أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ابراهيم تيروز - كيف انقطعت عن تدخين لفافة -الماهية سابقة على الوجود- ؟؟















المزيد.....

كيف انقطعت عن تدخين لفافة -الماهية سابقة على الوجود- ؟؟


ابراهيم تيروز

الحوار المتمدن-العدد: 3449 - 2011 / 8 / 6 - 20:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ابراهيم تيروز
السنة الثانية تبريز فلسفة
تحت اشراف الدكتور:
عز العرب الحكيم البناني
مادة تيارات فلسفية

كيف تعلمت أن وجودي سابق على ماهيتي؟ أو كيف انقطعت عن تدخين لفافة "الماهية سابقة على الوجود" ؟؟

في إطار رغبة ما لربط الفلسفة بالحياة و بالوجود العيني و الخروج بها من الابتذال و النسيان الذي تجمد بسببه داخل المفاهيم و الأقوال الفلسفية، و لأجل الدفع بها إلى التأصل في الذات، أو بالأحرى جعل الذات نفسها تنفتح على إمكاناتها الأنطولوجية بعون من الفلسفة، سأحاول في هذه المداخلة أن أعمل على تحيين الدرس المركزي في الوجودية المعاصرة و أن أحييه بيننا خلال هذه اللحظات وذلك جهد المستطاع : ألا و هو أن الإنسان مشروع و أن وجوده سابق لماهيته.
السؤال المركزي في الفلسفة هو من أنا؟ و خطورة هذا السؤال تتضح من خلال كون كل جواب ما عنه سيجعلني أنظر إلى ذاتي من خلاله بحيث ستصبح هذه النظرة و هذا الجواب سجنا يحاصر هذه الذات و يحول دون انفتاحها على إمكاناتها كدازين.(ولعلنا مدعوون هنا إلى مراجعة فهمنا للقول السوفسطائي: "الأشياء كما تبدو لنا"، إذ كما تبدو لي ذاتي سأبقى حبيس نظرتي تلك ازاءها، وسأجهل أو أغفل نتيجة ذلك عن إمكانات مغايرة قد تكون أفضل وأجدر لهذه الذات).
إن وعيي الذاتي و الحقيقى بهذا الأمر إنما هو وليد زمن غير بعيد منا الآن و هو ما يمكن أن أربطه أساسا بتجربتي"الوجودية" مع التدخين أو الإدمان على التدخين (وسنرى كيف؟ ). إن نمو وعيي كذات إنسانية تتعاطى قدرا ما من التفكير الفلسفي، جعلني أواجه مثلما لازالت أسئلة: المصير؟ و المعنى؟ و الموت؟... ومما كنت ألوذ إليه قصد الفرار من هذه الأسئلة و من الغم الذي لا تكف تقحمني فيه، نشوة التدخين ولحظاته الحالمة والساحرة. و ذلك هروبا من عبء اللحظة و معانقة لأحلام اليقظة أو استعادة لسكينة الوجدان و رضا النفس بطريقة ما.
لكن و أنا أستمر في هذا الهروب، شيئا فشيئا أخذ يبلغ حدا أصبح معه هو نفسه مملا و مضجرا، بحيث صار يقتضي هروبا آخر ومن جديد.
و لأني أدركت بطريقة ما أنني كلما أوغلت في ممارستي الهروبية هذه كلما تفاقمت حاجتي إلى الهروب بدل أن تنكمش أو أن تتقلص. قررت أن أتوجه وجهة أخرى.
ومما ساعدني في ذلك برنامج تلفزيوني يؤكد أن التدخين مجرد وهم يستسلم له المدخنون بالتدريج إلى أن يسيطر عليهم. و سبيلهم الأوحد للتخلص منه هو الكف عن الاعتماد على التفكير كبوصلة لقيادة سلوكهم المقاوم له، بل يجب عليهم الانخراط في سلوك الانقطاع عن التدخين دون إيلاء أي اهتمام جدي بما يجول في أذهانهم و الإصرار على ذلك إلى أن تنقشع تلك الأوهام وحينذاك سيستعيدون حريتهم في علاقتهم بالتدخين.
لم أفهم بداية و بوضوح معنى هذا الكلام لكن حاجتي إليه جعلتني أقدم إيماني به على فهمي له و إياه. الأمر الذي كان له نتائج لم أكن أتوقعها أبدا.
وضعت جانبا كل انشغالاتي ووضعت نصب عيني التخلي عن التدخين أولا و التخلي عن كل شيء سيجرني إليه و لا يهم أي شيء آخر كيفما كان. و بالفعل صنع الإيمان بهذا الأمر ما عجزت عنه بالتفكير العقلاني، لن أقول آلاف المرات بل آلاف السجائر إن لم تكن الملايين، لأنني كنت كلما فكرت في الانقطاع عن التدخين أشعلت سيجارة، و كلما أشعلت سيجارة راودتني فكرة الانقطاع عن التدخين: فأدور هكذا فيما يشبه حلقة مفرغة لا تتوقف عند حد.
إن نهاية هذه التجربة التي تكللت بالنجاح لم يكن انعكاسها بالنسبة لي على علاقتي بالتدخين و السيجارة فقط و إنما بمختلف أشكال الهروب التي كنت أمارسها و التي أمكنني الوعي بها.
فكما أن مشاعر الغمة التي كنت أتهرب منها بالتدخين أخذت شيئا فشيئا تصادقني و تحد من وطأتها علي مع إصراري المتواصل الانقطاع عن التدخين، كذلك أصبحت أكثر تعايشا مع عالمي الوجداني و أكثر تصالحا معه.
فيما سبق و بفعل استسلامي للتفكير "الحاسب" انسقت نحو ممارسة الهروب منتظرا بشكل حالم فرجا أو فتحا ما سينتشلني مما أنا فيه لأزداد انغماسا في التيه يوما بعد يوم. وهذا ما حملني بجد على مراجعة نظرتي إلى أقوال كيركغارد خاصة: "أنا أومن فهو معقول" و"أنا أفكر فأنا غير موجود" لقد علمتني هذه التجربة ألا أختزل ذاتي في التفكير خاصة و أنني ذات متناهية و ذات موجودة لأجل الموت و محاصرة بالمحدودية من كل حدب وصوب وتفكيري كذلك متناه و محاصر داخل الجزئي فكيف يمكن ان يكون سبيلا الى الحقيقة الكاملة أو اليقين.
لكن علمتني هذه التجربة أيضا أنني موجود لأجل الولادة كما ترى حنا أرندت، وانني لا أكف أولد من جديد بوثبات أكتشف معها امكاناتي التي لطالما حجبها التفكير الحاسب والضيق، وعبر انخراطي في تجارب وجدانية وعملية لا يتدخل الفكر إلا لاحقا لتفهمها وتعقلها وليس فبل ذلك.
و تعلمت كذلك أنه مثلما أن قلقي يرتبط بالعدم و التناهي فهو أيضا يرتبط بتولد و تجدد إمكاناتي وحريتي من جهة أخرى، وفي هذا السياق يمكن أن نشير الى أن القلق يرتبط " في تحليل هيدجر ارتباطا وثيقا بظاهرة الهم وتلك خاصية من أشمل خصائص الحياة البشرية ... فهي حياة هم ، وحياة اهتمام... والهم ظاهرة معقدة ، فهي تتضمن اندفاع الموجود البشري إلى الأمام في اتجاه إمكاناته وما يؤدي إليه ذلك من توتر مع الظروف والحدود الواقعية التي يجلبها معه بالفعل مضافا إليها (سقوطه) الحاضر." و في نفس الوقت نجد أن وصف كيركغارد "للقلق في مواجهة ما يفتقر إليه المرء يجعل منه قلقا إزاء الحرية. أما هيدجر فهو يدرس القلق بدلا من ذلك على انه رهبة العدم هكذا يميز سارتر بين تفسيرين للقلق..." ويرى انهما "متكاملين أكثر من كونهما متناقضين. وحكم سارتر على هذا الاختلاف صحيح في جوهره، فكيركغارد يؤكد أهمية الحرية في نظرته إلى القلق رغم أنه لم يلغ التناهي في حين أن هيدجر يؤكد التناهي رغم أنه لم ينس الحرية..."(1)
"إن المركب الذي أنجزه سارتر يتم في إطار حركة جدلية دقيقة بين الحرية والعدم ، فهو يبدأ بفكرة القلق عند كيركغارد بوصفه (دوار) الحرية وليس ذلك خوفا يقع لي من شيء يحدث خارجا ، عني ، بل إن القلق بالأحرى لأنني لا أثق في نفسي ، وفي ردود فعلي الخاصة. وبعبارة أخرى هناك ازدواج عميق في معنى الحرية ، ومن هنا يأتي تعبير سارتر الذي ينطوي على مفارقة وهو أن الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرا.
هناك عدم يتسلل إلى فعلي بحيث لا أكون الذات التي سوف أكونها ، أو أنني أكون هذه الذات يغير أن أكونها: القلق هو بالضبط وعي بأنني وجودي المقبل ، على نمط اللاوجود . وهذا هو القلق بإزاء المستقبل، وهناك قلق يناظره بإزاء الماضي. ليست الحرية، إذن حرية بسيطة على الإطلاق وإنما هي حرية يثيرها ويقيدها العدم. وفي ممارستي لهذه الحرية أخبر القلق، وفي استطاعتي أن أتجنب القلق بالالتجاء إلى أنماط الفعل المتعارف عليها ، أو المعايير المألوفة للقيمة لكن الثمن الذي أدفعه لذلك هو السقوط في "الإيمان السيئ " أو سوء الطوية ، ولكن سارتر، مثل كيركغارد وهيدجر يرى القلق شيئا ينبغي تحمله لا الفرار منه. وجميع هذه التحليلات للقلق ترى فيه مفتاحا لفهم الوجود الإنساني. وينكشف هذا الوجود، فضلا عن ذلك ، بوصفه ينطوي أساسا على مفارقة إن لم عبثا absurdفهناك توتر في قلب الوجود البشري لا يحل بين الحرية وممكناتها من ناحية ، والتناهي وقيوده وتهديده بالدمار، من ناحية أخرى. "
لكن ألا نختزل الذات بربطها بالغم و القلق و إغفال ما للفرح و المرح من دور في تقوية الانخراط الفعال للإنسان في الحياة والوجود المشاركة فيهما بعمق وامتلاء ؟ مما قد يجيب عن هذا الأمر هو التأمل في "طبيعة التعارض بين هيدجر وريكور Ricoeur فهيدجر... يريد أن يخصص لمشاعر الفرح بعدا انطولوجيا ، لكن من الواضح أنه يعطي الأولوية بين المشاعر للقلق. فإذا كنا نشعر فعلا ، إزاء العالم بأننا في بيتنا ، وكان لدينا إحساس بالانتماء فإن مثل هذا الشعور لن يكون أوليا ومثل هذا الضرب من الوجود- في- العالم المهدأ والمألوف هو نمط اضطراب لوجود الإنسان Dasein وليس العكس ولا بد أن نتصور أن شعور الإنسان بأنه ليس في بيته هو الظاهرة الأكثر أصالة من وجهة النظر الوجودية الاْنطولوجية . غير أن ريكور Ricoeur يقلب الحجة رأسا على عقب ، ويذهب إلى أن الفرح ومشاعر الانتماء هي المشاعر الأولى إذ يقول: (( لو كان الوجود يعني ما لا تكونه الموجودات لكان القلق Angoisse هو الشعورالاْصيل بالاختلاف الانطولوجي. لكن الفرح يشهد بأن جانبا منا يرتبط بهذا الافتقار نفسه إلى الوجود في الموجودات ، وهذا هو السبب في أن الفرح الروحي والحب العقلي والغبطة التي تحدث عنها ديكارت ، ومالبرانش ، واسبينوزا ، وبرجسون ، تدل بأسماء مختلفة ، وفي سياقات فلسفية مختلفة ، على ( الحالة ) العاطفية الوحيدة الجديرة حقا بأن تسمى فلسفة مختلفة ، على ( الحالة ) العاطفية الوحيدة الجديرة حقا بأن تسمى أنطولوجية. أما القلق فليس سوى وجهها الخلفي، وجه الغياب و المسافة.)) "
أيا كان إذن حجم الخلاف بين الفيلسوفين فالمشاعر ليست مجرد حالات سيكولوجية بل لها مالها من بعد أنطولوجي وقوة كاشفة للوجود ولعل ما يمكن أن نخلص إليه هو أنه ربما يكون الافضل أمام هذين الخيارين هو أن نتفنن في خلق تفعل جدلي بينهما بأن نطلق العنان للقلق بما يكفي لجعلنا نعانق أصالة الوجود ومبارحة التيه والسقوط وان نعود لإطلاق العنان للفرح بما يكفي لجعلنا نشعر بأن الوجود بيتنا الحميم وعلينا أن نعيشه بكل ما فيه من عمق وامتلاء و أن نستنفد ما يقدمه لنا من إمكانات جميلة. وعلى العموم كما أن هناك ذكاء عقليا وفكريا فهنالك أيضا ذكاء عاطفي ووجداني، وهو مما اهتم به أكثر علم النفس المعاصر ولا يجب التغافل عنه. ولعل الحكمة إنما تكمن في مدى نجاحنا في تدبير علاقتنا بمشاعرنا بشكل لا نتركها فيه تسيطر علينا وفي الآن نفسه علينا أن نسمح لها بأن تقذف بنا نحو إمكانياتنا كما تقذف الأمواج براكبي الألواح الشاطئية.

(1) جميع المقتطفات والاقتباسات الواردة بهذا النص مأخوذة من كتاب : الوجودية، تأليف جون ماكوري وترجمة امام عبد الفتاح إمام ومراجعة فؤاد زكريا. سلسلة عالم المعرفة الصادرة عن المجلس الوطني الثقافة والفنون والآداب بالكويت العدد 58. الصفحات: 187-188-189-190





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,276,908,914
- نحو ثورة كوبرنيكية في تدريس الفلسفة
- نحو هندسة ديالكتية لبناء فلسفة حقيقية للمؤسسات المدنية.
- مالمواطنة؟
- سجالات على هامش اعتصام اساتذة الصحراء خريجي المدارس العليا، ...
- رسالة مستعجلة الى المخطط الاستعجالي لإصلاح التعليم بالمغرب
- نحو هندسة ديالكتية لدرس الفلسفة
- فلسطين/ دارفور/ الصحراء...تعددت الجراح والشريان العربي واحد. ...
- أين يلتقيان: هيفاء وهبي و عمرو خالد .(1)
- صورة الثقافة الحسانية بين الخطابين الاعلاميين: المخزني و الا ...
- الإرهاب بالإرهاب
- وجه الحقيقة المسكوت عنه بخصوص مستقبل الصحراء
- خطاب البوشيزمية
- هكذا -الأمر- و -كان-
- ; الصحراويون والصحراء
- الحريك: المفهوم المفتاح لقراءة الذهنية والواقع المغربي


المزيد.....




- كيف فاجأ هذا الوالد ابنه بعد غياب دام عاما تقريبا؟
- ترامب: حان الوقت للاعتراف الكامل بسيادة إسرائيل على هضبة الج ...
- بعد نيوزيلندا ... 5 مساجد تتعرض لاعتداءات في مدينة برمنغهام ...
- هولندا: التحقيقات الأولية تؤكد فرضية الدافع الإرهابي لمسلح أ ...
- تعرف على مرتفعات الجولان السورية
- الجزائر: لماذا يتعثر حل الأزمة السياسية بعد شهر من الاحتجاجا ...
- رغم تهم الاعتداء الجنسي، آر كيلي يطلب إذنا لإقامة حفلات غنائ ...
- إعصار إيداي: -15 ألف عالق في المناطق المنكوبة-
- ترامب: حان الوقت للاعتراف الكامل بسيادة إسرائيل على هضبة الج ...
- بعد نيوزيلندا ... 5 مساجد تتعرض لاعتداءات في مدينة برمنغهام ...


المزيد.....

- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ابراهيم تيروز - كيف انقطعت عن تدخين لفافة -الماهية سابقة على الوجود- ؟؟