أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ميثم الجنابي - الظاهرة الإسلامية في روسيا (4-6)















المزيد.....


الظاهرة الإسلامية في روسيا (4-6)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 3610 - 2012 / 1 / 17 - 21:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"الإسلام السياسي" في شيشانيا.

وعلى عكس منطقة الفولغا، فان الإسلام في شيشانيا ظاهرة مختلفة تماما. فشيشانيا من مناطق "الأطراف" لا المركز، والعلاقة بينها وبين المركز الروسي اتسمت تاريخيا بالتشنج والحساسية، إضافة إلى عدم اندماج الشيشانيون روحيا في الثقافة الروسية. وهي عوامل يصعب فهم حقيقتها وأثرها الملموس في تنشيط البعد السياسي في الإسلام دون دراسة تاريخها.
يطلق الشيشانيون على أنفسهم تسمية "نوخشي" كما يسمى الشيشانيون والانغوش بمجموعهما بشعب "الفايناخ". أما تسمية شيشانيون وشيشانيا فقد جاءت من اسم القرية التي وقعت فيها أول معركة بين القوات الروسية الغازية للمنطقة التي قادها بطرس الأول عام 1722 فيما يسمى بالغزوة الفارسية. والشيء نفسه يمكن قوله عن تسمية الانغوش.
ان أول إشارة، من الناحية التاريخية – السياسية، عن وجود دولة مستقلة بهم ظهرت في القرن التاسع – العاشر. وفي القرن 13 تعرضت لهجمة عارمة من جانب الارطة الذهبية. ثم ضمها تيمورلنك لمملكته في القرن الرابع عشر. وفي نهاية القرن 16 و17 اخذ كل من السلطنة العثمانية والدولة الصفوية وخانات القرم وروسيا المسكوفية يعيرون الاهتمام بها ويعملون من اجل ضمها لممتلكاتهم.
وبدأ الاستعمار الروسي فيها في النصف الثاني من القرن 18. وفي عام 1785-1791 حاول الشيخ الإمام منصور إنشاء دولة الجبل وعاصمتها في شيشانيا. وفي أربعينيات القرن 19 جرى تأسيس دولة الإمامة التي ضمت شيشانيا وداغستان. وكانت عاصمتها (أو مركزها) في دارغو (زمن الإمام غازي محمد)، ومن عام 1845 في قرية فيدينو (زمن الإمام شاميل). إلا انه جرى تدمير دولة الإمامة من جانب القوات الروسية عام 1859. وضمت المنطقة بأسرها إلى محافظة تيرسكايا.
ومن الصعب فهم هذا التاريخ السياسي لشيشانيا والشيشانيين بمعزل عن تاريخ الإسلام فيها. فقد مرت انتشاره بينهم بسلسلة أحداث تاريخية تميز اغلبها بالعنف والدماء. فقد انتشر في بداية الأمر في مجرى القرن 7-10 ، أي في مرحلة الحروب بين العرب المسلمين والخزر. واستمرت هذه العملية في القرنين 11-12 وهي مرحلة اعتناق الإسلام من جانب البولوفتسيين، ثم في القرنين 13-14 ، أي مرحلة الارطة الذهبية، وبعد ذلك في مجرى غزوات تيمورلنك في نهاية القرن 14. ومنذ نهاية القرن 15- النصف الأول من القرن 16 عبر تأثير داغستان والكوميكيين وخانات القرم، وإيران، وتركيا العثمانية. إضافة لذلك لعبت الحروب التحررية لشمال القوقاز دورا حاسما، كما هو الحال بالنسبة للدور الذي قام به الأئمة المسلمين مثل الشيخ الإمام منصور (1784) والشيخ عبد القادر (1822) والشيخ أنكو والشيخ محمد المرطوبي والشيخ أوحى (1825) والإمام غازي محمد (1828-1832) والإمام حمزة (1833-1834) والإمام شاميل(1834-1859) وحجي محمد (1877-1878).
لقد تغلغل الإسلام في الشخصية الشيشانية للدرجة التي أدت إلى صنع أساطير مثيرة مثل الأسطورة القائلة، بأن الشيشانيين مسلمون منذ بداية الخليقة. كما أنهم يعظمون أعياد الإسلام مثل عيد الفطر كما لو انه عيد قومي، والشيء نفسه يمكن قوله عن المولد النبوي. ولم يفعل الإلحاد الرسمي في المرحلة السوفيتية سوى أن جعل من الإسلام "باطنيا" ومندمجا في العادات، والذي أخذت ملامحه تظهر بقوة وسرعة فائقة مع أول انفتاح للحرية الفردية والاجتماعية والقومية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.
وهي ظاهرة لها تاريخها الخاص في مجرى الصراع الذي خاضه الشيشانيون ضد الاحتلال الروسي للقوقاز. فقد واجهوا السيطرة الروسية بضراوة مستميتة ابتداء من انتفاضة الإمام منصور النقشبندي عام 1783 ومرورا بجهاد الشيخ غازي محمد وانتهاء بجهاد الإمام شاميل حتى هزيمته العسكرية عام 1859 بعد أن دام ما يقارب ربع قرن من الكفاح البطولي ضد الغزو الروسي.
فقد مثل الشيخ منصور (1760-1784) الصيغة الأولى الرفيعة للمواجهة الثقافية والسياسية والعسكرية للسيطرة الروسية. وساهم بالتالي في غرس نوعية خاصة من الارتباط بالإسلام في القوقاز الشمالي بشكل عام وفي شيشانيا بشكل خاص.
كان الشيخ منصور أحد دعائم التصوف، وشيخ الطريقة الصوفية والحركة التحررية للمسلمين ضد الاحتلال والسيطرة الروسية في شمال القوقاز في نفس الوقت. واستطاع للمرة الأولى في تاريخ المنطقة أن يوحد ويقود الحركة التحررية لداغستان وشيشانيا ضد الاحتلال الروسي للمنطقة ما بين 1785-1791.
حصل الشيخ منصور على تعليمه الديني الأولى في داغستان، وسلك طريقة النقشبندية. وتميز سلوكه بالزهد والتقشف الشديدين، ومارس الخلوة الصوفية على أتم وجه. إضافة لذلك كان يتميز بملكة الخطابة والإقناع. واستعمل ملكته هذه لمحاربة ما اسماه بالجهل والجاهلية. كما دعا للتخلص من ارث العادات السيئة مثل الأخذ بالثأر وما شابه ذلك، سعيا لتوحيد جمهور المسلمين في المناطق الجبلية على أساس الشريعة. مما أدى بالتالي إلى انتشار الإسلام في القوقاز. وهو نشاط يمكن فهم بواعثه على خلفية العداء والقتال الشديد بين روسيا وتركيا وإيران.
وشكلت شخصية الشيخ منصور نموذجا للإخلاص التام للوطن والإسلام والأصالة الوطنية والحرية. وهي صفات اكثر ما كانت تخيف القيصرية الروسية من حيث هي قوة احتلال للأرض. وهو السبب القائم وراء المحاولات المتكررة من جانب القيصرية لاغتياله وحرق بيته وقريته.
فقد اخذ الشيخ منصور منذ عام 1785يترأس الحركة الفعلية والمسلحة لقتال المحتلين الروس. واستطاع جمع القوى للمرة الأولى في تاريخ داغستان وشيشانيا للوقف ضد الزحف الروسي على شمال القوقاز. وتمكن من مواجهة القوات الروسية المتفوقة عليه من حيث العدد والعتاد والسلاح إلى أن أسر عام 1791 ونقل إلى بطرسبورغ، حيث توفي في السجن بعد تعرضه للتعذيب والمرض عام 1794 في قلعة شليسيلبيرغ.
جسّد الشيخ منصور في سلوكه الحياتي والقتالي النموذج الأسطوري للشخصية الإسلامية المجاهدة. فهو لم يصب بالمرارة والانهزام حتى في احلك الظروف التي تعرضت فيها قواته للهزائم من جانب القوات الروسية. وظل يدعو أهل القوقاز للوحدة، باعتبارها مفتاح الانتصار على الغزاة الأجانب. وبغض النظر عن هزيمته العسكرية، إلا أن نموذجه البطولي استعاد قوته من جديد وبقوة أكبر عند صديقه الأصغر الإمام شاميل، الذي اعتبر الشيخ منصور شيخه وإمامه.
أما الشيخ غازي محمد (1795-1832)، فانه مثل الاستمرار الجهادي العنيف لأسلافه. ولقب بالغازي لدعوته الإسلامية للصراع ضد احتلال الروس للقوقاز، تيمناً بالغزوات النبوية. من هنا الاسم : غازي. ويلقب أيضا بالأفاري، نسبة إلى اصله، وبالداغستاني نسبة إلى بلده.
تحول الشيخ محمد الافاري الداغستاني إلى شيخ الطريقة النقشبندية في زمنه. وهو أول من استطاع توحيد داغستان وشيشانيا في الصراع ضد الاحتلال الروسي لأراضي القوقاز. وتتلمذ سوية مع الإمام شاميل. ومع انه كان يكبر شاميل سنوات قليلة، إلا أن الإمام شاميل سيعتبره لاحقا إمامه وشيخه. وشأن كل إصلاحيي تلك الفترة، ارتبطت دعوته بضرورة إصلاح الإسلام وتطهيره من العادات الموروثة، أي جعل الإسلام أساس ومصدر القيم والسلوك. من هنا محاربته الأخذ بالثأر وشرب الكحول والاستحواذ على أملاك المديونين وما شابه لك. وطبق ذلك بصرامة تجاه الجميع.
وتوصل في مجرى تجاربه العملية إلى أن السبب الرئيسي وراء فشل محاولاته إتمام الإصلاح في المنطقة هو السيطرة الروسية. غير انه لم يستطع في بداية الأمر حث الجميع على الاشتراك الفعال في إنهاء الاحتلال الروسي للمنطقة. بل لم يتفق مع دعوته لخوض النضال حينذاك حتى زميله وصديقه في التلمذة الإمام شاميل.
ولكنه صمم على السير في طريقه إلى النهاية داعيا "للجهاد الأصغر"، أي الجهاد ضد الغزو الروسي للقوقاز. وأعلن الجهاد ضد الاحتلال الروسي للمنطقة بعد عام 1828 عندما جرى الاعتراف به إماما. حينذاك توسعت دائرة المؤيدين له بمن في ذلك أولئك الذين عارضوا في البداية إعلان الجهاد مثل الإمام شاميل.
ووضع في مبايعة الجمهور له أن يحاربوا العادات والأعراف التي تعارض الإسلام وطالبهم بالتمسك بحدود الشريعة. مما وضعه في صراع مع "الزعماء" التقليدين، وبالأخص أولئك الذين كانوا يتعاونون مع السلطة الروسية. كما اخذ بعزل القضاة السابقين وعيّن عوضا عنهم من اعتقد فيهم والتمس معرفة وتمسكا بالإسلام. وأدى نشاطه هذا من خلال نوابه في المناطق والقرى إلى أن يجمع قوة عسكرية بلغت حوالي 10000 مقاتل شكلت البؤرة المركزية لإعلان جهاده والسير به حتى النهاية. واستطاعت هذه القوة أن تصنع على غرار تجارب صدر الإسلام "جيش المهاجرين"، أي أولئك الذين جاءوا أفواجا من مختلف المناطق للانضمام إلى "دار الإسلام". وانشأ الإمام غازي محمد بيتا للمال من الصدقات والزكاة ومصادرة أموال المتعاونين مع الاحتلال الروسي إضافة إلى غنائم الحرب. وتتوجت جهوده الفكرية والسياسية والعسكرية في إعلان دولة الإمامة.
ومنذ عام 1830 بدأت عملياته العسكرية المباشرة ضد الاحتلال الروسي، إلا انه تعرض إلى هزائم عسكرية انتهت بمقتله في معركة الدفاع عن غمرة (العاصمة) عام 1832. ولم ينج آنذاك سوى اثنان وهما الإمام شاميل والمؤذن محمد علي. وهو السبب الذي لأجله سمي في وقت لاحق الإمام الغازي الشهيد.
وإذا كان الإمام غازي محمد لم يترك لنا كتابات كبيرة أو كثيرة، بفعل انهماكه التام في العمل واستشهاده المبكر، فان أهم آثاره الكبرى تجسدت في ترسيخه قيمة ومرجعية الكفاح من اجل الحرية في القوقاز الإسلامي، وتربية أنصار ومؤيدين من بين مريديه لعل أشهرهم وأكثرهم تأثيرا في تاريخ الحركة التحررية لمسلمي القوقاز هم كل من حمزة (الإمام الثاني) (1833-1834) وشاميل (الإمام الثالث) (1834-1859) وحجي محمد (1877-1878).
لقد تحول تاريخ الكفاح التحرري الذي قاده الأئمة المسلمون إلى مصدر اعتزاز عميق في الوعي القومي والديني والثقافي للقوقاز الإسلامي بشكل عام والشيشاني بشكل خاص. وقدم الشيشانيون تضحيات كبيرة. فقد كان التوسع الروسي يجري من اجل الأرض والاستيلاء عليها. وعليها ترتبت السياسة الروسية في اقتلاع أو ترحيل أو تهجير السكان الأصليين من مناطقهم إلى مناطق أخرى. ويمكن الإشارة هنا إلى إحدى الرسائل التي بعث بها القيصر الروسي نيكولاي الأول إلى الجنرال باسكيفتش عام 1829 يمدحه بها على إخضاعه أهل الجبل ويطالبه بالقضاء النهائي على كل من يعارض الوجود الروسي. في حين اقترح الجنرال ميلوتين على القيصر الكسندر الثاني طرد القبائل التي تميزت بقتالها للروس من أراضيها. وهي سياسة ميزت تاريخ القيصرية كلها. وجرى تطبيقها مع كل فرصة مؤاتية. بحيث جعل ذلك البعض يتكلم عن "ذهنية شيشانية" تجد في كل جنرال روسي تجسيدا للشر.
إن أحد المكونات الخفية التي تميز الإسلام في هذه المنطقة ويطبع كفاحها ضد السيطرة الروسية يقوم في انتشار التصوف فيها. فقد أشرت إلى أن أحد المنافذ التي دخل منها الإسلام إلى شيشانيا هي داغستان. وهو إسلام حنفي المذهب، طرائقي صوفي في تركيبته الاجتماعية. إذ لعبت الطرق الصوفية، وبالأخص النقشبندية والقادرية دورا هائلا في ترسيخ الإسلام في هذه المناطق. واستطاعتا من خلال المدارس والمكاتب توسيع وتعميق رقعة الإسلام في ربوع القوقاز. فقد كان هناك حتى ثورة أكتوبر عام 1917 حوالي 800 مدرسة في شيشانيا و427 في انغوشيا. وليس مصادفة أن تقترن حركة الإمام شاميل في الوعي التاريخي والسياسي الروسي بتسمية (حركة المريدين). أما في الواقع فقد كانت هذه الحركة، كما هو الحال بالنسبة للحركات التحررية الكبرى في التاريخ، تستجيب لخصائص التركيبة الاجتماعية للشيشانيين، والمتميزة بطابعها القبلي والعائلي. من هنا أيضا استجابتها للتصوف، الذي استطاع تطويع هذه التركيبة واستجاب لها في الوقت نفسه من خلال فكرة وممارسة الطريقة (الصوفية). لهذا اتخذ في ظروف شيشانيا هيئة الحركة المجاهدة في دفاعها عن الإسلام والقوقاز جميعا، باعتبارها حركة مريديه أو اتباعه المخلصين.
إن هذه التقاليد العريقة للتصوف واندماجها في البنية الاجتماعية والروحية (حيث كان عدد المريدين بين الشيشانيين حوالي 60 ألف وبين الانغوشيين حوالي 10 ألف) كانت تعيد إنتاج نفسها في ظل المتغيرات الحرجة لتاريخ المنطقة وصراعها من اجل الحرية والاستقلال، بما في ذلك في المرحلة السوفيتية.
فقد بشرّت ثورة أكتوبر لعام 1917 في شعاراتها عن مشاعر الحرية للشعوب التي اضطهدتها القيصرية الروسية. وكانت الاستجابة الحية لظمأ الاستقلال والحرية المنشودة من جانب "الشعوب الصغيرة" بما يكفل لها ممارسة حقوقها القومية والثقافية والسياسية. وعوّضت السلطة السوفيتية في أعوامها الأولى عن قرون الاضطهاد الشرس للقيصرية. وشكلت بعجلة أحيانا دولا وقوميات ذات إدارات ومراكز. وضمن هذه العملية جرى تأسيس شيشانيا.
ففي شهر مايس عام 1917 جرى في مدينة فلاديكافكاس الإعلان عن تأسيس رابطة أهل الجبل لمنطقة شمال القوقاز وداغستان (ذات الحكم الذاتي). وتحول اتحاد أهل الجبل إلى (جمهورية ديمقراطية مستقلة لأهل الجبل من شمال القوقاز) (الاسم المختصر هو جمهورية الجبل) في 11 مايس 1918. كانت شيشانيا من ضمنها. وفي آذار 1918 جرى إعلان تشكيل جمهورية تيرسكايا السوفيتية ضمن جمهورية روسيا الاتحادية استمرت حتى شباط من عام 1919. وفي أيلول 1919 جرى تأسيس (إمارة شمال القوقاز) بقيادة الشيخ اوزون حجي، والتي جرى إلغاءها في آذار عام 1920.
وبعد انتصار السلطة السوفيتية واستتباب موقعها في المنطقة جرى في نهاية 1920، تأسيس (جمهورية الجبل السوفيتية الاشتراكية ذات الحكم الذاتي ضمن جمهورية روسيا السوفيتية). وجرى إقرارها رسميا وقانونيا في 20-1-1921. وفي عاد 1922 جرى إخراج شيشانيا بصفة منطقة ذات حكم ذاتي. وفي عام 1924 جرى إخراج انغوشيا بصفة منطقة ذات حكم ذاتي. وفي عام 1934 جرى توحيدهما في منطقة ذات حكم ذاتي ضمن روسيا الاتحادية. ومن عام 1936 جرى تحويلها إلى جمهورية ذات حكم ذاتي تحت اسم الجمهورية الشيشانية – الانغوشية ضمن جمهورية روسيا الاتحادية.
وفي الثالث من شباط عام 1944 جرى حل هذه الجمهورية وتهجير اغلب سكانها إلى جمهوريات آسيا الوسطى وكازاخستان في اشد الأشهر برودة وقسوة. وتعرض الكثير منهم وبالأخص الكبار والنساء والأطفال إلى المرض والموت، بحيث وصلت نسبة الوفيات بينهم إلى 60%. في حين جرى حرق بيوت وقرى أولئك الذين رفضوا السفر والرحيل. وكانت تهمة ترحيلهم هي مساعدتهم للألمان والتعاون معهم في الحرب ضد الدولة السوفيتية. وهي تهمة باطلة. فتقاليدهم لا تسمح لهم بذلك، والواقع يشهد بان تضحياتهم الكبيرة ومساهمتهم الفعالة في الدفاع عن الوطن السوفيتي لم تقل عن شعوبه الأخرى العديدة. وأدى ترحيلهم القسري هذا إلى تعميق المصير المأساوي للشيشانيين. إذ اجبر شعب فروسي على الصعلكة في أصقاع الاتحاد السوفيتي.
ورافق هذا التهجير إلغاء هويتهم السياسية واقتسام أراضيهم وشرذمتهم في مناطق مترامية من آسيا الوسطى وكازاخستان إلى داغستان وآسيتيا ومناطق ستافروبول وراستوف وغيرها من المناطق. وبما أن تقاليد البنية الاجتماعية للشيشانيين تتسم بالعلاقات القبلية والعائلية لهذا عمقت هذه العلاقات في ظل التهجير والغربة شعور الانتماء الموّحد، الذي بدأ يعيد إنتاج الوحدة الاجتماعية القديمة ونظامها التراتبي من خلال البنى "المهنية" الجديدة. أي أخذت تتكون علاقات العوائل المهنية (في الصناعة والزراعة والتجارة والبناء وغيرها) وتوزيع المهمات ضمنها بالطريقة التي تكفل استمرارية العيش والتواجد في ظروف المهجر. لقد انتج ذلك مقدمات ما سيسمى لاحقا "بالمافيا الشيشانية". أما في الواقع فانه لا مافيا بالمعنى الاقتصادي والعصاباتي. لقد اضطرتهم ظروف التعامل اللاأخلاقي معهم على أن يواجهوا الواقع كما هو. لقد كان سلوكهم سلوك التحدي العنيد لقومية مسحوقة. ومن هنا شدة ورسوخ و"تهور" الشجاعة والجرأة والتحدي والاعتزاز بالنفس والمروءة وغيرها من الفضائل. وبمقابل ذلك بقاء شعور النفور التام من السلطة المركزية.
والشيء نفسه يمكن قوله عن تلاعب الدولة بتراثهم اللغوي. فالشيشانيون والانغوشيون ينحدرون من اصل واحد. ولغتهم من فصيلة اللغة القوقازية الايبرية. وسادت الأبجدية العربية فيها حتى ثورة أكتوبر. حيث جرى تحويلها إلى الحروف اللاتينية عام 1923 بالنسبة للانغوشيين وفي عام 1925 للشيشانيين. وفي عام 1928 جرى تحويلها إلى الكيريلية(الروسية). وهكذا استمرت الحالة حتى الآن مع إمكانية تحويلها، التي لم تحسم بصورة نهائية بعد (إلى اللاتينية أم إلى العربية). ومع ذلك ظل الشيشانيون والانغوشيون يتكلمون لغتهم الأم ويتقنونها جميعا. ولم يؤثر عليها تاريخ الشتات الطويل بعد تهجيرهم في الأربعينات من أراضيهم إلى مختلف أصقاع الاتحاد السوفيتي. مما يكشف بدوره عن انهم لم يندمجوا في الثقافة الروسية روحيا ولم يتخلوا عما هو مميز لهم. وهو تميز ارتبط أساسا بجوهرية الكيان الروحي – الإسلامي في المصير التاريخي للشيشان.
ومع انه جرى رد الاعتبار لهم عام 1957 إلا أن ذلك لم يغير بصورة جذرية المواقف الدفينة المتراكمة تاريخيا من السلطة المركزية (الروسية) التي وقفت موضوعيا وراء كل الدراما والمأساة التاريخية للشيشانيين. لهذا نلاحظ بروز الأعماق الدفينة مع أول فرصة مناسبة. ففي عام 1990 أعيدت تسمية الجمهورية بالجمهورية الشيشانية - الانغوشية. وفي عام 1991 جرى إعلان استقلالها عن روسيا. بينما اعتبر مجلس السوفيت الأعلى لروسيا الاتحادية في عام 1992 إن الجمهورية الشيشانية - الانغوشية هي جمهورية ضمن روسيا الاتحادية.
غير أن القضية الأعمق بالنسبة للشيشانيين كانت قضية الأرض. فإصدار القوانين المتعلقة بإعادة الاعتبار" للشعوب المنفية" بعد موت ستالين، كانت المحاولة الأولى من جانب السلطة السوفيتية لإعادة الحق لأهله. إلا أنها أثارت، على خلفية الأرض المقتطعة والموزعة والمأهولة من جانب أناس آخرين، شعورا مزدوجا عند الشيشانيين. إذ واجهوا هنا أيضا مشاعر المقاومة من قبل السكان الذين اخذوا بيوتهم وأراضيهم، وكذلك استفزاز مشاعرهم عندما يشاهدوا حجارة قبور آبائهم وأجدادهم مرصوفة في الطرقات وفي حيطان البيوت الجديدة.
وعندما بدأت البيريسترويكا بإثارة العلاقات الاجتماعية والقومية، بسبب ضعف الرؤية الاستراتيجية وغياب تناسب الأولويات العملية فيها، أخذت مسالة الأرض تبرز من جديد، ومعها ذكريات الماضي المرير. وتتوجت أحداث آب 1991 وفشل "المحاولة الانقلابية" بتحولات سياسية عميقة جعلت من فكرة الاستقلال التام عن الدولة الروسية أحد الشعارات الكبرى الجامعة للشعب الشيشاني. ومرت هذه العملية بسلسلة من الانقلابات والصراعات الداخلية توجت بصعود الجنرال جهار دودايف إلى الحكم ودعوته المتواصلة والمبدئية للانفصال التام عن السيطرة المركزية، رغم انه لم يكن معارضا لوحدة الاتحاد السوفيتي.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وصعود الراديكالية الديمقراطية إلى السلطة بدأت عملية الانحلال تترسخ بما في ذلك في الفيدرالية الروسية. إلا أنها كانت مقبولة في بادئ الأمر بالنسبة للمركز، لأنها ساعدته على التخلص من "القيادات القديمة". وفي وقت لاحق(إضافة إلى أسباب اقتصادية متعلقة بالقضاء على شواهد وأدلة تكشف تورط الكثير من القيادات والشخصيات داخل المركز الروسي – موسكو في صفقات مربحة لتهريب النفط من خلال شيشانيا) جرى إعلان ما يسمى بإعادة النظام الدستوري في شيشانيا، الذي كان يعني عمليا ابتداء الحملة العسكرية وبداية الحرب التي استمرت حوالي سنتين تعرض فيها الجيش الروسي للهزيمة والمجتمع والدولة الشيشانية إلى خسائر فادحة وتدمير لا مثيل له في البنية التحتية والأموال والأنفس.
أدت نتائج الحرب إلى انفصال واقعي لشيشانيا عن روسيا. وتحول العداء والأخذ بالثار إلى عنصر دفين، لا مرئي وساري في مجمل العلاقات بين المركز الروسي وشيشانيا. واصبح الاستقلال التام والناجز المطلب الأساسي والأول للشيشانيين (سلطة ومعارضة). وفي ظل هذه المواجهة تحول الماضي إلى رموز حية. وأصبحت فكرة "حرب الثلاثمائة سنة" بين الروس والقوقاز الرمز المتلألئ في شعارات وخطابات الجماهير والأحزاب والأشخاص. وهي حرب تفقد قيمتها في حال حصرها ضمن مفاهيم التحدي والمواجهة الحربية.
فقد جرت الحروب العديدة والتضحيات الهائلة للشيشانيين تحت راية الإسلام. وكذلك الحال بالنسبة للحرب الأخيرة. فالرايات الخضراء وشعارات "لا اله إلا الله محمد رسول الله" والعصابات الخضراء على جباه المقاتلين وأمثالها تشير إلى أن العلاقة بين الإسلام والهوية الشيشانية (القوقازية) هي علاقة عضوية غير مفتعلة، لها تاريخها العريق في حركات المريدين البطولية.
إن العلاقة العضوية بين المكوّن الإسلامي والشيشاني هي علاقة وجودية يصعب تحديدها بمفاهيم المذاهب والانتماءات الفرقية. ومن ثم، فان الصراعات الأولى التي أخذت تنشأ في شيشانيا (بعد خروج القوات الروسية منها وتوقيع معاهدة السلم بين موسكو وشيشانيا) حول طبيعة النظام والدولة، والإجماع العام على ضرورة إنشاء دولة إسلامية، يعكس طبيعة هذه العلاقة. فالإجماع على الإسلام يعكس من جهة طبيعة العلاقة العضوية بين العنصر الشيشاني (القومي) والعنصر الإسلامي(الثقافي الروحي)، ويكشف عما في الإسلام من قوة واثر مترسخين في الوعي التاريخي والثقافي للشيشانيين، باعتباره عقيدة التوحيد الاجتماعي والروحي.
وتجسّد هذا التوجه الأولي للسلطة والقوى التي خاضت النضال ضد القوات الروسية، بإعلان ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية وإنشاء محاكم شرعية تأخذ على عاتقها مهمة تنفيذ الحدود (العقوبات). ولم يكن هذا التوجه سلوكا دينيا مباشرا، بقدر ما كان يحوي في أعماقه محاولة تمييز الدولة الشيشانية والكيان الشيشاني عن روسيا والروس. أي انهم أرادوا البرهنة للمركز الروسي ولروسيا والعالم على انهم ينتمون لعالم الإسلام، بما في ذلك في أسلوب تنفيذ العقوبات.
وتحول الإسلام من ميدان العادات إلى ميدان الدولة. وأجبر ذلك بالضرورة المؤسسات الشرعية الجديدة على تعلم أبجدية الفقه والمدارس الفقهية. وتحول الإسلام إلى الوعاء العام والمشترك للجميع في العادات والعبادات. واحتوى هذا التوجه في أعماقه على بعد سياسي صب في اتجاه تمييز شيشانيا عن روسيا اجتماعيا وسياسيا وقانونيا وأخلاقيا. مما كان يعني ضرورة انفصال الشيشانيين وتكوين دولتهم المستقلة. وهو بعد تعمق بفعل الحصار المفروض على شيشانيا من جانب روسيا وعدم الاعتراف بالدولة الشيشانية واستقلالها التام عالميا.
وسوف يتعمق هذا البعد بكافة الأحوال. واستمرار الحرب لحد الآن هو دليل على تحول الإسلام إلى مكون جوهري في التاريخ والوعي القومي الشيشاني، والعروة الوثقى للثقة بالنفس.
إضافة لذلك أن هذا البعد السياسي يتسم بمعالم واضحة من حيث احتمالات تطوره، بفعل ارتباطه الوثيق بفكرة الدولة والمجتمع واستقلالهما السياسي والثقافي. مما يجعل من الإسلام كيانا جامعا للشيشانيين ويسهم في الإطار العام بتعميق عناصر العقيدة التوحيدية (الإيمانية والاجتماعية). ولا يغير من ذلك شيئا إمكانية الخلافات الحادة بين قواه الاجتماعية والسياسية، وذلك لان تسييس الظاهرة الإسلامية في شيشانيا لم يكن نتاجا للصراعات الداخلية الباحثة عن بديل اجتماعي – سياسي وثقافي للدولة والمجتمع، بل جرى ضمن النضال من اجل التحرر والاستقلال الوطني. مما أعطى ويعطي للإسلام مظهر العقيدة السياسية الممثلة لوجدان وتاريخ ومصالح الدولة والمجتمع الشيشاني. وبالتالي، فان الاحتمالات الكبرى في تفعيله السياسي تصب في تيار الاعتدال.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,361,192,278
- الظاهرة الإسلامية في روسيا (3-6)
- الظاهرة الإسلامية في روسيا (2-6)
- الظاهرة الإسلامية في روسيا (1-6)
- الهاشمي أم الهامشي ومعضلة النخبة السياسية في العراق المعاصر
- (وصية) بليخانوف الأخيرة، أم آخر اختراعات -التكنولوجيا القذرة ...
- الفكرة الإصلاحية في (رسالة التوحيد) للشيخ محمد عبده
- شخصية ومصير - الهجويري
- التوتاليتارية وإشكالية الحرية والنظام في العراق
- التوتاليتارية والراديكالية (البعثية- الصدامية) - أيديولوجية ...
- التوتاليتارية – أيديولوجية الطريق المسدود
- نبوة المختار – قدر التاريخ وقدرة الروح!
- السياسة والروح في شخصية المختار الثقفي
- العقيدة السياسية لفكرة الثأر الشامل في العراق (الماضي والحاض ...
- فردانية المعرفة الصوفية ووحدانية العارف
- كلمة الروح وروح الكلمة في الابداع الصوفي
- النادرة الصوفية
- فلسفة الجهاد والاجتهاد الإسلامية (5-5)
- فلسفة الجهاد والاجتهاد الإسلامية (4)
- فلسفة الجهاد والاجتهاد الإسلامية(3)
- فلسفة الجهاد والاجتهاد الإسلامية (2)


المزيد.....




- الإفتاء المصرية: يجوز تأخير صلاة الظهر بسبب الحر الشديد
- أوريان 21: حفتر وإسلاميوه وزيف الحرب على الإرهاب في ليبيا
- من أدخل الإسلام للمالديف.. رحالة مغربي أم صومالي؟
- بعد ما قاله وسيم يوسف.. القرضاوي يدخل على خط جدل -صحة صيام ت ...
- السعودية.. أكثر من 12 مليون ريال للفائزين في مسابقتي تلاوة ا ...
- آلاف اليهود يتوافدون على جربة التونسية في زيارتهم السنوية
- بوغدانوف يؤكد دعم موسكو لدور الطوائف المسيحية في الشرق الأوس ...
- الإفتاء المصرية تصدر فتوى بشأن الإفطار خلال الحر الشديد
- وزير الشؤون الدينية التونسي: 10.9 ألف حاج خلال موسم العام ال ...
- تونس: إجراءات أمنية استثنائية في جربة مع انطلاق الحج اليهودي ...


المزيد.....

- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ميثم الجنابي - الظاهرة الإسلامية في روسيا (4-6)