد...


السؤال الأول: تناولت ياسر عرفات بالشرح في اللقاء السابق ويبدو أن الكلام لن يكون كاملاً بدون الحديث عن الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس.. وهنا لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن نفصل أحمد ياسين عن الإخوان المسلمين في مصر والإسلام السياسي في المنطقة العربية، وبالتالي هل الإسلام السياسي في صالح الشعب الفلسطيني؟ وهل حماس هي الخيار الأفضل لحركة الكفاح المسلح على المدى القصير والمتوسط والطويل؟

* الشيخ أحمد ياسين كان أشبه براقص الباليه، كان يرقص على أصابع قدميه، وفي حضنه الدين، ويقفز تحت خطر الوقوع في أية لحظة، وعلى الخصوص عندما كان يلعب دور كاسر البندق لتشايكوفسكي، كان الخطر عليه كبيرًا، وما كان يدفعه إلى الذهاب حتى النهاية قوة اللحن، تلك القوة الغيبية، ويد الله التي كانت ترفعه في اللحظة المناسبة. القوة الغيبية هي حماس، ويد الله هي، ويا للمفارقة، إسرائيل! وبكلام آخر كان من صالح إسرائيل أن يكون هناك واحد مثل أحمد ياسين، هذا لا يعني أن أحمد ياسين كان يتعامل مع إسرائيل، على الإطلاق، ولكن أحمد ياسين الديني الجهادي الإخواني الذي كان يريد تدمير إسرائيل كان يلعب دون أن يعي الدور الذي كانت تريده إسرائيل منه لتسويغ وجودها المهدد كما كانت تدعي ولتفتيت الصف الفلسطيني كما كانت ترمي، وهو في المعتقل حرثت على ظهره، وهو خارج المعتقل حرثت على ظهره، وعندما اغتالته حرثت على ظهره. لم يكن الشيخ ياسين بالنسبة لها يمثل جزءًا من الإخوان في مصر والإسلام السياسي، كان يمثل جزءًا من البرنامج السياسي لإنهاء القضية، أي الأخطر من كل شيء، لأن الإخوان في مصر هم في مصر، وهم جزء من البرنامج السياسي للإنهاء على مصر، والإسلام السياسي جزء من إسلام النظام العربي، فهذا ابن ذاك، وذاك ليس أحسن من هذا: الدكتاتورية القمع الجهنمية التوريثية البلد كمعتقل كبير، أما الشيخ ياسين وحماسه فكانا اليد الفلسطينية التي ضربت إسرائيل بها الفلسطينيين، اليد اليمنى التي ضغطت بها على فم القضية الفلسطينية، وباليد اليسرى، يد محمود عباس وفتحه، أجهزت عليها. وهذا ما تم تحقيقه في الآونة الأخيرة مع قيام كانتونة الضفة بقيام مؤتمر فتح في بيت لحم وكانتونة غزة بتصفية حماس لجند أنصار الله في رفح، أنا أتكلم هنا عن حدث بغض النظر عن كون هذا الطرف أو ذاك إسلاميًا متطرفًا أو غيره، حماس أثبتت جدارتها العسكرية في خدمة المحتل، وفتح جدارتها التنظيمية في خدمة المحتل كذلك، لقد اجتازت كلتاهما امتحان تصفية القضية الفلسطينية بنجاح، القضية الفلسطينية اليوم هي كانتونة غزة وكانتونة الضفة. لهذا لا تكلمني عن حماس كخيار أفضل للكفاح المسلح ولا عن فتح كخيار أسوأ للحوار من أجل السلام، الأمور تمت، وانتهت بوضع لا رجعة فيه. على فتح وحماس أن تحلا نفسهما بنفسهما وترحلا، الشعب الفلسطيني سيقبل، وإسرائيل لن تقبل! لقد غدت هاتان الحركتان شرطًا من شروط حركة التحرر الإسرائيلي وكفاح إسرائيل المسلح هو على المدى القصير والمتوسط والطويل! نوع من مسرح اللامعقول لبيكيت! وما يمكنني أن أفعله كمثقف في اللحظة القصوى للعبث الفلسطيني هذا، ما يمكن لكل المثقفين أن يفعلوه، أن يقوموا، على غرار سارتر ورفاقه خلال حرب الجزائر، بإعلان الحق في العصيان، وتفعيله.

السؤال الثاني: عودًا على بدء. المواطن العربي عمومًا والفلسطيني خصوصًا قد وصل إلى حالة من السكون وعدم المبالاة.. فالأوضاع السياسية العالمية والإقليمية تضع قيودًا على حركة الكفاح وطبيعته وتصنيفه وتعريفه.. ونحن نرى أن الكفاح المسلح هو الخيار الوحيد الباقي أمام شعبنا العربي في فلسطين.. فإذا كانت حماس غير مؤهلة للقيام بهذا الدور تحت عباءة الدين، والسلطة لا تقدر تحت بند أنها ملتزمة بالتفاوض، فهو الخيار الوحيد المعترف به أمريكيًا!!، فمن هو القادر على قيادة الشعب الفلسطيني يا ترى؟؟ علما بأن مصر قد رفعت يديها عن أي خيار عسكري مع إسرائيل، وتهويد القدس والتوسع الاستيطاني على قدم وساق!! من يا دكتور أفنان القادر على حمل بيرق القيادة في ظل هذه الظروف الانهزامية؟

* لا أحد! ولن يكون هناك أحد! ما أقوله لا علاقة له بالثقافة التهزيمية ولا الثقافة العدمية! كل الظروف الموضوعية تقول هذا، وكل الإمكانيات الذاتية. الكفاح المسلح هو الخيار الوحيد كخيار رومنسي بعد أن خيب حسن نصر الله الآمال ومقاومته في لبنان، وبعد أن غدت حماس بالفعل كأي نظام عربي. الكفاح المسلح على يد الكهنة في الدين أو السياسة لعبة ماكرة بدأت بعرفات وانتهت بمشعل وأشباهه من سدنة المعابد (سيقول لي أحدهم تتطاول، فكيف التطاول على الأقزام أو الذين تقزموا؟ عادة ما يكون التطاول على العمالقة)، الكفاح المسلح في المفهوم الجهادي أفيون الشعوب وليس الدين كبنية فوقية ما قصده ماركس أبدًا، وفي المفهوم الشعبي الكفاح المسلح نكتة سمجة اليوم وهذا هو حالنا! صوت واحد في الغرب يهتف لفلسطين أقوى من كتيبة، فكل شيء يتم هنا، في الغرب، عبوديتنا وحريتنا. هذا ما فهمته إسرائيل، وما لم نفهمه. صحيح على الشعوب العربية بما فيها شعب فلسطين أن تتحرك، ولكنها لن تتحرك دون أحزاب تقدمية، لن تتحرك دون أنظمة ديمقراطية، لن تتحرك دون اقتصادات قوية، دون دوافع وجودية كنا نطلق عليها اسم حركة التحرر الوطني لم يعد لها وجود، وهنا، في الغرب، يمكن للشعوب أن تتحرك من أجلها ومن أجلنا حتى ولو لم يكن قصدها التحرك من أجلنا، ولكن أي تغيير ايجابي يجري هنا ستشملنا إيجابيته. عن هذه الطريق وهذه الطريق فقط يمكن للقضية الفلسطينية وكل قضايا العرب أن تجد حلاً فيه بعضٌ من عدالة، وللشعوب العربية أن ترمي عن أكتافها بعضًا من أثقال الحكم الكلياني. يجب أن نتبدل في تفكيرنا وفي رؤيتنا، يجب أن نتبدل في سلوكنا وفي فعلنا، يجب أن نعلم أن تهويد القدس مستمر لأن لا أحد يصرخ ضد هذا التهويد ليس عند العرب أو المسلمين، فهؤلاء حتى ولو صرخوا لن يسمع لهم أحد، ولكن لأن لا أحد يصرخ ضد التهويد في الغرب. إسرائيل تعرف هذا، وتعمل على ألا يصرخ أحد في الغرب إلى أقصى أجل على كل الجبهات السياسية والثقافية والاجتماعية والسياحية والدعائية والضريبية والخبزية والخُبيزية وكله وكله.

السؤال الثالث: المستعرب الكبير د. أندريه ميكيل وصفك بأنك من رواد "الرواية الجديدة" ففي رواية "النقيض" القصة قصة إنسان منفي ممزق، ولكن قطبي شخصيته المتصارعة بين التخلي والتمرد، بين التعريض بالشبهات والمثل الأعلى، بين الحياة اليومية والمصير الأوحد، يمّحيان في النهاية أمام العهد الذي يُقطع للأم البعيدة. لهذه الأم، فيما وراء أم المؤلف، اسمٌ هو فلسطين. مرضعة، منسية، وحتى مغدورة أحيانًا، إنها تعيش. إنها تجمع الأبناء الذين تفرقوا كما يقول أندريه ميكيل. هل ترى أفنان القاسم في هذا البطل الأسطوري؟

* وهل أرى أفنان القاسم في بطله الآخر؟ في النقيض؟ أليسه من صنعه؟ هل أراه في أبطاله مرتكبي الجرائم؟ هل أراه في أبطاله الأطفال؟ في بطلاته؟ العاشقات منهن والعاهرات؟ أندريه ميكيل عندما تحدث عن أم المؤلف تحدث مجازا. هناك سوء فهم، ولا بد لي أن أشرح لك. مَثَل صغير، وستفهم كل شيء: الرافعة التي تُرفع عليها الحجارة وأكياس الإسمنت وشبكات الحديد وكل ما يُحتاج إليه من مواد لبناء عمارة، كل يوم تمر من تحتها دون أن تنتبه إليها، وفي أحد الأيام ترى شخصًا معلقًا بين السماء والأرض دون قبعة حماية ودون حبل يفكها، فتنتبه عندئذ إلى البناية التي تم إنجازها، وفي اليوم التالي تنظر فلا تجد الرافعة، تخفض عينيك ثم ترفعهما، فتستعيد صورة الشخص المغامر التي فكها، وكلما مررت من هناك ترفع رأسك إلى أعلى، وتراه، علما بأنه ليس موجودًا. وهذه هي حال الروائي الذي تظن بعدما أنجز بناء روايته أنه لم يزل هناك في أحد أبطاله أو في قطعة من ديكوره بينما هو غير موجود. أفنان القاسم وكل روائي في البطل الأسطوري وفي البطل العادي في البطل كشخصية روائية هو ظنك فيه وهمك عنه لأنه في الواقع لا هذا ولا ذاك، هذا جزء من عملية الخلق، ولماذا يقال الله خلق الإنسان على صورته؟ وهناك سوء فهم آخر، عندما نعتّني في مقدمة هذا اللقاء مع شيء من التردد بالنرجسي. النرجسية، خاصةً في الكتابة الأدبية، ضرورة إبداعية، وهي فوق إرادة المبدع، إنها نوع من قدر الكتابة، القدر بالمعنى الديني الميتافيزيقي، فنحن الروائيين والشعراء والقصاصين لا نقدر على الإفلات منها طالما بقي عملنا ليس منجزًا، طالما بقي ناقصًا، ونحن نكتب يتحول كل واحد منا إلى نارسيس ينظر في ماء الكتابة، ويرى صورته فيها الأجمل والأحلى والأروع حسب اعتقاده لأنه يرمي إلى الكمال، وما أن يكتمل نصه حتى يعود إلى الواقع الذي يفصله عن نصه بشراسة، وخاصة عن نرجسيته، هذا الهَم الذي انتهى ليبدأ هَم آخر وقد غدا النص ملكًا للقارئ، هَم عدم الكمال، فلا شيء في الإبداع كامل، المبدع يقترب من الكمال وأبدًا لا يقدم عملاً كاملاً، فيتحول إلى كعب أخيل، يغدو هشًا قَصِمًا سهل الكسر إذا ما أصابته سهام النقد سقط بسقوط عمله وإذا كان عمله قويًا حماه من السقوط، وبفضل الشعور بكونه هذا الكعب المعرّض للعواصف سيكتب عملاً آخر هو في ظنه أقوى وأفضل وأقرب أكثر من الكمال.

وعن النقيض، هل هو بالفعل بطل أسطوري؟ لا أعتقد، رغم اعتمادي على الأسطورة في تشكيله، إنه بطل عادي يقذف بنفسه في خضم السرد والعالم، ولهول ما يعيشه، لهول القضية، فلنقل قضاياه، يرتقي السرد إلى مستوى الأسطورة واجتراح المعجزات.

السؤال الرابع: من هذه الزاوية، في رواية "تراجيديات" التي قرأناها على موقع "باريس القدس" وكذلك في رواية "كتب وأسفار" على نفس الموقع وحتى في الفصول الأولى من رواية "النقيض" يلجأ أفنان القاسم إلى الموروث الأسطوري الموروث الشعبي العربي والعالمي، ولتكرار هذا الموروث في الروايات الثلاث ليس الأمر صدفة حتمًا، لماذا؟ وما هي الأهداف السردية؟

* أنا من رواد السحر في الكتابة، واحد من ورثته الكوسموبوليتيين، السحرية هدف سردي مقرر سلفًا، ويأتي فيما بعد العالم السردي المرتبط بموضوع السرد، وهذا يتوقف كما سبق وقلت بخصوص النقيض على هول المعاش، وهو ليس الهول بالمعنى القاموسي، الهول بالمعنى الإبداعي، النحت الحدثي، العجن اللغوي، الشرر الخيالي، وجسامة الأمر. في تراجيديات أعود بآدم بعد أن عاش ما عاشته الإنسانية إلى لحظة طرده من الجنة وأجعله يعيش من جديد ما عاشته الإنسانية محطة بعد محطة، فأعيد صياغة المورووث على هواي خدمة لأهدافي السردية المتمثلة في تأكيد فاجعة الإنسان وتأبيد الغربة التي هي غربته، وكان علي أن ألجأ إلى كلكامش وإلى ألف ليلة وليلة وإلى النبي لجبران خليل جبران وإلى الأوديسة وإلى شكسبير وإلى القصص الشعبي المغربي والعربي إلى آخره، وكما فعل ماركس بهيغل كي أقلبها، وأجعلها تمشي على قدميها. فاللجوء إلى الموروث يمكن أن يتم عن طريق محاكاة هذا الموروث، أن تقول ما يقوله، وهذا ما نراه على الخصوص في الأدب الفلسطيني عند محمود درويش وسميح القاسم وعلي الخليلي، أو عن طريق التصرف بهذا الموروث، وهذا ما نراه عند غسان كنفاني في أم سعد وعندي في العجوز وكتب وأسفار وتراجيديات حتى الفصول التي تذهب إلى باريس تحت اسم أورفليس وعند إميل حبيبي في المتشائل، أو أن تبتكر موروثًا جديدًا كما جرى في نجران تحت الصفر ليحيى يخلف والنقيض –أتكلم عن النقيض في طبعتها الثانية طبعة إنترنت- وعند السيد علينا جميعًا وليد رباح في مقاماته الحديثة، وفي الأخير أن تأخذ عمادًا من عمادات الموروث مثل "الرب لم يسترح في اليوم السابع" لرشاد أبو شاور وتبني عليه نصك، ومثل "على قاتِلِهِ أن يكون دعيّا وابن زنا" قاتل الحاكم في القسم الأخير من تراجيديات إنترنت، وهو قول عراقي مأثور.

وطالما أنا أتكلم عن الأدب الفلسطيني أود التنويه بحضور فلسطين في هذا الأدب تحت كافة صورها السيميائية والسياسية، وهذا دليل على حضورها الكلي في الواقع كمكان وهوية وامتداد في الزمان بعيد يرد على كل الادعاءات الصهيونية، ويؤكد لنا كل الحقوق التي نطالب بها، لهذا يجهد الإسرائيليون ما وسعهم الجهد في التعتيم على أعمال هذا الأدب ومحاربتها، فكانت حصتي وأنا الناشر لأكثر من ثلاثين كتاب بالفرنسية كبيرة.

السؤال الخامس والأخير: أعدتم كتابة بعض رواياتكم عدة مرات كما يبدو هذا من التواريخ التي تسجلون بها أعمالكم، مما يتعارض مع تاريخية هذه الأعمال وارتباطها بالمرحلة التي تعبر عنها، هل لديكم تفسير لهذا، وما هي علاقتكم بالكُتّاب العرب بسبب غيابكم الطويل، لوجودكم في باريس منذ عشرات السنين، وانقطاعكم الفيزيائي عما يجري في العالم العربي، وخاصة ما هي علاقة مواضيعكم بهذا العالم؟

* سأبدأ بالجزء الأخير من سؤالك المؤلف من سؤالين، فأقول لا علاقة لي بالكُتّاب العرب لا من قريب ولا من بعيد، لم أقرأ سوى لبعضهم ولغاية التدريس في الجامعة، وبس! وهم أيضا لم يقرأوني ولم يعرفوني، أخبَرَني أحدهم مؤخرًا أن صلاح فضل قد تحدث عن كُتّاب فلسطينيين من غيري وكأني لا أوجد بالنسبة له، هذا ناقد وناقد كبير لم يطلع على أعمالي! أما مواضيع العالم العربي فنظرتي إليها من هنا نظرة السائح تارة ونظرة المحترق في لهبها تارة، لقد كتبت روايتي الشوارع في حرب عمان 70 على سماعي للرصاص من الراديو، ربما كانت المسافة في صالح النص والتجربة الفانتازمية أبعد عمقًا، أقول ربما دون أن أجزم، ولكني ككاتب مكثر يعوضني عن ذلك كتاب عن النكبة التي عشت تجربتها صغيرًا جدًا فكانت بالأحرى تجربة الآخرين أو كتاب عن بيروت التي كنت فيها يومين قبل نشوب الحرب مع الكتائب، فما كان مني إلا أن ألقيت بالحرب في ديكور أعرفه! وهناك بالطبع رواياتي التي تدور في باريس ويعيش أشخاصها من هنا الأحداث هناك.

فيما يخص إعادة كتابة أعمالي لست الأول ولن أكون الأخير، هنا في الغرب سأتطرق إلى مثالين واحدًا لفلوبير الذي أعاد مع كل طبعة جديدة كتابة روايته مدام بوفاري وآخر لبلزاك الذي وصل به الأمر في إحدى المرات أن أوقف طباعة إحدى رواياته وقد طُبع جزء كبير منها مزقه ليعيد كتابتها. إذن لا علاقة هنا بالتاريخية وأقل منها بالمرحلة لأن كل رواية تحبل بمرحلتها الخاصة بها، وكل رواية عبارة عن عالمها الخاص بها، وكل رواية تخضع لتأثير الزمن عليها فتكبر وتشيخ وَهَمّ كاتبها دومًا أن يعيد لها شبابها، ويقترب بها من الكمال أكثر كما سبق لنا وقلنا، ولها في الإرث الذي يتركه الكاتب مكانها التاريخي والثابت دومًا. وعني شخصيًا، بسبب وجودي في باريس منذ عشرات السنين، تمت طباعة أعمالي في البلدان العربية دون أن أعمل على تصحيحها بنفسي، فامتلأت بالأخطاء اللغوية والمطبعية، وبسبب هذه الأخطاء رماني الكسالى من القراء بتهمة المستشرق، لهذا بعد ترجمة هذه الكتب ونشرها بالفرنسية، صححتها، وصوبتها، وأعدت كتابة ما أعدت فيها، فللناقد أن يعتمد هذه النصوص التي بدأتُ بإصدارها على إنترنت بانتظار أن أجد لها ناشرا.

شكرا دكتور أفنان.......

تم اللقاء.. باريس – القاهرة – واشنطن 22.08.2009
حوار مأزوم حول الأدب وقلة الأدب وما بينهما...!؟ (1)


بين الروائي الفلسطيني أفنان القاسم والكاتب السوري جهاد نصره

"أنا أفكر جازمًا بنجاح مؤتمر بال لتأسيس دولة فلسطين كما نريدها نحن، ليس التفاؤل، فلا شيء اليوم يدعو إلى التفاؤل، وليست المعطيات الموضوعية، كلها سلبية، وليست الإمكانيات الذاتية، ماركس أهمل هذه الناحية، إنها الصدفة التاريخية التي وجدها روسو في العقد الاجتماعي وسارتر في الوجود والعدم وغيفارا في بندقية صيد يمتلكها فلاح جاهل لكنه جائع جوع حوت، والآن أنا وأنت وكلنا الشعب الفلسطيني أولنا يعيش هذه الصدفة، وما جاءت خطتي للسلام ودعوتي لمؤتمر المثقفين والأكاديميين إلا من أجل تحويل الصدفة إلى تكريس مادي لها"...


نتكلم كثيراً عن الحوار، والجدل، والنقاش، لكن هل بقي في دنيا العرب بعد كل هذا التخريب الحاصل.. والتضليل المعمم.. والسموم المنفوثة.. والعصبيات الأيديولوجية.. والزرائب الحزبية.. وغير ذلك من خصائص وخصوصيات عفا عليها الزمن هل بقي ثمة إمكانية غير مصطنعة لمثل هذه الممارسات المتمدنة...!؟ من منا لا يدعي امتلاك الحقيقة بل أمها وأبيها..؟ مَن مِن القراء لا يدعي ذلك..؟ كلنا نحن العرب مخاتير تعلو أصواتنا في الفراغ فيما الزمن يمشي والسادة الأوباش متسمرون فوق رؤوسنا التي بدأت منذ ولدنا تشيب يأساً وقنوطاً وكفراً بكل هذا الفضاء العروبي...؟ على كلٍ نحن وبعضهم ما زلنا واقفين على أقدامنا كما الأشجار وربما نقوى ذات يوم أن نقول ما في أفواهنا...؟ إننا مهزومون ومن لا ينهزم أمام هذا الجبروت السلطوي الذي لم يسبق لرموزه المدحورين أمام الأعداء أن تعلموا في مدارس محو الأمية كلمة واحدة عن الأخلاق والقيم والرجولة الحقة...!؟ أفنان القاسم شجرة فلسطينية باسقة لم تقصفها رياح التواطؤ والفساد الفلسطيني المنظم والمتساوق مع فساد الأنظمة العربية كل الأنظمة لكنه كان دائماً يقوى على القول..؟ ولأننا بطبعنا نحب الأشجار الواقفة وليس تلك الساقطة والآيلة للسقوط كان هذا الحوار المفتوح بيننا.
جهاد نصره


1 ـ أفنان القاسم المشغول بالأدب كيف تبقى مهمومًا بالأدب في زمن قلة الأدب والنباح ( الأدبي ) هل تدري مثلاً أن أعضاء اتحاد الكتاب في سورية من كتبة الشعر والقصة وخلافه يقارب عدد أعضاء اتحاد الفلاحين..؟ ومثل هذا الأمر في بلدك الذي كان بلدك أقصد فلسطين وفي بعض البلدان العربية من جماعة الشرعية الثورية فعن أي أدب لا تزال تتحدث يا حيا الله...؟

ج ـ لا أزال أتحدث عن أدب لقيط وعلى التحديد لقيط الدولة وأنت تعرف ما يعني هذا: تُنكح النساء لتأتي بالأولاد من أجل الذود عن حياض الأمة، وعندي من أجل الذود عن حياض الصورة والفكرة والدلالة في زمن اليأس والخيبة والغربة، ولكن الرجولة السائدة في الأدب العربي تحاول اغتصاب حتى الكلمات وإذا لم تنجح، وهذه حالها معي، تمارس قلة أدبها كما تقول، فتنتج أدبًا هابطًا ليس النباح فيه قيمة بل الاستنباح لأنها تدرك ولكنها تتجاهل كلبية شأنها وشأن كُتابها ممن يطلق عليهم تسمية الكُتاب السلطويين أعضاء اتحادات الحيض العربي.

2 ـ ثم إنه نحن نرى في حزبنا الأصولي حزب الكلكة أن على الهاربين من المواجهة ( بالتلطي ) وراء صنعة الإبداع الأدبي تحديدًا وبخاصة الذين ليسوا أهلاً ولا سهلاً.. أنه عليهم التوقف عن الكلام والعودة عن التخفي وراء أوهام الشهرة والمسخرة والذي منه فما الذي ستفعله القصيدة والقصة والرواية في زمن عربي ( خرائي ) على كل الأصعدة في معركة الحرية الكبرى وهذه الفنون كانت على الدوام على رأس قائمة الضحايا...!؟

ج ـ ما الذي ستفعله القصيدة والقصة والرواية في زمن عربي؟ لست بحاجة إلى نعته بالخرائي، وأنت أدرى الناس بمفهومي التورية والتضمين. لم تفعل شيئًا ولن تفعل شيئًا. الهولوكوست الأدبي تم عندنا على أيدي كتابنا أنفسهم، وإلا لِمَ هي هنا ومنذ عدة قرون وعلى الرؤوس نعال حكامنا؟ ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى حرق البنية الفوقية بمعنى العقل أس كل حضارة وأساس كل حرية، لهذا نحن أمة لا تفكر، قطيع من الغنم يفكر، ونحن لا نفكر، ولهذا السبب انتشرت أحزاب الكلكة في طول بلادنا وعرضها، إنها ابنةُ ثوريةِ اللاعقل اللاعلم اللامنطق اللاجدارة اللاسياسة اللاإبداع اللاإجتراح ثورية اللاثورة وهي كلها ثورية بشكل من الأشكال حتى ولو لم تكن أصولية حتى ولو كان الحزب الأصولي أكثرها ثورية. وفي هذا الجو الثوري العربي، التضمين طبعًا الخرائي، لديك الخيار كمطارد لنحل الكلمات الشاذة والصور العاق والأفكار الرذيلة بين أن تكتب لشخصك –لأن الكتابة أصبحت قدرك ولا يمكنك تركها- وهذا ما حصل معي خلال عشرات السنين وبين أن تنتحر –أنا لفترة تم انتحاري رمزيًا ولكني جبان لم أحقق ذلك عمليًا- خليل حاوي لم ينتحر لأنه رأى من نافذته خوذات الجنود الإسرائيليين، خليل حاوي وجد فرصته الذهبية لتحقيق الانتحار الرمزي الذي كان يسحبه كالسلاسل سنين من ورائه، وبشجاعة لا تصدق كتب آخر قصيدة له.

3 ـ هل ستبادر أنت وتعلن الإقلاع عن هذا الانشغال فتكون سباقًا في هذا الميدان نحن نرى أن دعوتك لعقد مؤتمر للتفكير فيما آلت إليه قضية فلسطين فلسطين التي ضاعت على أيدي العرب قبل أن تضيع على يدي ( بلفور ) والانشغال السياسي والفكري والمعرفي أهم وأجدى من كل الروايات والأشعار التي كُتبت حولها..؟

ج ـ قلت لك خليل حاوي حقق ما لم تستطع كل قصائده تحقيقه في هذا الجسد الشهواني العفن الذي ندعوه الماخور العربي، التضمين هنا واضح، ولكنه مع الأسف ذهب دون أن يكمل ما فعل، وأنا هنا لأكمل ما فعله، لهذا جاءت دعوتي إلى عقد مؤتمر للعقل في مدينة بال السويسرية من أجل تأسيس دولة فلسطين بعد كل بحور الوسخ التي نغرق فيها ومصادرة المرجعية الفلسطينية، ومع هذه الدعوة الجوهرية أجدني مرغمًا على مواصلة الكتابة، وهذه المرة ليس لشخصي أو لملهمتي الكنعانية ولكن من أجل قدر القضية والإنسان وقيمتهما التي يستمدانها من طبيعتهما وليس من خيانات العرب.

4 ـ أفنان: أقول لك لقد كتبت أنا القصة القصيرة منذ العام / 1970 / وكنت أنشر قصصي حينذاك على صفحات المطبوعات المتوفرة وكلها قطاع أدبي عام خاسر بدءًا من مجلة الموقف الأدبي الصادرة عن اتحاد الكتاب.. ولا أدري لماذا لم أفكِّر حينها بأن أصبح عضواً فيه كغيري ثم وجدت عاماً بعد عام أننا نسير نحو الوراء..! هل تصدق أنه صار يرأس هذا الاتحاد الذي يضم مئات الأدباء أحد المختصين بحيوانات عصر الجاهلية وله كتاب عنوانه: ( الحيوان في الشعر الجاهلي )..؟ وهكذا صرت أرى أن ما ننتجه في مثل هذه الحالة قلة أدب وليس أدباً لأنه يصرفنا عن المعركة الوجودية الحقيقية التي لم يعد الأدب للأسف من أدواتها..! ثم لنكتشف لاحقاً مصيبة أكبر أقصد أن العمل السياسي نفسه لم يعد من أدوات هذه المعركة وهذه الحالة العجيبة من إنجازات الأنظمة الحاكمة وإبداعاتها ما رأيك في هذه المعضلة التي لا يتوقف عندها إلا البعض وأولهم أدونيس...!؟

ج - أدونيس ليس مَثَلُهُ مُفْحِمَاً بل مفَحَّمَاً، لأن أدونيس هو في الواقع عدة أدونيسات في واحد عدة مواقف وعدة مواقع في السعودية هو أخ مسلم وفي باريس هو عارض للأزياء وفي نيويورك هو تمثال الحرية. عندما يقول إن العمل السياسي ليس أداة معركة ونضال يقوله بقدر المسافة التي تقربه أو تبعده عن جائزة نوبل وليوهم بمعركته هو ونضاله، إنه النموذج الأعلى لأنا الثقافة العربية التي أنجزها النظام العربي، وهو يسعى بأنيابه ومخالبه إلى أن يكون نموذجًا لأنا الثقافة في الغرب بمعنى للثقافة المزبلة على طريقة المسلسلات الأمريكية دون أن يفلح لأنه بالنسبة لهم لم ينجز شرط النموذج على هواهم وليست له المؤهلات الشعرية رغم كل الجهد المبذول على طريقة بيرس حسب أوصافهم، العظيم الذي حطم النموذج الثقافي الغربي ابن الغرب سارتر برفضه للجائزة والأعظم هو ميخائيل نعيمة الذي كان يقول في كل مرة تحصل فيها زفة نوبل لدى العرب إذا ما حصلتُ عليها حاربتها بأموالها، فقط كي أقول لك إنك أقدمت على الفعل الأروع في حياتك وأنقذت نفسك بنفسك عندما قررت وأد القصة في رمل الأدب العربي، فهذا الأدب ليس قلة أدب فقط بل وقلة قيم، وهو جزء من إبرة المورفين الإعلامية اليومية، وسأقول لك شيئًا أخطر حتى الأسماء اللامعة كجبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف وسعد الله ونوس لم تنجُ مما أدعوه بالظرفية، فاستغل النظام أعمالهم في ظرف ما من ظروفه السياسية لصالحه دون إرادة منهم وأحيانًا دون وعي منهم.

5 ـ مع احترامي لمفهوم الانتحار الرمزي الذي تحدثت عنه غير أني أسالك ألسنا جميعًا والقراء قبلنا نقبع في خانة المنتحرين الأحياء فقط لأننا جبناء وأرواحنا مهزومة وأن الكتابة التي نتلطى خلفها تبرير ندعيه لتمويه هذا الجبن..؟

ج – مِيّه المِيّه... فيما يخص التبرير والتمويه ولكن فيما يخص المنتحرين الأحياء الأمر يختلف: الانتحار اجتراح إدهاش شجاعة لا تصدق فعل يعتبره علماء النفس أقوى ما يقوم به إنسان، وهو تعبير عن غضب تمرد جنون... إلى آخره، الآخرون أموات أحياء، الميت الحي محنط مفرغ منخذل لا هوية له ولا كيان. انتحار الحي واجب في لحظة استثنائية، ومن أجل لحظة تحويل يتركها من بعده، انتحار الميت تكريس للموت مرتين.

6 ـ ثم ألا ترى أن القضية صارت معضلة لأن الأمر لم يتوقف عند الأنظمة الحاكمة وحدها لقد تركت دراستي أنا السوري في جامعة دمشق أثناء ( مجازر أيلول ) في الأردن والتحقت بصفوف إحدى المنظمات الأكثر تشدقاً بالجملة الثورية لأجد فسادًا غير مسبوق في الفكر والممارسة وانظر الآن إلى ما آلت إليه القضية الفلسطينية هل لا يزال عندك أمل فتحلم بإمكانية نجاح مؤتمر بهذه السوية المتمدنة مع العلم أن الجميع أنظمة وأحزاب ومنظمات سيعملون على إفشال انعقاده..؟

ج – الحياة صارت معضلة، الثورة صارت معضلة، النملة صارت معضلة، الصداقة صارت معضلة، الصديق الحقيقي الصديق الوفي لا يمكن أبدًا أن يتحول إلى عدو لأنه تاريخ للثقة والأمانة وخاصة للاحترام، فما بالك القضية، قضية القضايا، القضية الفلسطينية؟ أنا لست حالمًا ولا طوباويًا، أكون حالمًا وطوباويًا وقت الكتابة، هذا من إرادة الإبداع على كل كاتب، وبعد الكتابة أزأر بصوت لا يسمعه أحد سواي، اليوم أريد أن يسمع العالم كل العالم صوتي. أعي بربرية الخصم، وهم يعرفون، وليس هذا منذ اليوم، منذ أن كتب عني غالي شكري مقاله الشهير "لا تدخلوه في السيرك" في السبعينات، نعم منذ ذلك الوقت البعيد ولما أنشر عشرة كتب بعد، يعرفون جيدًا أنني النفي الفكري لهم، وأنني لا أدخل في أدراجهم. لكني بدافع عدم الأمل أقوم بمبادرة اليوم مؤتمر بال فلسطيني لتأسيس دولة فلسطين كما نريدها نحن، أمل لتحقيقه لا بد أن يمضي بفعل مجنون غير واقعي وغير طبيعي ضد زمنه وضد كل المعايير، كل الآمال العظمى تتحقق على هذه الطريقة.

7 ـ أرى من خلال هذا الحوار المفتوح بيننا أنه بالرغم مما حدث معك من تجاهل، ونسيان، وطغيان، تبقى متفائلاً لنرى كيف ومن أين وعلى ماذا تبني هذا التفاؤل وبخاصة إذا لم تنجح فكرة عقد المؤتمر هل ستشاركني اليأس الكلكاوي حينها...؟

ج – لماذا لا تنجح فكرة عقد المؤتمر يا جهاد؟ لماذا تفكر من جوه النظام؟ أنت يا كل الكلمات التي بحثنا عنها ووجدناها؟ أنا أفكر جازمًا بنجاحه، ليس التفاؤل، فلا شيء اليوم يدعو إلى التفاؤل، وليست المعطيات الموضوعية، كلها سلبية، وليست الإمكانيات الذاتية، ماركس أهمل هذه الناحية، إنها الصدفة التاريخية التي وجدها روسو في العقد الاجتماعي وسارتر في الوجود والعدم وغيفارا في بندقية صيد يمتلكها فلاح جاهل لكنه جائع جوع حوت، والآن أنا وأنت وكلنا الشعب الفلسطيني أولنا يعيش هذه الصدفة، وما جاءت خطتي للسلام ودعوتي لمؤتمر المثقفين والأكاديميين إلا من أجل تحويل الصدفة إلى تكريس مادي لها، الصعوبات أمر طبيعي في البداية، والبحر أمواج تلي بعضها، وما حدث معي من تجاهل ونسيان وطغيان في صالح ما أقوم به اليوم من برق ورعد وقد تحول التجاهل في رسالة مؤخرًا من سفيرة عباس في بروكسل أي من أعلى المستويات إلى تهجم والنسيان إلى تشهير، وهذا سياسيًا وسيميائيًا أمر جيد، وبما أنها الخطوة الأولى من ماراثون الألف خطوة وخطوة الطغيان يبقى.


وللحوار بقية...


18.09.2009




حوار مأزوم حول الأدب وقلة الأدب وما بينهما...!؟ (2)

بين الروائي الفلسطيني أفنان القاسم والكاتب السوري جهاد نصره


8 ـ والآن لنتحدث عن جوائز تبييض اللحى..! هذه الجوائز الملكية والأميرية والجمهورية التي لا تساوي قيمتها ثمن الأحذية السنوية التي يستهلكها أمراء البذخ والضياع..! ومع ذلك تجد الذين يكتبون أو يبدعون يهرولون في سباق حامي الوطيس للاستلقاء تحت فتافيت المزاريب الشحيحة متوسلين نيل هذه الجائزة المالية أو تلك..! لقد اطلعت في حينه على بعض من تلك الكتابات الفائزة بفردة حذاء أو زوج من الأحذية فماذا أقول لك..؟ يا ( للبهدلة ) التي نحن عليها لقد كفرت بعيد ذلك بالأدب والأدباتية وقد شعرت بالمهانة نيابةً عن جحافل المهرولين بدافع الشهرة ربما والعوز بالتأكيد..! لقد صُدمت حقًا صُدمت حين أعلن الروائي الإسباني خوان غويتيسولو منذ أيام رفضه القاطع لجائزة ( القذافي ) كما لكل جوائز الأنظمة العربية الاستبدادية..!؟ وبعد كلِّ هذا قد يقول قائل: أنت عدمي يا ابن الخال.. ليكن.. لا يهم أمام هذا الانحطاط والبؤس الثقافيين...!؟ أفنان: هل أنت عدمي بنفس المقدار أم ماذا...!؟

ج – منظرو العدمية كانوا من الثورية عندما نفوا وجود أي شيء على الإطلاق بعد أن نظروا إلى العالم فرأوا الأشباه يعومون في الفراغ كالهوام، وعندما تنكروا لقيم هؤلاء الأشباه اللا أخلاقية، وكذلك عندما أرادوا تحرير الفرد من كل سلطة، هناك إذن سياق تاريخي واجتماعي وسياسي وثقافي لهذه الفلسفة النهلستية التي أكثر ما تنطبق على عصر الانحطاط العربي والبؤس الثقافي كما أحسنت وصفه. كيف إذن سنفهم الإنسان عبر هذا الأدب المتوَّج، هذه "البهدلة" كما تقول، التي لا تعرف شيئًا آخر غير لغتها ومعجمها وقواعدها الصرفية، والتي يتوقف الإدراك المعرفي عند أول جملة نقرأها منها؟ عرفات كان يجعل من حراسه وماسحي أحذيته وبوابيه الخصوصيين كُتابا لساعة من أجل التصويت لفلان ضد علان في اتحاد كُتابه، وبعد ذلك جوائزه كجائزة مبارك وجائزة قذافي وجائزة الأخت الزميلة سمو الأميرة سعاد الصباح لهم كانت بآلاف بله بعشرات آلاف الدولارات، إنها جوائز أقرب إلى الرشوة، فللصمت ثمن، وللصياح ثمن، لهذا دائمًا ما كانت وراء الجوائز في الغرب قبل تسليعها وحتى بعد تسليعها مؤسسات أدبية عريقة مثل جائزة غونكور وجائزة رونودو وجائزة فيمينا وجائزة الأكاديمية الفرنسية وفي هذه السنين الأخيرة تم استحداث جائزة تلامذة الثانويات الذين يعلمونهم في الغرب منذ هذه السن الباكرة كيف يقرأون وكيف ينقدون وكيف يتوجون، جائزة برأيي أهم من نوبل، وكل هذه الجوائز لها قوانين ومعايير توجب احترامها.

9 ـ من الميلة الثانية لا تنسى مهرجانات الأنظمة الأبوية التي يتقاطر للاشتراك فيها من هب وانبطح فيخرج الأب القائد الزعيم الأوحد الفيلد مارشال من باب الحارة ليحقق انتصاراته المتتالية على العدو الإسرائيلي المهزوم دائماً من غير شك..!؟ نعم يخرج وحده أمام أنظار الناس العرب محمولاً على أكتاف الفرسان الأدباء متأدبًا وأديبًا مبدعًا وصانعًا للأدب وللأدباء ومن لا يعجبه المشهد يجد فورًا وحالاً من يقول له: طز.. بلِّط البحر..!؟ يا لسوء حظك أنت الذي تسنى له المشاركة في واحدة أو أكثر من تلك الاحتفاليات السنوية و الفرجة عليها عن قرب أصدقني القول: ألست سعيدًا الآن من استبعادك عن تلك الكرنفالات...!؟

ج – طوال حياتي لم أشارك سوى في مهرجان المربد مرتين، كان أمر الحرب، وكان أمر بغداد، وكان أمر العراق، وكان أمر شهرزاد، وكان أمر أبي نواس، وكان أمر حلم قديم أبدًا لم يتحقق، وفي المرتين لن تجد لي لقاء واحدًا في جريدة، ولا صورة على غلاف. كنت ذات صباح مع جمال الغيطاني وناصيف عواد، فهجمت الكاميرات علينا لكني انسحبت، وعاتبني ناصيف لأني انسحبت. وكنت ذات مساء أجلس بين جبرا إبراهيم جبرا وسهيل إدريس، كانا يتجاذبان الحديث عبر صمتي، وكان جبرا يضطر إلى تأكيدي أو نفيي لما يقول بطرح السؤال الشائع: "وأنت ما رأيك يا أفنان؟" لم أكلم آلان روب غرييه الذي كان يجلس على مائدة الطعام معي، لم أحضر مرة واحدة لسماع شعراء البلاط، كانت الصورة المعلقة في كل مكان ترعبني تطاردني تحاول هدم جدراني، وأنا لهذا كنت ألجأ إلى غرفتي في الفندق دون أن أرد على الهاتف. أنا أحاول أن أحمي نفسي من العالم الخارجي بوضع نفسي في برج ليسه البرج العاجي، إنه برج من جهنم أحرق فيه جزءًا مني في كل مرة أنجز فيها كتابًا، وفي بغداد كنت أنجز لحظة من أتعس لحظات الوجود. حتى مهرجانات نصف الساعة التي كانت تقام هنا في باريس احتفاء بهذا الشاعر أو ذاك لم أكن أحضرها، وفي إحدى المرات تلفن لي إميل حبيبي يسأل لماذا لم آت إلى معهد العالم العربي؟ قلت القيّم على الدعوات فيه يدعو أبعد الأدباء عن باريس، وأنا لا، أقربهم إليها! صاح إميل غاضبًا: أنا أوجه إليك الدعوة، فتعال، لكني لم أذهب إلى كرنفال من كرنفالاتهم! أنا لا أنظر إلى الوراء، أنظر أمامي، وإلى المستقبل دومًا، وإذا صدف أن نظرت إلى الوراء، بعد كل هذا العمر ووقر السنين، وأجدني وحدي، نعم، أبتسم سعيدًا.

10 ـ وهكذا، وبناء على ما تقدم، كنت قد سألتك عن اليأس والتفاؤل وما بينهما..! ذلك، لأن كل شيء منوط بالنخب العربية..! فإذا كانت أحوال الأدباء على هذه الصورة المزرية وهم الجزء الحيوي من هذه النخب يا حيا الله..! فمن أين بربك ـ هذا إذا كان لا يزال عندك رب غير ربي ـ تستحلب تفاؤلك وبخاصة إذا ما تعلق الأمر بموضوعات كبيرة وحساسة مثل موضوعة: بلاد كان اسمها فلسطين.. ومدينة كان اسمها: القدس.. ومؤتمر تحلم بانعقاده في بال.. وخطة سلام اقترحتها أنت قبل أعوام لتكون بديلاً عن خطة الطريق وبند أساسي في جدول أعمال المؤتمر إذا ما قُدِّر له أن ينعقد..!؟ وموضوعة التعايش المدني العربي الإسرائيلي ليس في فلسطين وإسرائيل فقط بل على مستوى اتحاد مشرقي يشمل عدة دول كالسعودية والأردن كمجال حيوي لهذا التعايش يا للهول..؟ ألا ترى أنه ليست هناك إرادة دولية ولا إقليمية لمثل هذه الاجتراحات؟ صراحةً لا أتفهم دواعي تفاؤلك ولا أشاركك فيه وكيف أشاركك وكل شيء متوقف بل مرهون بتوفر شهامة أو وعي عند بعض الممولين الفلسطينيين.. يا له من رهان... خاسر...!؟


ج – لن أحدثك عن التفاؤل التاريخي الساذج للماركسية، ولكني سأعود إلى مفهوم الصدفة التاريخية، وأحاول تفصيله من الناحية اللغوية على الأقل. الصدفة أو المصادفة بالإمكان أن تأخذ معنى المقامرة أو الاتفاق أو المخاطرة، ولكنها في هذه اللحظة التاريخية من لحظات عالمنا العربي لحظة عدمية انحطاطية بؤسية إلى آخره، المقامرة والاتفاق والمخاطرة كلها موضوعية، أي ابنة زمنها. خطتي للسلام ومؤتمر بال ينهلان من هذا البعد، تحت شرط ألا يتم ذلك بلا تبصر، وألا يعول في أمر ذلك على المثل المعروف "رب صدفة خير من ألف ميعاد" أو المثل الآخر "رمية من غير رام"، فأنت أكثر من يعرفني، أكثر من يعرف جدلي الهيغلي حين جمعي بين الطريحة والنقيضة، وخاصة تمثُّلي الفكري من أجل الكشف عن التشابه القائم بين الظواهر المختلفة. من هذه الزاوية كل الأبواب مفتوحة لتطبيق الخطة ولانعقاد المؤتمر، التطبيق سيقف من ورائه من بين من سيقف الأدباء المنبوذون مثلنا وهم كثر والمؤتمر سيكون أداة التطبيق، لأن الخطة إذا كانت خطة السلام المؤتمر مؤسسة السلام ودولة فلسطين كما نريدها نحن والاتحاد المشرقي كما نريده نحن. الرهان الآن على الممول. هل تعرف أن في أمريكا وحدها 25 ملياردير فلسطيني؟ يجب الوصول إلى عمالقة المال هؤلاء. وهل تعرف أن في إسرائيل بدأت المنظمات اليهودية المحبة للسلام تلتف من حول الخطة، وتدعو إلى التعايش والتساوي بالحقوق الذي أدعو إليه، وهي ترى فيها دعوة غير رسمية للفلسطينيين إلى الإسرائيليين، غير رسمية أكرر، وهذا شيء مهم جدًا! الالتفاف الإسرائيلي الفلسطيني العربي أساس قوي من أسس ما تسميه تفاؤلي، فأنا مثلك لا أعول كثيرًا على النخب لا نخبهم ولا نخبنا.

انتهى

مجلة كتابات معاصرة تحاور أفنان القاسم / أجرى الحوار: إلياس لحود


كل الأعمال الأدبية ترقد بين دفتي الكتاب كأثر ولا تنهض كنص إبداعي ملهم وخلاق، وأنا تبعًا لهذا التصور أقول بعدم وجود رواية ولا قصة ولا قصيدة إلا نادرًا بخصوص هذه الأخيرة في العالم العربي.



السؤال الأول: حدثنا عن سيرتك الأدبية بكلمات مكثفة؟

أفنان القاسم: هل أقول لك أنا أكثر من ثلاثين كتابًا نشرت باللغتين الفرنسية والعربية؟ قال لي أحدهم أحد الذين لا يخجلون مؤخرًا "كلها ما عدا كتابين سألقي بها في المزبلة!" الكتابان هما "كتب وأسفار" و"شارع الغاردنز"، ولكن واحدًا مثل المستعرب دانيال ريغ اعتبر روايتي "العجوز" "من أهم الأعمال الأدبية"، اقرأ ما كتبه في مقدمتيه العربية والفرنسية، وواحدة مثل المستعربة ندى طوميش اكتشفت فيّ بعد قراءتها ل "فندق شارون" الصادر بالفرنسية "الكاتب المدهش الذي ما كانت تحسبه موجودًا"، اقرأ ما قالته على انترنت، وواحد مثل فيصل دراج كان يحب "الشوارع" وينوه بها للرابطة التي تربطه بأجوائها وشخصياتها وهمومها الخطابية وليس لأنه ساهم في كتابة بعض استعاراتها، وهناك ناقد لا أذكر اسمه تكلم في أطروحة له عن روايتي الضخمة "المسار" التي قضيت خمس سنوات في كتابتها، وحكم عليها في خمسة سطور بالفشل لأنها عرضت للمعتَقَلَيْنِ العربي والإسرائيلي، وبالغت في وحشية الأول بالنسبة للثاني... هذه آراء مختلفة تتعدد تعدد الأعمال والزاوية التي ينظر القارئ منها. أنا شخصيًا وقد عدت غريبًا عن أعمالي أفضل قصة قصيرة لي من قصصي الأولى عنوانها "الهامشيون" صدرت في الطبعة الفرنسية "للأعشاش المهدومة"، وأعتقد أنها تلخص مئات آلاف الكيلومترات من أسطر كتبتها، تكثف مفهوم البطل عندي ورؤيتي للعالم، البطل الإشكالي الذي ينوء بعبء العالم، فلا بطل سلبي عندي ولا بطل إيجابي وإنما بطل فاجعي، ولا أبيض أو أسود فيما أرى وفيمن أرى، لأن الشرط الإنساني يتبدل تبدل الظرف المادي وما يبدو فيه من واقعية أو ما وراء الواقعية. ومن ناحية ثانية، هناك أعمال نشرت لي بالفرنسية مثل رواية أخرى ضخمة تحمل عنوان "أبو بكر الآشي" عن ابن طفيل ولم تنشر بالعربية أو رواية "اسكندر الجفناوي" عن حرب عمان 70 ولم تنشر بالفرنسية، إلى جانب بعض المسرحيات والدراسات الأدبية والسياسية وعشرات المقالات وعشرات القصائد المكتوبة بالفرنسية.

السؤال الثاني: لوكليزيو وعصر الرواية العربية كيف ترى التقاطع بينهما التوازي التأكيد النفي التواصل القطع... إلى آخره؟

أفنان القاسم: لوكليزيو ليسه مثل كل روائي في الوقت الراهن، فهو أولاً وقبل كل شيء التقاطع والتوازي وكل الباقي بينه وبين الرواية الفرنسية على الخصوص والرواية في الغرب وفي العالم على العموم، بعد عصور من الإنتاج الروائي وصلت بالرواية إلى طور لا يرتبط لا بكلاسيكية ولا بتحديثية، ومُدت الرواية بهوية لا تنتمي لا إلى عصر ولا إلى بلد أمة طبقة... وأصبحت كجنس أدبي تيار نفسها وهوية نفسها. لهذا أفضل الحديث عن رواية ورواية فقط. لوكليزيو من وجهة النظر هذه هو بالصدفة لوكليزيو، هو بالصدفة فرنسي، لأن ما كتبه من روايات يمكن أن يكتبه صيني أو أسترالي أو عربي ينهل ما نهله لوكليزيو من الإرث الكوني، بطريقة أخرى حتمًا، ومن هذه الناحية ننعت رواية لوكليزيو الفرنسي بالفرنسية. الرواية تبقى شكلاً لازمنيًا ذات مضامين زمنية ولصيقة بواقعها حتى في أقصى صورها الفانتازية. إذن الرواية في عصرنا وفي البلدان العربية هي قدرتها على أن تكون رواية بالفعل ولواحد مثل لوكليزيو مصري أو لبناني أو موريتاني. كلامي هذا ينفي كل الروايات التي كتبت عربيًا بما فيها رواياتي، ويؤكد شرطين لوجود رواية لدى العرب: الأول على النص أن يكون البوتقة لنصوص سابقة عليه، ما تدعوه جوليا كريستيفا بالعلاقات التي تقيمها النصوص فيما بينها والسياقات التي تتبادلها، والثاني على النص أن يكون المحرك والمحفز والملهم لنصوص لاحقة به ليس لأن صاحب النص حاز على جائزة نوبل جائزة هي أعلى درجة وصل إليها تسليع الكتاب في مجتمع الاستهلاك، ولكن لأن النص هو اقتراح مستمر لنصوص جديدة على غرار ألف ليلة وليلة والأوديسة والكوميديا الإنسانية والملك لير والصراخ والغضب والمحكمة والغريب إلى آخره، وهذا ما لم يحظ به بعد لوكليزيو ولا أي كاتب عربي بمن فيهم نجيب محفوظ إلى حد الآن.

السؤال الثالث: إذن كيف ترى ما يدعى بنوبل العربية؟ بسارتر عربي؟

أفنان القاسم: إذا كان سؤالك فيما يتعلق بنوبل العربية يعني استحداث جائزة عربية بمستوى نوبل تشجع الأدب والفن وباقي العلوم أتساءل ما فائدة ذلك والأدب لدينا غير موجود والفن محتضر والعلوم ميتة منذ ابن سينا والفارابي؟ هناك جوائز عربية عديدة خليجية وغير خليجية وبمئات آلاف الدولارات ذهبت إلى الجيوب دون العقول، بل على العكس ساهمت هذه الجوائز في توقف العقل وقتل ما كنا نأمله في الكاتب المتوج من إبداع. برجزة الكاتب الذي هو كاتب سلطوي في الأساس شيء ليس ابن اليوم، وقراء الكاتب غير الموجودين أصلاً لن يكونوا هنا عند التسليع لتشجيعه كما يجري في الغرب، والتسليع الثقافي هذا غير موجود أصلاً ليرافق الجائزة ويسوّق لها على مستوى شعبي وثقافي وإعلامي، كل شيء يولد ميتًا بخصوص الجوائز وكل شيء طبعًا في خدمة النظام. أما إذا ما تعلق الأمر بحصول أحد الكتاب العرب على جائزة نوبل، فنجيب محفوظ قد حصل عليها، ولم تغير الجائزة شيئًا من أمر الرواية عندنا لأن ما يكتبه الغيطاني مثلاً يبقى في إطار الموروث العربي لا الموروث العالمي وتحليقات الغيطاني في تجلياته لا تتعداها إلى التحليق الوجودي السحري كما هو لدى ماركيز مثلاً، وأيضًا وعلى الخصوص لا تتعدى التناص إلى نصوص جديدة عربيًا وعالميًا بما أن كتبه ترجمت إلى الفرنسية وغير الفرنسية. وقس على ذلك كل الأعمال الأدبية التي ترقد بين دفتي الكتاب كأثر ولا تنهض كنص إبداعي ملهم وخلاق، وأنا تبعًا لهذا التصور أقول بعدم وجود رواية ولا قصة ولا قصيدة إلا نادرًا بخصوص هذه الأخيرة في العالم العربي. وبخصوص سارتر عربي أو بلزاك عربي أو جويس عربي أنا أعتبرها تسميات تنتمي إلى حقل الظرافة والدعابة في ظرف الانحطاط العام ظرفنا وظرفهم، فهم أيضًا ليس لديهم سارتر فرنسي آخر أو بلزاك فرنسي آخر إلى آخره، العقل الإنساني بصفة عامة يحيا زمن الأفول، والفرق بيننا وبينهم أننا لا نملك ماضيًا ثقافيًا حديثًا يحمينا (أنا لا أتكلم عن الماضي العربي الإسلامي التليد) وأنهم ما زالوا بماضيهم الثقافي الحديث يحتمون.

السؤال الرابع: يقال الرواية لغة العالم فما رأيك؟

أفنان القاسم: أقف حائرًا اليوم أمام سؤال كهذا، فمنذ وقت ليس ببعيد كنت أتكلم جازمًا عن عجز القصيدة بالمقارنة مع الرواية أمام الحدث تمثيله وتمثله، وعن ضعف القصة القصيرة، وكنت من المدافعين العنيدين عن الرواية كاحتواء ولغة وإنتاج للعالم. كنت أهمل الطرف الثاني القارئ وهو الطرف الذاهب بالعمل الأدبي أيًا كان رواية أم غيره من الكتاب الموضوع على رف من رفوف مكتبة إلى الكتاب النص الذي يعيد القارئ كتابته كل مرة قرأه فيها، ويضفي عليه وجودًا وخلودًا وقيمة، لهذا أرى أن الكتب الروائية كثيرة والنصوص الروائية قليلة لقلة من يقرأها، وليس لأن العالم متمثلٌ أو غيرُ متمثلٍ فيها. ولأن كل شيء يتوقف على القارئ والقارئ اليوم –هذا إن وجد قارئ عندنا- هو قارئ انترنت ضيق النَّفَس المستعجل دومًا الذي يسعده ألا يقلب صفحات الكتاب تصبح القصة القصيرة وغالبًا الأقصوصة والقصيدة الشكل الأمثل للتعبير عن العالم، والتربع على عرش اللغة.

السؤال الخامس: بما أننا في قلب انترنت احك لنا عن الكمبيوتر والكتابة بالقلم؟

أفنان القاسم: أعتقد أن الكتابة بالقلم أو على الكمبيوتر مسألة عادة وحالة نفسية لا أكثر، كنت وأنا أضرب رواياتي على الآلة الكاتبة أطرب للإيقاع وأستوحي منه ما أستوحي، لكل كاتب طريقته في زرع جناحين له على طريقة ذلك الكائن الأسطوري والتحرر من سجن الكتابة. لكن المستقبل للكمبيوتر لا للقلم، القلم يبقى ضروريًا للشاعر ليحاصر فكرة وهو في الطريق أو ليضيف صورة إلى ألبومه وهو في القطار أو الحافلة.

السؤال السادس والأخير: أنت في باريس وباريس كانت لك مناسبة لطباعة كتبك والتعريف بها بينما معهد العالم العربي في باريس وحسبما تعتقد دون نافذة عليها؟

أفنان القاسم: لأن معهد العالم العربي بالقيمين عليه صورة من صور النظام العربي، ليس مهمًا أن ندخل مدينة النور من بابها الواسع بينما نحن فيها، فنبقى في ظلالها إن لم يكن في ظلامها. الإنسان العربي بجنونه وشجونه يجهله معهد العالم العربي بل يتجاهله، فيجري التركيز على معارض يرضى عنها النظام المصري حول الفراعنة مثلاً وهذا جيد لو كان إلى جانبه شيء يحكي عن حياة المصريين اليوم، فكيف تريد أن يكون هذا المعهد دربًا عربيًا إلى عقل وضمير الفرنسي وبالتالي الغرب. المقاهي الأدبية تدور في الفلك الرسمي، والكتب المترجمة منتقاة على أحسن وجه، كلها من عينة يرضى عنها النظام أو على الأقل لا تزعجه، والنشاطات الأخرى تبقى رهن سياسة ألا نصدم ألا نعادي ألا نثير الحساسية تجاه إسرائيل والمتعاطفين معها أي أن نهادن ونهادن ونهادن وهذا ما يجري تطبيقه على الساحة هناك. أضف إلى ذلك أن المسؤولين هنا من له عشرات السنين، فأين التجديد في المواهب وأين المهارات الجديدة وأين التجارب الجريئة، لدكتاتورية الكرسي هنا صورة عن دكتاتورية الكرسي هناك، وباريس أو غير باريس، المهم أن أبقى، ولهذا السبب يعمل القيمين في معهد العالم العربي على تقزيم هذا المعهد وتقوقعه وقتل رسالته التي تأسس من أجلها ليبقوا بقاء الطحالب إلى أبد الآبدين.


05.09.2009





أفنان القاسم يجيب على أسئلة الحوار المتمدن / أجرى الحوار: فواز فرحان

1ــ هل كانت مشاركة القوى اليسارية والنقابات العمالية والاتحادات الجماهيرية مؤثرة في هذهِ الثورات؟ و إلى أي مدى؟

* عن أية قوى يسارية تتكلم؟ ونقابات؟ واتحادات؟ اتحادات هي في حقيقتها حلقات عائلية وقبلية، ونقابات هي أقرب إلى النفايات والتكايا والأحذية في أقدام النظام، وقوى يسارية هي قوى القلة المزايدة المنقطعة عن عالمنا، أما إذا كنت تقصد بالقوى اليسارية الأحزاب الشيوعية، فهي أحزاب مؤدلجة قبل أن تكون ذات إيديولوجيا، أي مروضة بما يتلاءم مع وجودها على الخارطة السياسية للبلدان القمعية تحت ذريعة عدم النضج التاريخي كما تسوق وشروط المرحلة كما تبرر، فالمهم بالنسبة لها هذا الوجود، أن تكون أهم بكثير من كل الشعارات البراقة التي تدافع عنها، ومن كل الفئات الكادحة والمقهورة التي تدعي أنها ترفد منها، وتناضل من أجلها، ومن كل التغييرات التي لا مكان لها إلا في أدبياتها. في سوريا مثلاً كان الحزب الشيوعي "شكلة" على صدر النظام الأسدي القمعي، كي يوهمنا بديمقراطية ليست موجودة إلا في كوابيس الشعب السوري، وفي لبنان لم يزل الحزب الشيوعي إلى اليوم يبحث عن مكانه في النظام الطائفي، مكانه مقابل الاكتساح الطائفي الهمجي للأحزاب التي تتفوق عليه شعبيًا، شيعة أو سنة أو موارنة، ولكن أبدًا ضد هذا النظام، والعمل على إسقاطه، وفي إسرائيل منذ كان ركاح وقادته يعملون على تدجين العمل السياسي للأقلية العربية، وقتل كل روح متمردة فيه تحت ذريعة أننا بهذا نحول دون تصفية الوجود العربي والحقيقة دون تصفية وجودهم ومكاسبهم، وهم قد سبقوا الكل عندما مهدوا لعرفات الطريق إلى أوسلو خطوة خطوة عند لقائه معهم أولاً ثم مع فلول ما يدعى باليسار الإسرائيلي ثم مع صقور ما يدعى باليسار الحاكم ليبتلع الجمهوران الفلسطيني والعربي لقاء عرفات بالقيادة الإسرائيلية والتوقيع على ما أوصلنا إليه من تصفيات للقضية الفلسطينية نعيش اليوم أصعب وأقذر مراحلها. وتحت الاحتلال الأوسلوي هل تعتبر الديمقراطية يسارًا، ونايف حواتمة قائدًا، وداوود تلحمي منظرًا؟ هو بالأحرى يلقي علينا درسًا في الإملاء! هذا اليسار هو يساري على قدر ما كان يدفع ياسر عرفات وما يدفعه محمود عباس اليوم، في زمن الأول كان لهذا اليسار دور ألا وهو تمرير ما لا يجرؤ على تمريره عرفات "الدولة الديمقراطية"، واليوم تلعب الديمقراطية الدور ذاته عندما تروج "لتساوي الحقوق" بمعنى التخلي عن كل الحقوق الوطنية تحت سماء إسرائيل الكبرى. مثل هذا اليسار اسمه يسار "بالونات التجارب"، وهو نجح لغاية الآن في كل تجارب تركيعنا المذل ولكن المخملي على طريقة كل التحاليل الفذة للقفاز ذي الأبعاد الثلاثة: دوليًا وعربيًا وفلسطينيًا، أليس هذا هو دأب أساطين الديمقراطية في التحليل من أجل التمطيط والتمييع ولا شيء غير التمطيط والتمييع. وإن سألتهم عن التحديد، مثل تسمية النظام السوري الوحشي القمعي، فهم يتهربون من الجواب لحسابات شخصية بالطبع، ولانتهازية تظل مزدوجة إلى أن تتم معرفة الكاسب من الخاسر في اللعبة، عند ذلك يتم الانحياز إلى الكاسب، أيًا كان، وتبدأ حملة التبرير. أما اليسار الآخر، اليسار القومجي، الاشتراكجي، الليبرالجي، فهو يمين وليس يسارًا، لأنه لا يوجد يسار حسب المواصفات التي لدينا هنا في الغرب، يوجد فكر يساري لبعض المفكرين، لكنه يبقى فرديًا، وأقرب إلى النظرية منه إلى الفعل والتأثير.

2- هل كان للاستبداد والقمع في الدول العربية الموجه بشكل خاص ضد القوى الديمقراطية واليسارية دوره السلبي المؤثر في إضعاف حركة القوى الديمقراطية واليسارية؟

* بالطبع كان، لكن ليس هذا هو المهم، المهم هو مواجهة هذا القمع وذاك الاستبداد، وفي حالة هذه القوى لم تكن هناك مواجهة، بل انتهازية وسلبية ولغة مزدوجة. أنا أفهم كيف أعمل في السقوط، وكيف أبتكر طرائق النهوض، أو كما يقال دفع عجلة التاريخ إلى الأمام، لكن هذه القوى لم تفهم ولم تبتكر ولم تجرؤ على دفع عجلة التاريخ لا إلى الأمام ولا إلى الوراء، كانت تواكب كل ما هو ضد التاريخ، كل ما هو ضد الفرد، كل ما هو ضد المجتمع، تختار المراوحة أو الظفر بالنوم والراحة.

3- هل أعطت هذه الانتفاضات والثورات دروساً جديدة وثمينة للقوى اليسارية والديمقراطية لتجديد نفسها وتعزيز نشاطها وابتكار سبل أنجع لنضالها على مختلف الأصعدة؟

* كيف تعطي وهذه القوى ليست موجودة؟ أو أنها موجودة كما كانت في السابق على هامش القوة الأقوى في المعارضة، الإخوان المسلمين. لهذا سيطر هؤلاء الأخيرون بلحاهم على الثورات العربية من الدار البيضاء إلى القاهرة، وعما قريب في دمشق وعمان حتى صنعاء. الإخوان المسلمون أخذوا الدروس الكبيرة الثمينة والجديدة من الأوضاع العربية الجديدة هم وليس الذين تدعوهم بالقوى اليسارية والديمقراطية، لهذا بدلوا شعاراتهم، وخطاباتهم، وبرامجهم، ليبقوا، وهم سيبقون. لهذا تجدني أنا المتحمس الأول لما يسمى الربيع العربي من أكثر المتشائمين، فالوعي الشبابي لا يكفي، والحماس الشبابي لا يكفي، والدم الشبابي لا يكفي، لأنني أعجز في وضع كهذا عن تحديد ما يجري شبابيًا، لكنني أرى بوضوح كامل كيف تحل دكتاتورية محل أخرى، فالهمجية العسكرية ليست أقل ضراوة من الهمجية الدينية.

4ــ كيف يمكن للأحزاب اليسارية المشاركة بشكل فاعل في العملية السياسية التي تلي سقوط الأنظمة الاستبدادية؟ وما هو شكل هذه المشاركة ؟

* اشطب على الأحزاب اليسارية ولا تعول عليها شيئًا... في هذا الخضم الشبابي سيكون التأسيس مع أمل ضعيف جد ضعيف لتيار –فلندعه باليساري- هو عبارة عن تيار مدافع عن مجموعة من القيم، كالقيم التي دافعت عنها الثورة الفرنسية، والتي تلخصها الكلمات الثلاث: حرية مساواة أخوّة، هذه القيم ستجمع من حولها الطبقات المتوسطة، دينمو الثورات، وستخوض نخب الطبقات المتوسطة المعركة السياسية لتكون جزءًا في العملية السياسية، لكن هذا يمكن أن يأخذ قرنًا من الزمن كما حصل مع الثورة الفرنسية، فأصحاب اللحى والدين الهمجي، لاحظ أنني لا أقول الدين السياسي، لأننا معهم سنعود إلى عصور الانحطاط الأولى، ولأن الدين أبدًا لم يكن إلا قمعيًا –في كل التراث الإنساني منذ هوميروس إلى صُنع الله إبراهيم يوجد عشرة بالمائة مما يوجد في القرآن من نفي للآخر وتهديد وتهميش- أصحاب اللحى هؤلاء يقفون للشبيبة والطبقات الوسطى التي يمثلونها بالمرصاد، بقوة ميتافيزيقية وأموال سعودية ومخابراتية أمريكية، وإن لزم الأمر بقوة السلاح على طريقة إقرار الشريعة في ليبيا، أو بقوة ديماغوجية على طريقة المنصف المرزوقي حينما طلب أول ما طلب كرئيس جمهورية ممن هم وراء الفوران الشعبي، أصحاب الثورة الحقيقيون، إمهاله ستة شهور دون مظاهرات ولا احتجاجات (هذا هو التحالف المقدس بين برجوازي صغير والإسلاميين، لهذا هو هنا). أما شكل المشاركة لأصحاب القيم الجديدة هؤلاء، فليس على التأكيد الاعتصام إلى الأبد في ساحة التحرير، وليست الانتخابات المحسوم أمرها سلفًا، يكفي أن تنظر إلى طوابير النساء المتحجبات عملاً بالقول المأثور "الله يحب الجمال"، لهذا تخفي تلك النساء دمامتهن! وليس بقرار من مجلس الأمن، أو من الجامعة العربية، أو من مجلس التعاون الخليجي، وإنما بحملات الوعي ضد الأمية، ضد التجهيل، ضد الدين، وبالنضالات الاقتصادية، فالمرحلة القادمة لن تكون كلها سياسية، والعمل من أجل رفع مستوى عيش الفلاح المصري، كالكادح في كل مكان في العالم العربي، لهو مطلب ثوري وخيار استراتيجي سيرفع من الوعي، وسيضع حدًا لتمرير الخزعبلات وتعليق التمائم على النوافذ والأبواب.

5- القوى اليسارية في معظم الدول العربية تعاني بشكل عام من التشتت. هل تعتقدون أن تشكيل جبهة يسارية ديمقراطية واسعة تضم كل القوى اليسارية والديمقراطية العلمانية ببرنامج مشترك في كل بلد عربي، مع الإبقاء على تعددية المنابر، يمكن أن يعزز من قوتها التنظيمية والسياسية وحركتها وتأثيرها الجماهيري؟

* أعتقد كما سبق وأجبت على السؤال الرابع أنه ستكون هناك قوى شبابية ممثلة للطبقات المتوسطة بكل تنوعها الفكري وتعددها السياسي في كل البلدان العربية تلتقي من حول قيم جديدة قيم مستوحاة من الشارع بعيدة عن كل أيديولوجيا سائدة، قيم تفرضها الأوضاع الجديدة، وتكون دينمو الفعل القادم طويل النفس، ولكن بكل فرح وابتهاج وقدرة على استنباط طاقات موضوعية للفرد والمجتمع.

6ــ هل تستطيع الأحزاب اليسارية قبول قيادات شابة ونسائية تقود حملاتها الانتخابية وتتصدر واجهة هذهِ الأحزاب بما يتيح تحركًا أوسع بين الجماهير وآفاقا أوسع لاتخاذ المواقف المطلوبة بسرعة كافية؟

* لماذا تلح على ما يدعى بالأحزاب اليسارية؟ أحزاب يساروية بالأحرى، لماذا تراهن عليها، وهي أقرب إلى الجيفة منها إلى الوليد الجديد؟ القيادات الشابة لن تقبل العمل مع هذه الأحزاب، لأنها مهترئة، ولا سبيل إلى ترقيعها بأديم شاب أو غيره. هذه الأحزاب لو كان لها شرف لحلت نفسها بنفسها، لكننا نراها تقف إلى جانب الفاشية في سوريا ومستعدة للعمل مع أزلام القذافي الثوريين في ليبيا، بيادق الشريعة والنفط ووطن الرمل والتجهيل الأخضر! في الجزائر تم محوها تمامًا، في مصر تجاوزتها الأحداث، في الأردن تبحث عن دور في صفقة ما بين الهمجية الدينية والهمجية التشريعية، وفي اليمن وقعت صك وفاتها برعاية خادم الأمريكتين الشريفتين.

7- قوى اليسار معروفة بكونها مدافعة عن حقوق المرأة ومساواتها ودورها الفعال، كيف يمكن تنشيط وتعزيز ذلك داخل أحزابها وعلى صعيد المجتمع؟

* قوى اليسار معروفة بكونها مدافعة عن كل شيء وأول الأشياء فرج المرأة، بمعنى المرأة كموضوع جنسي تمامًا كما هو الحال لدى الإسلاميين مفسري سورة النور بشكل خاطئ وبطريركي همجي، هذا هو التحرر في مفهومها، وحقوق المرأة تتلخص بهذا الفضاء الضيق: فرجها، فرجها المباح، فالرفاقية لدى هذه القوى هي هذا وهذا أولاً، ثم ثانيًا، وثالثًا، وبعد ذلك بعض الحقوق الخجولة، ولغايةِ رجوليةِ المرأة، رجولية هي صورة لما لهذه القوى النهلستية عن المرأة لديها، لهذا تلوثت المرأة، وردًا على هذه الممارسات امتد الأفق واسعًا فوق رؤوس الإسلاميين، بعد أن قدمت لهم ما تدعوه بقوى اليسار على طبق من فضة كل الذرائع التي يبحثون عنها من أجل تحجيب المرأة ومصادرة أنوثتها ولجم كل رغبة في التحرر لديها، فغدت موضوعًا دينيًا للطهارة، زوجة لله، ولقمة سائغة في أفواه عباد الله الصالحين.

8ــ هل تتمكن الأحزاب اليسارية والقوى العلمانية في المجتمعات العربية من الحدّ من تأثير الإسلام السياسي السلبي على الحرّيات العامة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة والتحرر؟

* القوى العلمانية ربما، القوى التي تلتقي قيمها والقيم الجديدة المنبثقة عن مدنية ساحة التحرير، لكنها لن تؤثر في الهمجية الدينية على المدى القريب، ستؤثر فيها، وستحد من تقدمها "الحسبواتي" عندما يقرأ الطالب كما يقرأ هنا عندنا في الغرب حسب مناهج علمية تعتمد الطريحة والنقيضة والحصيلة في الجدل الهيغلي، عندما يغدو الدين ذكرى من ذكريات يوم الأحد لبعض العجائز وأرامل المسيح، عندما ينظر المرء إلى المرأة فلا يرى وجهها أو صدرها أو كتفيها المدورين وإنما المفكرة وامرأة الأعمال ورئيسة الجمهورية، عندما لا يصفق الفلسطينيون لمحتليهم الأوسلوويين لأنهم يخدعونهم بدولة افتراضية، دولة بالقوة كما يقال في الفلسفة لا بالفعل، ويدركون أن كل هذا عبارة عن تكتيك سهل للتهويد المجاني وبناء المستعمرات وقضم الضفة وإنسان الضفة خطوة خطوة تحت أنظار العالم أجمع دون حسيب أو رقيب، لتصفية قضيتهم وجوهرهم ووجودهم، وأنه آن الأوان لإسقاط أكبر دكتاتورية في التاريخ العربي الحديث، دكتاتورية بدأت مع بداية ما يدعى بالثورة المفبركة في تل أبيب أول يناير 1965، عندما ينتفض الشعب الكوردي نافضًا عن كاهله العبء المتمثل بقياداته بنات الموساد والسي آي إيه، وتؤدي نهاية الفساد إلى استرداد كل الحقوق الوطنية بما فيها حقوق الورود الجبلية الكوردية في العراق الواحد الموحد، عندما يتم إسقاط كل مكبرات الصوت عن المآذن، هذا القمع الديني السلطوي خمس مرات في اليوم لبسيكولوجية الشعوب، ويُكتفى بالآذان الإنساني الروحي الحقيقي، في عهد مؤذن الرسول بلال لم تكن هناك مكبرات صوت، عندما لا يبدأ كتاب أنترنت ممن هب ودب كتاباتهم بعبارة "بسم الله الرحمن الرحيم" وينهونها بعبارة "الله أعلم" وتحل المرجعية العلمية محل المرجعية الدينية الألفية النورانية كمفهوم سرمدي الجاذبتنا إلى وراء كل الأمم التي لم يعد لديها الوقت إلا للعمل والبناء، عندما يتغير الخطاب اليومي كما هو الحال هنا في فرنسا فلا تسمع "إن شاء الله" و "الله معك" و "بارك الله فيك" والله والله والله لا في الشارع ولا في المترو ولا في الفراش، فيرتاح الله منا، ونرتاح من أوهامنا، ونكف عن رشوة الله بإيمان يضمن لنا الدخول إلى الجنة، وعندما، وعندما، وعندما...

9- ثورات العالم أثبتت دور وأهمية تقنية المعلومات والانترنت وبشكل خاص الفيس بوك والتويتر..... الخ، ألا يتطلب ذلك نوعاً جديدًا وآليات جديدة لقيادة الأحزاب اليسارية وفق التطور العملي والمعرفي الكبير؟

* نعم، آليات جديدة لقيادة أحزاب يسارية جديدة، ألح على كلمة جديدة.

10- بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن، كيف تقيمون مكانته الإعلامية والسياسية وتوجهه اليساري المتفتح ومتعدد المنابر؟

* الحوار المتمدن مشكلته في الشكل لا في المضمون، المضمون متعدد منفتح فضي كالقمر أحيانًا وأحيانًا ماسيّ كخاتم العروس، الشكل معقد مترهل مجبر حتى القمع، يجب تغييره بعد عشر سنوات من عمره، وهذا شيء كثير، بمعنى أنه شاخ، وما أقصده هو البساطة في شكله وألوانه على غرار الجرائد الإلكترونية هنا في الغرب عندنا، جريدة لوموند مثلاً، وترك الإخراج لكل كاتب، هو من يدخل مواده، وهو من يشرف على سكبها وتصحيحها والعناية بها، وهو من يتصرف بموقعه كما يشاء ووقتما يشاء، ويدفع عن المسؤول الفني عندكم، شخص لطيف من ألطف الأشخاص، الكثير من الأتعاب.


باريس الجمعة في 16.12.2011

















































حوار حول "أربعون يومًا بانتظار الرئيس" لأفنان القاسم / عيسى السعيد – باريس



المهارة الفنية انتشلتني من خطر السقوط في هاوية الأسلوب الجاف وعيوب الخطابية ولكن "روائية" أبناء السلطة أنفسهم ساعدتني الشيء الكثير إنهم على بشاعتهم "أبطال تراجيديون" بأتم معنى الكلمة.

ليس من المتعارف عليه إجراء حوارات ثقافية مع أصحاب المنابر الإعلامية والصحف لنشرها على صفحاتهم، إلا أن الضرورة أملت علينا إعادة إصدار حوار قديم قاس وشاق لم يكن فيه للمجاملة من مكان استدرجت عبره الكاتب والروائي أفنان القاسم، ولم يكن القصد من محاورته تلخيص تجربته. وإن كان بعض هذا الاستدراج قد شابته بعض الأحكام والملاحظات القاسية، فليس ذلك إلا لإتاحة الفرصة لنا كي نلقي بعض الأضواء على نصه "الأربعيني" الذي أثار عاصفة من التساؤلات كما عرى وكشف عن الكثير من الفضائح السلطوية والخفيّ من الحقائق المدانة لدى الغائصين في خبايا السلطة ودهاليزها وأنفاقها من رموز الثقافة الفلسطينية والمنتفعين! للتعبير عن الصورة المختلف حولها، والتي كثيرًا ما تلتبس المواقف منها، على الساحة الثقافية، كما تثير الارتباك في أوساطها! وهنا نص الحوار الذي جرى تحديثُ بعضٍ منه:



* كيف يمكن لنا أن نحدد مسار الحوار حول نصك الأخير؟ هل هو رواية وثائقية، تسجيلية، هجائية، أم سيرة ذاتية لتجربة فردية، مجبولة بالهموم العامة؟

النص الروائي كالحياة لا يتوقف عن التطور، في الماضي كان يجري تصنيفه تحت أي تيار يتبع: كلاسيكي، واقعي، واقعي جديد، رومنطيقي، أو حسب أي شكل كتب: وثائقي، تسجيلي، سيريذاتي... إلى آخره، بينما هو من الاتساع والقوة لدرجة تسمح باستيعاب كل هذا دفعة واحدة، وبسبب ذلك نتحدث عن خصوصية روائية منفتحة على كل الأنماط الأدبية وهاضمة لها، في الرواية نجد شعرًا ومسرحًا ومعالجة صحفية، المهم هو النهج الذي تشقه الرواية لنفسها، أي الأسلوب وطريقته في تناول الموضوع، عسى أن يكون كل هذا مبررًا فنيًا وإلا بدا النص متنافرًا، ومن هذه الناحية أتعبني نصي كثيرًا، فهو ليس سيرة ذاتية محضة وليس سيرة جماعية محضة: كل الروايات عبارة عن سيرة ذاتية أو سيرة جماعية، أما نصي فهو خارج عن المألوف، خارج على القانون، محطم للشكل الروائي المعروف، وكوني أحد أبطال الرواية لا يعني تسمية الرواية بالذاتية، إن الكشف عن هوية الراوي/ الكاتب صفة من صفات الرواية الحديثة في وقتنا المتقدم الراهن، كما أنني لست الكاتب الأول والأخير الذي اتبع هذه الطريقة، من بلزاك إلى بورخيس ومعظم كتاب أمريكا اللاتينية هم نمطي في هذه الطريقة، وعربيًا هناك على الخصوص محمد شكري في "الخبز الحافي" الذي سبقني إليها، ورياض بيدس في روايته "الهامشي" الذي تبعني على الدرب ذاته (...)، دون أن يأخذ أحدنا موعدًا مع الآخر، كما أن عزت الغزاوي في مقدمته "للحواف" يؤكد على "تشابه عمله بالواقع" مضيفًا إن "كل اختلاف في الأسماء والوقائع ليس مجرد صدفة"، وهي العبارة ذاتها التي بدأت بها احتراسي عندما قلت: "إن أي شبه بين شخصياتها وبين أشخاص واقعيين ليس ابن عرض جنحت إليه عن قصد"، وهو احتراس نقلته عن إميل حبيبي في "اخطية" بعد أن نفيت كل جملة من جمله، فهذا كاتب فلسطيني يلقي بمصائبنا على كاهل "خياله الشرقي المجنح" (....)، لهذا منحته إسرائيل جائزتها وقبلها شاكرًا بينما رفض هذه الجائزة يهودي يقف مع الحق الفلسطيني اسمه لوبوفيتش. هذا وقد لجأت إلى تجربتي الفردية المباشرة مع وعيي الأكيد لخطر التوثيق "الأرشيفي" أو التسجيل "الأستوديوهاتي"، فخففت منه الشيء الكثير، بل إنني أذبته في سياقات فنية وتاريخية جعلتني أذهب إلى أصول الإنسانية وأعود، من آدم إلى المنتفض، وإلى آخر مبتكرات الصورة الأدبية التي ساهمنا في تطورها ولو بشكل متواضع، وفي الأخير نقول إن التسميات (وثائقي وقائعي واقعي أو غيره) لا تهم، المهم أن يكون نصك مذهلاً.

* لو تكلمنا عن السياقات التاريخية ألا تشعر بأنك قدمت رواية "وعظية" كما لو أنك تقدم بلاغًا ضد العلاقات السلطوية، وبمعنى أوضح النص معني بالسلوك السلطوي وحقيقة الحالة الفلسطينية بهمومها الإنسانية وانتكاساتها السلطوية، بصراعات أشخاصها وأحقادهم الغير العادية حين تتأسس "طموحاتهم" على الحسابات الشخصية لا على القيم الإنسانية؟ أو حتى الوطنية؟؟!!

أفضل مصطلح" الحكمة" على الموعظة بالرغم من أنني لم ألبس في النص ثوب الحكيم، وأكره أن أقوم بهذا الدور، وإنما كل نص أدبي في نتائجه هو نص حكمي، مثلي، رمزي، خاصة إذا كانت العلاقات السلطوية، المعروف سلفًا في صالح من ستكون هذه العلاقات، هي المادة التي تبنى عليها الرواية، أي لا بد من موقف مبدئي أدافع عنه، حاولت التعبير عنه فنيًا ولغويًا بكل مشقة لئلا أسقط في عيوب "الخطابية"، والمهارة الفنية التي اكتسبتها بعد كل هذا العمر الروائي الطويل انتشلتني من خطر السقوط في هاوية الأسلوب الجاف، ولكن "روائية" أبناء السلطة أنفسهم ساعدتني الشيء الكثير، إنهم على بشاعتهم "أبطال تراجيديون" بأتم معنى الكلمة، يكفي أن يكون لك قلم ذكي يرسم سلوكهم، وينقل آلية صراعاتهم، لتجد نفسك في قلب الصراع الفلسطيني دون جهد، لذلك هم ينفون أنفسهم كشخصيات روائية عن طريق نفيهم لبعضهم وعن طريق نفي القضية لهم، فتتبدى كارثة الحالة الفلسطينية على حقيقتها، وبالتالي كل همومنا الإنسانية، أنا أربط هذه الهموم بالسلطة عندنا والسلطة عندهم، أي بحديها الوطني والقومي، لأن السلطة واحدة، وإن تعددت أشكال قمعها: المخملي فلسطينيًا والحديدي إسرائيليًا، وكذلك أركز على أشكال القمع السلطوي الذاتي فيما يخصني أنا، وكما جرى معي بالذات، والعام المخفي عن شعبنا.

* من تركيزك على هذه الأشكال هل يمكن لنا أن نطلق على النص صفة الرواية "المحاكمة" دون شهود (على الرغم من حضورهم الجماعي في النص وغيابهم الحقيقي في الواقع)؟؟

الرواية المحاكمة نعم في اللحظة التي يلعب شعبنا فيها دور القاضي، وهذا ما يجب عليه أن يفعله بعد كل هذا الهول الذي عرضت! لقد كنت الشاهد الحقيقي "الوحيد" تمامًا عندما يتخاذل الكتاب الفلسطينيون والعرب، الكتاب الأدوات أو الكتاب الجبناء. هذا وقد جعلت من المظلومين والبسطاء في الرواية حين سردت حكاياتهم المريرة طرفًا أساسيًا في المحاكمة وشهود عيان، لهذا على شعبنا أن يبدأ بمحاكمتهم اليوم قبل الغد، وهو سيحاكمهم إن عاجلاً أو آجلاً، في الوقت الذي ينفك فيه عنهم، وتزول سلطتهم الآيلة للسقوط (فضائح شخصية ومالية وسياسية وتسليم بالوطن واستسلام حتى العظم) وهذه طبيعة كل سلطة تسعى لتصبح صنمية بكل الوسائل، ولكنها تفشل، لسبب بسيط ألا وهو أن الفلسطيني يولد مسيسًا، أضف إلى ذلك، أن كل الظروف الحالية، أو ما يدعي بظروف السلام تسير ضدها، ليس كتابي فقط الذي ينهض ضدها. (....) مجزرة الحرم الإبراهيمي خير مثال! ومجزرة جنين، ومجزرة نابلس، ومحرقة غزة الأخيرة!

* هل تعتقد أنه يتعين على الكاتب كما "البطل" في النص أن يدفعا حياتهما وحريتهما ثمنًا لأجل البحث عن القيم الإنسانية في حين يظل ذلك متعارضًا مع حقيقة الحياة السائدة والمسيطرة التي نعيشها جميعًا؟

تقصد متعارضًا مع حقيقة حياة السلطة السائدة والمسيطرة لا الحياة بشكل عام التي تتواءم القيم الإنسانية معها ولا تتنافر. (...)
يقوم التعارض دائمًا بين الكاتب الحر والسلطة المستعبدة لأن هذا من طبيعة الأشياء وليس لأنه كاتب بطل، وأنا أعتبر نفسي كاتبًا حرًا بأتم معنى الكلمة، لأني "الوحيد" الذي أشهر كلماته على رقابهم كالسيف ولم يمض، فمعركتي ستستمر ما استمرت سلطة الاستعباد قائمة على رقابنا، خاصة بعد أن سقطت ورقة التوت (التي هي فلسطين) عن عورتها، واهترأ ثوبها الوطني (الوطنجي). لهذا شخصياتي مثلي، تلقي بنفسها في مهب الريح، تتعرض للموت، تنتحر أو تستعد للإجهاز عليها، ولهذا أيضًا لم أتردد لحظة واحدة عن اشتراكي معها بصفتي الشخصية في نص يقطع الطريق إلى الانتحار، يقطع طريق الانتحار بحثًا عن قيم لم ينحروها، كي أنقذها، وهذا قدر الكاتب الحر في عالم سلطوي خال من كل قيمة، أما أن أدعي بأني رسول الحرية كما قال أحد شعرائنا المعروفين، والمدللين، وفي الوقت آنه أربط نصي بزمن الأندلس، أقيده به خوفًا من سلطة أنتمي إليها ولا أجعله حرًا في زمن فلسطيني من أردأ الأزمان، أهرب، ولا أسمي الأشياء بمسمياتها، ألقي بنفسي في درع الاستعارة، وأبقى معلقًا بالحديد على بابها، فإني بالأحرى رسول العبودية، لأن الكاتب موقفٌ قبل أن يكون كاتبًا، والحرية فعل قبل أن تكون كلمة مفخمة (هل أقول مفخخة؟) في فم صغير يقدر على ابتلاع فيل الوطنية! (...)
وإذا ما احتفظت بحريتي كاملة، وعرفت كيف أعبر عنها، كيف أدافع عنها، كيف أجعل من حريتي حرية لشعبي، فحياتي ستبقى مهددة، وبناتي سيبقين دون مستقبل يحميهن.

* هل تعمدت أن يأتي نصك "الأربعيني" في مسار بحث عميق لإدانة جحيم السلطة والنتائج الغير المتوقعة للتاريخ، على الأقل في الحالة الفلسطينية؟

إنها تجربتي الشخصية، كما سبق وقلت ، وليست أية تجربة شخصية، إنها تجربة شخصية مباشرة مع آلة السلطة التي تقضم بأسنانها القاطعة كل من يعترض طريقها، فكيف إذن سأتعمد؟ وهي تجربة الشعب الفلسطيني الذي فهم بعد كل تضحياته أن منظمة التحرير هي بالأحرى منظمة التعبيد والاستسلام والتسليم، وإذا كان هناك مسار لإدانة ما روائيًا، فهو عند الكتابة مسار الدال والمدلول اللذين كانا في صراع مستمر نتائجه من نتائج حال الفلسطينيين في مرحلة معينة من تاريخهم غير متوقعة كما تقول بعد كل ذلك الصمود وكل تلك الآمال التي ضاعت سدى.

* عندما نكتب لا ندري ما سنكتب، لأن من العادة أن تأتي بما نكتب نتائج الكتابة؟؟؟

في حالة هذه الرواية مثّل السلطويون الفلسطينيون أحداثها وصنعوا وقائعها بشكل مذهل ومذل من أمامي، وأنا الذي فعلته نقلت هذه الوقائع وتلك الأحداث، لأنهم لم يتركوا أي شيء للصدفة، ولم يتركوا لي أية فرصة. لقد كان جحيمهم الذي اصطليت في ناره، لهذا بقدر ما كان نصي ضد -العادة بقدر ما كانوا هم ضد- التاريخ.

* هل يكتشف القارئ العادي للنص مأساوية الواقع الغامض للسلطة وفي نفس الوقت لا يمكنه أن يميز بين موقف الكاتب العملي في حياته وموقفه الفني عبر شخصياته التي يقدمها أو يتصورها؟؟

أنا لا أتوجه إلى أي قارئ "عادي"، أنا أتوجه إلى قارئ واع يفهم النص من سياقه، أما إذا أخذت جملة من هنا وأخرى من هناك وحكمت على الكاتب كان حكمك بإعدامه! وأعتقد أن عدم التمييز بين الموقفين في صالح النص، وإعلاء لفنيته، لأن نصي رواية أولاً وقبل كل شيء، وليس مذكرات لزمن الترف وعن موج الماضي العتيد. لقد ادعى الذين تدينهم هذه الرواية ومن لف لفهم أن نصي شخصي، رد فعل لموقف عرفات مني، وهذا ادعاء سهل، للتهجم عليّ، وللتقليل من الأهمية الفنية للنص والنحت المدمي للأصابع في حجر الرواية. أضف إلى ذلك، أن عدم التمييز بين الموقف الشخصي والموقف الفني يجعل من مأساتي الخاصة مأساة عامة، تراجيديا بالمعنى الإغريقي، تراجيديا فلسطينية مفتوحة، غير مؤطرة الدلالة، ذات فضاء إنساني.

* تتداخل مواقف الكاتب مع مواقف الشخصيات فنتساءل موقف الكاتب أم موقف الشخصيات أم الموقف العام، هذا ما قصدنا، "بعدم التمييز بين المواقف". تقول "هنيئًا لإسرائيل!" نعرف أن هذا ليس موقفك (أو موقف شخصياتك الوطنية) وفي نفس الوقت تندد بإسرائيل؟؟ من مع من؟؟!!

أهنئ العدو لأننا جعلناه ينجح في تحقيق مآربه ضدنا وأحلامه في بلدنا، وفي التهنئة مرارة كبيرة وغضب أكبر على سلطة تخدم العدو مباشرة أو غير مباشرة لغباء أو تواطؤ أو تآمر. أما أن أندد وفي الوقت آنه أهنئ، فالفعل الأول يلغي الثاني ويبرئ ساحتي، لأن القصد الأدبي سياقي، والهدف المعنوي للنص لا يتحقق إلا بعد إنجاز القراءة، ومن ناحية أخرى، إن ما يدعى بالبطل في النص يقول ما يود قوله على الرغم من أنفي...، ونحن إن أردنا أن نحاسب أحدًا، فلنذهب ونحاسبه هو لا أنا.

* قلت في حوار سابق وإياك نشر في "كتابات معاصرة" العدد 14 صفحة 22: "عندما أكتب لا أقول ما أود قوله ولكني أقول ما تود أبطالي قوله"!؟

لأن أبطالي أحرار، السلطوي وغير السلطوي حر في نصي، لأن أبطالي أبناء زمنهم، ولأن كل ما يند عنهم من قول أو فعل مرتبط ببعضه، والسياق، الذي هو من أصعب مهام الروائي في تشكيل عمله إن لم يكن المهمة الأولى التي له، أذكى من الجميع.

* أعمالك الأخيرة (كتب وأسفار، تراجيديات، القمر الهاتك، موسى وجولييت، وأربعون يومًا بانتظار الرئيس) تشهد فيها على سقوط الحبكة الروائية التي سادت في الرواية العربية والتي تشكل حاليًا موضوعًا لمعظم الجدل القائم حول الأدب الروائي والقصصي. كيف ترى المسألة؟

أرى المسألة من زاوية رؤيتي للعالم المتفجر، وبالعودة إلى وعيي الحاد المدرك لا بد من تفجير الأشكال، واقتحام معاقل الاستعارة، وقلب الطاولة على رأس التشكيل، أقول "لا بد" مع وعي الإرادة التي تبقى تقنية، فإرادتي من إرادة العمل ذاته، ولو قلبنا الآية لوجدنا أن الأعمال التي لا تتمتع بصفة "نسف" الحبكة أعمال بعيدة عن الواقع "المنسوف"(...)، وطبعًا الأمور لا تتم بشكل ميكانيكي: هناك الوعي الحاد المدرك والمواضيع المزعجة المقلقة وكذلك الممارسة المرهقة والدراية.

* نعني "بسقوط الحبكة" أنه لا يوجد قانون لتقنين الرواية: أحداث، عقدة، حل. لا يوجد نسيج منسجم ولا نلتقي كقارئ بخط واحد من البداية إلى النهاية في عملك الأخير؟

بدأت "الأربعين يومًا" من النهاية، ثم اختلط لدي الماضي بالحاضر، قبل أن أبدأ بدايتي الحقيقية. وهذه البداية لا توحي بالبداية، لأنك في قلب الحدث مع الراوي، والحدث لا يعدك بشيء. إنه يضعك في أجواء ترهقك، وجملة هذه الأجواء المتنافرة وفي الوقت آنه المتماسكة هي الرواية. لهذا لم أرقم فصولي من واحد إلى أربعين يومًا، أولاً لأنها ليست يوميات، وثانيًا لأنني منجرف مع تيار الوعي أكثر من التيار الزمني المادي. لهذا أيضًا كان الصعود والهبوط بعد أن انفتح الزمان على الزمان والمكان على المكان (زمن المسيح أم زمن تونس، بيروت أم القدس أم تونس، وفي تونس الفندق أم شارع الحرية أم البحر)، فكانت محاولة الخروج من ركام الأشياء التي هي محاولة الكتابة ذاتها.

* لكننا نجد في النص لديك كراو ولدى الشخصية السلطوية أنكما تسيران وفق خطوط متباعدة من التطور وتتبنيان مواقع متعارضة. هل ابتكار "النمط" -كما أشار الشاعر علي الخليلي في قراءة له- استخلاص لنمطية ما للمجتمع السلطوي؟ أم رغبة في الانفلات من قواعد السلوك السلطوي وبالتالي النقيض التام للإرادة السلطوية؟

أخشى أن يفهم "النمط" على غرار مفهومه الخاطئ في الواقعية الاشتراكية، من طرف "كتاب" الواقعية الاشتراكية أنفسهم الذين جعلوا من التنميط ظاهرة خانقة، ومن طرف الذين وقفوا ضد النمط منذ البداية لتعصب أعمى، ودافعوا دون أن يدروا عن نمط مضاد.(....)
لهذا أقول ينهل هذا الطراز الجديد في الرواية العربية من واقع المجتمع العربي الحالي الذي هو مجتمع سلطوي بطريركي قمعي مجتمع كا"الإناء المهشم" - حسب تعبير شعري لإلياس لحود- فكيف يمكن أن تكون صورة هذا "الإناء المهشم" غير ما هي عليه؟ وكيف يمكن أن تكون الشخصية التي بصدد النزيف غير شخصية جريحة. هذا ومن طبيعة الأمور أن تكون إرادتها نقيضة للإرادة السلطوية ومناهضة لقواعد سلوكها. وأنا ككاتب أريد أن أنفلت أيضًا من هذه القواعد وإلا لماذا أكتب وما فائدة الكتابة؟ لهذا جاءت روايتي للتعبير عن مجتمع "الإناء المهشم"، وفي الوقت آنه لرسم قواعد سلوك إنسانية، ليس كنبي أو منظر، ولكن عن طريق فضح قواعد السلوك المهترئة ومطاردة الإنسانية الضائعة فيها.

* تقول في صفحة 81: "هناك الانتفاضة مرحلة ما قبل الدولة مرحلة الموت، وهنا الدولة مرحلة ما بعد الانتفاضة مرحلة التسلق إلى المجد "... تلتقي هنا مع قول لأسطورة تشي غيفارا: "الثورة يزرعها حرّ، ويخوضها شجاع، ويقطف ثمارها جبان"، وهذا ما نلمسه خلال مسيرة النص حول جحيم السلطة وعلاقاتها بالمثقفين ضد المثقفين والفاسدين والمتسلقين والمرتشين؟؟؟

لأن روايتي تعي أية سلطة هي، وهذا ما يختلف بيني وبين كاتب السلطة الذي لا يرى، ولا يريد أن يرى، ولا يمكنه أن يرى إلا جانبًا واحدًا منها زاوية وحيدة، زاوية انتفاعه الشخصي، وبالتالي انكشاف تواطئه الذي يفسره بالهيبة من أمام سلطة متفسخة لوثت كل القيم الخاصة بالممثل الشرعي والوحيد لكنه يصر على أن تبقى ممثلاً شرعيًا ووحيدًا كما ادعت معظم الصحف العربية القابضة أو الخاضعة التي لم تكتب كلمة واحدة عن كتابي؟!(...)
لهذا انعكس ازدواج الخطاب على نصي للكشف عن وجهين للسلطة -مختصر عملية التضليل- وعن وجهين للممارس عليهم تضليلها، فجاء الفعل السردي قبل وعي التضليل وبعده، هذا لا يعني أني تدخلت بشكل فوقي في شيء، وإنما كل شيء تم بإملاء من واقع ما نحن فيه من دمار سلطوي.

* لاحظنا أن هناك تعارضًا: الراوي قصده شيء والشخصية السلطوية قصدها شيء آخر!؟

أنا أسمي نفسي براوي التعارض، وليس بيني وبين الشخصية السلطوية فقط وإنما بين الشخصية السلطوية وشبيهتها، أو بينها وبين ذاتها، وفي أحسن الأحوال بينها وبين نقيضتها، حتى أن هذه النقيضة لا تسلم من التعارض، وإلا كيف تريدني أن أعبر عن إنسانيتها، أن ألتقطها، أن ألتقط إنسانيتها الضائعة وفي الوقت آنه ألتقطها كشخصية من الخراب؟

* من جانب آخر تلك العلاقات النمطية (إذا جاز لنا التعبير) التي تصرّ على أن تكون عن سابق تصميم عنيفة ومحتقرة للقواعد والتقاليد الاجتماعية المتعارف عليها نجدها تصبح قادرة على تحرير نفسها من محيطها لتعكس بدورها العالم الواقعي الذي تعيشه. كيف استطعت معالجة تلك "العلاقات" داخل النص؟ ما هي الصعوبات الفنية مثلاً؟

السلطة تبرمج علاقاتها لجعلها نمطًا يخدم مصالحها، لهذا يجوز تسميتها، حسب مفهوم السائد والمسود، بالعلاقات النمطية. ومن هذه الناحية أنا لا أصر على أن تكون عنيفة، هي بطبيعتها عنيفة، ولا أصر على أن تكون محتقرة للقواعد والتقاليد المتعارف عليها، أي "المثالية" في المدينة الفاضلة، هي بطبيعتها محتقرة لها ولا تسعى إلا لإرساء قواعدها وتقاليدها الفاسدة. أما الصعوبات الفنية فهي تتلخص في موتي، الموت كاستعارة للكاتب الذي يشقى مع كل بنى علاقاته قبل أن تتحول سيميائيًا إلى علامات.

* لكن أبناء السلطة يعلنون على المكشوف مواقفهم وفي نفس الوقت أنت حقرتها بشكل ما عندما لم تترك لهم مجالاً للتبرير أو المراوغة أو الدفاع عن النفس!؟؟

لأن لا مجال للتبرير مع المجرم، ولا للمراوغة، إنه مجرم "على المكشوف"، أي مفتضح أمره منذ البداية، فكيف أترك له فرصة الدفاع عن النفس؟ فقط البريء الذي جرت عليه تهمة باطلة يدافع عن نفسه ليدفع عنه ظلمًا وليثبت براءته. أما السلطويون عندنا فلن تجد واحدًا منهم بريئًا، البراءة ستجدها في الطرف المضاد، فيما أسميته بقواعد السلوك والتقاليد الاجتماعية المتعارف عليها، ليست كل القواعد حتمًا ولا كل التقاليد، فهناك البائد منها وهناك المتجدد، ومن حركة التجديد وبها نصل إلى التحرير/ التحرر من محيط عفن ومتسلط. يكفي أن تضع الشخصيات في حالة من التعارض، فتنفي علاقة أو تثبت علاقة. وبخصوص الصعوبات الفنية التي اعترضتني أختصرها في تصوير أجواء الحالات: في حي القصبة مثلاً كان عليّ أن أبتكر أجواء مثالية أسطورية مهولة تجعل من شعب القصبة شعبًا للمسيح ينكره ويزيد من بؤسه لينهض من جحيم بؤسه وليغدو أهلاً لتعاليمه في الحب والعدل والسلام، الرواية لا تتعرض لهذا الشق من المسألة، فالمسيح الجميل بشع هنا وله تعاليم مناقضة، لكن الرواية توحي إلى حاجة العالم إلى التعاليم الإنسانية اليوم أكثر من أي وقت مضى، وعملية الإيحاء وكل ما له علاقة بالإيماءات فيما يخص شخصيات الرواية وأحداثها أرهقتني إرهاقًا لم يسبق له مثيل مع روايات أخرى لي.

* ولكن كيف أمكن حل التعارض الجذري بين العالم الخاص لمخيلة الكاتب والنظام السلطوي المتعارض؟؟

أنا لم أحل التعارض بل عقدته. أولاً لأنني لست التاريخ ولا الزمن، أنا جزء من تاريخ الكتابة الفلسطينية ومسافة من زمن الرواية العربية تسميها أنت مخيلة الكاتب، صحيح قمت بنفي النظام السلطوي كطقس من طقوس التخييل، وكان علي أن أضيف من عندي الشيء الكثير كي أجعله مهولاً على هوله وبربريًا على بربريته، إن ليالي المجون والجنون والسكر والعهر التي خَيَّلْتُ بها –أريد القول تخيلتها- كانت من أجل أن أقول الحل غير ممكن على الورق، الحل تاريخي، ولكني كروائي ارتقيت بالمخيلة إلى أقصى حد وبمتعة القراءة.

* هل تعتقد أن مهمة الكاتب جمالية أم تبشيرية؟

أنا أنفي تهمة التبشير ولا أنفي تهمة التنبؤ، ولإثبات هذه التهمة الجميلة عليك ككاتب أن تكون جميلاً. ليس أنت وإنما كتابتك التي تجري على أساس أن الجمالي في حالة نفي وإثبات دائمة للسياسي، فأنت لست من أتباع الفن للفن ولست من أتباع الكتابة المؤدلجة بالشعارات الفضفاضة. وبالقدر الذي تعنى فيه بأقدار الناس، وتحياها كما لو كانت أقدارك، تتنبأ، ترى المستقبل، وغالبًا ما يكون ما تتنبأ به صائبًا. ولتفسير مهمة الكاتب الجمالية أقول على جمال الواقع ودمامته أن يغدو جمالاً للغة.

* السؤال السابق يجعلنا نطرح سؤالاً آخر: هل مسؤولية الكتابة الأدبية أن تتجاذب الخطاب اليومي أم تتخلص منه؟

توظيف الخطاب اليومي في السياق الروائي مهمة أدبية ثورية. لأن السياق يفرض بساطة القول في حدث شديد التعقيد، بمعنى أن الخطاب اليومي في مكانه المناسب من السياق عليه أن يجري "تشذيبه"، وهذه مهمة صعبة للروائي، الشعر له أسهل بكثير. لقد جرت على لسان شخصيات واحد عظيم مثل بورخيس الكثير من التعبيرات الشعبية والتي لم تصل إلى مستوى "شطحاته" الشعرية. إذن يجب إخضاع اللغة لحاجات السرد من أجل الوصول بالخطاب بشكل عام إلى إيحاءات شعرية كبيرة، وأنت تتفق معي حتمًا حول أهمية هذه الرواية التي لا تتوقف فقط على موضوعها ولكن أيضًا على مصادر المتعة الجمالية التي تزودها على غرار "كلاسيكيات" الأدب على العموم.

* هل السلطة لا تريد أن تغير ما تعارف عليه الناس، حتى على المستوى الإبداعي؟

لهذا قلت إنها مهمة ثورية بالرغم من أن كلمة "ثورية" ليست على الموضة اليوم، فأي خطاب خارج خطابهم هو شاذ غير صحيح وغير واقعي ومشكوك في أمره ويجب إلغاؤه أو إلغاء صاحبه جسديًا أو ماديًا بكل الوسائل والإمكانيات وما ملكت أيمانهم، وفيما يخصني أنا الإلغاء المادي حصل أما الإلغاء الجسدي فهو على الطريق. (...)
ذلك لأن الصراع يبدأ وينتهي بالخطاب، لكنهم (...) وسلطتهم (...)! أنظر هنا في الغرب، كل شيء يقال، ولأن كل شيء يقال السلطة قوية، "تطبق" الديمقراطية –الديمقراطية للنظام السياسي أيًا كان بإمكانها أن تكون المضاجعة أو الجريمة أو مرحاضًا في الحي اللاتيني أو في باب الواد، المهم هو تطبيقها، الدكتاتوريون العرب كلهم يقولون عن أنفسهم كهتلر ديمقراطيين- والمحك الفعلي هو الفعل السياسي الذي يسير معًا والخطاب السياسي، فيزداد النظام الغربي قوة، يقولون النظام الجمهوري، وتزداد السلطة التي تحكم بقيادة هذا الحزب أو ذاك قوة إذا ما أخذت بعين الاعتبار المطالب الشعبية حتى وإن جعلت من حرية التعبير وحرية الرأي شعارًا ديماغوجيًا للديمقراطية ولذر الرماد في العيون، ومن هذه الناحية فقط تحاول سلطتنا استغلال كتابي لصالحها. لهذا كي تبقى السلطة في الغرب شعبية عليها أن تعدل من خطابها وفعلها أو العكس بالعكس ليتماشى مع موعد الانتخابات القادمة التي ستبقيها أو ترميها في الحضيض، هذا الموعد "التاريخي" الذي فوتته كل الشعوب العربية عبر تاريخها للأسف!

* مما سبق هل كان النص لديك معنيًا بالتركيز على معنى ومسيرة التاريخ في حالة "مجتمع منفي" بطور التغير وتقديم "وجهات نظر" شخصية وسط متاهات سياسية غامضة في عمل أدبي؟

كان نصي معنيًا أكثر بالتركيز على اللامعنى في التاريخ وعلى ضد مساره الذي هو مسار السلطة. الثورات الفلسطينية كلها منذ إضراب الستة شهور إلى اليوم والحروب العربية الإسرائيلية كلها لم تؤد إلى شيء آخر غير تأزيم الوضع الفلسطيني وانتزاع الفاجع الفلسطيني من معناه، التاريخ الفلسطيني هو التاريخ بلا معنى والفاجع الفلسطيني هو الفاجع بلا معنى، نحن هنا في قلب سيميائية العبث الفلسطيني الذي أبدًا لن يكون كونيًا بالمفهوم السائد اليوم، إنه عبث ضد كوني، ضد تاريخي، ضد زمني، وهذه كلها صفات للسلطة، فهو عبثها وتاريخها وزمنها. ومن يتكلم عن العصافير من شعرائنا الكبار الأشاوس ليقدم للغرب شعرًا كونيًا لم يفهم شيئًا من الفاجع الفلسطيني الذي هو فلسطيني خالص فريد في العالم، وفرادته أو كونيته لأنه فريد في العالم، المجرة في السماء مجرة أولاً ثم هي كونية، جزء من الكون، وحذار من نقل الفولكلور الفلسطيني لنقول هذا هو أدبنا الكوني، الفولكلور متاهة من المتاهات السياسية التي تتكلم عنها، أم سعد كنفاني بعد ثلاثين سنة من كتابتها هي من هذا النوع الذي تجاوزه الفاجع الفلسطيني والتاريخ الفلسطيني بعد أن فقدا معناهما.

* ثمة محاولة داخل النص لاستخدام لغة فردية كي تعوض الكاتب عن انتمائه إلى مجتمع سلطوي مضطرب حين لم يعد بمقدوره تصوير ونقد "بطانة" منظمة هرميًا ومتمركزة حول السلطة، لذلك هل تَوَجَّبَ عليك ابتكار نوع خاص من اللغة يتعذر السيطرة عليها فنيًا؟ واضطرك ذلك إلى حالة تخاصم لدرجة العداء، فكانت اللغة صريحة، وبناء على ذلك كنت معنيًا بتبني أسلوب بلاغي لكسر قيود الموقف الاجتماعي والسياسي الذاتي والموضوعي للتعبير عن الوقائع النفسية والسياسية اليومية الجديدة؟

ابتكار اللغة الجديدة همّ فني أصطدم به عند كتابة كل رواية جديدة، لكن المشقة هنا كانت مضاعفة، فالسلطة جعلت من العالم ماخورًا، وبالتالي هل تستحي اللغة في بيت دعارة؟ لهذا كانت لغتي -التي هي لغة السلطة- "صريحة" كما تقول، لغة السلطة واللغة الوحيدة التي تفهمها السلطة في آن. و"التخاصم اللغوي" الذي تعنيه هو تخاصم في المواقف وعلى المواقع، لأن ما تدعوه باللغة الصريحة ليست لغتي الخاصة، أنا في الواقع أستحي حتى من خيالي، لكنها كانت الطريقة الوحيدة للتعبير عن واقع، لكسر قيوده، لتحطيم هذه القيود عن طريق لغة أقوى من أسياد العالم، لأن لجوئي إلى" لغة الانحطاط " التي هي لغتهم ما هو سوى وسيلة لتجاوز الانحطاط. أضف إلى ذلك أن اللغة الشعرية والصورة النثرية والخيالية قد رافقت ما تدعوه باللغة "الصريحة" لتطلقها من عقالها، ولتزود النص بلغة تبلغ بالقارئ "غير الطاهر" إلى أقصى درجات المتعة.

* لم توضح استخدام اللغة الفردية. لقد جاء الشكل الروائي الجديد عندك مقابل نوع خاص من اللغة، مقابل حيز لغوي تحكي فيه عن بعض الوقائع التي حصلت معك (ذهبت وأتيت والتقيت) والتي تحصل مع أي شخص وكل الذين ذهبوا إلى السلطة وقعوا فيها؟؟

لأن اللغة الفردية في النص ليست منغلقة على ذاتها، إنها تستمد قوتها من شدة الصدمات. أنا لا أتكلم عن تفاهات الأنا، وإنما أطرح معضلاتٍ الأنا محورُها، والسعي إلى سحق الفردية غايتها، فالفردية لديّ تعادل الإنسانية بمعناها العريض. لهذا كان استخدامي للغة الفردية حفظًا للإنسانية في عالم شوهته لغة وأدوات النحن السلطوية.

* النص في جانب منه يؤدي إلى انطباع مفاده أن كافة الشخصيات السُلطوية أو ما تدعوه "بالنحن السلطوية" مثل أبو رُهم والشويعر الدحبوري صخر البسّ أبو مسامكة اليونيسكاوي صوصنا العام حورية البحر الميت الصحافية المقدسية عباس أبو فضيح إلى آخره تتحرك ضمن دوائرها المغلقة حيث كلما تحركت داخل إطارها السلطوي زاد تمركزها حول الذات مقنعة نفسها (أو هكذا أردت) بمنطق أنه لن يكون لها وجود إذا غابت عن الأنظار؟؟!!

النحن السلطوية عبارة عن مجموعة من الأنا الأنانية اللئيمة، هنا أيضًا أستعمل لغة فردية لكنها لغة مقيتة لأنها لغة التسلط والحقد و" الجهل" الذكي و"البشاعة" الجميلة، وبدلاً من أن تنغلق على ذاتها في الوضع البديل لتحمي ذاتها وتكون منطلقًا تجعل من ذاتها مركزًا لتستبد أكثر ولتعلو على الجميع، لهذا السبب هي موجودة في كل مكان، وفي الوقت آنه تخشى أن يسقط المكان على دماغها. ولهذا هي في صراع مع منافسيها في السلطة على السلطة وفي الوقت آنه لا تترك مجالاً لأحد دون غيرها وغير" شلتها" وزمرتها أن يتسلل إليها: كل شيء لهم، وكل من ليس معهم فهو عليهم وضدهم.؟؟!!(...)
وأن يتسلل إلى" شلتها" أحد من خارج السلطة (أنا مثلاً) ومن داخل السلطة (أبو الطيب الذكر، غازي القلوب، عبد العزيز شرف فلسطين... الخ) هذه الشخصيات "الإيجابية" تعاني من حالة التهميش والعزلة، فتستدير نحو وعيها الخاص وعالمها الثقافي.

* ألا يكرس ذلك انفصام حياة المجتمع وحياة مجتمع السلطة عن حياة الثقافة والمنتسبين إليها؟

الانفصام حاصل بين السلطة والمتمرد على السلطة من خارجها فقط، أما المهمشون الذين هم في حضنها، فيعيشون مأساة سقوطها عيش المصاب بالسرطان المنتظر للموت (ملخص شخصية أبي الطيب الذكر)... هذه هي مأساة السلطة وآخر مرحلة من مراحلها قبل السقوط.

* تنقل مواقف هؤلاء الناس في وقائع وأحداث كأنها حدثت معك حقيقة. كيف استطعت إلى حد ما تحويل لغة الموقف الذاتي إلى موقف اجتماعي عام في حين أن النص مكتوب من داخل الموقف الذي تقدمه مباشرة، فالناس والشخصيات الإيجابية والسلبية والأشياء هي كما هي عليه؟

وقائع وأحداث حدثت معي حقيقة بعد أن مضت بعملية جمالية، فهي حدثت معي، ولكن ليس كما جرى سردها، لهذا، المرور بحالة تحويل روائي هي التي حولت لغة الموقف الذاتي إلى موقف اجتماعي عام، إلى جانب أن المضامين التي كانت اللغة الفردية وسيلتها هي مضامين اجتماعية عامة ما عليك سوى أن تغترف منها ما شئت، وهذا ما فعلته أنا. إن شخصية ضابط حرب بيروت الذي كان بطلاً من أبطال الحصار تجده مريضًا في تونس لا أحد يسأل عنه، وهو لا ينقل معه واقعه المر الجديد في تونس فقط وإنما كل بيروت. ومن ناحية أخرى، هذه الشخصية المأساوية المعذبة الممزقة كانت مقدمة لما يحصل اليوم ولم تقله الرواية في زمنها عن عشرات الكفاءات التي تم تهجيرها بخمسمائة دولار وتذكرة بدون عودة إلى القطب الشمالي تحت ذريعة أن منّ وسلوى البترودولار قد توقفا! أولئك الذين ضحوا بالغالي والرخيص وسال دمهم نهرًا في الأرض المحتلة ولبنان والمعتقلات العربية والإسرائيلية. أما لغيرهم من المتسلقين، فلم يتوقف شيء بل هم ازدادوا تدليلاً. هذا ما تحكي عنه الرواية، ولهذا هي رواية كل الناس، وإن تكلمت بلغة فردية. إنها لغة الفرد في المعمعة! لغة الراوي الواعية! تدخل ضمائر الناس، وتعبر عن مصائرهم، وإن كان الطريق إلى المستقبل مسدودًا!

* القارئ للنص "الأربعيني" ينساق مع سلسلة من الوقائع والأحداث، فتظهر في تواريخ ثابتة، وتشير للدورة التأريخية المنتظمة للمعمعة السياسية الجارية خلف الكواليس. هل تقتضي نهاية كل واقعة من اليوميات الأربعينية انتصار خير متخيل على شر مقابل؟

ليس على مثل هذه الميكانيكية. لأن كل نهايات الوقائع في النص تراجيدية، والخير المتخيل على علاقة بخيال القارئ أكثر بعد أن أبرز الراوي كل الشر، إذ بعد كل هذا البؤس، كل هذا التدمير، كل هذا الظلام، لا بد أن تبزغ الشمس العاصية، ولكن هذا من شأن القارئ وليس من شأني. وأود أن أعلمك أنه لا توجد في النص تواريخ ثابتة، النص ليس نص يوميات، ليس نص مذكرات مدرسية، إنه نص ناف للثابت، إنه نص متحرك، حركته حركة التدمير المبرمج.

* نقصد بالملاحظة الأخيرة أن النص يجري التعبير من خلاله عن عجز الإنسان المصيري إزاء بلوغه درجة تحقيق إنسانيته التامة في مجتمع سلطوي ينكر عليه إنسانيته قبل وطنيته! يشك في أمره! يستكثر عليه الإنسانية ليعطيه حق الوطنية! يثبته في الأرض كحجر شطرنج! مقابل حريته الوحيدة، حرية هذا المجتمع السلطوي مقابل استعباد كل المجتمع! كيف عالجت هذه المسألة؟

لاحظ أن العدو استطاع أن ينقل كل شيء ليلقيه في عقر دارنا! ومع ذلك، فالنص لم ينس العدو أبدًا بحضور الانتفاضة في تونس عن طريق الأسلوب السحري وبساط الريح. ولكننا في صدد الحديث عن سلطة فلسطينية قامعة كأية سلطة ليست عادلة، ومعالجتي للمسألة تبدأ من هنا، من عدم العدل وكل مشتقاته (قمع الإنسان ولكن أيضًا قمع القضية عن طريق الخيانات والتنازلات والبيع بالجملة للفاسدين والمرتشين) وأنا ككاتب كان بحثي عن أسباب عجز الإنسان الذي له غاية مزدوجة: رفع العجز عنه عن طريق الكشف عن الأسباب ولكن الأهم فضح مسببها، أي السلطة، للوصول إلى "أنسنة" مؤسساتها. إن أنسنة السلطة مهمة من مهمات المنتفض في الحالة الفلسطينية كي يغدو حرًا، مهمة تسير معًا ومهمة التحرير وإلا غدا التحرير غير ممكن. كلنا نعاني من السلطة الغاشمة، ونسعى إلى تحقيق العدالة المفقودة عن طريق السلطة العادلة، السلطة التي هي بالفعل إنسانية ديمقراطية من روح الشعب وإليه وليس بالشعارات فقط. أنا لست عمر بن عبد العزيز المعاصر، ولكني أناضل بكلمتي الحرة في سبيله.

* من هذه الناحية، ناحية "العصرنة" التاريخية، نسأل هل نصك سرد قصصي تاريخي ملتزم بالبحث عن نقيض للتاريخ، ومرتبط بمغامرات الشخصيات الباحثة عن نظام متناسق يكمن داخل الماضي واقعيًا، خاصة وأن النص ألزم في معظم الحالات بخلق "نهايات سيئة فاجعة وفاضحة"؟

أنا لا أبحث عن نقيض للتاريخ بل في نقيض التاريخ!
الرواية تعالج النقيض التاريخي فيما يمارسونه، موقفهم من الآخر (الفلسطيني لا الإسرائيلي) نقول الآخر الفلسطيني لأن السلطة في وضع مغترب تنفي كل شيء لا ترى فيه صورتها بما في ذلك أبناء جلدتها. إنني أعالج إذن موقف السلطوي الفلسطيني المضاد للآخر الفلسطيني كما رأينا، وموقف الآخر منه، مما هو غير طبيعي عنده، من كل ما له علاقة بنقيض التاريخ. في صفحة 138 مثلاً يقول الراوي "أخذت أستنشق هواء القصبة الرطب المسبب للسل بكل قوتي"، لاحظ أنه مسبب للسل، ومع ذلك يستنشقه بكل قوته، هذا نقيض للإنساني، لكن الرطوبة المسببة للسل نقيض للتاريخ: ليس من اللازم أن تكون هناك أسباب للسل، يجب أن تكون هناك حدائق، هذا هو نقيض التاريخ. كذلك ما يفعله الجنود في نفس الصفحة عندما "راحوا في جذب جثث الناس والكلاب إلى ثقوب يسكنونها وهم يتصارعون فيما بينهم على هذه الجثة السمينة أو تلك"، هذا هو نقيض التاريخ. في صفحة 103 نرى الكتاب العرب وهم في أضواء حمراء جهنمية، هذا هو نقيض التاريخ. وفي صفحة 81 نقرأ عن "ثوار" تونس الذين ينتظرون توقيع الرئيس لغرض أو مصلحة، "كان كل واحد يقبع من وراء مكتبه عين على الباب وعين على الهاتف وبين يديه وقدميه أوراق قضية القضايا القائمة واللاحقة وملفات البشر، يدعكها أو يهوي بها أو يرفعها أو ينقعها" هذا هو نقيض التاريخ. (...)
وتحت هذا التفسير يمكن أن أدعو الرواية برواية "النقيض للتاريخ"، فأنت تلتقي بذات الأمثلة من أول صفحة إلى آخر صفحة. هناك سرد قصصي ضد –تاريخي، وبالتالي ضد- قصصي، ضد- إتباعي شكلاً ومضمونًا للوصول إلى شكل أدبي جديد ومضمون تاريخي لا بد أن يكون جديدًا أيضًا لأنه نقيض للنقيض القائم. لهذا لم يُلزم النص بخلق النهايات الفاجعة الفاضحة، فهو الفاجع عينه والفاضح عينه، طالما بقي النص يُعنى بكل ما هو ضد- تاريخي: الفاجع ضد- تاريخي، والفاضح ضد- تاريخي، والنص ينهل من هذا وذاك.

* النص "أُلزم" نقصد مثلما يقال عاميًا "ما فيه يكون غير الذي كان"! يمكن أن يكون هناك افتعال للوقائع والأحداث، الوقائع هي التي "ألزمت" النص أن يكون بهذا الشكل وليس الكاتب؟

إذا أردت! حتى أنا كنت لا تاريخيًا، تسيرني الوقائع على هواها اللئيم كالشراع الممزق، أنا أيضًا ضد- تاريخي...



باريس 11/7/1991





رسالة باريس... وإن كان من ثورة جديدة نطالب بها فهي ثورة الفلاسفة والمثقفين الفلسطينيين / نافز علوان


الدكتور أفنان القاسم هو أحد فلاسفة فلسطين وقد يكون أهمهم على الإطلاق ولن نعرف قدره إلا عندما يموت - بعد عمر طويل - وكعادتنا سنجلس نعدد محاسنه ومناقب علمه وفلسفته وسنلقي عليه أنواط وأوسمة ربما فرح بها وشعر بنتاج عمله لو ألقيناها عليه ومنحناه إياها وهو معنا، المهم ، الدكتور أفنان القاسم تعرفت به صدفة ورغم شدة صيته عالميًا إلا وأنني كنت في مصاف المتأخرين في معرفة هذا الفيلسوف الفلسطيني، ولقد استغربت أن معظم دول العالم تعرف هذا الفيلسوف الفلسطيني حتى المخابرات الأمريكية هنا في الولايات المتحدة تعرف الدكتور أفنان القاسم وبجوار اسمه لون أخضر وهذا بالمناسبة أفضل من أن يكون بجوار اسمه لون أحمر وهذا أقصى ما أستطيع أن أقوله لكم، أقرأ له أشياء أفهمها من أول سطر وكلمة وأقرأ له أشياء تشبه الطلاسم ولكن كل ما أستطيع أن أقوله عن الدكتور أفنان القاسم هو أنه يبحر في موضوعاته إلى حدود قد تجعل منه ( ملحدًا ) أو ربما يؤمن بوجود الله ولكن على طريقته الخاصة والفلاسفة بشكل عام يسود الاعتقاد أن لهم ( ربًا ) غير الذي لبقية البشر، صاحب نرجسية في كتاباته، لا يحسن التواضع ولكن يعلم أين يقف. مصادر موضوعاته مستوفاة وتستند إلى الحقائق واقعي إلى درجة الخيال، مشاغب في وقار يتناسب مع سنه، مرهق للعقل ربما من شدة تمسكه بالعقلية الفرنسية بحكم مكان إقامته يحب النساء بلا هوادة والذي يزور موقعه الإلكتروني يعرف أن له تعاطيًا خاصًا مع جسد المرأة ويتضح هذا التعاطي في اللوحات النسائية التي يتوج بها بعض المقالات تعبر عن المرأة وهي في أشرس حالات أنوثتها وكأنه يقول لنا إن الذي يكره النساء هو كذاب ابن كذاب، ولست أدري إن كان القدر هو ما جعل اسمه أفنان وجعل منه فنان إلا أن الرجل فنان بمعنى الكلمة، ذواقة يستمتع بالأشياء حتى الثمالة، دبلوماسي حتى في سبابه وشتائمه التي يصبها على من يكره ويأتي بعبارات إهانة تجعلك تدرك أن هناك فن حتى في الشجار.

طبعاً الجميع يعرف أطروحة الدكتور أفنان القاسم عن فكرة الدولة الفلسطينية التي تجمع الجميع في دولة واحدة فلسطينيين وإسرائيليين، ولست أدري لماذا شعرت عندما قرأت فكرته وأحسست أن الفكرة مسروقة من أفكاري ولكني اكتشفت أن هناك الآلاف من المفكرين الفلسطينيين كتبوا عن نفس الفكرة ونفس النهاية للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي أن ينتهي بهم الأمر بدولة واحدة يتداولون فيها السلطة. ورغم معارضتي التي يعرفها الدكتور أفنان القاسم حول بعض النقاط في خطة طريق الدكتور أفنان القاسم صوب الوطن الكبير الذي يجمع الفلسطينيين والإسرائيليين وتدريجياً يجعل من الوطن العربي ولايات متحدة عربية مبحراً بنا في حلم جميل ومستحيل أو ربما هو أقرب من التحقيق مما نتصور إنما يبقى البعد الفلسفي في فكرة الدكتور أفنان هو المسيطر والاستمتاع بالتحليق في خيال الفكرة ممتع أكثر من قسوة الارتطام باستحالة تحقيق ذلك الحلم.

والمشكلة من وجهة نظري هي أن الدكتور أفنان القاسم كقيمة علمية فلسطينية مهمل ومهمش، يتعمد الكثيرون تجنب الخوض معه في مناقشات أو حوار ربما رهبًا من الموسوعة العلمية التي تحويها عقلية الدكتور أفنان القاسم وربما غيرة مما وهبه الله وسلح نفسه به من علوم وربما لأنهم يكرهون الدكتور أفنان القاسم. وسواء كانت الأسباب أي من تلك التي تقدم لا يجوز أن نترك هذه القيمة العلمية الفلسطينية تضيع بدون أن نستفيد منها وكم استفادت دول في العالم ممن هم أقل بكثير في الدرجة العلمية من الدكتور أفنان القاسم بل ويتنشقون على مثله لاحتضانه وصقله ونحن نملكه وبين أيدينا ولا نقوم بالاستفادة منه على الإطلاق، انحدار وهبوط وقتل للذات ما نمارسه تجاه الدكتور أفنان القاسم وبكل تأكيد غيره من قمم العلوم الفلسطينيين المشردين في أصقاع الأرض استفادت منهم الدول التي يقيمون على أراضيها ويحمل معظمهم جنسياتها ونحن متمسكون بالمَعَاتيه ومحترفي الإجرام يتحكمون في مصائرنا يكتبون لنا تاريخًا أسود، ما كان من الأساس أن يمسكوا بقلم التاريخ الفلسطيني ويكتبوا به حرفًا واحدًا، وإن كان من ثورة جديدة نطالب بها فهي ثورة الفلاسفة والمثقفين الفلسطينيين ضد ظاهرة بصمجية القيادة الفلسطينية للشعب الفلسطيني. يجب أن تتم عملية استقطاب لكل العقول الفلسطينية لإعادة بناء ما قام بهدمه أنصاف المتعلمين من الشعب الفلسطيني.


لوس أنجلس








أعمال أفنان القاسم

المجموعات القصصية

1) الأعشاش المهدومة 1969
2) الذئاب والزيتون 1974
3) الاغتراب 1976
4) حلمحقيقي 1981
5) كتب وأسفار 1988
6) الخيول حزينة دومًا 1995

الأعمال الروائية

7) الكناري 1967
8) القمر الهاتك 1969
9) اسكندر الجفناوي 1970
10) العجوز 1971
11) النقيض 1972
12) الباشا 1973
13) الشوارع 1974
14) المسار 1975
15) العصافير لا تموت من الجليد 1978
16) مدام حرب 1979
17) تراجيديات 1987
18) موسى وجولييت 1990
19) أربعون يومًا بانتظار الرئيس 1991
20) لؤلؤة الاسكندرية 1993
21) شارع الغاردنز 1994
22) باريس 1994
23) مدام ميرابيل 1995
24) الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون 1995
25) أبو بكر الآشي 1996
26) ماري تذهب إلى حي بيلفيل 1999
27) بيروت تل أبيب 2000
28) بستان الشلالات 2001
29) فندق شارون 2003
30) عساكر 2003
31) وصول غودو 2010
32) الشيخ والحاسوب 2011

الأعمال المسرحية النثرية

33) مأساة الثريا 1976
34) سقوط جوبتر 1977
35) ابنة روما 1978

الأعمال الشعرية

36) أنفاس (مجموعة قصائد أولى – ثلاثة أجزاء) 1966
37) العاصيات (مسرحية شعرية) 1967
38) المواطئ المحرمة (مسرحية شعرية) 1968
39) فلسطين الشر (مسرحية شعرية) 2001
40) الأخرق (مسرحية شعرية) 2002
41) غرافيتي (مجموعة قصائد فرنسية) 2009
42) غرب (ملحمة فرنسية) 2010
43) البرابرة (مجموعة قصائد أخيرة) 2008 – 2010

الدراسات

44) البنية الروائية لمصير الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني 1975
45) البطل السلبي في القصة العربية المعاصرة عبد الرحمن مجيد الربيعي
نموذجًا (جزءان) 1983
46) موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1984
47) البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش 1984
48) نصوص خاضعة للبنيوية 1985 – 1995
49) دفاعًا عن الشعب الفلسطيني 2004
50) خطتي للسلام 2004




ramus105@yahoo.fr




مؤتمر بال للعقل من أجل التأسيس لدولة فلسطين لم يزل البديل لكل البؤس السياسي الفلسطيني المتواصل منذ قيام الثورة العرفاتية إلى اليوم، جَمْعُ كل المواد التي نشرت حوله منذ سنتين أو ثلاث في كتاب اليوم مؤشر هام إلى ديمومته كهدف وطني وأهميته كتأسيس كياني، فمنطلقه كوني الرؤية ألا وهو خطة أفنان القاسم للسلام الصالحة دومًا للتطبيق البارحة كالآن وحالاً. فترة السكوت الماضية ليست بدافع اليأس، ولكن لتكالب الكل ضدها –كما حدس بعين المتنبئ الصادق جهاد نصره- وأول الكل أثرياء فلسطين الذين سب بعضهم الداعي إلى المؤتمر واتهمه بشتى التهم وبعضهم الآخر لم يتفضل بالرد على مطلب مصيري لن يكلفهم بقدر ما يصرفون من دولارات على ورق طهارتهم!

الوضع الفلسطيني السياسي المزري الحالي مريح ومريح جدًا لزمرة أوسلو التي جاءت لتثبيت حراب الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، لأن شرط وقف الاستيطان قبل أي حوار، هذا الموقف "الوطني"، ترك الساحة مفتوحة لحكومة إسرائيل التوسعية كي تذهب بكل مشاريعها وليس فقط الاستيطان إلى ترجمتها على الأرض دون حسيب أو رقيب، أما نكتة الاعتراف بدولة فلسطينية من طرف هيئة الأمم المتحدة، فهي غطاء وطني "فذ" لكل البائعين من حكام رام الله. وبخصوص الرقص على أوتار المصالحة بين فتح وحماس، فلتغطية العورات، لأن لا وفاق بين مجانين الدين ومجانين تل أبيب بعد أن أضحت غزة للواحد والضفة للآخر البقرة الحلوب والعتريس المقرن، بينما الشعب الفلسطيني مبسوط على حاله! أين ربيعه؟ ماذا ينتظر؟ على الفلسطينيين أن يعوا لعبة الوطنية المفتضحة هذه، وأن يقفوا إلى جانب مشروعهم الحياتي الوحيد: مؤتمر بال الفلسطيني.

هذا ويأتي القسم الخاص بالحوارات التي أجريت مع أفنان القاسم حول مؤتمر بال كما يهجس حول السياسة كما يريد حول الأدب كما يمارس من أجل الكشف عن مكانة المؤلف المؤثرة في الحدثين الثقافي والسياسي.



* أفنان القاسم من مواليد يافا 1944 عائلته من برقة قضاء نابلس له خمسون عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية، دكتور دولة ودكتور حلقة ثالثة من جامعة السوربون ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل سابقًا في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدرّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا...






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,076,496
- أمين القاسم الأيام الفلسطينية
- خطتي للسلام الاتحاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين
- البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش
- المسار أضخم رواية في الأدب العربي القسم الثالث
- المسار أضخم رواية في الأدب العربي القسم الثاني
- المسار أضخم رواية في الأدب العربي القسم الأول
- أنفاس الديوان الثالث
- أنفاس الديوان الثاني
- أنفاس الديوان الأول
- أربعون يومًا بانتظار الرئيس
- أفنان القاسم يجيب على أسئلة -سيدتي-
- كتب وأسفار
- الذئاب والزيتون
- أم الجميع ابنة روما
- أم الجميع سقوط جوبتر
- أم الجميع مأساة الثريا
- الاغتراب
- الكناري
- الشوارع
- إسكندر الجفناوي


المزيد.....




- البنتاغون: صور جديدة لقوات إيرانية تزيل لغما من إحدى ناقلتي ...
- النيابة تصرح بدفن محمد مرسي.. إليكم ما نعرفه من تفاصيل عن ال ...
- البنتاغون: صور لقوات إيرانية تزيل لغما من إحدى ناقلتي النفط ...
- رويترز: عام على كرسي الحكم أدخل محمد مرسي التاريخ
- رويترز: عام على كرسي الحكم أدخل محمد مرسي التاريخ
- أول تعليق من واشنطن على وفاة محمد مرسي
- الجيش اليمني: ألحقنا خسائر فادحة بـ-أنصار الله-
- قرار جديد من النيابة العامة المصرية بشأن -جثة محمد مرسي-
- الجيش الأمريكي ينشر صورا جديدة للهجوم على ناقلتي النفط بخليج ...
- الحوثي: -دول العدوان- تخطط للهجوم مجددا على الحديدة في الأيا ...


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أفنان القاسم - مؤتمر بال الفلسطيني وحوارات مع أفنان القاسم في كتاب