أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمدى السعيد سالم - المجلس العسكرى يستخدم الحرب النفسية القذرة لاجهاض الثورة















المزيد.....


المجلس العسكرى يستخدم الحرب النفسية القذرة لاجهاض الثورة


حمدى السعيد سالم

الحوار المتمدن-العدد: 3571 - 2011 / 12 / 9 - 15:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


السبب الرئيس لكتابتى هذا الموضوع هو مكالمة تليفونية بينى وبين د/ احمد عبدالمنعم جابر( استاذ المخ والاعصاب بجامعة عين شمس ) عن الوضع الراهن فى مصر ... الرجل بصدق له آراء وان كانت مختلفة مع ما اراه ولكنى فى النهاية احترم آراء كل من يخالفنى الرأى ... ولكنه استلفت نظرى الى مدى خطورة الحرب النفسية التى يديرها المجلس العسكرى بحرفية شديدة فى الوقت الراهن ضد الثورة ..... لذلك اردت ان ابصر القارىء بالحرب النفسية واساليبها فى ادارة الازمات بطريق غير مباشر ...فالحرب النفسية ، هى الحرب تلك التى تستهدف نفسية الخصم ومعنوياته ، دون جسده وقدراته الفيزيقية....الحرب التى تسعى لتشكيل فكره ، وتوجيه عقله إلى هدف محدود ، يخالف حتماً كل ما يمكن أن يجعله فعالاً ، فى ميدان الحرب والقتال ....لقد عرف العالم تلك الحروب النفسية منذ زمن بعيد .....فالتاريخ يعود بنا ، فى هذا الشأن ، الى ما يقرب من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام ....


بالتحديد فى عهد (تحتمس الثالث ) (1490 - 1436 ق. م) وتحتمس الثالث هذا هو سادس فراعنة الأسرة الثامنة عشر ، وقد آل اليه العرش وهو فى الأربعين من عمره ، على عكس من سبقه من فراعنه الأسرة كلها .....وعندما تقلد ( تحتمس الثالث ) عرشه ، كانت منطقة الشرق الأوسط كلها غارقة فى خضم من الأضطربات والعواصف السياسية ، التى لم ترق له أبداً ، مما جعله يتخذ قراراً خطيراً جداً ، بمقاييس ذلك العصر..... لقد قرار أن يسيطر على المنطقة كلها .....وفى سبيل هذا ، خاض ( تحتمس الثالث ) 17 معركة حربية ظافرة ....والتاريخ يقول : أنه قد أذهل اهل عصره ....فبمبادرة مذهلة ، ألغى (تحتمس الثالث ) كل النظم القتالية والعسكرية والتى كانت متبعة من قبله وقسم الجيش إلى قلب وجناحين بحيث ينقض القلب على الخصم ، فى حين يطوقه الجناحين فتضطرب صفوفه وترتبك قيادته من فرط المفاجاة وعنف الهجوم الجانبى ....ولأول مرة عبر التاريخ أبتكر (تحتمس الثالث ) ما يعرف بأسم الحرب الخاطفة ، وهذا بشن هجمات سريعة وقصيرة ومفاجئة للعدو، ومن جهات مختلفة ، وفى أية ساعة من الليل والنهار ....وأدرك خصوم (تحتمس الثالث ) أنهم امام قائد رهيب ، لا قبل لهم بمواجهته عسكرياً ، وخاصة مع توالى أنتصاراته ،لذا فكًرأحد قادتهم فى خدعة جديدة ومبتكرة - فى ذلك الحين - ويعتبرها العلماء أول لمحة للحرب النفسية عبر التاريخ....


ففى معركة مجدو ،أشهر المعارك التى خاضتها جيوش (تحتمس الثالث) ، كانت كل الخيول ، التى تجر عرباته الحربية ، من الذكور ؛ نظرا لأن الذكر فى الخيل أكثر قوة ،وأكثر أحتمالا ، واقدر على مواجهة القتال وأضطربات الحروب .....لذا أطلق قائد الاعداء فرسة أنثى وسط خيول العربات الحربية ؛حتى يشيع فيها الاضطراب فتتقاتل فيما بينها ، وتثير قلق الجنود وتوترهم ...لكن قائد جيوش (تحتمس الثالث) وهو ( امنحتب الثالث) فهم الخدعة على الفور وما أن أقتربت الفرسة من المعسكر ، حتى انقض عليها ، وبقر بطنها وأفسد خطة العدو كلها ....وبدأت الحروب النفسية ....وعبر التاريخ نجد عشرات الأمثلة ، على تلك الحروب النفسية واثرها فى تغيير خط سير المعارك .
ومن أشهر ما حدث فى الحروب وبالذات عندما ينقص الجيشان بعضهما على بعض ويختلط الحابل بالنابل ، هو ان يصرخ بعضهم ، مدعيا أن قائد الجيش الخصم قد لقى مصرعه...تلك الصرخة كانت تشيع الفوضى والاضطراب بين الجنود ، وتربكهم على نحو يسمح لجيش الخصم بالأنقضاض على قلبهم وضربهم فى المقتل .....أيضاً كان الجنود قديما يربطون أغصان الأشجار ، فى ذيول الخيول ؛لكى تثير خلفهم عاصفة من الغبار توحى بأن عددهم يفوق واقعهم بعدة مرات ....


وفى فتح مكة عندما امر (خالد بن الوليد)جنوده بأن يشعل كل منهم ناراً ، كانت هذه عبقرية من عبقريات الحرب النفسية ....فالمعتاد عندما يهبط اليل ، أن تشعل كل مجموعة من الجنود ناراً ، وتلتف المجموعة كلها حولها ، وكان من المعتاد ان يحصى الطرف الأخر النار ويضرب عددها فى متوسط كل مجموعة تلتف حولها ، ليعرف تعداد جيش الخصم تقريبا ....وعندما رأى أهل مكة تلك النيران ، تصوروا أنه هناك مجموعة من الجند تلتف حول كل نار ، مما أوحى إليهم بأن الجيش هائل الحجم على نحو لا قبل لهم به .....المغول والتتار ايضاً كانت لهم سياستهم فى الحرب النفسية ففى كل مرة ، وقبل وصولهم إلى بلد ما ، كان جواسيسهم يسبقونهم إليها ، وهم يتحدثون لغة أهلها ويرتدون ثيابهم ،أو ثياب بلد اخر صديق ....وفى الأسواق، كان الجواسيس يتحدثون عن جيوش قادمة....عن أعدادها الهائلة ....وقدراتها المخيفة ....وضخامة جنودها .....ومهاراتهم ...وقوتهم ....والناس فى الأسواق تسمع ....وتصدق ....وترتجف....و من ألسنة هؤلاء الناس تنتقل تلك الدعاية المغرضة إلى آذان وقلوب الجنود و الجيوش ...وعندما تلتقى الجيوش ، يكون المغول او التتار فى أوج قوتهم ووحشيتهم ، وخصومهم خائفون إلى درجة توحى بأنهم قد أنهزموا فعلياً ، قبل حتى أن يبدأ القتال ....هذه هى الحرب النفسية الحقيقية ...الحرب التى تحطم معنوبات خصمك ونفسيته ، قبل أن ترفع سلاحك فى وجهة ....بل وقبل حتى أن يرى هذا السلاح ، أو يدرك قوته ..
وهذا الجزء من الحرب النفسية وهو ما يطلق عليه اسم حرب الترهيب .... او هى الحرب التى تثير الخوف فى أعماق الخصم وترهب كل ذرة فى كيانه .....



ولكن هناك حرب نفسية من نوع معكوس تماماً....هى حرب الترغيب ....وأشهر مثال يمكن ان نطرحه ، لذلك النوع الثانى من الحروب ، هو ما فعله القائد الفرنسى(نابليون بونابرت) عندما بدا حملته الفرنسية على مصر (1798 - 1801 م).....فقد حاول أجتذاب المصريين إلى صفه بأن أعلن انه إنما جاء كمسلم ،لحماية المسلمين والإسلام ، وانقاذ المصريين من جبروت وتعنت المماليك ...ومن المعتاد ألا يعتمد فريق ما على حرب الترغيب وحدها دون لمحة او لمحات تجاورها ، من حرب الترهيب...( فاكرين صباع الفنجرى... خللو بالكم !!) ...وتذكروا ان (نابليون ) قد أرفق كلماته السابقة ، بأستعراض لقوة جيشه ومدافعه التى أرهبت المماليك ، وكانت بالنسبة للمصرين أشبه بالقنبلة الذرية فى عصورنا هذه ،كما رآها العالم عام 1945 م ..... وفى عالم الواقع يستحيل دائما أن يستخدم نوع واحد من الحربين ، خلال زمن الحروب ، أو حتى فترات السلم ، لكن الفترات الهادئة ترتبط دوما بسياسة الترغيب ، بأكثر مما تترتبط بسياسة الترهيب ، وما يحدث حولنا ، منذ عقدين من الزمن ، هو ذروة الحرب النفسية الترغيبية ... والتى أعتمدت على أبهار الشعوب العربية بنمط الحياه الاستهلاكية الأمريكية.... بيحيث تصور البعض ان أمريكا هى جنة الله فى الأرض،بل تجاوز البعض هذا ، إلى تعليق العلم الأمريكى على سيارته ، أو أبرازه على صدر ثيابه ، أو فى التشبه بالأمريكان فى الزى وفى اللهجة وفى اللغة والأسلوب والحياة أيضاً....



وبدون أى تعنت يعتبر خبراء الحرب النفسية ان أولئك المتأمركين هم أضعف الكل ، أذا انعدم إحساسهم بالشخصية المستقلة لذواتهم ، وعدم ثقتهم بانفسهم ، أو احترامهم لنفسهم ، يدفعهم للتشبه بنمط أخر ، على نحو يمسخ كيانهم كله ،فينسلخون من عروبتهم دون ان يصبحوا بالفعل كمن تشبه بهم ....بأختصار يرقصون على السلم ...
أما فى زمن الحروب فالغلبة طبعا لأسلوب الترهيب الذى يبالغ بشدة فى قوة الأسلحة ودقتها ...وقدرتها المدهشة على أصابة الهدف ....وعندما فجرت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتها الذرية الأولى ، فى مدينة هيروشيما اليابانية ، فى أغسطس 1945، لم تكن تضع نهاية للحرب العالمية الثانية (1939 -1945م) وأنما بداية لحرب إرهابية نفسية تهدف إلى إعلام العالم انه لديها سلاح لا قبل لأحد به ، وأنها أصبحت سيدة العالم بلا منازع ...لكن الحكمة الألهية تقتض ألا تنفرد قوة ما بالسيطرة على العالم أبداً ....فقد أمتلكت روسيا القنبلة الذرية أيضاً ....وأنعكست الحرب النفسية على الأمريكيين ، الذين أصابتهم عقدة الحرب النووية ، وهوس بناء المخابئ والكوابيس ، والانهيارات العصبية المستمرة ....وأساليب عديدة ومتعددة، تتطور دوما مع تطور وسائل الأعلام والأتصال ، فمن روايات وحكايات الجواسيس فى الأسواق ، إلى إلقاء المنشورات بالطائرات ،إلى ما وصلنا إليه الآن من قنوات فضائية مفتوحة ، وشبكات أنترنت ، وهواتف للأتصالات الدولية....


الجدير بالذكر ان النظام العالمي الجديد اصطلاح في السياسة بدأ استخدامه بشكل واسع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين المنصرم، وبالتحديد مع ظروف تفكّك الاتحاد السوفيتي....... حيث اقترن بالعولمة ليعبر عن انتقال عمليات السلع ورؤوس الأموال وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات بين المجتمعات البشرية بحرية ودون قيود....... لكنه ومن الناحية العملية يعبر عن اتجاه للهيمنة على مقدرات العالم من طرف واحد (أمريكا) أو ما يسمى بالقطب الواحد.....


وهو بوجه العموم مصطلح ظهر على الصعيد الأكاديمي أول مرة بداية الستينات عندما استعمله المحامي الأمريكي المتقاعد كرنفينك كلارك، المستشار الفاعل لعدد من وزراء الخارجية في البيت الأبيض في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي..... لكنه ورغم الظهور المذكور لم يُدرج تعبيرا عاما في الفكر السياسي إلا بعد ثلاثين سنة على وجه التقريب، وكان أول من استخدمه بمعناه الحالي أواخر الثمانينات غورباتشوف 1989، وبوش 1990، والأمم المتحدة 1991...... وباختصار يمكن القول أنه مصطلح لا يحمل في طياته أي جديد سوى محاولة الأمريكان لاستغلال انهيار الاتحاد السوفيتي في تعديل ميزان الصراع بينهم وبينه...... وكذلك استثمار التخلخل الحاصل في الوضع الدولي آنذاك لإضافة المزيد من معايير القوة في كفة ميزانهم للصراع مع قوى أخرى ما بعد الاتحاد السوفيتي...... هذا من وجهة النظر السياسية، أما من وجهة النظر النفسية السياسية فإنه (النظام العالمي الجديد) واقع لم يكن جديدا بتوجهاته وأهدافه، لأنه استمرار لذات الجهود في السيطرة وإدارة الصراع..... والجديد فيه يتعلق فقط بالوسائل والأدوات التي اخترعتها أو استثمرت اختراعها أمريكيا لإيجاد قناعات خاصة وتحوير أخرى لصالح توجهاتها الستراتيجية في المجتمعات المستهدفة.....


الحرب النفسية مفهوم لم ترتبط نشأته بتطور تقنيات الإعلام ولا بشيوع تطبيقات النظام الدولي الجديد بل يعود إلى الحروب....... عندما أدرك بعض القادة العسكريين أن جنودهم يقاتلون قتالا شرسا تارة، ويتبلدون حد الجبن تارة أخرى........ وكذلك جنود العدو الذين يستبسلون في الدفاع عن مواضعهم تارة، وينسحبون متقهقرين تارة أخرى حتى عزوا ذلك التناقض الانفعالي إلى العامل النفسي وتوجهوا إلى المختصين لدراسته وتطوير وسائل تقويته عندهم، وإضعافه عند خصومهم......فكانت إجراءاتهم العملية في هذا المجال شملت العديد من الوسائل والأدوات وضعت تحت عنوان الحرب النفسية التي عُرِفَت ما بعد الحرب العالمية الثانية بالاستخدام المخطط من جانب الدولة في وقت الحرب أو في وقت الطوارئ لإجراءات عاتية بقصد التأثير على أراء وعواطف وسلوك جماعات أجنبية عدائية أو محايدة أو صديقة بطريقة تعبر عن تحقيق سياسة الدولة وأهدافها....وعرفت بعد ذلك بقليل بأنها حملة شاملة تستعمل كل الأدوات المتوفرة وكل الأجهزة للتأثير في عقول جماعة محددة بهدف تدمير مواقف معينة، وإحلال مواقف أخرى تؤدي إلى سلوكية تتفق مع مصالح الطرف الذي يشن هذه الحملة.... وهذا يوضح لنا لماذا يصف المجلس العسكرى بعض الثوار فى التحرير بانهم يتلقون تمويل اجنبى من دول اجنبية ... المجلس العسكرى يريد ان يستعمل كل الادوات المتاحة والمتوفرة وكل الاجهزة لكى يؤثر فى عقول الشعب المصرى الجالس على الحياد بين المجلس العسكرى والثوار بالتحرير ... بهدف تدمير الثورة ..لذلك اخرج المجلس العسكرى مظاهرات قام بها بعض من المخبرين فى العباسية تؤيد موقف المجلس العسكرى لتدمير موقف الثوار !!!

مما لاشك فيه ان الحرب النفسية واعتمادها في تحليل وإدارة الصراع أعطاها أهمية بالغة ودفع العالم الغربي وأمريكا (القطب الواحد) في النظام الدولي الجديد على وجه الخصوص، إلى استخدامها كسلاح من أفضل الأسلحة المؤثرة لاعتبارات أهمها :

آ) إنه سلاح غير مباشر يعتمد على المعرفة النفسية وتطبيقاتها في التعامل مع الوعي الإنساني تلك المعرفة التي قطعت فيها تلك الدول أشواطاً بعيدة المدى وتمرست في استخداماتها بمستوى يحقق لها التفوق المطلوب في العديد من بقاع العالم......

ب) إن أمريكا في النظام العالمي الجديد امتلكت السلطات التشريعية والتنفيذية العالمية معاً وبموجبها حرمت على سبيل المثال التشويش على الإذاعات المرئية والمسموعة ومنعت الرقابة على المطبوعات والرقائق السينمائية وبقية وسائل الاتصال، وغيرها من ضوابط وقوانين مهدت لفتح الأبواب على مصاريعها أمام أسلحتهم النفسية دون أية مقاومة أو بقليل منها في أحسن الأحوال....

ج) إن الابتعاد جهد الإمكان عن التدخل المباشر باستخدام الجيوش التي ارتبطت حركتها بالاستعمار التقليدي المقيت أمر يحتاجه أولئك المعنيون في الوقت الحاضر لتجميل صورتهم التي تشوهت في اكثر من مكان على الكرة الأرضية، إلا أن هذا الاتجاه يعني تقييد لحركتهم وخسارة لمصالحهم الآنية والمستقبليـة لا يمكن قبوله تماماً، وكتعويض لذلك فسح المجال واسعاً لاستخدام السلاح النفسي الذي يلبي الطموحات دون أية مشاكل جانبية......

د) أمريكا والدول المتنفذة الأخرى هي دول رأسمالية يدير معظم مفاصل القرار فيها أصحاب رؤوس الأموال وفق نظام يضع في الحسبان الكلف المادية ومؤشرات الربح والخسارة لكل الفعاليات وبينها العسكرية، وبمقارنة بسيطة بين ما تتطلبه الحرب التقليدية أو النووية من مصاريف ضخمة، وما تحتاجه الحرب النفسية من أموال وجهود معقولة نجد أن ميزان المفاضلة تميل كفته لصالح الأخيرة وبفارق كبير جداً...

هـ) يمتاز السلاح النفسي عن غيره من الأسلحة التقليدية كون إجراءاته متعددة ومتغيرة تتلون باستمرار تبعا للظروف، والمواقف، كذلك يتوجه إلى أهداف ليست معلنة واتجاهاته على وجه العموم غير مباشرة.... وسلاح بهذه الخصائص يكتسب قوة التأثير غير المباشرة دون مقاومة المستهدفين أو ممانعة من قبل المجاورين في المنطقة...

و) إن اللجوء إلى استخدام الجيوش في الحروب عبر كل الأزمنة يتمحور حول فرض إرادة أحد أطراف الصراع بالقوة عندما تعجز الوسائل الأخرى عن فرضها.... وهذه نتائج لا يدوم أمدها طويلا لأنها وبقدر قوة الصدمة وقسوة الشروط التي يفرضها المنتصر ستخلق مشاعر للعدوان ويتشكل سلوك للمقاومة عند مواطني الطرف المقابل يدفعهم إلى تكثيف جهودهم لإزالة تلك النتائج بأسرع ما يمكن.... أما السلاح النفسي الذي لا يتوقف تأثيره عند حالة معينة يمتاز بالاستمرارية وبسهولة التكرار والمرونة فـي اختيار الوقت والوسيلة، والمناورة بالجهد المتيسر، وهي مبادئ توفر له فرصاً جيدة لإدامة زخم التأثير بدرجات أشد وفترات زمنية أطول....

ز) تمثل الحرب الاعتيادية مواجهة ساخنة بين أطراف الصراع يتلقى العسكريون فيها قوة الصدمة التي قد تمتد آثارها إلى المدنيين في العمق الاستراتيجي تبعا لشدتها واتساع رقعتها ( شموليتها ) وخلالها يحتفظ القادة المعنيون أحياناً بجهود تحمي المدنيين أو تقلل من تأثيراتها عليهم جهد الإمكان..... بينما تختفي الحدود والفواصل في استخدامات السلاح النفسي ( إلا إذا أريد له ذلك ) وساحته على وجه العموم شاملة لكل المجتمع المستهدف..... وبمعنى آخر إن تأثيراته السلبية لا تقتصر على جبهة القتال، والعبء الأكبر فيها لا يقع على العسكريين بمفردهم، وهو ما تسعى أطراف الصراع إلى تحقيقه في الوقت الحاضر.

ح) إن سياقات تطبيق الحرب النفسية في كثير من الأحيان تعتمد على التعامل مع ميول الإنسان وحاجاته ورغباته ومن ثم غرائزه بأساليب إشباع مرغوب، أو تجنب منفر، وهي معطيات تستهوي في معظمها المتلقين وتمهد الطريق أمام السلاح النفسي للوصول إلى الهدف المطلوب في الزمان والمكان المحددين....



على ضوء مفهومنا للحرب النفسية يصبح الإعلام أحد أهم الأدوات الميسورة للحرب النفسية، حيث الاستخدام المنظم لوسائله ومواده للتأثير على قناعات الطرف المستهدف، دون تجاوز استخدامات القوة العسكرية والإمكانيات الاقتصادية والتحركات السياسية وغيرها، لكن الإعلام من ناحية أخرى يتميز عن كل تلك الأدوات كونه القاسم المشترك لها جميعا والناقل الأساس لأهدافها وتوجهاتها في التأثير على الطرف المستهدف لأنه : هو الذي ينقل أخبار العسكر وتفاصيل الحروب والصراعات والازمات بصيغ تزيد المعنويات أو تضعفها.....وهو الذي يقلل من قيمة انتصار عسكري حصل بالفعل، أو يزيد من وقع خسارة لم تكن كبيرة في الواقع بغية تكوين حالة إحباط مؤلمة ( لاحظ دور الاعلام الحكومى المصرى المناهض للثورة والثوار ..الذى يبث سمومه ضد الثورة من خلال نغمة الاستقرار وانهيار البورصة والاقتصاد ... الخ )..
وهو الذي يهول أيضا من أثر الحصار الاقتصادي على بلد ما بهدف سحبه لتنفيذ أهداف محددة....وهو الذي يضخم كذلك من القدرة الدبلوماسية لدولة معينة لإجبار الآخرين على السير مع توجهاتها المرسومة....وإذا ما أضفنا إلى ذلك كله مهامه وطريقته في نقل الأفكار والأخبار والمعلومات، وحاجة الجمهور إليه في المتابعة والترويج وإشباع الحاجات، وكذلك قدرته وشموليته في التأثير، يكون الإعلام في هذه الحالة الأداة الأكثر فاعلية من بين أدوات ووسائل الحرب النفسية المتاحة في وقتنا الراهن خاصة مع تطور تقنيات التوصيل وسبل التأثير في نظام كوني شامل (النظام العالمي الجديد)....


وهذا يوضح بجلاء لماذا أراد المجلس العسكرى فرض مراسلهم العسكري السابق، أسامه هيكل، على وزارة الاعلام فى حكومة الجنزورى , ثم تراجع الجنزوري بسبب رفض الشارع، لذلك استبدلوا رئيس إدارة الشئون المعنوية السابق اللواء أحمد أنيس به...لا يحتاج الأمر إلى كثير من التفكير إذن لمعرفة أسباب ترشيح أنيس الذراع اليمنى لوزير إعلام المخلوع أنس الفقي وزيرا للإعلام في حكومة الجنزوري، فالترشيح الذي تم على طريقة تعيين أسامه هيكل المراسل العسكري في ذات المنصب، خلفا للواء طارق المهدي رجل "العسكري" الذي استخدمه لإدارة التلفزيون المصري عقب التنحي مباشرة، يؤكد أن المجلس العسكري لن يرفع قبضته عن تلك الوزارة، ولن يسمح لشخصية مستقلة عنه بإدارة شئون التليفزيون المصري، الذي مازال يستخدم بعد عشرة أشهر من الثورة لتغييب الرأي العام، كما كان في عهد المخلوع.....



الحرب النفسية وكما هو موضح شاملة في أهدافها متداخلة في أساليبها ووسائلها، مركزية في التخطيط لتنفيذ خطواتها، وهذه المبادئ يمكن تطبيقها أيضاً على أساليب التعامل التي تنتهجها الأجهزة المعنية في المجتمعات المستهدفة...... فالتخريب الفكري والقيمي الذي يمكن أن يضعه الطرف المقابل هدفاً لحربه النفسية على سبيل المثال يحتاج الرد عليه أو تجنب حدوثه عدة خطوات تبدأ أولاً بتحديد أشكاله ومن ثم قياس شدته واتجاهاته ووصف الأدوات والوسائل المستخدمة لتنفيذه، وهي جهود تعتمد بالدرجة الأولى على الرصد والتحليل والمتابعة بأسلوب البحث العلمي الذي يأخذ فيه علم النفس والاجتماع الحصة الأكبر بين علوم أخرى ذات صلة بالسلوك البشري وتعديلاته المقننة مثل الإعلام والتربية وغيرها....... وهذا تصور يعين على تحديد حاجة المنطقة العربية والإسلامية أولاً إلى تنظيمات تخصصية فعالة، تأخذ على عاتقها واجب التحليل العلمي للصراع ورصد اتجاهات الحرب النفسية المعادية والعمل على مقاومتها....

حمدى السعيد سالم





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,065,889
- اهداء الى حبيبتى التى احاول ان اكرهها بكل جهدى ولكنى ازداد ح ...
- صراع الافيال ( التيار الدينى ) لحكم الغابة مع الاسود (المجلس ...
- جرح بملامح انسان
- قررت ان اكرهك
- ساعدوا مصر على شفاء مصابها فنحن مصابها
- لن انحنى كى اقبل الاقدام ...
- اكتبى على قبرى (شهيد العاشقين )
- العلمانية هى الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي
- تحالفات الظلام بين الاخوان والامريكان لحكم مصر
- مشكلة الاخوان والسلف ان اعجزهم حكم مصر , هدموا مصر!!!
- إذا مات السيد فأقتل كلبه ... المجلس العسكرى هو السبب فيما نح ...
- فلترحلى ان كنتى تظنين انى اخون
- قصيدة (احا)....
- المجلس العسكرى يلجأ الى المخبرين لتحسين صورته امام الرأى الع ...
- الجنزورى لا يصلح رئيسا للوزراء لانه المسئول عن الاموال التى ...
- تمخض المشير فولد بيانا هزيلا ..مثله مثل مبارك ... هو بعينه ! ...
- هل يتعلم المجلس العسكرى من حكم التاريخ ام يذهب كما ذهب مبارك ...
- فى ذكرى مذبحة الاقصر ... حتى لاننسى لهم اياديهم الملطخة بدما ...
- بزنسة الدين ... وتديين البزنس
- ايتها المرأة الاستثنائية


المزيد.....




- لماذا تعتبر السمنة خطيرة جدا؟
- تركي آل الشيخ يزف نبأ سارا للنادي الأهلي المصري
- الحوثي يوجه طلبا للشعب السوداني
- حرائق عديدة تجتاح بلدات في لبنان و-تلامس منازلها-
- عقوبات أمريكية على مسؤولين أتراك وترامب يطلب وقفا فوريا للعم ...
- البيت الأبيض: وفد أمريكي رفيع المستوى يزور أنقرة قريبا لمناق ...
- الحكومة اليمنية توافق على دخول 10 سفن وقود إلى ميناء الحديدة ...
- فظاعات الموالين لتركيا في الشمال السوري
- تحديات تواجه بغداد.. عراقيون يدقون ناقوس الخطر
- The Insider Secrets of How Write Chem Lab Report


المزيد.....

- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمدى السعيد سالم - المجلس العسكرى يستخدم الحرب النفسية القذرة لاجهاض الثورة